Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ النَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤١٦) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ به هذا من أفراد المصنّف تَخَذْشُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤١٥/١] (٢٠٧٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده) (٢٢٧/٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٧/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤١٦] (٢٠٧٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنٍ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ وَهـ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَتَزَعَهُ نَزْعاً شَدِيداً؛ كالكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُثَّقِينَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (أَبُو الْخَيْرِ) مرْئَد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجُهَنيّ الصحابيّ المشهور، وَلِي إمرة مصر لمعاوية ﴿ها ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستّين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بَغْلانيّاً، إلا أنه دخل مصر، وأنه مسلسل بالفقهاء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) في رواية أحمد، عن حجاج هو: ابن محمد، وهاشم هو: ابن القاسم، عن الليث: ((حدّثني يزيد بن أبي حبيب)). (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هو: مَرْثد بن عبد الله الْيَزَنيّ، وثبت كذلك في رواية أحمد المذكورة، (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) هو الْجُهَنيّ، وصُرِّح به في رواية عبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عند أحمد، (أَنَّهُ قَالَ: أُهْدِيَ) بضمّ الهمزة مبنيّاً للمفعول، (لِرَسُولِ اللهِ وَ ﴿) متعلّق بما قبله، قال الفَيّوميّ ◌َخْتُهُ: يقال: أهديتُ للرجل كذا - بالألف -: بعثتُ به إليه إكراماً، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) في ((كتاب الصلاة)): والذي أهداه هو أُكيدر. انتهى(٢). (فَرُّوجُ حَرِيرٍ) وفي رواية ابن إسحاق عند أحمد: ((فَرُّوجٌ من حرير))، والفَرّوج: بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره جيم: هو القباء المفرج من خلف، وحكى أبو زكريّا التبريزيّ، عن أبي العلاء المعرّيّ جواز ضمّ أوله، وتخفيف الراء، قاله في ((الفتح))(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الضبط الذي ذكره التبريزيّ عن أبي العلاء ما أظنّه يصحّ، فإن أهل اللغة، كأصحاب ((الصحاح))(٤)، و((القاموس))، و((اللسان))(٥) لم يذكروه، قال في ((القاموس)): الْفَرّوج، كتَثُّور: قميصُ الصغيرِ، وقَبَاءٌ شُقّ من خلفه. انتهى(٦)، ولم يزد في ((شرحه)) ضبطاً غيره(٧)، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَّلُ في ((شرحه)): ((الْفَرُّوج)) - بفتح الفاء، وضم الراء المشدّدة - هذا هو الصحيح المشهور في ضبطه، ولم يذكر الجمهور غيره، (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢. (٢) ((الفتح)) ٩٤/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٣٧٥). (٣) ((الفتح)) ٩٣/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٣٧٥). (٤) راجع: ((الصحاح)) ص ٨٠٢. (٦) ((القاموس المحيط)) ص ٩٨٢. (٥) راجع: ((لسان العرب)) ٣٤٤/٢. (٧) (تاج العروس)) ١/ ١٤٧٧. ٦٢٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤١٦) وحُكي ضم الفاء، وحَكَى القاضي في ((الشرح))، وفي ((المشارق)) تخفيف الراء، وتشديدها، والتخفيف غريبٌ ضعيفٌ، قالوا: وهو قَباء له شُقّ من خلفه. انتھی(١). [تنبيه]: ذكر ابن حبّان ◌َّثُ في «صحيحه)) في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: فَرّوج الحرير هو الثوب الذي يكون على دُرُوزه حرير دون أن يكون الكلّ من الحرير، ولو كان الكلّ حريراً ما لبِسه، ولا صلّى فيه، وهذا معنى خبر عمر بن الخطّاب ◌ُله: إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن حبّان في معنى الفرّوج المذكور في هذا الحديث لم أر غيره وافقه فيه، ولا يوافقه أيضاً ظاهر الحديث؛ إذ يقتضي أن نَزْعه لكونه لا يجوز لُبسه، وأن ذلك الوقت هو وقت ابتداء تحريمه، كما يأتي ذلك عن النوويّ، والحافظ، وأما الذي ذكره، وعضده بأثر عمر له فإنه جائز لُبسه دائماً، غير محرّم، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ) زاد في رواية ابن إسحاق، وعبد الحميد، عند أحمد: (ثم صلى فيه المغرب))، (ثُمَّ انْصَرَفَ) وفي رواية ابن إسحاق: ((فلما قضى صلاته))، وفي رواية عبد الحميد: ((فلما سلم من صلاته))، وهو المراد بالانصراف في رواية الليث، قاله في ((الفتح))(٣). (فَزَعَهُ)؛ أي: ذلك الْفَرّوج، (نَزْعاً شَدِيداً) زاد أحمد في روايته، عن حجاج وهاشم: ((عَنِيفاً))؛ أي: بقوّة، ومبادرة لذلك على خلاف عادته في الرفق والتأني، قال الحافظ تَُّ: وهو مما يؤكد أن التحریم وقع حينئذ. انتهى. وقال النوويّ تَظُّ: وهذا اللبس المذكور في هذا الحديث كان قبل تحريم الحرير على الرجال، ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه، ولهذا (١) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٤. (٢) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٤٩/١٢. (٣) ((الفتح)) ٢٧٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال ويّ في حديث جابر الذي ذكره مسلم قبل هذا بأسطر حين صلى في قَباء ديباج، ثم نزعه، وقال: ((نهاني عنه جبريل))، فيكون هذا أول التحريم، والله أعلم. انتهى(١) . (كَالْكَارِهِ لَهُ) زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر: («ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله قد لبسته، وصليت فيه))، (ثُمَّ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي هَذَا) يَحْتَمِل أن تكون الإشارة للَّبس، ويَحْتَمِل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس، من الاستعمال؛ كالافتراش، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، والأشمل، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الفيّوميّ كَّثُهُ: قولهم: ((وينبغي أن يكون كذا)): معناه نُدب ندباً مؤكداً، لا يَحْسُن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدُّوا ((ينبغي)) من الأفعال التي لا تتصرف، فلا يقال: انبغي، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع بَغَى، فلا يستعمل انفعل في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقصدته فانقصد، لا يقال: بغيته فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه. وأجازه بعضهم، وحُكي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب. وما ينبغي أن يكون كذا؛ أي: ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا المعنى الأول؛ أي: ما يستقيم هذا؛ لأنه محرَّم. والله تعالى أعلم. (لِلْمُتَّقِينَ)))؛ أي: المتّقين الكفرَ، أو المعاصي كلّها، وقال القرطبيّ دَّثُ: المراد بالمتقين هم المؤمنون؛ لأنهم الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. انتهى (٤). وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٥٢. (٢) ((الفتح)) ٢٧٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٧. (٤) ((المفهم)) ٣٩٨/٥. ٦٢٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤١٦) من سمع أن من فعل ذلك كان غير مُتّقٍ فَهِمَ منه أنه لا يفعله إلا المستخفّ، فيأنف من فعل ذلك؛ لئلا يوصف بأنه غير مُتَّقٍ(١). وقال ابن بطال كَُّهُ: يمكن أن يكون نَزَعه لكونه كان حريراً صِرْفاً، ويمكن أن يكون نَزَعه لأنه من جنس لباس الأعاجم، وقد ورد حديث ابن عمر أپا، رفعه: «مَن تَشَبّه بقوم فهو منهم))(٢)، أخرجه أبو داود بسند حسن. قال الحافظ تَخَّلهُ: وهذا التردد مبنيّ على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد به مطلق المؤمن حُمل على الأول، وإن كان المراد به قدراً زائداً على ذلك حُمل على الثاني، والله أعلم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة تَكْثُ: اسم التقوى يعمّ جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى؛ أي: وَقَى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو مقام الإحسان، كما قال ◌َ له: ((أن تعبد الله كأنك تراه)). انتهى(٣). وقد رَجّح عياض أن المنع فيه لكونه حریراً، واستدلّ لذلك بحديث جابر الذي تقدّم عند مسلم قبل ستّة أحاديث، وهذه القصّة - كما قال الحافظ - كانت مبتدأ تحريم لبس الحرير، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد البخاريّ رَّلُ بعد إخراجه هذا الحديث بسند مسلم ما نصّه: ((تابعه عبد الله بن يوسف، عن الليث، وقال غيره - يعني: بسنده -: فروج حریر)). قال في ((الفتح)): أما رواية عبد الله بن يوسف فوصلها البخاريّ: في أوائل ((الصلاة))، وأما رواية غيره فوصلها أحمد عن حجاج بن محمد، وهاشم، وهو أبو النضر، ومسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، والحارث، عن يونس بن محمد المؤدّب، کلهم عن الليث. (١) ((الفتح)) ٢٧٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). (٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطّال ٨٨/٩. (٣) ((بهجة النفوس)) ١٣٦/٤. ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال: وقد اختُلِف في المغايرة بين الروايتين على خمسة أوجه: [أحدها]: التنوين، والإضافة، كما يقال: ثوبُ خَزِّ بالإضافة، وثوبٌ خَزٍّ، بتنوين ((ثوب))، قاله ابن التين احتمالاً . [ثانيها]: ضم أوله، وفتحه، حكاه ابن التين روايةً، قال: والفتح أوجَهُ؛ لأن فُغُولاً لم يَرِد إلا في سُبُّوح، وقُدُّوس، وفُرُّوخ - يعني: الفَرْغَ من الدجاج. انتھی . قال الحافظ: وقد قدمت حكاية جواز الضمّ عن أبي العلاء المعريّ، وقال القرطبيّ في ((المفهم)): حُكِيَ الضمُّ والفتحُ، والضم هو المعروف. [ثالثها]: تشديد الراء، وتخفيفها، حكاه عياض، ومن تبعه. [رابعها]: هل هو بجيم آخره، أو خاء معجمة، حكاه عياض أيضاً. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفتُ أنه لم يذكر في ((الصحاح))، ولا في ((القاموس))، ولا في ((شرحه))، ولا في ((اللسان)) إلا فتح الفاء، وتشديد الراء، آخره جيم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [خامسها]: حكاه الكرمانيّ، قال: الأول فروج من حرير بزيادة ((مِنْ))، والثاني بحذفها، قال الحافظ: زيادة ((مِنْ)) ليست في ((الصحيحين))، وقد ذكرناها عن رواية لأحمد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر نظرته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤١٦/١ و٥٤١٧] (٢٠٧٥)، و(البخاريّ) في (الصلاة)) (٣٧٥) و((اللباس)) (٥٨٠١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٧٢/٢)، و((الكبرى)) (٨٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤٨/٨)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٤٣/٤ و١٤٩ و١٥٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٧٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٤٣٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٧/٤ (١) ((الفتح)) ٢٧٩/١٣ - ٢٨٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). ٦٢٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤١٦) - ٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٥٩/١٧ و٧٦٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٠٤/١ و٦٧/٢ و٢٢٩/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٢/٢ - ٤٢٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٥٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدل على تحريم الحرير على الرجال دون النساء؛ لأن اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهنّ، قاله في ((الفتح))(١). قال في ((العمدة)): فإن قلت: النساء يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهن. قلت: هذه مسألة مختلَف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلّمنا دخولهنّ فالحِل لهنّ عُلِم بدلیل آخر. انتهى(٢). [تنبيه]: قال العلامة أبو بكر ابن العربيّ تَظّلهُ: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال: الأول: محرّم بكل حال، والثاني: محرَّم إلا في الحرب، والثالث: يَحْرُم إلا في السفر، والرابع: يحرم إلا في المرض، والخامس: يحرم إلا في الغزو، والسادس: يحرم إلا في العَلَم، والسابع: يحرم على الرجال والنساء، والثامن: يحرم لبسه من فوق، دون لبسه من أسفل، وهو الفُرُش. قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون، والتاسع: مباح بكل حال، والعاشر: يحرم، وإن خُلط مع غيره؛ كالخزّ. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح هو الذي عليه الجمهور من تحريم الحرير على الرجال دون النساء، إلا فيما استُثْنِي؛ كالمرض، ونحوه، كما سيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز الصلاة في ثوب الحرير، ووجه الاستدلال به أنه وَّله (١) ((الفتح)) ٢٧٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). (٢) ((عمدة القاري)) ٩٨/٤. (٣) ((عمدة القاري)) ٩٨/٤. ٦٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة لم يُعِد تلك الصلاة، فدل على جوازها في الحرير، لكن هذا إنما يتمّ إن قلنا بأن تلك الصلاة وقعت بعد تحريم الحرير على الرجال، وقد تقدم ترجيح كون نَزْعه للفَرُّوج ابتداء التحريم، فالصلاة وقعت قبله، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن الصبيان لا يحرم عليهم لُبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى. وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعَكْسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث: يُمنع بعد التمييز(١). ٤ - (ومنها): أنه لا كراهة في لُبس الثياب الضيّقة والمُفَرّجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها . ٥ - (ومنها): أن فيه جواز قبول هديّة المشرك للإمام لمصلحة يراها، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٥٤١٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَُّ - يَعْنِي: أَبَا عَاصِم - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الْحَكَم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٥/٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب هذه ساقها أبو عوانة تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٨٥١٠) - حدّثنا أبو يوسف الفارسيّ، والصغانيّ، وأبو أمية، قالوا: ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي (١) ((الفتح)) ٢٧٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٠١). ٦٢٩ (٢) - بَابُ إِبَاحَةٍ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا - حديث رقم (٥٤١٨) الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله وَ ﴿ صلى في فَرُّوج من حرير، ثم نزعه، فألقاه، فقيل: يا رسول الله صليت فيه، ثم نزعته؟ قال: ((إنه لا ينبغي (١) . . للمتقين)). انتهى وساقها الإمام أحمد كَُّ في ((مسنده))، مقرونةً برواية محمد بن إسحاق، فقال : (١٧٣٩٠) - حدّثنا عبد الله (٢)، حدّثني أبي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب ... وثنا أبي، عن الضحّاك بن مَخْلَد، عن عبد الحميد بن جعفر، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْئَد بن عبد الله الْيَزَنيّ، عن عُقبة بن عامر الْجُهَنِيّ، قال: أُهدي إلى رسول الله بَّهِ فَرُّوج حرير، فلبسه، فصلى فيه بالناس المغرب، فلما سَلَّم من صلاته نزعه نزعاً عَنِيفاً، ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله قد لبسته، وصليت فيه؟، قال: ((إن هذا لا ينبغي للمتقين)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (٢) - (بَابُ إِبَاحَةٍ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٤١٨] (٢٠٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنْبَأَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ (٤) بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمُصِ الْحَرِيرِ، فِي السَّفَرِ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي. (١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٢٩/٥. (٢) هو: ولد الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ١٥٠. (٤) وفي نسخة: ((وللزبير)). ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخَذَلُ، وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس ظه من المكثرين السبعة، ومن المعمَّرين من الصحابة ﴿ه، عاش فوق مائة، وهو آخر من مات منهم بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ) اسمه مِهْران، أنه قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (أَنْبَأَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ رَخَّصَ) بتشديد السّدوسيّ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِك) الخاء المعجمة، من الترخيص، وهو التسهيل، يقال: رخّص الشرعُ لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً: إذا يسّره، وسهّله. قاله الفيّوميّ. (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومن السابقين الأولين في الإسلام، توفّي سنة (٣٢)، وتقدّمت ترجمته في ((الصلاة)) ٩٥٧/٢٣. (وَالزُّبَيْرِ) وفي بعض النسخ: ((وللزبير)) باللام، (ابْنِ الْعَوَّامِ) بن خُويلد القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، توفّي سنة (٣٦) بعد مُنصرفه من وقعة الْجَمَل. (فِي) لُبس (الْقُمُصِ) بضمّتين: جمع قَميص، قال الفيّوميّ: القميص: جمعه قُمْصانٌ، وقُمُصٌ بضمّتين، وقَمّصته قَمِيصاً بالتشديد: ألبسته، فتقمّصه. انتهى، وقال المجد: والْقَميص، وقد يؤنّث: معروفٌ، أو لا يكون إلا من قُطنٍ، وأما من الصوف، فلا، وجَمْعه: قُمُصٌ، وأقمصةٌ، وقُمصان. انتهى. وقال المرتضى في (شرحه)): ((والقَمِيص)): الَّذي يُلْبَس، مُذَكَّر، وقَدْ يُؤَنَّثْ إِذا عُنِيَ به الدِّرْعٌ. وقد أَنَّتُهُ جَرِيرٌ حينَ أَرادَ به الدِّرْعَ [من الكامل]: تَدْعُو هَوَازِنَ والقَميصُ مُفَاضَةٌ تَحْتَ النُّطَاقِ تُشَدُّ بالأَزْرار فإِنَّهُ أَراد: وقَميصُه درْعٌ مُفَاضَةٌ. قال: وذَكَرَ الشَّيْخُ ابنُ الجَزَريّ وغَيْرُهُ أَنَّ القَمِيصَ ثَوْبٌ مَخيطٌ بِكُمَّيْنٍ، غَيْرُ مُفرجٍ، يُلْبَسُ تَحْتَ النِّيَاب، قيل: ولَعَلَّه مَأْخُوذٌ من الجِلْدَة الَّتي هيَ غِلَافُ القَلْبِ، وقِيلَ: مَأْخُوذُ من التَّقَمُّصِ، وهو ٦٣١ (٢) - بَابُ إِبَاحَةٍ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا - حديث رقم (٥٤١٨) التَّقَلُّب)). انتهى باختصار(١). وقوله: (الْحَرِيرِ) بالجرّ عطف بيان لـ((القُمُص))، وفي الرواية الآتية: ((في قُمُص الحرير)) بالإضافة، وفي أخرى: ((في لُبس الحرير)) بلا ذكر ((القُمص))، وهي رواية البخاريّ في ((اللباس))، وفي لفظ له في ((الجهاد)): ((في قميص من حرير)). (فِي السَّفَرِ) متعلّق بـ((رخّص))، وهل هو خاصّ بالسفر أم لا؟ يأتي البحث عنه. (مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) ((من)» تعلیلیةٌ؛ لأجل حگّة كانت بهما . و((الحكّة)) - بالكسر: الْجَرَبُ. قاله في ((القاموس)). وفي ((المصباح)): داء يكون بالجسد، وفي كتب الطبّ: هي خِلْطٌ رَقيقٌ، بُرَقِيٍّ، يحدُث تحت الجلد، ولا يحدُث منه مِدَةٌ، بل شيء كالنخالة، وهو سريع الزوال. وفي رواية همّام الآتية: ((أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام شَكّوا إلى رسول الله وَيه القَمْل، فرخّص لهما في قميص الحرير، في غَزاة لهما)). وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، (وَجَع) بفتحتين؛ أي: مرض، والمراد به الحكّة، (كَانَ بِهِمَا). قال السنديّ نَّلُهُ: والظاهر أن الحكّة هي علّة الرخصة، وقد جاء أن الواقعة كانت في السفر، لكن السفر اتفاقيّ، لا دخل له في العلة، ويَحْتَمِل أن العلّة مجموعهما، أو كلّ واحد منهما، وكأن من جوّز للحرب رأى أن العلّة كلّ منهما. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال في ((الفتح)): ذكر البخاريّ حديث أنس رُه في الرخصة للزبير وعبد الرحمن بن عوف، في قميص الحرير من خمسة طُرُق، ففي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ((من حكة كانت بهما))، وكذا قال شعبة في أحد الطريقين، وفي رواية همام، عن قتادة في أحد الطريقين: ((يعني: القمل))، ورجّح ابن التين الروايةَ التي فيها ((الحكة))، وقال: لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ. وجمع الداوديّ باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين. وقال ابن العربيّ: قد ورد أنه أرخص لكل منهما، فالإفراد يقتضي أن لکل حگّة. (١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٥٢٠/١ - ٤٥٢١. ٦٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القَمْل، فنُسبت العلة تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب. ووقع في رواية محمد بن بشار، عن غندر: ((رخص، أو أرخص))، كذا بالشك، وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ: ((رخّص رسول الله وَّ))، وكذا قال وكيع عن شعبة . قال: وجعل الطبريّ جوازه في الغزو، مستنبَطاً من جوازه للحكة، فقال: دلّت الرخصة في لبسه بسبب الحكة، أن من قَصَد بلبسه ما هو أعظم، من أذى الحگّة، کدفع سلاح العدوّ، ونحو ذلك، فإنه يجوز. قال: ثم المشهور عن القائلين بالجواز، أنه لا يختص بالسفر، وعن بعض الشافعية يختص. وقال القرطبيّ: الحديث حجة على من منع، إلا أن يدّعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن، ولا تصح تلك الدعوى. وقد جنح إلى ذلك عمر ظُه، فروى ابن عساكر من طريق ابن عوف، عن ابن سيرين، أن عمر رأى على خالد بن الوليد، قميص حرير، فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأنت مثل عبد الرحمن؟، أوَ لك مثل ما لعبد الرحمن؟ ثم أمر من حضره فمزقوه. رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بهذا أن الأثر لا يكون مؤيّداً لمن ادّعى الخصوصيّة؛ لانقطاعه، فتنبّه. وقال في موضع آخر: قال الطبريّ: فيه دلالة على أن النهي عن لُبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علّة، يخففها لبس الحرير. انتهى، ويَلتحق بذلك ما يقي من الحرّ، أو البرد، حيث لا يوجد غيره. قال: وقد خصّ بعض الشافعية الجواز بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصّه النوويّ في ((الروضة)) مع ذلك بالحكّة، ونقله الرافعيّ في القمل أيضاً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((الفتح)) ١٩٣/٧ - ١٩٤، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩١٩). (٢) ((الفتح)) ٣٢٠/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٩). ٦٣٣ (٢) - بَابُ إِبَاحَةٍ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا - حديث رقم (٥٤١٨) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفق عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤١٨/٢ و٥٤١٩ و٥٤٢٠ و٥٤٢١ و٥٤٢٢] (٢٠٧٦)، و(البخاريّ) في ((الجهاد والسير)) (٢٩١٩ و٢٩٢٠ و٢٩٢٢) و((اللباس)) (٥٨٣٩)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٠٥٦)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٢٢)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٥٣١٢ و٥٣١٣) و((الكبرى)) (٩٦٣٥ و٩٦٣٦)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٥٩٢)، و(الطيالسيّ) في (مسنده)) (١٩٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥٥/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٣ و١٢٧ و١٨٠ و١٩٢ و٢١٥ و٢٥٢ و٢٥٥ و٢٧٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣١٤٨ و٣٢٥٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٤٣٠ و٥٤٣١ و٥٤٣٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٤/٥ و٢٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٨/٣ - ٢٦٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٠٥ و٣١٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الرخصة في لُبس الحرير للضرورة، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث تراعي حاجات المكلّفين، فحيثما يلحقهم ضرر يُلجؤهم إلى ارتكاب المحظور تُوَسّع علیھم، وتُبيح ذلك المحظور؛ رفقاً بهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهُ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]. ٣ - (ومنها): أن فيه بيانَ خاصيّة الحرير، حيث إنه يدفع أذى القمل، وضرر الحگّة. وقال في ((الفتح): ووقع في كلام النوويّ تبعاً لغيره، أن الحكمة في لبس الحرير للحكة؛ لِمَا فيه من البرودة. وتُعُقّب بأن الحرير حارّ، فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه؛ لِدَفْع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل. والله تعالى أعلم. ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لبس الحرير للضرورة: (اعلم): أنه قد اختلف السلف في لباسه، فمنعه مالك، وأبو حنيفة مطلقاً، وقال الشافعيّ، وأبو يوسف: بالجواز للضرورة، وحَكَى ابن حبيب، عن ابن الماجشون، أنه يستحب في الحرب، وقال المهلِّب: لباسه في الحرب؛ لإرهاب العدوّ، وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب. (١) انتھی(١) . وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: ترخيص النبيّ وَّ﴿ لعبد الرحمن، والزبير ظؤها في لباس الحرير للحكّة، أو للقمل يدلّ على جواز ذلك للضرورة، وبه قال جماعة من أهل العلم، وبعض أصحاب مالك، وأما مالك: فمَنَعه في الوجهين، والحديث واضح الحجة عليه، إلا أن يدّعي الخصوصيّة بهما، ولا يصحّ، أو لعلّ الحديث لم يبلغه. انتهى(٢). وقال النوويّ كَّلُ: هذا الحديث صريحٌ في الدلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه يجوز لُبس الحرير للرجل، إذا كانت به حكّة؛ لِمَا فيه من البرودة، وكذلك للقمل، وما في معنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث دليلٌ لجواز لبس الحرير عند الضرورة، كمن فاجأته الحرب، ولم يجد غيره. قال: والصحيح عند أصحابنا، والذي قطع به جماهيرهم أنه يجوز لبس الحرير للحكّة، ونحوها في السفر، والحضر جميعاً. وقال بعض أصحابنا: يختصّ بالسفر، وهو ضعيف. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز لبس الحرير للضرورة هو الحقّ؛ لقوّة دليله، ولعلّ الذين منعوا منه على الإطلاق لم يبلغهم حديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤١٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي السَّفَرِ). (١) ((الْفَتْح)) ١٩٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩١٩). (٢) ((المفهم)) ٣٩٨/٥. (٣) ((شرح النووي)) ٥٢/١٤ - ٥٣. ٦٣٥ (٢) - بَابُ إِيَاحَةٍ لُّبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا - حديث رقم (٥٤٢٠ -٥٤٢١) رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم سبقوا في البابين الماضيين. [تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ - أَوْ رُخِّصَ - لِلْزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ؛ لِحِكٍْ كَانَتْ بِهِمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ - أَوْ رُخِّصَ) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي، و((رخّص)) بالتشديد، و(أرخص))، بالهمزة لغتان، بمعنى سَهّل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها البخاريّ تَخْذَلُهُ في ((صحيحه))، بعد إخراجه الحديث من رواية يحيى القطّان، عن شعبة، فقال: (٢٩٢١) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، أخبرني قتادة، أن أنساً حدّثهم، قال: رَخَّص النبيّ وَّ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في حرير. (٢٩٢٢) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غُندر، حدّثنا شعبة، سمعت قتادة، عن أنس، رَخَّصَ، أو رُخِّص لحكة بهما. انتهى. ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسأَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ، فِي غَزَاةٍ لَّهُمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ ربما وَهِم، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. وقوله: (شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلێ) شكوت بالواو، وشكيت بالياء لغتان، أفاده في ((القاموس))(١) . وقوله: (الْقَمْلَ) بفتح، فسكون، وفِعله كفَرِح، يقال: قَمِلَ رأسه: إذا كثُر قمله . وقوله: (فِي غَزَاةٍ لَّهُمَا) بفتح الغين المعجمة، لغة في الْغَزْو. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣) - (بَابُ النَّهْرٍ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٣] (٢٠٧٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ مَعْدَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: (١) ((القاموس المحيط)) ص٧٠٢. ٦٣٧ (٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ - حديث رقم (٥٤٢٣) رَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَيَّ ثَوْبَيْنٍ مُعَصْفَرَيْنٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ) التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٣ - (ابْنَ مَعْدَانَ) هو: خالد بن معدان بن أبي كُريب الْكَلاعيّ، أبو عبد الله الشاميّ الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، يُرسل كثيراً [٣]. روى عن ثوبان، وابن عمرو، وابن عمر، وعتبة بن عبد السّلميّ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، وغيرهم. وروى عنه بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وثور بن يزيد، وحَرِيز بن عثمان، وحسان بن عطية، وفُضيل بن فَضَالة، وجماعة. قال يعقوب بن شيبة: لم يلق أبا عبيدة، وهو كَلاعيّ، يُعدّ من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد الصحابة، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وابن خِراش، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو مسهر، عن إسماعيل بن عياش: حدّثتنا عبدة بنت خالد بن معدان، وأم الضحاك بنت راشد، أن خالد بن معدان قال: أدركت سبعين رجلاً من أصحاب النبيّ وَ ﴿، وقال بقية عن بحير بن سعد: ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه، كان عِلْمه في مصحف له أزرار، وعُرى، قال بقية: وكان الأوزاعيّ يُعَظّم خالداً، فقال لنا: أله عقب؟ فقلنا: له ابنة، فقال: ائتوها، فسلوها عن هدي أبيها، قال: فكان ذلك سبب إتياننا عبدة، وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو: رأيت خالد بن معدان إذا كبُرت حلقته قام مخافة الشهرة، وقال يزيد بن هارون: مات، وهو صائم، وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه تُؤُنّي سنة (١٠٣)، وقال دُحيم وغيره: مات سنة (١٠٤)، وقال يحيى بن صالح، عن ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة إسماعيل بن عياش: مات سنة (١٠٥)، وقيل عن إسماعيل: سنة ست، وقال أبو عبيد، وخليفة: سنة (١٠٨)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من خيار عباد الله، مات سنة (١٠٤)، وقيل: سنة (١٠٨)، وقيل: سنة (١٠٣). أخرج له السّة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليل [٢] (ت٨٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة سنة (٦٣) على الأصحّ، بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف، وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وأن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، يحيى فمن بعده، وأن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ّ، وهو أحد العبادلة الأربعة شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير، أنه قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ) التيميّ (أَنَّ) خالد (ابْنَ مَعْدَانَ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، الكلاعيّ الحمصيّ، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر محمد بن إبراهيم (أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُغَيْرِ) بتصغير الاسمين، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن مَعْدان (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر جبيراً، وقوله: (قَالَ) تفسير وبيان للإخبار، الْعَاصِ). (رَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنٍ) ((المُعَصْفر): اسم مفعول، من عَصْفَرتُ الثوب: إذا صبغته بالْعُصْفُر، وهو نبتٌّ معروف. أفاده في ((المصباح))(١)، وفي ((اللسان)): الْعُصفر هذا الذي يُصبغ به منه رِيفيّ، ومنه (١) ((المصباح المنير)) ٤١٤/٢. (٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ - حديث رقم (٥٤٢٣) ٦٣٩ برّيّ، وكلاهما نبتٌ بأرض العرب. انتهى(١). (فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا))) قال القرطبيّ ◌َُّ: هذا يدلّ على أن علّة النهي من لباسهما التشبّه بالكفّار. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﴿ه من أفراد المصنّف ◌َّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٢٣/٣ و٥٤٢٤ و٥٤٢٥] (٢٠٧٧)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٢٠٣/٨) و((الكبرى)) (٩٦٤٧ و٩٦٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده)) (٣٠١/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٩/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٢/٢ و١٦٤ و١٩٣ و٢٠٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٦/٥ و٢٣٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٩/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢١١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١٩/٢)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٦٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٠/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن لبس المعصفر. قال الشوكانيّ كَّلُ: وقد استَدَلّ بهذا الحديث من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بعصفر، وذهب جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، ومالك إلى الإباحة، كذا قال ابن رسلان في ((شرح السنن))، قال: وقال جماعة من العلماء بالكراهة للتنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لِمَا في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ◌ًا، قال: ((رأيت رسول الله يصبغ بالصفرة))، زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ: ((وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها)). وقال الخطابيّ: النهي منصرف إلى ما صُبغ من الثياب، وكأنه نظر إلى ما في ((الصحيحين)) من ذِكر مطلق الصبغ بالصفرة، فقَصَره على صبغ اللحية، دون (١) ((لسان العرب)) ٥٨١/٤. (٢) ((المفهم)) ٣٩٩/٥. ٦٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة الثياب، وجعل النهي متوجهاً إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك الزيادة المصرِّحة بأنه كان يصبغ ثيابه بالصفرة. ويمكن الجمع بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول الله وَله، غير صفرة العصفر المنهيّ عنه، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ها: ((أن النبيّ وَّ و كان يصبغ بالزعفران». وقد أجاب من لم يقل بالتحريم، عن حديث ابن عمرو المذكور في الباب، وحديثه الذي بعده، بأنه لا يلزم من نهيه له نهي سائر الأمة، وكذلك أجاب عن حديث عليّ الآتي بأن ظاهر قوله: ((نهاني)) أن ذلك مختصّ به، ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال: (ولا أقول: نهاكم)). وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حُكمه وَيّ على الواحد من الأمة، هل يكون حكماً على بقيتهم أو لا؟ والحقّ الأول، فيكون نهيه لعليّ وعبد الله ظيّها نهياً لجميع الأمة. ولا يعارضه صبغه بالصفرة، على تسليم أنها من العصفر؛ لِمَا تقرر في الأصول من أن فِعْله ◌َّر الخالي عن دليل التأسي الخاص، لا يعارض قوله الخاصّ بأمته(١)، فالراجح تحريم الثياب المعصفرة. والعصفرُ، وإن كان يصبغ صبغاً أحمر، كما قال ابن القيم، فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في ((الصحيحين)) من أنه كان يلبس حلة حمراء؛ لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة، وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر، وسيأتي ما حكاه الترمذي عن أهل الحديث بمعنى هذا. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َظُّهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح القول بتحريم لبس المعصفر على الرجال، كما يأتي في المسألة التالية، ولا يستلزم ذلك تحريم (١) هذه القاعدة قد نبهت عليها كثيراً، وهو أن الأرجح خلاف ما قاله الشوكانيّ تَّهُ، وهو أن فِعله بَّ كقوله، فيعامَل معاملته، إلا إذا كان خاصّاً به، ولا تثبت الخصوصيّة إلا بدليل خاصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((نيل الأوطار)) ١٨١/٢ - ١٨٢.