Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(٥) - بَابُ النَّوَاضُعِ فِي اللََّاسِ، وَالِقْتِصَارِ عَلَى الْغَلِيظِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٣٥)
بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به من قُماش، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٍّ،
مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوساد لغة في الوسادة. انتهى.
وفي بعض النسخ: ((كان وِسادُ رسول الله ◌َ ﴿ الذي كان يتّكىء عليه من
أدم حشوه ليفٌ)).
وفي الرواية التالية: ((إنما كان فراش رسول الله صل* الذي ينام عليه أدماً
حشوه ليف))، وفي الرواية الثالثة: ((كان ضِجاع رسول الله (وَل))، والضجاع
بكسر الضاد المعجمة، بعدها جیم: ما يُرقد علیه.
وفي حديث عمر ظه الطويل في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا على
النبيّ وَّهِ: ((فإذا النبيّ بَّهُ على حَصِير قد أثَّر في جنبه، وتحت رأسه مرفقة من
أَدَم حشوها ليف))، متّفق عليه، وقد تقدّم لمسلم في ((كتاب الطلاق))، وأخرجه
البيهقيّ في ((الدلائل)) من حديث أنس ظُه بنحوه، وفيه: ((وِسادة))، بدل
((مرفقة))(١).
(الَّتِي يَتَّكِئُ) بالبناء للفاعل؛ أي: يتوسّد (عَلَيْهَا) بَِّ (مِنْ أَدَم) بفتح
الهمزة، والموحدة، (حَشْوُهَا) بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة،
بعدها واو؛ أي: مِلؤها، يقال: حَشَوتُ الوسادةَ وغيرها بالقطن أحشو حَشْواً،
فهو مَحْشوّ، قاله الفيّوميّ(٢)، وقال المجد: ((الْحَشْو)) - أي: بفتح، فسكون -:
مَلُْ الوِسَادة وغيرها بشيء، وما يُجعل فيها حَشْوٌ أيضاً. انتهى(٣).
(لِيفٌ) بكسر اللام، بعدها تحتانيّة ساكنة، بعدها فاء: قشر النخل الذي
يُجاور السَّعَفَ، الواحدة لِيفة (٤)، وقال المجد: لِيف النخل بالكسر معروفٌ،
القطعة بهاء. انتهى(٥).
ونقل المرتضى عن شيخه أن ما كانَ من غيرِ النَّخْلِ لا يُسَمَّى لِيفاً (٦)،
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٥٩٢، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٥٦).
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٢٩٣.
(٤) ((المعجم الوسيط)) ٢/ ٨٥٠.
(٥) ((القاموس المحيط)» ص١١٩٨.
(٦) وكتب بعض الشرّاح ما نصّه: وقيل: الليف شجر يُشبه ثمره ثمر الخيار إذا يبس
يخرج منه خيوط تُجعل حشو مِخدّة، أو غطاء إناء؛ أي: إبريق يصبّ منه ماء=

٦٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
خِلافاً لِمَا يُفْهِمُه شُرَّاحُ ((الشَّمائِلِ)) في فِراشِهِ وَّهِ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٣٥/٥ و٥٤٣٦ و٥٤٣٧] (٢٠٨٢)،
و(البخاريّ) في (الرقاق)) (٦٤٥٦)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤١٤٦
و٤١٤٧)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٦١ و٢٤٦٩)، و(ابن ماجه) في
((الزهد)) (٤١٥١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢١٨/١٣ -٢١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٨/٦ و٥٠ و٥٦ و ٧٣
و١٠٨ و٢٠٧ و٢١٢) وفي ((الزهد)) (ص٥)، و(هنّاد) في ((الزهد)) (٧٣٠)،
و(وكيع) في ((الزهد)) (١١٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣١٩/٢)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٦/٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٦١)،
و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٨٣/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٢٢
و٣١٢٣ و٤٠٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ من الزهادة، والإعراض عن ملاذٌ
الدنيا، مع أن الله ◌ُعَلَ مكّنه من ذلك لو شاء أن يستمتع بها، فقد أخرج البيهقيّ
في ((الدلائل)) من طريق الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة ﴿ًّا قالت: ((دَخَلَت
عليَّ امرأةٌ، فرأت فراش النبيّ وَ ﴿ عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً، فبعثت إليّ بفراش حَشْوُه
صوفٌ، فدخل النبيُّ بَّهِ، فرآه، فقال: رُدِّيه يا عائشة، والله لو شئت أجرى الله
معي جبال الذهب والفضة)).
وأخرج أحمد، وأبو داود الطيالسيّ من حديث ابن مسعود نظ ◌ُبه قال:
الشرب؛ كإبريق اليمانيين الذين يبيعون ماء زمزم في الحرمين في العصر الأول.
=
انتهى ما كتبه، وهذا الذي ذكره في معنى الليف لم أره لغيره من الشرّاح، ولا
اللغويين، فهو محلّ توقّف ونظر، والله تعالى أعلم.
(١) (تاج العروس)) ٦١٢٨/١.

٦٦٣
(٥) - بَابُ التَّوَاضُعِ فِي اللَّبَاسِ، وَالاِْتِصَارِ عَلَى الْغَلِيظِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٣٦ - ٥٤٣٧)
(اضطجع رسول الله * على حصير، فأثّر في جنبه، فقيل له: ألا نأتيك بشيء
يقيك منه؟ فقال: ((ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب، استظَلَّ تحت
شجرة، ثم راح، وتركها))(١).
٢ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الفُرُش، والوسائد، والنوم عليها،
والارتفاق بها، وجواز المحشوّ، وجواز اتخاذ ذلك من الجلود، وهي الأَدَمُ.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للأمة الإسلاميّة أن تعتبر حالها، ومعيشتها
بحال نبيّها بَ﴾، فإنه الأسوة الحسنة، وأن من اقتفى آثاره اهتدى، وأفلح
في الدنيا والآخرة، قال الله رَّ: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:
١٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ
أُنْزِلَ مَعَدُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةُ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
[الأحزاب: ٢١].
اللهم ارزقنا اتّباع هذا النبيّ الكريم وَلي في أقوالنا، وأفعالنا، وأحوالنا،
وجمیع شؤوننا، إنك رؤوف رحيم جواد كريم آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ وَهُ
الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً، حَشْوُهُ لِيفٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، غير عليّ بن مسهر، فتقدّم قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (إِنَّمَا كَانَ ... إلخ) بأداة الحصر؛ للمبالغة.
والحديث سبق البحث فيه مستوفّى فيما قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٣٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ (ح)
(١) ((الفتح)) ٥٩٢/١٤، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٥٦).

٦٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَقَالَاً(١): ضِجَاعُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ. فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: يَنَامُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ... إلخ) الضمير لعبد الله بن نُمير،
وأبي معاوية؛ أي: رويا هذا الحديث عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد
المذكور، وهو: ((عن أبيه، عن عائشة ﴿ُها)).
وقوله: (وَقَالًا)؛ أي: ابن نُمير، وأبو معاوية، ووقع في بعض النُّسخ:
((قال)) بالإفراد، والظاهر أنه غلطٌ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ضِجَاعُ رَسُولِ اللهِ وَّ﴿) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الجيم:
ما يُضطجع عليه، وهو الفراش، قال القرطبيّ: وقول ابن عبّاس: ((فاضطجعت
في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله وير في طولها)) معناه: أنهم وضعوا
رؤوسهم على الوسادة على تلك الصفة، وعبّر عن ذلك بالاضطجاع. انتهى (٢).
وقوله: (فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: يَنَامُ عَلَيْهِ)؛ يعني: أن أبا معاوية زاد في
الحديث بعد: كان ضجاع رسول الله قليم لفظ: ((ينام عليه)).
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة ساقها الإمام
أحمد تَخْذَثُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٤٣٣٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نُمير، ثنا هشام، عن
(١) وفي نسخة: ((قال)) بالإفراد، وفيه نظر.
(٢) ((المفهم)) ٤٠٣/٥.

٦٦٥
(٦) - بَابُ جَوَازِ اتِّخَاذِ الأَنْمَاطِ - حديث رقم (٥٤٣٨)
أبيه، عن عائشة، قالت: ((كان ضِجاع رسول الله وَ﴿ من أدم، حشوه من
لیف). انتھی(١).
ورواية أبي معاوية، عن هشام ساقها إسحاق بن راهويه تكَّثُ في
((مسنده))، فقال:
(٨٨٢) - أخبرنا أبو معاوية، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان
ضجاع رسول الله وَ﴿ من أدم(٢)، ينام عليه، حشوه من ليف)). انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ جَوَازِ اتِّخَاذِ الأَنْمَاطِ)
ترجم الإمام البخاريّ وَّلُ بقوله: ((باب الأنماط، ونحوها للنساء))، قال
في ((الفتح)): أي من الكلل، والأستار، والفُرُش، وما في معناه. قال: ولعلّ
المصنّف أشار به إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﴿يا، قالت: ((خرج
رسول الله وَ﴿ في غزواته، فأخذتُ نمطاً، فنشرته على الباب، فلما قدم، فرأى
النمط عرفتُ الكراهة في وجهه، فجذبه، حتى هتكه، فقال: إن الله لم يأمرنا
أن نكسو الحجارة والطين، قال: فقطعت منه وسادتين، فلم يَعِب ذلك عليّ))،
فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها، بل لِمَا يُصنع بها. انتهى (٤).
والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٣٨] (٢٠٨٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ عَمْرٌو، وَقُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٥٦/٦.
(٢) هكذا النسخة بتقديم لفظ: ((من أدم)) على ما بعده، والظاهر أن فيه تقديماً وتأخيراً
من النسّاخ، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٣) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٣٥١/٢.
(٤) ((الفتح)) ٥١٠/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٦١).

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَلِ لَمَّا تَزَوَّجْتُ:
(أَتَّخَذْتَ أَنْمَاطاً؟))، قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ: ((أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في السند الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ
المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٦ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﴿ها، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤١٢) من رباعيات الكتاب، وأن
صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ّ، وهو من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿يَا أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهْ لَمَّا تَزَوَّجْتُ:
((أَتَّخَذْتَ أَنْمَاطاً؟)) بفتح همزة الاستفهام الاستخباريّ، وحذف همزة الوصل،
كما قوله تعالى: ﴿أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِبًا﴾ [صّ: ٦٣].
و((الأنماط)): جمع نَمَط - بفتح النون والميم: وهو ظهارة الفراش.
وقيل: ظهر الفراش، ويُطلق أيضاً على بساط لطيف، له خَملٌ، يُجعل على
الْهَوْدج، وقد يُجعل ستراً، ومنه حديث عائشة ثّا الآتي عند مسلم: ((فأخذت
نَمَطاً، فسترته على الباب ... )) الحديث، والمراد في حديث جابر رَظُه هو
النوع الأول. قاله النوويّ تَظّفُهُ(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخّْتُهُ: ((الأنماط)) جمع نَمَطِ، قال الخليل: هو
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٨/١٤ - ٥٩.

٦٦٧
(٦) - بَابُ جَوَازِ اتَّخَاذِ الأَنْمَاطِ - حديث رقم (٥٤٣٨)
ظِهَارة الفرش. وقال ابن دُريد: هو ما يُستر به الْهَوْدج، وهو في حديث عائشة
ثوبٌ سترت به سَهْوتها، وهو القِرَام أيضاً، كما جاء في حديث عائشة، وقد
يكون من حرير وغيره، وقد يُسمّى نُمرقةً في بعض طرق حديث عائشة، وقد
عبّر عنه بالستر في حديثها، وهذا كلّه على أنها أسماء لمسمّى واحد. انتهى(١).
قال جابر ظه: (قُلْتُ) في جواب استخبارهِ وَّهِ، (وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟)
بفتح همزة ((أَنّى))، وتشديد النون: استفهام عن الجهة، تقول: أَنّى يكون هذا؟
أي: من أيّ وجه وطريق يوجد لنا أنماط؟. وقال القرطبيّ: قوله: ((أنى لنا
أنماطٌ؟)) استبعادٌ لذلك، ومعناه: من أين يكون لنا أنماطٌ؟! انتهى(٢).
(قَالَ) ◌َِ ((أَمَا) بفتح الهمزة: أدة استفتاح وتنبيه، كـ(ألا))، (إِنَّهَا
سَتَكُونُ))) ((تكون)) هنا تامّة؛ أي: ستحصُل، وتوجد الأنماط فيما يأتي من
الزمان. زاد في رواية سفيان الثوريّ التالية: ((قال جابرٌ: وعند امرأتي نَمَظٌ،
فأنا أقول: نَحِّيه عنّي، وتقول: قد قال رسول الله وَّهِ: إنها ستكون، فأَدَعُها)).
ومعنى (نحّيه))؛ أي: أخرجيه من بيتي.
قال القرطبيّ: وقول جابر ظبه لامرأته: ((نحّيه عنّي)) فإنما كان ذلك
كراهةً له، مخافة التّرفّه في الدنيا، والميل إليها، لا لأنه حريرٌ؛ إذ ليس في
الحديث ما يدلّ عليه، واستدلالها عليه بقوله وَله: ((أما إنها ستكون)) هو
استدلالٌ بتقرير النبيّ وَله على اتخاذ الأنماط؛ لأنه لَمّا أخبر بأنها ستكون، ولم
يَنْهَ عن اتخاذها، دلّ ذلك على جواز الاتخاذ. انتهى. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر
هذا متّفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٣٨/٦ و٥٤٣٩ و٥٤٤٠] (٢٠٨٣)،
و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٣١) و((النكاح)) (٥١٦١)، و(أبو داود) في
((اللباس)) (٤١٤٥)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٧٤)، و(النسائيّ) في
(١) ((المفهم)) ٤٠٣/٥.
(٢) ((المفهم) ٤٠٣/٥.

٦٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
((النكاح)) (١٣٦/٦) و((الكبرى)) (٣٣٤/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٤/٣
و٣٠١)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٥١٤/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/
١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٨٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
٢٤١)، و(أبو علي) في ((مسنده)) (٤٦٨/٣ و١٤/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز استعمال الأنماط، ومحلّ الاستدلال قوله ◌َليه:
((إنها ستكون)) حيث أخبر بأن الأنماط ستكون لهم؛ لأنه لو لم يحلّ اتخاذها
لبیّن لهم ذلك.
وتعقّب هذا الاستدلال في ((الفتح)) بأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا
يقتضي إباحته، إلا إن استَدلّ المستدلّ به على التقرير، فيقول: أخبر الشارع
بأنه سيكون، ولم يَنْهَ عنه، فكأنه أقرّه، وقد وقع قريبٌ من هذا في حديث
عديّ بن حاتم رَؤُه في خروج الظعينة من الْحِيرَة إلى مكة بغير خَفِير، فاستدلّ
به بعض الناس على جواز سفر المرأة بغير محرم. وفيه من البحث ما ذُكِر.
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي بين القضيّتين فرقٌ، فإن قضية
الظعينة قد قامت أدلّة كثيرة بعدم جواز سفر المرأة بغير محرم، نصّاً صريحاً، لا
يرتاب فيه أحدٌ، فيجب تقديمها على المفهوم، وأما قضيّة الأنماط، فليس هناك
نصّ يدلّ صريحاً على تحريم اتخاذها، فتبصّر.
والحاصل أن الاستدلال بتقريره ◌َ لجابر
حينما قال له: ((إنها
ستكون)) دليلٌ واضح على جواز اتخاذها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّر حيث أخبر بما سيقع بعده
من الفتوحات التي نالتها أمته، وقد وقعت على طبق إخباره بَّهِ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴾ [النجم: ٣، ٤].
الھوی
ـو
· یأمر
٣ - (ومنها): التورّع عن الترفّه بملاذ الدنیا، حیث کان جابر
امرأته بإبعاده عنه.
٤ - (ومنها): بيان فضل جابر وظ﴿به، حيث كان يتورّع بإبعاد الأنماط من
بيته؛ خوفاً أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَئِكُمْ فِ حَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُمْ

٦٦٩
(٦) - بَابُ جَوَازِ اتَّخَاذِ الأَنْمَاطِ - حديث رقم (٥٤٣٩)
بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، فإن الآية، وإن سيقت لبيان حال الكفّار، إلا أن من
صفات المؤمن الخوف من الله تعالى.
٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال تقّلهُ: يؤخذ من الحديث أن المشورة
للمرأة دون الرجل؛ لقول جابر لامرأته: ((أخري عني أنماطك))، قال الحافظ:
كذا قال، ولا دلالة في ذلك؛ لأنها كانت لامرأة جابر حقيقةً، فلذلك أضافها
لها، وإلا ففي نفس الحديث: ((أنها ستكون لكم أنماط)»، فأضافها إلى أعمّ من
ذلك، وهو الذي استدلّت به امرأة جابر على الجواز.
٦ - (ومنها): ما قال ابن بطّال أيضاً: وفيه أن مشورة النساء للبيوت من
الأمر القديم المتعارف، قال الحافظ: كذا قال، ويعكر عليه حديث عائشة(١)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٣٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجْتُ قَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((أَتَّخَذْتَ أَنْمَاطاً؟))، قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ: ((أَمَا إِنَّهَا
سَتَكُونُ))، قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ، فَأَنَا أَقُولُ: نَحِّيهِ عَنِّي، وَتَقُولُ: قَدْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الْجرّاح، تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً.
(١) أراد به ما أخرجه مسلم (١٦٦٦/٣)، عن عائشة ﴿ّا قالت: ((رأيته - تعني:
النبيّ ◌َ﴿ - خرج في غَزاته، فأخذت نَمَطاً، فسترته على الباب، فلما قَدِم، فرأى
النمط، عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه، أو قطعه، وقال: إن الله لم
يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قالت: فقطعنا منه وسادتين، وحشوتهما ليفاً،
فلم يَعِب ذلك عليّ)). انتھی.

٦٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ) قال صاحب ((التنبيه)): امرأة جابر سُهيمةُ بنت
مسعود بن أوس الظّفَريّة، بايعت، وولدت لجابر بن عبد الله عبدَ الرحمن فيما
وَرَد، وذكر ابن الأثير، فقال: إنها بايعت رسول الله وَّو، ذكره ابن حبيب.
(١)
انتھی(١).
وقوله: (نَحِّيهِ عَنِّي)؛ أي: أبعديه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: فَأَدَعُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قريباً.
و ((سفيان الثوريّ)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ: فَأَدَعُهَا) فاعل ((زاد)) ضمير عبد الرحمن بن مهديّ.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها
البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٣٤٣٢) - حدّثني عمرو بن عباس، حدّثنا ابن مهديّ، حدّثنا سفيان، عن
محمد بن المنكدر، عن جابر بنظُه قال: قال النبيّ وَّر: ((هل لكم من أنماط؟))
قلت: وأَنَّى يكون لنا الأنماط؟ قال: ((أما إنه سيكون لكم الأنماط))، فأنا أقول
لها - يعني: امرأته -: أَخّري عني أنماطك، فتقول: ألم يقل النبيّ وَّ: ((إنها
ستكون لكم الأنماط؟))، فأَدَعُهَا. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) (تنبيه المعلم)) ص٣٥١.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٣٢٨/٣.

٦٧١
(٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللَّبَاسِ - حديث رقم (٥٤٤١)
(٧) - (بَابُ كَرَاهَةٍ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللَّبَاسِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٤١] (٢٠٨٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِيٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ عَنْ جَابِرِ بَّنِ
عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ قَالَ لَّهُ: ((فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِمْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ
لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠)
(م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الحافظ العابد، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٩]
(ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (أَبُو هَانِيٍ) حُميد بن هانئ الخولانيّ المصريّ، لا بأس به، وهو
أكبر شيخ لابن وهب [٥] (ت١٤٢) (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٤ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن يزيد المعافريّ الْحُبُليّ(١) المصريّ،
ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (بخ م ٤) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٢٦/٤٢.
والصحابيّ رُهُ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمصريين، غير
الصحابيّ، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ السَّلَمِيّ ◌َ﴿يَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ
((فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ) مبتدأ وخبر، وسوّغ الابتداء بالنكرة
لَهُ)؛ أي: لجابر
(١) بضمّ المهملة، والموحّدة.

٦٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
التقسيم، أو ((فراش)) فاعل لفعل محذوف؛ أي: يجوز فراش؛ يعني: أنه يجوز
أن يَتَّخِذ الرجل لنفسه فراشاً ينام عليه وحده، إذا احتاج إليه.
وقال الطيبيّ كَّثُهُ: قوله: ((فراش ... إلخ)) مبتدأ مخصّصه محذوفٌ، يدلّ
عليه قوله: ((والثالث للضيف))؛ أي: فراشٌ واحدٌ كافٍ للرجل. انتهى (١).
(وَفِرَاشٌ لِمْرَأَتِهِ) ولفظ النسائيّ: ((وفراش لِأَهْلِهِ))، إعرابه كسابقه أنه يجوز
أن يتخذ الإنسان فراشاً لأهله تنام عليه وحدها، إن احتاجت إليه. (وَالثَّالِثُ
لِلضَّيْفِ) مبتدأ وخبر، و((الضيف)) بفتح، فسكون: معروف، يطلق بلفظ واحد
على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ في الأصل، مِن ضافه ضَيْفاً، من باب باع: إذا
نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفَةٌ، وأضيافٌ، وضِيفَانٌ، وأضفته،
وضَيَّفته: إذا أنزلته، وقَرَيْتُهُ، والاسم الضِّيَافة. قال ثعلب: ضِفْتُهُ: إذا نزلتَ به،
وأنت ضَيْفٌ عنده، وأضفته بالألف: إذا أنزلته عندك ضيفاً، وأضفته إضافةً: إذا
لجأ إليك من خوف، فأجرتَهُ، واستضافني، فأضفته: استجارني، فأجرته،
وتضيّفني، فضيّقتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فقرَيْتَهُ، أو استجارَك، فمنعته ممن يطلبه،
وأضافه إلى الشيء إضافةً: ضمّهُ إليه، وأماله. قاله الفيّوميّ(٢).
(وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ))) مبتدأ وخبرٌ أيضاً؛ يعني: أن الفراش الرابع للشيطان،
يبيت عليه حيث لا ينتفع به أحدٌ، ولأنه لا يُتّخذ للحاجة، وإنما هو للافتخار
الذي هو مما يَحمِل عليه الشيطان، ويرضى به.
والظاهر أن المراد منه: اتخاذ ما لا حاجة إليه، لا بخصوص كونه
رابعاً، وإنما خصّه بالذكر نظراً للغالب، حيث إنه أقلّ ما يكون زائداً على
الحاجة. والله تعالى أعلم.
قال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َُّهُ: فيه دليلٌ على جواز اتخاذ الإنسان من
الفُرُش، والآلة ما يَحتاج إليه، ويترفّه به.
وهذا الحديث إنما جاء مبيّناً ما يجوز للإنسان أن يتوسّع فيه، ويترفّه من
الفراش؛ لأن الأفضل أن يكون له فراش يختصّ به، ولامرأته فراشٌ، فقد
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٩١/٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢.

٦٧٣
(٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللَّبَاسِ - حديث رقم (٥٤٤١)
كان ◌َي﴿ لم يكن له إلا فراشٌ واحد في بيت عائشة، وكان فراشها ينامان عليه
في الليل، ويجلسان عليه بالنهار. وأما فراش الضيف، فيتعيّن للمُضيف إعداده
له؛ لأنه من باب إكرامه، والقيام بحقّه؛ ولأنه لا يتأتّى له شرعاً الاضطجاع،
ولا النوم مع المضيف، وأهله علی فراش واحدٍ.
ومقصود هذا الحديث أن الرجل إذا أراد أن يتوسّع في الفرش، فغايته
ثلاثٌ، والرابع لا يحتاج إليه، فهو من باب السَّرَف. انتهى كلام القرطبيّ دَّثُ
ببعض تَصَرُّف(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: معناه أن ما زاد على الحاجة، فاتخاذه
إنما للمباهاة، والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو
مذمومٌ، وكلّ مذموم يُضاف إلى الشيطان؛ لأنه يرتضيه، ویوسوس به، ويُحسّنه،
ويُساعد عليه. وقيل: إنه على ظاهره، وأنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان
عليه مَبِيتٌ، ومَقِيلٌ، كما أنه يحصل له المبيت بالبيت الذي لا يَذكر الله تعالى
صاحبه عند دخوله عِشَاءً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الثاني هو الأرجح عندي؛ لأنه
إذا أمكن حمل النصّ على ظاهره، فهو الأَولى، ولا حاجة إلى العدول عنه،
على أنه لا تنافي بين المعنيين؛ لأن الشيطان كما أنه يبيت عليه، فهو الذي
حمله على اتخاذه. والله تعالى أعلم.
قال: وأما تعديد الفراش للزوج والزوجة، فلا بأس به؛ لأنه قد يحتاج
كلّ واحد منهما إلى فراش عند المرض، ونحوه، وغير ذلك.
واستدلّ بعضهم بهذا على أنه لا يلزمه النوم مع امرأته، وأن له الانفراد
عنها بفراش. والاستدلال به في هذا ضعيف؛ لأن المراد بهذا وقت الحاجة
كالمرض، وغيره كما ذكرنا، وإن كان النوم مع الزوجة ليس واجباً، لكنه بدليل
آخر، والصواب في النوم مع الزوجة أنه إذا لم يكن لواحد منهما عذرٌ في
الانفراد، فاجتماعهما في فراش واحد أفضل، وهو ظاهر فِعل رسول الله وَليه
الذي واظب عليه مع مواظبته وَّير على قيام الليل، فينام معها، فإذا أراد القيام
(١) ((المفهم)) ٤٠٤/٥.

٦٧٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
لوظيفته قام، وتركها، فيجمع بين وظيفته، وقضاء حقّها المندوب، وعِشْرتها
بالمعروف، لا سيّما إن عُرف من حالها حرصها على هذا، ثم إنه لا يلزم من
النوم معها الجماع. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ.
وقال الطيبيّ ◌َُّهُ بعد نقل كلام النوويّ المذكور معلّقاً على قوله: ((وهو
ظاهر فعل رسول الله (وَليّ)) ما نصّه: أقول: ولأن في قيامه من فراشها مع ميل
النفس إليها، متوجّهاً إلى التهجّد أصعب، وأشقّ، ومن ثمّة ورد: ((عجب ربنا
من رجلين: رجلٍ ثار عن وطائه ولحافه من بين حِبّه وأهله إلى صلاته،
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حِبّه وأهله
إلى صلاته رغبةً فيما عندي، وشَفَقاً مما عندي ... )) الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار الطيبيّ بالحديث إلى حديث ابن
مسعود رضيه قال: قال رسول الله وَله: ((عَجِب ربنا من رجلين: رجلٍ ثار عن
وطائه ولحافه، من بين حِبِّه وأهله إلى صلاته، فيقول الله جَلّ وعلا لملائكته:
انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه، من بين حِبّه وأهله إلى صلاته؛ رغبةً
فيما عندي، وشفقةً مما عندي، ورجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم أصحابه،
وعَلِمَ ما عليه في الانهزام، وما له في الرجوع، فرجع حتى هُريق دمه،
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع؛ رجاءً فيما عندي، وشفقاً مما
عندي، حتی مُریق دمه)).
رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وابن حبان في ((صحيحه))(٢)، قال
المنذريّ: ورواه الطبرانيّ موقوفاً بإسناد حسن، ولفظه: ((إن الله ليضحك إلى
رجلين: رجلٍ قام في ليلة باردة من فراشه، ولحافه، ودثاره، فتوضأ، ثم قام
إلى الصلاة، فيقول الله ربّ لملائكته: ما حمل عبدي هذا على ما صنع؟
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩/ ٢٨٩٢.
(٢) في سنده عطاء بن السائب، وقد رواه عنه حماد بن سلمة، وهو ممن روى عنه بعد
اختلاطه، لكن تابعه حماد بن زيد عند الطبرانيّ في ((الكبير))، وإن خالفه في وقفه،
لكنه في حكم المرفوع، وقد صححه الشيخ الألبانيّ فيما كتبه على ((المشكاة))،
وحسّنه في ((الترغيب والترهيب)).

٦٧٥
(٧) - بَابُ كَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَّةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللَُّاسِ - حديث رقم (٥٤٤١)
فيقولون: ربنا رجاءُ ما عندك، وشفقةٌ مما عندك، فيقول: فإني قد أعطيته ما
رجا، وآمنته مما يخاف ... )) وذكر بقيته (١). انتهى(٢).
والله تعالى أعلم بالصواب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
المصنّف تَخَذَتُهُ .
[تنبيه]: مما يُستغرب أن بعض من علّق(٣) على ((صحيح مسلم)) كَتَب في
(١) قال الطبرانيّ كَّلُ في ((المعجم الكبير)) (١٠١/٩):
(٨٥٣) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا عارم أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن
عطاء بن السائب، عن مُرّة، عن عبد الله، قال: ((أيها الناس عليكم بالصدق، فإنه
يُقرِّب إلى البرّ، وإن البرّ يقرّب إلى الجنة، وإياكم والكذبَ، فإنه يقرّب إلى
الفجور، وإن الفجور يقرّب إلى النار، إنه يقال للصادق: صَدَقَ، وبَرّ، وللكاذب
كَذَبَ، وفَجَرَ، ألا وإن لِلْمَلَك لِمَّةً، وللشيطان لِمّةً، فلمة الملك إيعاد للخير، ولمة
الشيطان إيعاد بالشرّ، فمن وجد لمة الملك فليحمد الله، ومن وجد لمة الشيطان
فليتعوذ من ذلك، فإن الله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم﴾ إلى آخر الآية
[البقرة: ٢٦٨]، قال: ألا إن الله يضحك إلى رجلين: رجلٍ قام في ليلة باردة من
فراشه، ولحافه، ودثاره، فتوضأ، ثم قام إلى صلاة، فيقول الله لملائكته: ما حمل
عبدي هذا على ما صنع؟ فيقولون: ربنا رجاءُ ما عندك، وشفقةٌ مما عندك، فيقول:
فإني قد أعطيته ما رجا، وأمّنته مما خافٍ، ورجلٍ كان في فئة، فعَلِم ما له في
الفرار، وعَلِم ما له عند الله، فقاتل حتى قُتِل، فيقول للملائكة: ما حَمَل عبدي
هذا على ما صنع؟ فيقولون: ربنا رجاءُ ما عندك، وشفقةٌ مما عندك، فيقول: فإني
أشهدكم أني قد أعطيته ما رجا، وأمّنته مما خاف))، أو كلمة شبيهة بها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد صحیح، فإن حماد بن زيد ممن روى عن
عطاء قبل اختلاطه، ولا يضرّه وقفه؛ لأنه مما له حكم الرفع؛ إذ لا يقال بالرأي،
وليس ابن مسعود مظلته ممن يروي الإسرائيليات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الترغيب والترهيب)) ٢٤٦/١.
(٣) هو: الشيخ مسلم بن محمود عثمان، وكم له من مطاعن على مسلم في
((صحيحه))؟، وقد نبهت على كثير منها، فليُتنبّه.

٦٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
هذا المحلّ ما نصّه: وهذا إسناد منقطع، أبو عبد الرحمن لم يسمع جابراً ...
إلى آخر كلامه، وهذا من العجب العُجاب، فكيف يجزم بالانقطاع، وينصّ بعد
سماع أبي الرحمن من جابر؟ ومن أين له ذلك؟ ولم أر من صرّح بذلك، ألا
يكفيه إخراج مسلم له في ((كتابه)) هنا؟.
على أن هذا الحديث قد وقع تصريح سماعه من جابر، وإليك ما أخرجه
أبو عوانة في ((مسنده))، قال رَّهُ:
(٨٥٥٨) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأ ابن وهب، وأخبرني
أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الْحُبُليّ، يقول: سمعت جابر بن عبد الله
يقول: إن رسول الله وقلو قال له: ((فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث
للضيف، والرابع للشيطان)). انتهى(١).
أليس هذا هو السماع، وقد صرّح أبو عبد الرحمن أيضاً بسماعه من
أبي أيوب الأنصاريّ، وقد تقدّم لمسلم في ((كتاب الإمارة)) [٤٨٦٩/٣٠]
(١٨٨٣)، وصرّح أيضاً بسماعه من عبد الله بن عمرو بن العاص، وسيأتي في
(كتاب القدر)) مرّةً (٢٦٥٤)، وفي ((كتاب الزهد)) مرّتين (٢٩٧٢)، و(٢٩٧٩)(٢).
والحاصل أن سماع أبي عبد الرحمن لهذا الحديث ثابتٌ، فلا تغترّ بما
كتبه بعض من قصّر في البحث والتحقيق، والله تعالى المستعان.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٤١/٧] (٢٠٨٤)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٤١٤٢)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (١٣٥/٦) و((الكبرى)) (٣٣٤/٣)، و(أحمد)
في «مسنده)) (٣٢٤/٢ و٢٩٣/٣)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٧٦٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤٢/٥)،
و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٨٤/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣١٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٤٢/٥.
(٢) هذه أرقام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي كَّثُ.

٦٧٧
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُلَاءَ، وَبَيَانِ حَدِّ مَا يَجُوزُ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٤٢)
١ - (منها): بيان مشروعيّة اتخاذ الإنسان الفُرُشَ بقدر حاجته.
٢ - (ومنها): أن ما زاد على الحاجة فإنه للشيطان، فلا ينبغي اتخاذه.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَثّلُهُ: فقه الحديث: ترك الإكثار من
الآلات والأمور المباحة، والترفّه بها، وأن يقتصر على حاجته، ونسبة الرابع
إلى الشيطان، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه، وإنما هذا من باب قوله والقر:
((إن الشيطان يستحلّ الطعام الذي لا يُذكر اسم الله عليه، والبيت الذي لا
يُذكر الله فيه))، ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام. انتهى.
٤ - (ومنها): بيان تسلّط الشيطان على بني آدم، بحيث إنه لا يترك عملاً
من أعماله إلا ويشاركه فيه، حتى يوقعه في المخالفة، فينبغي التنبّه لذلك،
والحذر منه، والبعد عما يؤدّي إلى إرضائه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَنَ
لَكُنْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
[فاطر: ٦].
والله تعالى أعلم بالصواب.
(٨) - (بَابُ تَحْرِيم جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلَاءَ، وَبَيَانِ حَدِّ مَا يَجُوزُ
إِرْخَاؤُهُ إِلَيْهِ، وَمَا يُسْتَحَبُّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٤٢] (٢٠٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، كُلَّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَسُولُ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدنيّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.

٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله، أو أبو
أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ يُرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﴿ها، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٤١٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسل بالمدنيين، وشيخه قد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه ابن عمر .
أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمرٍ، (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر أيضاً،
(وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمِّ) مولى عمر، (كُلَّهُمْ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة، (يُخْبِرُهُ)؛ أي:
يُخبر مالكاً.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): قوله: ((عن نافع، وعبد الله بن دينار، وزيد بن
أسلم)): في ((الموطأ)): ((عن نافع، وعن عبد الله بن دينار، وعن زيد بن
أسلم))، بتكرير ((عن))، وعند الترمذيّ من رواية مَعْن، عن مالك: سمع كلَّهم
يُحَدِّث، هكذا جمع مالك رواية الثلاثة، وقد روى داود بن قيس رواية زيد بن
أسلم عنه، بزيادة قصّة قال: ((أرسلني أبي إلى ابن عمر، قلت: أدخل؟ فعرف
صوتي، فقال: أي بُنَيّ إذا جئت إلى قوم، فقل: السلام عليكم، فإن ردُّوا
عليك، فقل: أدخل؟ قال: ثم رأى ابنه، وقد انجرّ إزاره، فقال: ارفع إزارك،
فقد سمعتُ ... ))، فذكر الحديث، وأخرجه أحمد، والحميديّ جميعاً عن
سفيان بن عيينة، عن زيد نحوه، ساقه الحميديّ، واختصره أحمد، وسَمّيا
الابنَ عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر. وأخرجه أحمد أيضاً من طريق
معمر، عن زيد بن أسلم: سمعت ابن عمر، فذكره بدون هذه القصّة، وزاد
قصّة أبي بكر (١)، وقصة أخرى لابن عمر.
(١) أشار بقصّة أبي بكر به إلى ما أخرجه البخاريّ من طريق موسى بن عقبة، عن
سالم بن عبد الله، عن أبيه ظُه، عن النبيّ وَّوقال: ((مَن جَرَّ ثوبه خيلاء لم
ينظر الله إليه يوم القيامة))، قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقّي إزاري =

٦٧٩
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلَاءَ، وَبَيَانِ حَدِّ مَا يَجُوزُ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٤٢)
قال: وحديث نافع أخرجه مسلم من رواية أيوب، والليث، وأسامة بن
زيد، كلهم عن نافع، قال مثل حديث مالك، وزادوا فيه: ((يوم القيامة))، قال:
وهذه الزيادة ثابتة عند رواة ((الموطأ)) عن مالك أيضاً، وأخرجها أبو نعيم في
((المستخرج)) من طريق القعنبيّ، وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ الحديث من طريق
أيوب، عن نافع، وفيه زيادة تتعلق بذيول النساء.
قال: وحديث عبد الله بن دينار أخرجه أحمد، من طريق عبد العزيز بن
مسلم عنه، وفيه: ((يوم القيامة))، وكذا في رواية سالم، وغير واحد عن ابن
عمر. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف يسير(١).
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ِ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَلْ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ)؛ أي: ومن
نظر الله تعالى إليه يرحمه، ففيه إثبات صفة النظر الله تعالى على ما يليق
بجلاله ◌ُعَلَّ، وقال في ((الفتح)): قوله: ((لا ينظر الله))؛ أي: لا يرحمه، فالنظر
إذا أضيف إلى الله كان مجازاً، وإذا أضيف إلى المخلوق، كان كناية، ويَحْتَمِل
أن يكون المراد: لا ينظر الله إليه نظر رحمة، وقال شيخنا - يعني: الحافظ
العراقيّ - في ((شرح الترمذيّ)): عَبَّر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن
من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت
متسببان عن النظر، وقال الكرماني: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية؛
لأن من اعتدّ بالشخص التفت إليه، ثم كثُر حتى صار عبارة عن الإحسان، وإن
لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر، وهو تقليب الحدقة، والله
منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مَجاز عما وقع في حق غيره كناية.
(٢)
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الكرمانيّ، والعراقيّ
والحافظ من تفسير النظر بالرحمة تفسير باللازم، وهو مخالف لِمَا أطبق عليه
= يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبيّ وَّ ه: ((لست ممن يصنعه خيلاء)).
انتھی.
(١) ((الفتح)) ٢٥١/١٣ - ٢٥٢، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٧٨٣).
(٢) ((الفتح)) ٢٥٨/١٣ - ٢٥٩، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٧٨٣).

٦٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
المحدِّثون من السلف الصالحين، من إثبات الصفات لله قل على ظواهرها،
من غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تأويل، ولا تعطيل، لكن هؤلاء هكذا
عادتهم في أحاديث الصفات، مع أنهم من أكابر المحدّثين، يرغبون عن مذهب
المحدّثين، ويسلكون فيها مسلك المتكلّمين، وما أدّاهم إلى هذا التأويل
المتكلّف به إلا تشبيه الغائب بالشاهد، فإنهم لمّا اعتقدوا أن النظر في المخلوق
لا يحصل إلا بتقليب الحدقة، قالوا: هذا محال على الله تعالى، نعم هو
محالٌ، ولكن من الذي قال لكم: إنه لا يحصل النظر إلا بهذا؟ أليس الله
تعالى مبايناً لخلقه في ذاته وصفاته؟، فهو رجل له الأسماء الحسنى، والصفات
العُلَى، فالواجب علينا أن نعتقد أنه تَالنَ ينظر إلى عباده نظراً حقيقياً كما يليق
بجلاله، ولا يلزمنا أن نعرف حقيقة نظره، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أننا نثبت له ذاتاً، لا تشبه ذوات مخلوقه، كذلك
نثبت له ما أثبت لنفسه من الصفات حقيقةً، لا مجازاً؛ لأن المجاز لا يصار
إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، ولم تتعذّر هنا، وأيضاً المعنى المجازيّ الذي أوَّلوا
به يلزم منه التشبيه، فإن الرحمة هي رقة القلب، التي تقتضي العطف على
المرحوم، وهذا فيه من التشبيه نظير ما وقع في معنى النظر بلا فرق، فتأمّل
بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد.
وقال في ((الفتح)) أيضاً: ويؤيد ما ذُكر من حمل النظر على الرحمة، أو
المقت ما أخرجه الطبراني، وأصله في أبي داود، من حديث أبي جُرَيّ: ((أن
رجلاً ممن كان قبلكم، لبس بردة، فتبختر فيها، فنظر الله إليه، فمقته، فأمر
الأرض فأخذته ... )) الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادّعاه من تأييد الحمل المذكور
فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه أثبت لله ◌َلَ النظر، ثم بيّن ما ترتّب على ذلك، وهو
المقت، وما بعده، ولا تعرّض فيه للحمل المذكور، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر
بالاعتساف، والله القول* الهادي إلى سواء السبيل.
﴿رَبََّ لَا تُرْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
[آل عمران: ٨]، اللَّهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، آمين.