Indexed OCR Text
Pages 741-760
٧٤١ (١١) - بَابُ لُبْسِ النَِّّ ◌َ﴿ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، تَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٥) وفي حديث أنس: ((فلما كان عثمان جلس على بئر أريس))، وزاد ابن سعد: ((ثم كان في يد عثمان ستّ سنين))، ووقع في حديث ابن عمر عند أبي داود، والنسائيّ، من طريق المغيرة بن زياد، عن نافع، من الزيادة في آخره: ((عن ابن عمر: فاتخذ عثمان خاتماً، ونقش فيه: محمد رسول الله، فكان يختم به، أو يتختم به))، وله شاهد من مرسل عليّ بن الحسين، عند ابن سعد في ((الطبقات))، وفي رواية أيوب بن موسى، عن نافع الآتية عند مسلم نحو حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع إلى قوله: ((فجعل فصه مما يلي كفه))، قال: وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس. وهذا يدلّ على أن نسبة سقوطه إلى عثمان نسبة مجازية، أو بالعكس، وأن عثمان طلبه من معيقيب، فختم به شيئاً، واستَمَرّ في يده، وهو مفكّر في شيء يعبث به، فسقط في البئر، أو ردّه إليه، فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس. وقد أخرج النسائيّ من طريق المغيرة بن زياد، عن نافع هذا الحديث، وقال في آخره: ((وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاريّ إلى قَليب لعثمان، فسقط، فالتُّمِس فلم يوجد))(١). (نَقْشُه)؛ أي: نَقْش ذلك الخاتم؛ أي: الشيء المنقوش فيه، («مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)) زاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين: ((بسم الله، محمد رسول الله))، ولم يتابع على هذه الزيادة، وقد أورده من مرسل طاوس، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم، ليس فيه الزيادة، وكذا وقع في الباب من حديث ابن عمر. وأما ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه أخرج لهم خاتَماً، فزعم أن رسول الله وَّير كان يلبسه، فيه تمثال أسد، قال معمر: فغسله بعض أصحابنا، فشربه، ففيه مع إرساله ضعف؛ لأن ابن عَقِيل (١) ((الفتح)) ٣٥٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٧٣). ٧٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ وعلى تقدير ثبوته، فلعله لبسه مرّةً قبل النهي، قاله في ((الفتح)(١). وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ يعني: شيخه الثاني، وهو محمد بن عبد الله بن نُمير، قال في روايته عن أبيه: (حَتَّى وَقَعَ فِي بِثْرٍ) بغير تنوين؛ للمضاف المحذوف تخفيفاً؛ أي: في بئر أريس، (وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ)؛ أي: لم يزد لفظ: ((منه))، وإنما ذكره يحيى بن يحيى، شيخه الأول، وظاهر هذا أن ابن نمير ذَكر لفظ: ((في بئر أريس))، وإنما ترك ذِكر ((أريس)) هنا اختصاراً، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر تها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٦٥/١١ و٥٤٦٦] ( ... )، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٧٣)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٨٩ و٩٥)، و(النسائيّ) في (الزينة)) (١٩٢/٨) و((الكبرى)) (٤٥٠/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨) ٤٦٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٩٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٢/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٧١/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٢/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٣٣ و٣١٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): ١ - (منها): بيان جواز اتّخاذ الخاتم من الورق، قال النوويّ تَخْذَلُهُ: وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال، وكَرِه بعض علماء الشام المتقدِّمين لُبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثراً، وهذا شاذّ مردود، قال الخطابيّ: ويُكره للنساء خاتم الفضة؛ لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفّره بزعفران وشِبهه، وهذا الذي قاله ضعيف، أو باطل، (١) ((الفتح)) ٣٥٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٧٣). (٢) المراد فوائده على اختلاف ألفاظه، وطرقه، لا خصوص ما ساقه مسلم هنا، بل مع ما ذُكر في الشرح، فتنبّه. ٧٤٣ (١١) - بَابُ لُّبْسِ النَّبِّوَ﴿َ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٥) لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في ◌ُبسها خاتم الفضة. انتهى (١). ٢ - (ومنها): التبرّك بآثار النبيّ وَله، وأما التبرّك بآثار غيره وَل كما ادّعاه النوويّ ففيه نَظر لا يخفى؛ إذ ليس هذا من هدي السلف؛ فإن الصحابة كان أبو بكر أحبّ الناس إليهم بعده ◌َ﴿، فما كانوا يفعلوا ذلك معه، وكذا قه، حتى بالخلفاء الراشدين، فمن زعم ذلك التابعون لم يتبرّكوا بآثار الصحابة فليأتنا بحجته، وهيهات، ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. من محبّته وِّـ، ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الخلفاء الراشدون واقتفاء آثاره، فقد تداولوا خاتمه * مدّة خلافتهم حتى فُقد في عهد عثمان ته، قال القرطبيّ ◌َّهُ: وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبيّ وَلّ إنما كان ذلك تبركاً بآثاره وص له، واقتداءً به، واستصحاباً لحاله؛ حتى كأنَّه حيٍّ معهم، ولم يزل أمرهم مستقيماً متفقاً عليه في المدَّة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فُقِد اختلف الناس على عثمان ظه، وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولا يزال الْهَرْج إلى يوم القيامة. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قال بعض العلماء: كان في خاتمه وَّة، من السرّ شيء مما كان في خاتم سليمان عليّ*؛ لأن سليمان لَمّا فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لَمّا فقد خاتم النبيّ ◌َّه انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة، التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله البعض من أن انتظام مُلك سليمان عليّ* كان على خاتمه يحتاج إلى ثبوت نقل صحيح، ولا أظنه يثبت، فقد ذكر الإمام ابن كثير ككلثُ قصّة خاتم سليمان في ((تفسيره)) عند قوله : الآية [ص: ٣٤]، مطوّلة، ٣٤ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُرَِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ ومختصرة عن ابن عبّاس ◌ًا، ثم قال: إسناده إلى ابن عبّاس ﴿ّ قويّ، ولكن الظاهر أنه إنما تلقّاه ابن عبّاس ﴿هَا، إن صحّ عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوّة سليمان العل*، فالظاهر أنهم يكذبون عليه. انتهى كلام ابن کثیر باختصار. (١) (شرح النوويّ)) ٦٧/١٤. (٢) ((المفهم)) ٤١١/٥. ٧٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة والحاصل أن بُطلان ما يُحكى في قصّة خاتم سليمانالعظلَّلا ظاهر، فلا يُغترّ بما كتبه بعض المفسّرين الذين لا هَمّ لهم إلا جَمْع الغثّ والسمين، وتضخيم كتبهم بالقصص الباطلة، والترّهات العاطلة، ف﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. ٤ - (ومنها): أن فيه أن النبيّ ◌َّ﴿ لم يورَث؛ إذ لو وُرِث لدُفع خاتمه إلى ورثته، بل كان الخاتم، والقدح، والسلاح، ونحوها، من آثاره الضرورية صدقة للمسلمين، يصرفها والي الأمر حيث رأى من المصالح، فجَعَل القَدَح عند أنس؛ إكراماً له لخدمته، ومن أراد التبرك به لم يمنعه، وجَعَل باقي الأثاث عند ناس معروفين، واتّخَذ الخاتم عنده للحاجة التي اتخذه النبيّ وَّ لها، فإنها موجودة في الخليفة بعده، ثم الخليفة الثاني، ثم الثالث. انتهى. وتعقّبه الحافظ قول النوويّ: ((وإلا لدُفع خاتمه ... إلخ))، فقال: وفيه نظر؛ لجواز أن يكون الخاتم النُّخِذ من مال المصالح، فانتقل للإمام؛ لينتفع به فیما صُنع له. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله النوويّ كَُّ هو الظاهر، فلا معنى لتعقّب صاحب ((الفتح)) عليه، فتبصّر. والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم، وجواز نقش اسم الله تعالى، قال النوويّ كَظّفُ: هذا مذهبنا، ومذهب سعيد بن المسيِّب، ومالك، والجمهور، وعن ابن سيرين، وبعضهم كراهة نقش اسم الله تعالى، وهذا ضعيف، قال العلماء: وله أن ينقش عليه اسم نفسه، أو ينقش عليه كلمة حكمة، وأن ينقش ذلك مع ذكر الله تعالى. انتهى(١) . وقال القرطبيّ تَّثُ: فيه دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه، إلا أن يكون اسمه محمداً فلا يجوز النقش عليه؛ للنهي عن ذلك، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه، أو كلمة حكمة، أو كلمات من القرآن، ثم إذا نقش عليه اسم الله تعالى، وجعله في شماله؛ فهل يدخل به الخلاء، ويستنجي بشماله؟ خفّفه سعيد بن المسيب، ومالك، وبعض أصحابه، ورُوي (١) ((شرح النوويّ)) ٦٨/١٤. ٧٤٥ (١١) - بَابُ لُبْسِ النَِّّوَ خَماً مِنْ وَرِقٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٥) عنه الكراهة، وهي الأَولى. انتهى(١). ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال كثّلهُ: يؤخذ من الحديث أن يسير المال إذا ضاع، يجب البحث في طلبه، والاجتهاد في تفتيشه، وقد فعل وَ لّ ذلك لَمّا ضاع عقد عائشة ثا، وحُبِس الجيشُ على طلبه، حتى وُجد. واعترضه الحافظ تَّتُ فقال: كذا قال، وفيه نظر، فأما عقد عائشة، فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة، التي نشأت عنه، وهي رخصة التيمم، فكيف يقاس عليه غيره؟ وأما فعل عثمان فلا ينهض الاحتجاج به أصلاً؛ لِمَا ذُكر؛ لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه؛ لكونه أَثَر النبيّ وَِّ، قد لَبِسه، واستعمله، وخَتَم به، ومثل ذلك يساوي في العادة قدراً عظيماً من المال، وإلا لو كان غير خاتم النبيّ ◌َّار، لاكتفى بطلبه بدون ذلك، وبالضرورة يُعلم أن قدر المؤنة التي حصلت في الأيام الثلاثة، تزيد على قيمة الخاتم، لكن اقتضت صفته عِظَمَ قَدْرِهِ، فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال. ٧ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله في حديث أنس ظه: ((فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به)) أن مِنْ فِعل الصالحين العبث بخواتيمهم، وما يكون بأيديهم، ولیس ذلك بعائب لهم. قال الحافظ: وإنما كان كذلك؛ لأن ذلك من مِثْلهم، إنما ينشأ عن فِكر، وفكرتهم إنما هي في الخير. ٨ - (ومنها): أن العبث اليسير بالشيء حال التفكر لا عيب فيه. ٩ - (ومنها): أن من طلب شيئاً، ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام، أن له أن يتركه، ولا يكون بعد الثلاث مضيِّعاً، وأن الثلاث حدٍّ يقع بها العذر في تعذّر المطلوبات. قاله ابن بطّال تَخّلهُ. ١٠ - (ومنها): أن فيه حفظَ الخاتم الذي يُختَم به تحت يد أمين، إذا نزعه الکبیر من إصبعه؛ لأن عثمان څڅه کان يدفعه إلى معیقیب ١١ - (ومنها): أن يسير المال إذا ضاع لا يُهْمَل طلبه، ولا سيما إذا كان مِنْ أَثَرِهِ وَ لَه. والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((المفهم)) ٤١١/٥. ٧٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ◌َّهِ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، وَقَالَ: ((لَا يَنْقُشْ(١) أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا))، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِثْرِ أَرِيسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١١/ ٧٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا أنه (قَالَ: أَتَّخَذَ النَّبِيُّ ◌َهِ خَاتَماً مِنْ ذَهَبِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ)؛ أي: رماه لنزول الوحي عليه بتحريم لُبسه، (ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، وقَالَ) وَلِ (لَا يَنْقُشْ) وفي بعض النُّسخ: ((لا ينقشنّ)) بنون التوكيد. (أَحَدٌ عَلَى نَفْشِ خَاتَمِي هَذَا)) إنما نهاهم عن ذلك؛ لأنه إنما اتّخذ الخاتم، ونقش فيه ليختم به كُتُبه إلى ملوك العجم، وغيرهم، فلو نَقَش غيره مثله لدخلت المفسدة، وحصل الخلل، قاله النوويّ كَذَتُهُ(٢). (وَكَانَ) وَهُ (إِذَا لَبِسَهُ)؛ أي: ذلك الخاتم، (جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ)؛ لأنه أصون له، وأسلم، وأبعد من الزهو والإعجاب، (وَهُوَ)؛ أي: ذلك الخاتم (الَّذِي سَقَطَ (١) وفي نسخة: ((لا ينقشنّ)). (٢) ((شرح النوويّ)) ٦٨/١٤. ٧٤٧ (١١) - بَابُ لُبْسِ النَِّّ ◌َ﴿ْ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، تَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٦) مِنْ مُعَيْقِيبٍ) بقاف، وآخره موحّدة، مصغّراً ابن أبي فاطمة الدوسيّ، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهِد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان، أو عليّ ﴿ه، تقدّمت ترجمته في («المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٢٤/١٢. (فِي بِتْرٍ أَرِيسٍ) متعلّق بـ((سقط))، وهي بفتح الهمزة، وكسر الراء، وبالسين المهملة: بئرَ معروفة قريبة من قُباء، وهي مصروفة. وفي حديث أنس به عند البخاريّ من طريق ثمامة بن عبد الله، عن أنس، أن أبا بكر به لمّا استُخلف كُتِب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: ((محمد)) سطر، و((رسول)) سطر و((الله)) سطر. وفي رواية أخرى: قال: كان خاتم النبيّ وَ﴿ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، قال: فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به، فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر، فلم يجده. وفي رواية النسائيّ من طريق المغيرة بن زياد، قال: حدّثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ ﴿ لبس خاتّماً من ذهب ثلاثة أيام، فلما رآه أصحابه فَشَت خواتيم الذهب، فرَمَى به، فلا ندري ما فَعَل، ثم أمر بخاتم من فضة، فأمر أن ينقش فيه محمد رسول الله، وكان في يد رسول الله وقالالقر حتى مات، وفي يد أبي بكر حتى مات، وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كَثُرت عليه الكُتُب دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاريّ إلى قليب لعثمان، فسقط، فالتُّمِس فلم يوجد، فأمر بخاتم مثله، ونَقَش فيه محمد رسول الله(١). فقد اختلفت الروايات، فرواية الشيخين تدلّ على أنه سقط من يد عثمان ـه نفسه في بئر أريس، ورواية مسلم تدلّ على أنه سقط من يد مُعيقيب في بئر أريس، ورواية النسائيّ تدلّ على كونه سقط من يد الأنصاريّ في بئر عثمان. (١) (سنن النسائيّ - المجتبى)) ١٧٨/٨. ٧٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة ويمكن أن يُجمع بينها بأن نسبة السقوط إلى عثمان مجازيّة، أو بالعكس، أو أن عثمان طلبه من معيقيب، فختم به شيئاً، واستمرّ في يده، وهو مفكّر في شيء، يعبث به، فسقط في البئر، أو ردّه إليه، فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس. أفاده في ((الفتح)). وأما الذي وقع في رواية النسائيّ بأن عثمان رَظته دفعه إلى رجل من الأنصار، فسقط من يد الأنصاريّ في بئر عثمان رُه فالظاهر أنها غير محفوظة؛ لمخالفة المغيرة بن زياد فيها لعبيد الله بن عمر، وهو من أثبت الناس في نافع، وأما المغيرة، فصدوقٌ له أوهام، كما قال في ((التقريب))، فالظاهر أن هذا من أوهامه، وأيضاً إن رواية عبيد الله موافقة لحديث أنس مظ لته، كما سبق . [فإن قلت]: ألا يمكن الجمع بحمل الأنصاريّ على أنه معيقيب، وبئر عثمان على أنها بئر أريس؟. [قلت]: هذا غير صحيح؛ لأن معيقيباً مهاجريّ، من السابقين الأولين الذين هاجروا إلى الحبشة، وليس أنصاريّاً، وبئر أريس لم أر من قال: إنها لعثمان رَظُه، بل هي بئر معروفة قريبة من قباء. والحاصل أن المحفوظ في القصّة هو الذي في رواية عبيد الله بن عمر، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. والحديث تقدّم تمام البحث فيه فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٧] (٢٠٩٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّاٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ))، وَقَالَ لِلنَّاسِ: ((إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشْتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَلَا يَنْقُدْ (١) أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ)). (١) وفي نسخة: ((فلا ينقشنّ)). ٧٤٩ (١١) - بَابُ لُبْسِ النَّبِيِّ ◌َهْ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، تَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٧) رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلبة البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنانيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) ◌ُه تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و((أبو الربيع)) هو: سليمان بن داود الزهرانيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُ، وهو (٤١٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من حمّاد، وفيه أنس ظُه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً . شرح الحديث: رَبُه (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ اَنَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ) (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر بأن يُنقش فيه، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) مبتدأ وخبره، وهو هنا محكيّ؛ لِقَصْد لَفْظه، مفعول به على الأول، ونائب فاعل على الثاني. (وَقَالَ) بَِّ (لِلنَّاسِ: ((إِنِّي اتَّخَذْتُ) وفي لفظ للبخاريّ: ((إنا اتّخذنا)) بصيغة الجمع، وهي للتعظيم هنا، والمراد: اتّخذت، (خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ) وفي رواية البخاريّ: ((إني اتّخذت خاتماً من وَرِقٍ)) (وَنَقَشْتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَلَا يَنْقُشْ) وفي بعض النُّسخ: ((فلا ينقشنّ)) بنون التوكيد، (أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ)))؛ أي: على مِثل نَقْشه، وأخرج الترمذيّ من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس نحوه، وقال فيه: ((ثم قال: لا تنقشوا عليه))، وأخرج الدارقطنيّ في ((الأفراد)) من طريق سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية، قال: ((أنا صنعت للنبيّ وَّهِ خاتماً، لم يَشْرَكني فيه: أحد، نَقَش فيه: محمد رسول الله))، فيستفاد منه اسم الذي صاغ خاتم النبيّ وَّرُ ونَقَّشه. وقد أخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن ابن عمر، أنه نقش على خاتمه: عبد الله بن عمر، وكذا أخرج عن سالم، عن عبد الله بن عمر، أنه ٧٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة نقش اسمه على خاتمه، وكذا القاسم بن محمد، قال ابن بطال: وكان مالك يقول: من شأن الخلفاء، والقضاة نَقْش أسمائهم في خواتمهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة، وأبي عبيدة، أنه كان نقش خاتم كل واحد منهما: ((الحمد لله))، وعن عليّ: ((الله الملك))، وعن إبراهيم النخعيّ: ((بالله))، وعن مسروق: ((بسم الله))، وعن أبي جعفر الباقر: ((العزة لله))، وعن الحسن، والحسين: لا بأس بنقش ذِكر الله على الخاتم. قال النوويّ: وهو قول الجمهور، ونقل عن ابن سيرين، وبعض أهل العلم كراهته. انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأساً أن يَكْتُب الرجل في خاتمه: حسبي الله، ونحوها، فهذا يدلّ على أن الكراهة عنه لم تثبت. ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يُخاف عليه حَمْله للجُنُب، والحائض، والاستنجاء بالكفّ التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذلك، بل من جهة ما يعرض لذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٦٧/١١ و٥٤٦٨] (٢٠٩٢)، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٧٤ و٥٨٧٧)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٤٥)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٧٦/٨ و١٩٣) و((الكبرى)) (٤٥٤/٥)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦٤٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦١/٣ و١٨٧ و٢٩٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٤٩٧ و٥٤٩٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٣/٥)، (١) ((الفتح)) ٣٧٣/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٧٧). ٧٥١ (١١) - بَابُ لُبْسِ النَِّّ ◌َ﴿ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، فَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٧) و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (١٢٨/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٢٠١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ذكر البخاريّ كَّلُ كيفيّة نقش ((محمد رسول الله)) في الخاتم، فقال في «صحيحه»: (٥٨٧٨) - حدّثني محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر ﴿هَ لَمّا استُخْلِف كَتَب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسولُ سطر، والله سطر. انتهى(١). قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر ... إلخ)) هذا ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشيخ في ((أخلاق النبيّ وٍَّ﴾)) من رواية عرعرة بن البرند - بكسر الموحدة، والراء، بعدها نون ساكنة، ثم دال ـ عن عزرة - بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها راء - ابن ثابت، عن ثمامة، عن أنس، قال: كان فصّ خاتم النبيّ وَل حبشيّاً مكتوباً عليه: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وعرعرة ضعّفه ابن المدينيّ، وزيادته هذه شاذّة، وظاهره أيضاً أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العاديّ، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يُختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة؛ ليخرج الختم مستوياً . وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل إلى فوقُ؛ يعني: أن لفظ الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيليّ يخالف ظاهرُها ذلك، فإنه قال فيها: محمد سطر، والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله، ولك أن تقرأ محمد بالتنوين، ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع، وبالجر. انتھی(٢). وقد ذكر الحافظ العراقيّ تَخْشُ صفة خاتم النبيّ ◌َل18 في ((ألفيّة السيرة))، فقال : (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٠٥/٥. (٢) ((الفتح)) ٣٧٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٧٧). ٧٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مِنْهُ وَنَقْشُهُ عَلَيْهِ نَصُهُ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَفَصُّهُ (اللهِ)) سَطْرٌ لَيْسَ فِيهِ كَسْرُ (مُحَمَّدٌ)) سَطْرٌ وَ((رَسُولُ)) سَظْرُ وَقَالَ لَا يُنْقَشْ عَلَيْهِ يَشْتَبِهْ وَفَصُّهُ لِبَاطِنٍ يَخْتِمُ بِهْ فِي خِنْصِرٍ يَمِينٍ اوْ يَسَارِ يَلْبَسُهُ كَمَا رَوَى الْبُخَارِي بِأَنَّ ذَا فِي حَالَتَيْنِ يَفَعُ كِلَاهُمَا فِي مُسْلِمٍ وَيُجْمَعُ كَمَا بِفَصِّ حَبَشِيٍّ قَدْ وَرَدْ أَوْ خَاتَمَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ بِيَدْ والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ﴿ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الحجة المجتهد، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة عن عبد العزيز بن صُهيب ساقها ابن ماجه ◌َّتُهُ في ((سننه))، فقال: (٣٦٤٠) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن عُليّة، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك، قال: اصطنع رسول الله وَليله خاتَماً، فقال: ((إنا قد اصطنعنا خاتماً، ونقشنا فيه نقشاً، فلا ينقش عليه أحد)). (١) انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((سنن ابن ماجه)) ٢/ ١٢٠١. ٧٥٣ (١٢) - بَابٌ فِي اتَّخَاذِ النَّبِّوَ خَاتَمَاً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَم - حديث رقم (٥٤٦٩) (١٢) - (بَابٌ فِي اتَّخَاذِ النَّبِّوَّهِ خَاتَمَاً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَم) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ، قَالَ: قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَاباً إِلَّ مَخْتُوماً، قَالَ: فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللهِوَه خَاتَمَاً مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وأن شيخيه من التسعة الذين روی عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه قتادة، وهو مدلّس، وقد عنعنه، إلا أن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عن المدلّسين إلا ما صرّحوا فيه بالتحديث، وفيه أنس ر ◌ُله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َبُهَ أنه (قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يَكْتُبَ) نسبة الكتابة إليه ** مجازيّة؛ أي: أراد أن يأمر الكاتب ليكتب له، نحو: كتب الأمير كتاباً؛ أي: كتبه الكاتب بأمره، والقرينة للمجاز: العُرف؛ لأن العرف أن الأمير لا يكتب الكتاب بنفسه(١). (إِلَى الرُّومِ) بالضمّ: جِيلٌ من ولد الرُّوم ابن عيصو. قاله في ((القاموس)). (١) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢. ٧٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (قَالُوا) في مرسل طاوس عند ابن سعد أن قريشاً هم الذين (قَالَ) أنس ( قالوا ذلك للنبيّ وَّهِ. قاله في ((الفتح)). وفيه دليلٌ على أنه وَلِّ ما اتخذ خاتماً إلا عند الحاجة إليه، فالأصل تَرْكه. وقال الخطّابيّ: وذلك لأن الخاتم ما كان من عادة العرب لُبسه. انتهى. (إِنَّهُمْ)؛ أي: الروم، (لَا يَقْرَءُونَ كِتَاباً) مفعول يقرءون، وهو مفعول به؛ لأن الكتاب هنا اسمٌ غير مصدر، (إِلَّ مَخْتُوماً) منصوب على الاستثناء لأنه من كلام تامّ غير موجب، وهو مِن خَتَمْتُ الشيءَ ختماً، فهو مختوم، ومُخَتَّم شُدِّد للمبالغة، وختم الله له بالخير، وختمت القرآن: بلغت آخره، واختتمت الشيء: نقيض افتتحت، قاله في ((العمدة))(١). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: خَتَمْتُ الكتابَ، ونحوه خَتْماً، وختمت عليه، من باب ضرب: طبعتُ، ومنه الخاتم حَلْقة ذات فصّ من غيرها، فإن يكن لها فصّ، فهي فَتَخَةٌ، بفاء، وتاء مثناة من فوقُ، وخاء معجمة، وزانُ قَصَبَة. وقال الأزهريّ: الخاتِم بالكسر الفاعل، وبالفتح ما يوضع على الطينة، والخِتام ككتاب: الطين الذي يُختم به على الكتاب. انتهى(٢) بزيادة يسيرة. وقال في ((العمدة)): قوله: ((لا يقرأون الكتاب إلا مختوماً))، وكانوا لا يقرأون إلا مختوماً خوفاً من كشف أسرارهم، وإشعاراً بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن يكون مما لا يطلع عليها غيرهم، وعن أنس: إنّ ختم كتاب السلطان، والقضاة سُنَّة متبعة، وقد قال بعضهم: هو سُنَّةٌ؛ لفعل النبيّ وَّ، وقد قيل في قوله تعالي: ﴿إِنّ أُلْفِىَ إِلَّ كِتَبُ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]: إنها إنما قالت ذلك لأنه كان مختوماً، وفي ذلك أيضاً مخالقة الناس بأخلاقهم، واستئلاف العدوّ بما لا يضرّ، وقد جاء في بعض طرقه عن أنس نظراته: ((لمّا أراد النبيّ أن يكتب إلى الروم))، وفي بعضها: ((إلى الرهط، أو الناس من الأعاجم))، وفي مسلم: ((أراد أن يكتب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشيّ، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم ... ))، وذكر الحديث. انتهى(٣). (قَالَ) أنس (فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ)؛ أي: أمر بصياغة (١) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٠/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٦٣/١. ٧٥٥ (١٢) - بَابٌ فِي أَتِّخَاذِ النَِّّوَ﴿ِ خَاتَمَاً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَم - حديث رقم (٥٤٦٩) خاتم من فضّة، فلبسه، أو وجده مصوغاً، فاتّخذه، وقوله: ((خاتماً)) مفعول (اتّخَذَ))، وكلمة ((مِنْ)) في ((من فضة)) بيانية. (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ) أصل ((كأن» للتشبيه، لكنها ههنا للتحقيق، ذكره الكوفيون، والزجاج، ومع هذا لا يخلو عن معنى التشبيه، قاله في ((العمدة))(١)، وفي رواية للبخاريّ: ((إلی وبیص خاتمه))، وهو بفتح الواو، وكسر الموحّدة؛ كالبَريق وزناً ومعنّى، وفي رواية له: ((إلى بريقه)). (فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ وََّ) قال في ((العمدة)): فإن قلت: الخاتم ليس في اليد، بل في الإصبع، قلت: هذا من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء، فإن قلت: الإصبع في خاتم، لا الخاتم في الإصبع، قلت: هو من باب القلب، نحو: عَرَضت الناقةَ على الحوض. انتهى (٢). (نَقْشُهُ) مبتدأ خبره قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) قال في ((العمدة)): قوله: ((نقشه)) كلام إضافيّ مرفوع بالابتداء، وقوله: ((محمد رسول الله)) جملة اسمية من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ. [فإن قلت]: الجملة إذا وقعت خبراً لا بدّ لها من عائد. [قلت]: إذا كان الخبر عَيْن المبتدأ لا حاجة إليه، قال الكرمانيّ: وهي وإن كانت جملة، ولكنها في تقدير المفرد، تقديره: نَقْشُه هذه الكلمات، وتعقّبه العينيّ بأن هذه الكلمات أيضاً جملة؛ لأنها مبتدأ وخبر. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب العينيّ على الكرمانيّ هذا غير صحيح، وليس ((هذه الكلمات)) مبتدأ وخبراً، بل لفظ ((هذه)) هو الخبر، و((الكلمات)) نعتٌ، أو بدل، أو عظْفُ بيان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفي الرواية الآتية: ((ونقش فيه: محمد رسول الله))، وهو بالبناء للفاعل؛ أي: أمَر بنقشه، و((محمدٌ رسول الله)) مبتدأ وخبر، محكيّ لقصد لفظه، مفعول به لـ((نَقَشَ))، ويَحْتَمِل أن يكون الفعل مبنيّاً للمفعول، و((محمدٌ رسول الله)) نائب فاعله محكيّ أيضاً، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢ - ٢٣. ٧٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك عبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٦٩/١٢ و٥٤٧٠ و٥٤٧١] (٢٠٩٢)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٦٥) و((اللباس)) (٥٨٧٢ و٥٨٧٥ و٥٨ و٧١٦٢)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٢١٥ و٤٢٢٤)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (٢٧١٨)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٧٤/٨ و١٩٣)، و((الكبرى)) (٤٣٦/٣ و٥/ ٢٦٦ و٤٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨/٣ و١٧٠ و١٨٠ و١٩٨ و٢٢٣ و٢٧٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٧٥/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦/ ٣٠)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٤٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/ ١٢٨) و((شُعب الإيمان)) (١٩٥/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز كتابة العالِم بالعلم إلى البلدان. ٢ - (ومنها): بيان جواز الكتابة إلى الكفار. ٣ - (ومنها): بيان وجوب العمل بما تضمّنه الكتاب، وقيام الحجة على المكتوب إليه. ٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة خَتْم الكتاب للسلطان، والقضاة، والحكام. ٥ - (ومنها): بيان جواز استعمال الفضة للرجال عند التختم، وهو ما أُجمع عليه، كما قاله القاضي عياض ◌َُّهُ . ٦ - (ومنها): بيان جواز نَفْش الخاتم، ونَقْش اسم صاحب الخاتم، وكذا نَقْش اسم الله تعالى فيه، بل فيه كونه مندوباً، وهو قول مالك، وابن المسيب، وغيرهما، وكَرِهه ابن سيرين، وأما نهيه ◌َلير أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نَقَش فيه ذلك ليختم به كُتُبه إلى الملوك، فلو نُقش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل. ٧ - (ومنها): ما قال الخطابيّ كَّلُهُ: لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلما أراد النبيّ ◌َلو أن يكتب إلى الملوك اتخذ الخاتم، واتخذه من ذهب، ثم رجع عنه؛ لِمَا فيه من الزينة، ولِمَا يُخشَى من الفتنة، وجَعَل فصّه ٧٥٧ (١٢) - بَابٌ فِي أَتَّخَاذِ النَِّّ ◌ِ خَاتَماً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَم - حديث رقم (٥٤٦٩) مما يلي باطن كفه؛ ليكون أبعد من التزين، قال الحافظ العراقيّ كَّثُ في ((شرح الترمذيّ)): دعواه أن العرب لا تَعرف الخاتم عجيبة، فإنه عربيّ، وكانت العرب تستعمله. انتهى، قال الحافظ: ويحتاج إلى ثبوت لُبسه عن العرب، وإلا فكونه عربيّاً، واستعمالهم له في ختم الكتب لا يَرِد على عبارة الخطابيّ. وقال الطحاويّ - بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ عن أبي ريحانة قال: (نَهَى رسول الله وَّر عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان)) -: ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا لذي سلطان، وخالفهم آخرون، فأباحوه، ومن حجتهم حديث أنس المتقدّم: ((أن النبيّ وَ ﴿ لمّا ألقى خاتمه ألقى الناس خواتيمهم))، فإنه يدلّ على أنه كان يَلْبَس الخاتم في العهد النبويّ من ليس ذا سلطان. [فإن قيل]: هو منسوخ. [قلنا]: الذي نُسخ منه لُبس خاتم الذهب، قال الحافظ: أو نُبس خاتم منقوش عليه نقش خاتم النبيّ ◌َلّر كما تقدم تقريره. ثم أورد عن جماعة من الصحابة، والتابعين، أنهم كانوا يلبسون الخواتم، ممن ليس له سلطان. انتهى. ولم يُجِب عن حديث أبي ريحانة، قال الحافظ: والذي يظهر أن لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى؛ لأنه ضربٌ من التزين(١)، واللائق بالرجال خلافه، وتكون الأدلة الدالّة على الجواز هي الصارفة للنهي عن التحريم، ويؤيده أن في بعض طرقه: (نَهَى عن الزينة، والخاتم ... )) الحديث. ويمكن أن يكون المراد بالسلطان: من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه، لا السلطان الأكبر خاصّة، والمراد بالخاتم: ما يُختم به، فيكون لُبسه عَبَثاً، وأما من لَبِس الخاتم الذي لا يُختم به، وكان من الفضة للزينة، فلا يدخل في النهي، وعلى ذلك يُحمل حال من لَبِسه، ويؤيده ما ورد من صفة نقش خواتم بعض من كان يلبس الخواتم مما يدلّ على أنها لم تكن بصفة ما يُختم به. (١) هذا فيه نظر، فإن التزيّن ليس ممنوعاً للرجال، فتنبّه. ٧٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وقد سئل مالك عن حديث أبي رَيحانة فضعّفه، وقال: سأل صدقةُ بن يسار سعيد بن المسيِّب، فقال: الْبَسِ الخاتمَ، وأخبر الناسَ أني قد أفتيتك، والله أعلم. انتهى(١). [تكملة]: جزم أبو الفتح اليعمريّ أن اتخاذ النبيّ وَّ للخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، ويُجمَع بأنه كان في أواخر السادسة، وأوائل السابعة؛ لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، كما تقدم، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الْهُدْنة، وكان في ذي القعدة سنة ستّ، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووَجَّه الرسل في المحرّم من السابعة، وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٧٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهِ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجِّم، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَجَمَ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا كِتَاباً عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَیَاضِهِ فِي يَدِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَى الْعَجَم) بفتحتين، خلاف العرب، والْعُجْم وزانُ قُفل لغة فيه، والواحد عَجَميّ، مثل زِنَّجِ وزِنجيّ، ورُوم ورُوميّ، فالياء للوحدة، ويُنسب إلى الْعَجَم بالياء، فيقال للعربيّ: هو أعجميّ؛ أي: منسوب إليهم، قاله الفيّوميّ(٣). (١) ((الفتح)) ٣٦٨/١٣ - ٣٦٩، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٧٥). (٢) ((الفتح)) ٣٦٨/١٣ - ٣٦٩، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٧٥). (٣) ((المصباح المنير)) ٣٩٥/٢. ٧٥٩ (١٢) - بَابٌ فِي اتَّخَاذِ النَّبِيِّ ◌َّ خَاتَمَاً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَم - حديث رقم (٥٤٧١) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٧١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ ابْنٍ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَّى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَاباً إِلَّا بِخَاتَم، فَصَاغَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ خَاتَماً حَلَقَةً فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥ أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. ٢ - (نُوحُ بْنُ قَيْسٍ) بن رِيَاحِ الأزديّ، أبو رَوْحِ البصريّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٨] (ت٣ أو ١٨٤) (م ٤) تقدم في ((الأشربة)) ٦/ ٥١٦٠. ٣ - (أَخُوهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ) بن رَبَاح الأزديّ الْحُدّانيّ(١) البصريّ، صدوقٌ يُغرب [٧] (م تم س ق) تقدم في ((الجهاد والسِّيَر)) ٢٧/ ٤٦٠٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى) ملك الفرس، قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف، لا غير، وقال ابن السّرّاج كما رواه عنه الفارسيّ، واختاره ثعلبٌ، وجماعة: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور: كِسْريٌّ، وكِسْرويّ بحذف الألف، وبقلبها واواً، والنسبة إلى المفتوح بالقلب لا غيرُ، والجمع أكاسرةٌ، قاله الفيّوميّ كَّتُهُ(٢). وقال المجد تَّتُهُ: وكِسْرَى، ويُفتح: ملك الفرس، معرَّب خُسْرَوْ؛ أي: واسع المُلك، جَمْعه أكاسرةٌ، وكساسرةٌ، وأكاسرُ، وكُسورٌ، والقياس كِسْرَوْن، (١) بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الدال المهملة. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٣٣/٢. ٧٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة كعِيسَوْنَ، والنسبة: كِسريٌّ، وكِسْرَويُّ. انتهى(١). وقال في (الفتح)): قوله: ((كسرى)) بكسر الكاف، ويجوز الفتح، وهو لقبٌ لكل من وَلِيَ مملكة الفرس، وقيصر لقب لكل من ولي مملكة الروم، قال ابن الأعرابيّ: الكسر أفصح في كسرى، وكان أبو حاتم يختاره، وأنكر الزجاج الکسر علی ثعلب، واحتج بأن النسبة إلیه گسروچّ بالفتح، ورَدَّ علیه ابن فارس بأن النسبة قد يُفتح فيها ما هو في الأصل مكسور، أو مضموم، كما قالوا في بني تَغْلِب بكسر اللام: تغلَبيّ بفتحها، وفي سَلِمة كذلك، فليس فيه حجة على تخطئة الكسر. انتهى(٢). وقوله: (وَقَيْصَرَ) بفتح القاف، وسكون التحتيّة، وفتح الصاد المهملة، آخره راء: لقبُ من مَلَك الروم. وقوله: (وَالنَّجَاشِيِّ) بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين معجمة، ثم ياء ثقيلة، كياء النَّسب، وقيل: بالتخفيف، ورجّحه الصغانيّ، وحَكَى المطرزيّ تشديد الجيم عن بعضهم، وخطّأه، قال النوويّ: أما كسرى فبفتح الكاف، وكسرها، وهو لقب لكل من ملك من ملوك الفرس، وقيصر لقبُ من مَلَك الروم، والنجاشي لقب من ملك الحبشة، وخاقان لكل من ملك الترك، وفرعون لكل من ملك القبط، والعزيز لكل من ملك مصر، وتُبَّع لكل من ملك حِمْيَر. انتهى (٣). وقوله: (فَصَاغَ رَسُولُ اللهِ وَِ خَاتَماً)؛ أي: أمر بصياغته. وقوله: (حَلَقَةً فِضَّةً) قال النوويّ تَظْلُهُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((حلقةً فضّةً)) بنصب ((حلقةً)) على البدل من ((خاتَماً))، وليس فيها هاء الضمير، والحلقة ساكنة اللام على المشهور، وفيها لغة شاذّة ضعيفة، حكاها الجوهريّ وغيره بفتحها . انتهى(٤). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((القاموس المحيط)) ص١١٣١. (٣) ((تحفة الأحوذيّ)) ٤١٤/٧. (٢) ((الفتح)» ٦٢٥/٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ٦٩/١٤.