Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاِحْتِيَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٥٤٨٩) ٢ - (ومنها): بيان النهي عن المشي بنعل واحدة، وقد سبق تمام البحث في الباب الماضي. ٣ - (ومنها): بيان النهي عن اشتمال الصمّاء، وقد تقدّم اختلاف الفقهاء، واللغويين في تفسيره، وعلى كلّ من التفسيرين فهي ممنوعة. ٤ - (ومنها): النهي عن الاحتباء، وسبب النهي عنه انكشاف عورته، فلو كان لابساً للسراويل، ونحوه، بحيث لا تظهر عورته عند الاحتباء، جاز الاحتباء، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ - أَوْ مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ - فَلَا يَمْشِي فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ، حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِي فِي خُفِّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ الْوَاحِدٍ، وَلَا يَلْتَحِفُ الصَّمَّاءَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. والباقون ذُكِروا في الباب، وقبل باب، والإسنادان من رباعيّات المصنّف تَظْلَتُهُ، وهما (٤٢١ و٤٢٢). والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله. وقوله: (فَلَا يَمْشِي ... إلخ) هكذا النسخة الهندية: ((يَمْشِي)) بإثبات الياء، في ((يمشي)) في الموضعين، فتكون ((لا)) نافية، والفعل بعدها مرفوع، ووقع في النُّسخ الأخرى بإسقاط الياء، فـ((لا)) ناهية، جزمت الأفعال، ووقع في بعض النسخ: ((ولا يحتبي)) بإثبات الياء فيه فقط، فيَحتَمِل أن يكون من إجراء المعتلّ ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مُجرى الصحيح، وهو لغة على ما قاله في ((همع الهوامع))، وعليه قراءة قُنبل: (إنه من يتقي ويصبر) بإثبات الياء في ﴿يَّقِى﴾، وجزم (يصبر)(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٠) - (بَابٌ فِي مَنْعِ الاِسْتِلْقَاءِ عَلَى الظَّهْرِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرَّجْلَيْنِ عَلَى الأُخْرَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِإِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ). رجال هذين الإسنادين: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريباً، والإسنادان من رباعيّات المصنّف دخّلُهُ؛ كالإسنادين الماضيين، وهما (٤٢٣ و٤٢٤). شرح الحديث : (عَنْ جَابِرِ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) تقدّم شرحه في الباب الماضي، (وَالِاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه، فيشدَّه على ظهره، وعلى ركبتيه، كان عليه إزارٌ، أو لم يكن، فإن لم يكن انكشف فرجه مما يلي السماء لمن كان متطلّعاً عليه، متبّعاً، وقد تقدّم في ((كتاب الصلاة)). انتهى(٢). (وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ) قال (١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل)) ١/ ٩٠. (٢) ((المفهم)) ٤١٦/٥ - ٤١٧. ٢٣ (٢٠) - بَابٌ فِي مَنْعِ الاِسْتِلْقَاءِ عَلَى الظَّهْرِ، وَوَضْعِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٩١) النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: أحاديث النهي عن الاستلقاء، رافعاً إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة، أو شيء منها، وأما فِعْله وَله فكان على وَجْه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه على هذه الصفة، وفي هذا الحديث جواز الاتكاء في المسجد، والاستلقاء فيه، قال القاضي عياض: لعله ◌َ ﴿ فعل هذا لضرورة، أو حاجة، من تعب، أو طلب راحة، أو نحو ذلك، قال: وإلا فقد عُلم أن جلوسه وَلّر في المجامع على خلاف هذا، بل كان يجلس متربعاً، أو محتبياً، وهو كان أكثر جلوسه، أو القرفصاء، أو مُقْعِياً، وشِبْهها من جلسات الوقار، والتواضع. قال النوويّ: ويَحْتَمِل أنه وَّهِ فَعَله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأن النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به من ينكشف شيء من عورته، أو يقارب انكشافها، والله أعلم. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُ: قد قال بكراهة هذه الحالة مطلقاً فقهاء الشام، وكأنهم لم يبلغهم فعل النبيّ وَّر لهذه الحالة، أو تأوّلوها، والأَوْلى الجمع بين الحديثين، فيُحمل النهي على ما إذا لم يكن على عورته شيء يسترها، ويُحمل فعل النبيّ وَّ لها على أنه كان مستور العورة، ولا شكّ أنها استلقاء استراحة إذا كان مستور العورة، وقد أجازها مالك وغيره لذلك. انتهى (٢). والحديث من أفراد المصنّف تَّلُهُ، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُّرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَأَبِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلْ قَالَ: ((لَا تَمْشٍ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تَحْتَبٍ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَأْكُلْ بِشِمَالِكَ، وَلَّا تَشْتَمِلِ الصَّمَّاءَ، وَلَا تَضَعْ إِحْدَى رِجْلَيْكَ عَلَى الأُخْرَى إِذَا اسْتَلْقَيْتَ))). (١) (شرح النوويّ)) ٧٧/١٤ - ٧٨. (٢) («المفهم)) ٤١٧/٥. ٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا تَمْشٍ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ) هكذا في النسخة الهنديّة بتأنيث ((واحدة))، وقد تقدّم عن الفيّوميّ، والمجد أن النعل مؤنّئة، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((واحد)) بالتذكير، فهو إما تصحيفٌ من النسّاخ، وإما لعل تذكيره لكون تأنيثه غير حقيقيّ(١)، بل هو مجازيّ، قال ابن الأثير كَّتُهُ: النعل مؤنثة، وهي التي تُلبس في المشي، تُسَمّى الآن تاسومة، ووصفها بفرد، وهو مذكر، في قوله: يَا خَيْرَ مَنْ يَمْشِي بِنَعْلٍ فَرْدٍ لأن تأنيثها غير حقيقيّ، قال: والفرد هي التي لم تُخْصَفْ، ولم تُطَارَق، وإنما هي طاق واحد. انتهى(٢). والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ الأَخْتَسِ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِّ وَِّ قَالَ: (لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى))). (١) التأنيث الحقيقيّ هو ما كان له فرج؛ كالمرأة، والمجازيّ ما ليس له فرج؛ کالشمس. (٢) راجع: ((تاج العروس) ٧٥٥٩/١. ٢٥ (٢١) - بَابٌ فِي إِبَاحَةِ الاِسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرَّجْلَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٩٣) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوَسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْتَسِ) النخعيّ، أبو مالك الْخَزّاز، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٤٦/٢١. [تنبيه]: قوله: ((يعني: ابن الأخنس)) هكذا هو في النسخة الهنديّة، ووقع في معظم النسخ بلفظ: ((يعني: ابن أبي الأخنس)) بزيادة ((أبي))، وهو غلط؛ إذ ليس في ((التهذيبين))، ولا في ((التقريب))، ولا في ((الكاشف))، ولا في ((تحفة الأشراف)) إلا الأول، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ)، وفي النسخة الهنديّة: ((لا يستلق)) بغير توكيد، والاستلقاء هو الاضطجاع على القفا، سواء كان معه نوم أم لا، قاله في ((الفتح))(١). والحديث من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ، وقد تقدّم البحث فيه. (٢١) - (بَابٌ فِي إِبَاحَةِ الاِسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعٍ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الأُخْرَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٣] (٢١٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ وَلِهِ مُسْتَلْقِياً فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عُلَى الأُخْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريباً. (١) ((الفتح)) ١٤/ ٢٥٣، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٧). ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة ٢ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٌ) بن غَزيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨١٠/٢٥. ٣ - (عَمُّهُ) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ الشهير، استُشهد بالحرّة سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧/ ٥٦١. والباقيان ذُكرا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريّاً إلا أنه دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن عمه. شرح الحديث: (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم) الأنصاريّ المازنيّ، (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاريّ المازَّنيّ ◌َبِهِ، (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِنَّ) رأى هنا بمعنى أبصر، فلذلك اكتفى بمفعول واحد، وقوله: (مُسْتَلْقِياً) حال، وكذلك ((واضعاً))، كلاهما من ((رسول الله))، وهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون ((واضعاً)) حالاً من الضمير الذي في ((مستلقياً))، فعلى هذا يكون الحالان متداخلتين، قاله في ((العمدة)) (١). (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفيه جواز الاستلقاء في المسجد، (وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) زاد في رواية البخاريّ في ((الصلاة)) في آخر الحديث ما نصّه: «وعن ابن شهاب(٢)، عن سعيد بن المسيِّب قال: كان عمر، وعثمان يفعلان ذلك)). انتهى. والحديث دليل على جواز استلقاء الرجل واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. [فإن قلت]: ما وجه الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث جابر المذكور (١) ((عمدة القاري)) ٢٥٤/٤. (٢) قال في ((الفتح)) (٢٢٣/٢): قوله: ((وعن ابن شهاب ... إلخ)) معطوف على الإسناد المذكور، وقد صرّح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبيّ، وهو كذلك في ((الموطأ))، وقد غفل عن ذلك من زعم أنه معلّق. انتهى. ٢٧ (٢١) - بَابٌ فِي إِبَاحَةِ الاِسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرَّجْلَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٩٣) في الباب الماضي، في النهي عن أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مُستلقٍ على ظهره؟ . [قلت]: وجه الجمع بينهما أن وضع إحدى الرجلين على الأخرى يكون على نوعين: أن تكون رجلاه ممدودتين، إحداهما فوق الأخرى، ولا بأس بهذا، فإنه لا تنكشف العورة بهذه الهيئة، وأن يكون ناصباً ساق إحدى الرجلين، ويضع الرجل الأخرى على الركبة المنصوبة، وعلى هذا فإن لم يكن انكشاف العورة بأن يكون عليه سراويل، أو يكون إزاره، أو ذيله طويلين جاز، وإلا فلا . وقال الخطابيّ تَّتُهُ: فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يُحمل النهي حيث يُخْشَى أن تبدو العورة، والجواز حيث يُؤْمَن ذلك. قال الحافظ تخُّ: الثاني أولى من ادّعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال. وممن جزم به البيهقيّ، والبغويّ، وغيرهما، من المحدِّثين، وجزم ابن بطال، ومن تبعه: بأنه منسوخ. وقال المازريّ: إنما بَوَّب(١) على ذلك؛ لأنه وقع في كتاب أبي داود وغيره لا في الكتب الصحاح النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عامّ؛ لأنه قولٌ يتناول الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعلٌ قد يُدَّعَى قَصْره عليه، فلا يؤخذ منه الجواز، لكن لَمّا صَحّ أن عمر، وعثمان كانا يفعلان ذلك دلّ على أنه ليس خاصّاً به وَل﴾، بل هو جائز مطلقاً، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارضٌ، فيُجمع بينهما، فذَكَر نحو ما ذكره الخطابيّ. قال الحافظ: وفي قوله عن حديث النهي: ((ليس في الكتب الصحاح)) إغفالٌ، فإن الحديث عند مسلم في ((اللباس))، من حديث جابر. قال: وفي قوله: ((فلا يؤخذ منه الجواز)) نظرٌ؛ لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظاهر أن فِعْله * كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة، لا عند مجتمَع الناس؛ لِمَا عُرِف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التامّ ◌َل﴾. (١) يعني: البخاريّ حيث قال: ((باب الاستلقاء في المسجد، ومدّ الرجل)). ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال الخطابيّ: وفيه جواز الاتكاء في المسجد، والاضطجاع، وأنواع الاستراحة، وقال الداوديّ: فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس، بل يحصل للمستلقي أيضاً. انتهى(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ظُه هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٩٣/٢١ و٥٤٩٤] (٢١٠٠)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٧٥) و((الأدب)) (٥٩٦٩) و((الاستئذان)) (٦٤٨٧)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٦٦)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٦٥) و((الشمائل)) (١١٦/١)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٥٠/٢)، و((الكبرى)) (٢٦٤/١)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (١٧٢/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢٢١)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤١٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨/٤ و٣٩ و٤٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٥٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٧٠/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٦٣/٢)، و(ابن الجعد) في (مسنده)) (٤٢٠/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٨/٤)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٨٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٤/٢ و٢٢٥) و(شُعَب الإيمان)) (١٧٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستلقاء واضعاً إحدى رجليه على الأخرى: قال في ((العمدة)): اختَلَف جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم في هذا الباب، فذهب محمد بن سيرين، ومجاهد، وطاوس، وإبراهيم النخعيّ إلى أنه (١) ((الفتح)) ٢٢٢/٢ - ٢٢٣، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٧٥). ٢٩ (٢١) - بَابٌ فِي إِبَاحَةِ الاسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعٍ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٩٣) يُكْرَه وضع إحدى الرجلين على الأخرى، ورُوي ذلك عن ابن عباس، وكعب بن عجرة وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بذلك، وهم: الحسن البصريّ، والشعبيّ، وسعيد بن المسيِّب، وأبو مِجْلَزٍ، ومحمدٌ ابنُ الحنفية، ويُرْوَى ذلك عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، ٤ . وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك قال ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): حدّثنا وكيع، عن عبد العزيز بن الماجشون، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن عمر وعثمان كانا يفعلانه . قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن يحيى بن عبد الله بن مالك، عن أبيه قال: دخل على عمر، فرآه مستلقياً واضعاً إحدى رجلیه علی الأخرى. قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن سفيان بن الحسن، عن الزهريّ، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، أنه رأى ابن عمر يضطجع، فيضع احدى رجليه على الأخرى. قال: حدّثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع، قال: كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، لا يرى بذلك بأساً، ويفعله، وهو جالس، لا يرى بذلك بأساً. حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر بن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه، قال: رأيت ابن مسعود ظبه مستلقياً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى، وهو يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. حدّثنا ابن مهديّ، عن سفيان، عن عمران - يعني: ابن مسلم - قال: رأيت أنساً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. حدّثنا يزيد بن هارون، عن العوّام، عن الْحَكَم، قال: سألت أبا مِجْلَز عن الرجل يجلس، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود، قالوا: إنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى يوم السبت، فجلس تلك الجلسة. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة حدّثنا وكيع، عن أبي هلال، عن ابن سيرين، أن هارون بن رئاب قال له - وهو جالس على سريره، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى -: يُكره هذا يا أبا بكر؟ قال: لا . حدّثنا زيد بن حُباب، قال: حدّثني الربيع بن المنذر، قال: حدّثني أبي، قال: رأيت محمداً ابن الحنفية واضعاً احدى رجليه على الأخرى. حَدّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن إسرائيل، قال: قيل له: أرأيت الشعبيّ يضع إحدى رجليه على الأخرى؟ قال: نعم. انتهى ما ذكره ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أقوال العلماء أن الصحيح قول من قال بجواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى؛ لصحّة حديث عبد الله بن زيد ربه المذكور في الباب، وقد أسلفنا وَجْه الجمع بينه وبين حديث جابر رؤيته في النهي عن ذلك في الباب الماضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَابْنُ ثُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر: وكلّهم تقدّموا في الأبواب الماضية. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)؛ يعني: شيوخه الخمسة. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني: الثلاثة: ابن عيينة، ويونس بن یزید الأيليّ، ومعمر بن راشد. (١) ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٢٢٧/٥ - ٢٢٨. ٣١ (٢١) - بَابٌ فِي إِبَاحَةِ الاِسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعٍ إِحْدَى الرَّجْلَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٩٤) [تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ... إلخ) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا، وكذا ذكره أبو عليّ الغسانيّ عن رواية الجلوديّ، قال: وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، قال: وفي رواية ابن ماهان: ((إسحاق بن منصور))، بدل ((إسحاق بن إبراهيم))، قال الغسانيّ: الأول هو الذي أعتقد صوابه؛ لكثرة ما يجيء إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد في رواية مسلم، مقرونين عن عبد الرزاق، وإن كان إسحاق بن منصور أيضاً يروي عن عبد الرزاق، قال النوويّ: وهذا الذي صوّبه الغسانيّ هو الصواب، وكذا ذكره الواسطيّ في ((الأطراف)) عن رواية مسلم. انتهى(١). [تنبيه آخر]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ ساقها البخاريّ ◌َّهُ في «صحيحه))، فقال: (٥٩٢٩) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا الزهريّ، قال: أخبرني عباد بن تميم، عن عمه، قال: رأيت رسول الله ﴿ في المسجد مستلقياً، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. انتهى(٢). ورواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة تَكْثُ في ((مسنده))، فقال : (٨٦٩٤) - حدّثنا بحر بن نصر الخولانيّ، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عن عمه، أن رسول الله واله كان يستلقي في المسجد، إحدى رجليه على الأخرى، وزعم عبّاد أن عمر بن الخطاب وعثمان ، كانا يفعلان ذلك. انتهى(٣). ورواية معمر عن الزهريّ ساقها عبد بن حُميد كَُّ في ((مسنده))، فقال: (٥١٧) - أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عباد بن تميم، عن عمه، قال: رأيت النبيّ وَ له مستلقياً في المسجد، رافعاً إحدى رجليه على الأخرى. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . (١) (شرح مسلم)) ١٤/ ٧٨. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ٢٧٠/٥. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣١٨/٥. (٤) ((مسند عبد بن حميد)) ١٨٤/١. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (٢٢) - (بَابُ الَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٥] (٢١٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي: لِلرِّجَالِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قريباً، و((أَبُو الرَّبِيع)) هو: سليمان بن داود الزهرانيّ العتکیّ))، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُ كلاحقيه، وهو (٤٢٥) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس بن مالك نظُّه من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، والخادم المشهور. شرح الحديث : (أَنَّ النَّبِيَّ وَّ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ)؛ أي: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) عنه استعمال الزعفران في البَدَن. (قَالَ قُتَيْبَةُ) شيخه الثالث، (قَالَ حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيد، (يَعْنِي: لِلرِّجَالِ)؛ أي: النهي مختصّ بهم، لا يعمّ النساء، وهكذا هو عند النسائيّ، بكلمة ((يعني))، ولعلّ حماداً لم يتيقّن لفظة ((للرجال))، فأدخل كلمة ((يعني)) تورّعاً، وإلا فقد ثبتت اللفظة من رواية إسماعيل ابن عليّة في الرواية التالية، ومن رواية عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز عند البخاريّ في ((صحيحه))، ورواه الترمذيّ عن قتيبة عن حماد بن زيد، وعن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهديّ عن حمّاد، وليس فيه كلمة ((يعني)»، ولفظه: ((نهى رسول الله وَو عن التزعفر للرجال)). قال البخاريّ دَّثُ في ((صحيحه)): ((باب النهي عن التزعفر للرجال))، قال ٣٣ (٢٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ - حديث رقم (٥٤٩٥) في ((الفتح))؛ أي: في الجسد؛ لأنه ترجم بعده: ((بابُ الثوب المزعفر))، وقيّده بالرجل ليُخرِج المرأة. انتهى. ثم أورد البخاريّ حديث أنس به هذا بلفظ: ((نهى النبيّ وَّ أن يتزعفر الرجل))، قال في ((الفتح)): كذا رواه عبد الوارث، وهو ابن سعيد مقيَّداً، ووافقه إسماعيل ابن عُليّة، وحماد بن زيد عند مسلم، وأصحاب ((السنن))، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((نَھَى عن التزعفر للرجال))، ورواه شعبة عن ابن عُليّة عند النسائيّ مطلقاً، فقال: ((نَهَى عن التزعفر))، وكأنه اختصره، وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من الحفاظ، مقيّداً بالرَّجل، ويَحْتَمِل أن يكون إسماعيل اختصره لَمّا حَدَّث به شعبة، والمطلق محمول على المقيّد، ورواية شعبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغر، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك نظُّه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٩٥/٢٢ و٥٤٩٦] (٢١٠١)، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٤٦)، و(أبو داود) في ((الترجّل)) (٤١٧٩)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨١٥)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٧٠٦ و٢٧٠٧ و٢٧٠٨) و((الزينة)) (٥٢٥٦ و٥٢٥٧) و((الكبرى)) (٣٦٨٦ و٣٦٨٧ و٣٦٨٨) وفي ((الزينة)) (٩٤١٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣١٤/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠١/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٩٤/٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٤٦٤ و٥٤٥٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩٢٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٣/١ و٦٧/٢ و٢٧١/٥ و٢٧٢)، و(الطحاويّ) في (شرح معاني الآثار)) (١٢٧/٢ و١٢٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦/٥) و((شُعَب الإيمان)) (١٩٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن التزعفر للرجل: ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة ذهب الشافعيّ، وأبو حنيفة إلى منع الرجل عن التزعفر مطلقاً حلالاً كان، أو مُخْرماً. وذهب مالك، وجماعة إلى جواز لبس المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمُخْرم فقط. قال ((الفتح)): واختُلِف في النهي عن التزعفر، هل هو لرائحته؛ لكونه من طيب النساء، ولهذا جاء الزجر عن الْخَلُوق، أو للونه، فيَلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقيّ عن الشافعيّ، أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكلّ حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال: وأُرَخِّصُ في المعصفر؛ لأنني لم أجد أحداً يحكي عنه إلا ما قال عليّ: ((نهاني، ولا أقول: نهاكم)). قال البيهقيّ: قد ورد ذلك عن غير عليّ، وساق حديث عبد الله بن عمرو، قال: رأى عليّ النبيّ ◌َّهِ ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما)). أخرجه مسلم، وفي لفظ له: فقلت: أغسلهما؟، قال: ((لا، بل أحرقهما)). قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشافعيّ لقال به، اتباعاً للسُّنَّة، كعادته. وقد كره المعصفر جماعة من السلف، وممن قال بكراهته من أصحابنا - يعني: الشافعيّة - الْحَلِيمِيُّ، ورخّص فيه جماعة، والسُّنَّة أولى بالاتباع. انتهى. والله أعلم. وقال النوويّ في ((شرح مسلم): أتقن البيهقيّ المسألة، والله أعلم. ورخّص مالك في المعصفر، والمزعفر في البيوت، وكرهه في المحافل. وقال ابن بطّال تَخْلُهُ: أجاز مالك، وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصّة. وحمله الشافعيّ، والكوفيّون على المحرم وغير المحرم. وحديث ابن عمر رضيًّا في الصبغ يدلّ على الجواز، فإن فيه أن النبيّ وَل كان يصبغ بالصفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر، قال: رأيت رسول الله ور، وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران. وفي سنده عبد الله بن مصعب الزبيريّ، وفيه ضعف. وأخرج الطبرانيّ، من حديث أم سلمة ◌َّا أن رسول الله وَّ صبغ إزاره، ورداءه بزعفران. وفیه راو مجهول. قال الحافظ: ومن المستغرب قول ابن العربيّ: لم يَرِدْ في الثوب الأصفر ٣٥ (٢٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ - حديث رقم (٥٤٩٥) حديث، وقد ورد فيه عدّة أحاديث، كما ترى. قال المهلّب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُزُ النَّظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، قاله في ((الفتح))(١). وقال العلّامة المباركفوريّ رَّتُهُ في ((تحفة الأحوذيّ)): والحديث دليل لأبي حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه، وبدنه، ولهما أحاديث أخر صحيحة. ومذهب المالكيّة أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن، دون الثوب، ودليلهم ما أخرجه أبو داود، عن أبي موسى، مرفوعاً: ((لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق)) (٢)، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعید. وأجيب عن حديث أبي موسى هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازيّ، وهو متكلَّم فيه، وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقاً أصحّ، وأرجح. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضاً على تقدير صحّته، فاستدلالهم بالمفهوم، وأحاديث النهي منطوقة، فتقدّم عليه. والله أعلم. قال: فإن قلت: قد ثبت في (الصحيحين)) من حديث أنس بنظله أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله وَلقه، وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله ◌َ، فأخبره أنه تزوّج امرأة ... الحديث، وفي رواية: ((وعليه رَدْع زعفران)»، فهذا الحديث يدلّ على جواز التزعفر، فإنه وَ لم يُنكر على عبد الرحمن بن عوف، فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا، وبين حديثه المذكور في الباب، وما في معناه؟. قلت: أشار البخاريّ إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوّج، وأحاديث النهي لغير المتزوّج، حيث ترجم بقوله: ((باب الصفرة للمتزوّج)). وقال الحافظ: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، قال: ورجّحه النوويّ. وأجيب عن (١) ((الفتح)) ٣٣٤/١٣ - ٣٣٦، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤٦ و٥٨٤٧). (٢) حديث ضعيف. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة حديث عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح)) في ((باب الوليمة ولو بشاة))، من ((كتاب النكاح)). قال: فإن قلت: روى الشيخان عن ابن عمر ظنّه: أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟، فقال رسول الله وَليقول: ((لا يلبس القُمُص ... الحديث، وفيه: ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه زعفران، أو ورس». فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم؛ لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم، فدلّ على جوازه لغيره. قلت: قال العراقيّ: الجمع بين الحديثين أنه يَحْتَمِل أن يقال: إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: ((أسفل من الكعبين))، ثم استأنف بهذا، ولا تعلّق له بالمسؤول عنه، فقال: ((ولا تلبسوا شيئاً من الثياب ... )) إلى آخره. انتهى. قال المباركفوريّ: والأولى في الجواب أن يقال: إن الجواز للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق، وقد تقرّر أن المنطوق مقدّم على المفهوم. فإن قلت: روى النسائيّ من طريق عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر رضيها، كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له؟ فقال: كان رسول الله عَليه يصبغ. قلت: عبد الله بن زيد صدوق، فيه لِيْن. وأصله في ((الصحيح))، وليس فيه ذِكر الصفرة. انتهى كلام المباركفوريّ تَقْذُهُ(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح من أقوال العلماء في هذه المسألة هو القول بتحريم المزعفر للرجل، مُحرماً، أو غير محرم؛ لحديث أنس ربه المذكور في الباب، فإنه نصّ في ذلك، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو ◌ًّا المتقدّم، فإنه ظاهر فيه، حيث أمره النبيّ وَل بحرقه بالنار، ولم يسمح له في غسله، فلو جاز لبسه لَمَا شدّد عليه مثل هذا التشديد، وكذلك حديث عليّ رَظُه: ((نهاني رسول الله وَّر عن خاتم الذهب، (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٠٠/٨ - ١٠١. ٣٧ (٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧) وعن لبوس القسيّ، والمعصفر ... )) الحديث. وغير ذلك من الأحاديث. والحاصل أن أحاديث النهي أرجح، فتقدّم على أحاديث الإباحة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريباً، والإسناد من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كسابقه، ولاحقه، وهو (٤٢٦) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . (٢٣) - (بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٧] (٢١٠٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ، أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ النََّامِ، أَوِ الثَّغَامَةِ، فَأَمَرَ، أَوْ فَأُمِرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ، قَالَ: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، وهو من رباعيّات المصنّف تَكْثُهُ، وهو (٤٢٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَُه أنه (قَالَ: أَتِيَ) بالبناء للمفعول، والذي أتى به هو ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة أبو بكر الصدّيق ولده، كما بُيّن ذلك في حديث أنس بن مالك ظراته قال: ((جاء أبو بكر ظُه بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله وَلفته)). (بِأَبِي قُحَافَةَ) - بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة -: هو والد أبي بكر الصدّيق ◌َ﴿هَا، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، القرشيّ التيميّ، أمه آمنة بنت عبد الْعُزَّى العدوية، عديّ قريش، وقيل: اسمها قَيْلة، قال الفاكهيّ: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثُّمَاليّ، قال: قال عبد الله: لما خرج النبيّ وَّه إلى الغار، ذهبت أستخبر، وأنظر هل أحد يخبرني عنه؟ فأتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج عليّ، ومعه هِرَاوة، فلما رآني اشتدّ نحوي، وهو يقول: هذا من الصُّبَاة الذي أفسدوا عليّ ابني. تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، فروى ابن إسحاق في ((المغازي)) بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح، ونزل النبيّ وَّر ذا طوى، قال أبو قحافة لابنة له، كانت من أصغر ولده: أي بنيةُ، أشرفي بي على أبي قُبيس، وكان قد كُفّ بصره، فأشرفت به عليه، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فلما دخل رسول الله ◌َ﴿ المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله وَل، قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه))، فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله أحقّ، من أن تمشي إليه، وأجلَسه بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: أسلم تَسْلَم، ثم قام أبو بكر ... الحديث، أخرجه ابن حبان في «صحیحه))، من حديث ابن إسحاق. رصُّته، وروى أحمد من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أنس أنه سئل عن خضاب رسول الله وَله؟ فقال: لم يكن شابَ إلا يسيراً، ولكن خضب أبو بكر، وعمر بالحناء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه، أبي قحافة إلى رسول الله وَّ﴾، يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته، لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فأسلم، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال: ((غيّروهما، وجنِّوه السواد))، صححه ابن حبان من هذا الوجه، قال قتادة: هو أول مخضوب في الإسلام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، مات أبو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبع وتسعون ٣٩ (٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْسِرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧) سنة. ذكره في ((الإصابة))(١). وقال القرطبيّ: مات في المحرّم سنة أربع عشرة من الهجرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة، بعد وفاة ابنه أبي بكر ﴿به بأشهر. انتهى(٢). (أَوْ) للشكّ من الراوي، (جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ) وفي رواية النسائيّ: ((يوم فتح مكّة))، وهو ظرف لـ((جاء)). (أَوْ) للشك من الَراوي أيضاً، (يَوْمَ الْفَتْحِ) وقوله: (وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَام) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، - بمثلّثة مفتوحة، وغين معَجمة - قال في ((النهاية)) ٢١٤/١: هو نبت أبيض الزَّهْر والثمرِ، يُشبّه به الشيب. وقيل: شجرة تبيضّ؛ كأنها الثلج. انتهى. وقال في ((القاموس)): الثَّغَام؛ كسحاب: نبت، واحدته ثغامة بالهاء. وقال في ((المصباح)): ((الثَّغَام)) مثلُ سَلام: نبتٌ يكون بالجبال غالباً، إذا يبس ابيضَّ، ويُشبّه به الشيب. وقال ابن فارس: شجرة بيضاء الثمر والزَّهْر. انتهى. وفي رواية النسائيّ: ((وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً))، (أَوِ) للشكّ من الراوي أيضاً، (الثَّغَامَةِ، فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ وَِّ، (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضاً، (فَأُمِرَ) بالبناء للمفعول، (بِهِ)؛ أي: بأبي قُحافة، (إِلَى نِسَائِهِ) حتى يغيّرن شَيْبِه. (قَالَ) وََّ: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ) زاد في الرواية التالية: ((واجتنبوا السواد))، قال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َُّ: أمرٌ بتغيير الشيب، قال به جماعة من الخلفاء، والصحابة، لكن لم يَصِرْ أحدٌ إلى أنه على الوجوب، وإنما هو مستحبّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أنه نُقل عن الإمام أحمد: القول بالوجوب، وهو الظاهر؛ لظاهر الأمر، فتنبّه. قال: وقد رأى بعضهم أنّ ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره، متمسّكين في ذلك بنهي النبيّ وَلقر عن تغيير الشيب على ما ذكروه، وبأنه وَلـ لم يُغيّر شيبه، ولا اختضب. قال القرطبيّ: وهذا القول ليس بشيء، أما الحديث الذي ذكروه، فليس (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٨٩/٦ - ٣٩٠. (٢) ((المفهم)) ٤١٨/٥. ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة بمعروف، ولو كان معروفاً، فلا يبلغ في الصحّة إلى هذا الحديث، وأما قولهم: إن النبيّ وَّ لم يَخضِب، فليس بصحيح، بل قد صحّ عنه أنه خضب بالحنّاء، وبالصفرة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اختلفت الروايات في کونه گآ خضب، فثبت عن أنس رضيبه أنه سُئل: أخضب النبيّ وَّر؟ فقال: لم يبلغ الشيب إلا قليلاً، وفي رواية: ((إنه لم يبلغ ما يَخضِب، لو شئت أن أعُدّ شمطاته في لحيته))؛ أي: لعددتها. وثبت في حديث ابن عمر ظًا أنه وجَّهُ خضب بالصفرة، وفي حديث أم سلمة فيها أنها أخرجت شعراً من شعر النبيّ وَّر، مخضوباً. والجمع بين هذه الروايات، أن يقال: إن من جزم بأنه وَ ل* خضب؛ كابن عمر ◌ّ، حَكَى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى؛ كأنس رَُّه، فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله بَّه. وقد أخرج مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث جابر بن سمرة ظًّا، قال: ما كان في رأس النبيّ وَ﴿ه، ولحيته من الشيب إلا شعرات، كان إذا دهن واراهُنّ الدهن. قال في ((الفتح)): فيَحْتَمِل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض، ثم لَمّا واراه الدهن ظنّوا أنه خضبه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال بعيد؛ يُبعده ما رواه النسائيّ عن ابن عمر رضيه: ((لقد رأيت رسول الله وَل ◌ٍ يصفّر بها - يعني: الخلوق - لحيته ... )) الحديث. فالصحيح من الجمع الاحتمال الأول. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ)): قال القرطبيّ تَخْذَّتُهُ: أمرٌ باجتناب السواد، وكرهه جماعة، منهم عليّ بن أبي طالب رَظُنُه، ومالك، قال: وهو الظاهر من هذا الحديث، وقد عُلّل ذلك بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سواد في الوجه، فيُكره لأنه تشبّه بسيما أهل النار. ثم ذكر حديث ابن عباس . المذكور قبل هذا، ثم قال: غير أنه لم يُسمع أن أحداً من العلماء قال بتحريم ذلك. (١) ((المفهم)) ٤١٨/٥.