Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
أفاده ولي الدين تَّه(١).
٢ - (ومنها): عَرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما
يَحتاج إليه من مصالحه مما يظنّ أنه لم يطلع عليه.
٣ - (ومنها): أن فيه إباحة الطعن لمن يستحقّه.
٤ - (ومنها): جواز البيع والشراء على أبواب المساجد.
٥ - (ومنها): مباشرة الصالحين، والفُضلاء البيع والشراء.
٦ - (ومنها): أن الجمعة يلبس فيها من أحسن الثياب، وكذلك يُتَجَمَّل
بالثياب الحسان في الأعياد؛ لأن الجمعة عيد، ويُتَجَمَّل بها أيضاً على وجه
الترهيب للعدوّ، والتغليظ عليهم، قال ابن عبد البرّ كَخَّشُهُ: ولا أعلم بين العلماء
اختلافاً في استحباب التجمل بأحسن الثياب يوم الجمعة لمن قَدَر. انتهى(٢).
٧ - (ومنها): أن الإنسان يجوز له أن يملك ما لا يجوز له أن يلبس،
وفيه إباحة الطعن عليه(٣).
٨ - (ومنها): جواز قبول الخليفة للهدايا من قِبَل الروم، وغيرهم، من
الكفرة.
٩ - (ومنها): أن فيه بيان بعض ما كان عليه رسول الله وَالله من السخاء،
وصلة الإخوان بالعطاء.
١٠ - (ومنها): أنه جائز أن يعطي الرجل ما لا يجوز له لباسه، إذا جاز
له مُلکه، والتصرف فيه.
١١ - (ومنها): جواز صلة القريب المشرك ذمياً كان، أو حربيّاً؛ لأن مكة
لم يبق فيها بعد الفتح مشرك، وكانت قبل ذلك حرباً، قال ابن عبد البرّ تَُّهُ:
ولم يختلف العلماء في الصدقة التطوع أنها جائزة من المسلم على المشرك
قريباً كان، أو غيره، والقريب أولى ممن سواه، والحسنة فيه أتمّ، وأفضل،
وإنما اختلفوا في كفارة الأيمان، وزكاة الفطر، فجمهور العلماء على أنها لا
تجوز لغير المسلمين؛ لقوله وقالفيه: أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢٦/٣.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٦٢.
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٦٢.

٥٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
على فقرائكم، وكذلك كل ما يجب أن يؤخذ منهم، فواجب أن يُرَدّ على
فقرائهم، وأجمعوا أن الزكاة المفروضة لا تحل لغير المسلمين، فسائر ما يجب
أداؤه عليهم من زكاة الفطر، وكفارة الأيمان، والظهار فقياس على الزكاة
عندنا، وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القرابات وغيرهم، لا
أعلم في ذلك خلافاً، والله أعلم. انتهى.
قال: روى الثوريّ، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يَرْضخوا لأنسابهم من أجل
الكفر، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْشُِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢].
ثم أخرج بسنده عن عكرمة، أن صفية زوج النبيّ وَّ قالت لأخ لها
يهوديّ: أسلم ترثني، فسمع ذلك قومه، فقالوا: أتبيع دينك بالدنيا؟ فأبى أن
يُسلم، فأوصت له بالثلث.
ثم أخرج عن فاطمة ابنة المنذر، عن جدّتها أسماء بنت أبي بكر، قالت:
سألت رسول الله وَله، قلت: أتتني أمي، وهي راغبة، فأعطيها؟ قال: ((نعم،
فَصِلِیها)»(١) .
وذكر في ((الفتح)) تعقّباً على قول ابن عبد البرّ: فيه جواز الهديّة للكافر،
ولو كان حربيّاً .
فقال: وتُعُقّب بأن عُطارداً إنما وَفَد سنة تسع، ولم يبق بمكة بعد الفتح
مشرك.
وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحلّة
كانت حينئذ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يَقْدَمون المدينة،
ويُعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود،
فَيَحْتَمِل أن يكون في المدّة التي كانت بين الفتح، وحجّ أبي بكر تَُّهِ، فإنّ مَنْع
المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر ظ له سنة تسع، ففيها وقع النهي
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٦٤/١٤.

٥٦٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. انتهى(١).
١٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه تَرْكُ النبيّ وَ ﴿ لباس الحرير، زُهداً
في الدنيا، وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها؛ إذ تعجيل
الطيبات في الدنيا ليس من الحزم، فزَهِد في الدنيا للآخرة، وأمَر بذلك، ونَهَى
عن كل سَرَف وحرّمه(٢).
وتَعَقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن تركه ◌َله لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية،
وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال، وما لا عقوبة فيه، فالتقلل منه، وتركه
مع الإمكان هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد.
قال الحافظ: ولعل مراد ابن بطال بيان سبب التحريم، فيستقيم ما قاله.
(٣).
٠
انتھی
١٣ - (ومنها): تحريم الحرير على الرجال مطلقاً، وفيه تفاصيل للعلماء،
وقد تقدّم بيانه، وبالله تعالى التوفيق.
١٤ - (ومنها): جواز لبس الحرير للنساء، سواء كان الثوب حريراً كلّه أو
بعضه؛ لقوله ◌َله: «أو شقِّقها خُمُراً بين نسائك)).
١٥ - (ومنها): جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرّفهم فيها بالهبة
والهديّة، لا اللبس.
١٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: إن الكافر ليس مخاطباً بالفروع؛
لأن عمر ﴿هَ لَمّا مُنع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم يُنكر ◌َّل
عليه ذلك.
وتُعُقّب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فَيَحْتَمِل أن يكون وقع الحكم في حقّه
كما وقع في حق عمر رعظاته، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو.
وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعيّ ما يحمله بعد العلم بالنهي
على الكفّ، بخلاف الكافر، فإنّ كُفْره يحمله على عدم الكفّ عن تعاطي
(١) (الفتح)) ٣٢٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).
(٢) (شرح البخاريّ)) لابن بطال كَتَهُ ٩/ ١١٠ - ١١١.
(٣) ((الفتح)) ٣٢٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).

٥٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
المحرّم، فلولا أنه مباح له لُبسه لَمَا أهدى له، لِمَا في تمكينه من الإعانة على
المعصية، ومن ثَمَّ يَحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمراً، وإن
احتَمَل أنه قد يشربه عصيراً، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية،
لكن يَحْتَمِل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون مشروعيّة خطاب الكافر
بالفروع تراخت عن هذه الواقعة. والله أعلم. ذكره في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة؛
كأصوله، وقد تقدّم تحقيق هذا غير مرّة، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َّهِ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِك).
رجال هذه الأسانيد: اثنا عشر:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثمّ الْحَدَثانيّ، أبو
محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من
قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٨٧/٦.
٣ - (حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) العُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ
ربّما وَهِمَ [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة: عبد الله بن نُمير،
وأبا أسامة، ويحيى بن سعيد القطّان رووا هذا الحديث عن عُبيد الله بن عُمر
الْعُمَريّ.
(١) ((الفتح)) ٣٢٩/١٣ - ٣٣٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).

٥٦٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٢)
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع) أن عبيد الله العمريّ، وموسى بن عُقبة رويا
هذا الحديث عن نافع ... إلخ.
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع ساقها النسائيّ في ((سننه))،
فقال :
(٩٥٧٠) - أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا عبد الله بن نُمير، قال:
حدّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب(١)، أنه رأى
حُلّة سيراء تباع عند باب المسجد، فقلت: يا رسول الله لو اشتريتها هذا ليوم
الجمعة، وللوفد إذا قَدِموا عليك، فقال رسول الله وَله: ((إنما يلبس هذه من لا
خَلاق له في الآخرة))، قال: فأتي رسول الله وَ له بعدُ منها بحلل، فكساني منها
حلة، فقال: يا رسول الله كسوتنيها، وقد قلت فيها ما قلت؟ قال النبيّ وَل ور:
((إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتكسوها، أو لتبيعها))، فكساها عمر
أخاً له من أمه مشركاً. انتهى.
وأما رواية موسى بن عُقبة، عن نافع فلم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، حَدَّثَنَا
نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِداً الثَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوَّقِ حُلَّةً
سِيَرَاءَ - وَكَانَ رَجُلاً يَغْشَى الْمُلُوَكَ، وَيُصِيبُ مِنْهُمْ - فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِداً يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَوِ اشْتَرَيْتَهَا، فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ
الْعَرَبِ، إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ - وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَلَبِسْتَهَا بَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَّهُ فِي الآخِرَةِ»، فَلَمَّا
كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِحُلَلِ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى
أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: ((شَقِّفْهَا خُمُراً بَيْنَ
(١) قوله: ((عن عمر ... إلخ)) تقدّم أن المحفوظ كون الحديث من مسند ابن عمر، لا
من مسند عمر ◌ًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
نِسَائِكَ))، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ بَحْمِلُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ،
وَقَدْ قُلْتَ بِالأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ
لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا))، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَتَظَرَ
إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ نَظَرَأَ عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَأَنْتَ بَعَنْتَ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ
لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُراً بَيْنَ نِسَائِكَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّفُهُ، وهو (٤٠٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِداً الثَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً)؛ أي:
يَعْرضها للبيع.
وقوله: (وَكَانَ رَجُلاً يَغْشَى الْمُلُوَكَ)؛ أي: يأتيهم، يقال: غَشِيته أغشاه،
من باب تَعِب: إذا أتيته، والاسم: الْغِشْيَانُ بالكسر(١).
وقوله: (وَيُصِيبُ مِنْهُمْ)؛ أي: ينال منهم الجواز، ويأخذها.
وقوله: (فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ) تقدّم أنه إنما خصّ العرب بالذُكر؛ لكونهم
أكثر الوفود في ذلك الوقت غالباً .
وقوله: (وَأَظُنُّهُ قَالَ ... إلخ) هذا الظنّ يَحْتَمل أن يكون من ابن عمر، أو
ممن دونه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ)؛ يعني: من لا نصيب له في اعتقاد
الآخرة، وهذا في حقّ الكفّار ظاهر، وأما في حقّ المؤمن فيُحمَل على
التغليظ؛ لعدم جريانه على موجب اعتقاده، ويَحْتَملُ أن يكون المراد أنه لا
نصيب له مِن لُبس الحرير في الآخرة، فيكون كنايةً عن حرمانه من الجنّة التي
لباس أهلها الحرير، كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]،
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٨/٢.

٥٦٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٣)
وهذا في حقّ الكافر ظاهر أيضاً، وأما في حقّ المؤمن فمحمول على التغليظ
أيضاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((شَقِّقْهَا خُمُراً بَيْنَ نِسَائِكَ))) ((خُمُراً)) بضمّ الخاء، والميم، ويجوز
إسكانها: جمع خمار بالكسر، وهو ما يوضع على رأس المرأة، وقوله: ((بين
نسائك)) ويأتي بلفظ: ((بين الفواطم))، وهنّ: فاطمة بنت النبيّ وَّر، وفاطمة
بنت أسد أم عليّ، وفاطمة بنت حمزة ﴿ه، وفيه دليل على جواز لبس النساء
الحرير، وهو مجمع عليه اليوم، وإن كان فيه خلاف بين السلف، كما أسلفنا
أول الباب، ولله
تحقيقه في المسائل المذكورة في شرح حديث البراء
الحمد والمنّة.
وقوله: (وَقَدْ قُلْتَ بِالأَمْسِ ... إلخ) هذا ظاهر أن القصّة وقعت خلال
يومين متتالين، ويَحْتَمِل أن يكون مجازاً عما مضى من الوقت القريب، ويدلّ
عليه ظاهر قوله في الرواية التالية بلفظ: ((فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ))، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (لِتُصِيبَ بِهَا)؛ أي: لتنال بسبب بيعها مالاً تتتفع به.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخْتُ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى - وَاللَّفْظُ
لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي
سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: وَجَدَ هُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً مِنْ
إِسْتَبْرَقٍ، تُبَاعُ بِالسُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
ابْتَعْ هَذِهِ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ، وَلِلْوَقْدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ
مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ))، قَالَ: فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهـ
بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
قُلْتَ: (إِنَّمَّا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ))، أَوْ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ
لَهُ))، ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((تَبِيعُهَا، وَتُصِيبُ بِهَا
حَاجَتَك))).

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٧ - (عبد الله بن عمر بن الخطاب ظ له، تقدم في السند الماضي.
وقوله: (ابْتَعْ هَذِهِ) من الابتياع؛ أي: اشتر هذه الحلّة، قال الكرمانيّ:
((هذه)) إشارة إلى نوع الجبّة، قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر إشارة إلى
عينها، ويلتحق بها جنسها. انتهى(١).
وقوله: (فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ، وَلِلْوَقْدِ) كذا في رواية سالم بلفظ: (للعيد))،
وتقدّم في رواية نافع بلفظ: ((للجمعة)) بدل العيد، وكلاهما صحيح، وكأن ابن
عمر ﴿يَّ ذكرهما معاً، فاقتصر كلّ راو على أحدهما، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ) ((الجُبّة)) بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة: ثوب
سابغٌ، واسع الكمّين، مشقَّق المقدَّم، يُلبس فوق الثياب(٣).
و((الديباج)) بالكسر: هي الثياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسيّ، مُعَرّبٌ،
وقد تفتح داله(٤)، كما تقدّم البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد.
وقوله: (وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ)؛ أي: تقضي بثمنها ما تحتاج إليه.
والحدیث متفقٌ علیه، وقد مضی تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حدیثین،
ولله الحمد والمنّة.
(١) ((الفتح)) ٢٥٨/٣، كتاب ((العيدين)) رقم (٩٤٨).
(٢) ((الفتح)) ٢٥٨/٣، كتاب ((العيدين)) رقم (٩٤٨).
(٣) راجع: ((المعجم الوسيط)) ١/ ١٠٤.
:
(٤) (عمدة القاري)) ١٤/ ٣٠٠.

٥٦٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٤ - ٥٣٩٥)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ في
((سننه)) مقروناً بيونس بن يزيد، فقال:
(١٧٦٠) - أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، عن ابن
وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن
سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: وَجَد عمر بن الخطاب حُلّة من إستبرق تباع
بالسوق، فأخذها، فأتى بها رسول الله وَلقه، فقال: يا رسول الله ابتع هذه،
فتجمّل بها للعيد، وللوفد، فقال رسول الله وَله: ((إنما هذه لباس من لا خلاق
له - أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له))، فَلِبِث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه
رسول الله وَي بجبة ديباج، فأقبل بها حتى أتى بها على رسول الله وَله، فقال:
يا رسول الله قلت: ((إنما هذه لباس من لا خلاق له»، ثم أرسلت إليّ بهذه،
فقال رسول الله وَل: ((بعها، وتصيب بها حاجتك))، واللفظ لسليمان. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَقْصٍ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ رَأَى عَلَى
رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ، أَوْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: لَوِ اشْتَرَيْتَهُ،
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٥٤٣/١، و((المجتبى)) ١٨١/٣.

٥٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ)، فَأُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ حُلٌَّ سِيَرَاءُ،
فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ، قَالَ: قُلْتُ: أَرْسَلْتَ بِهَا إِلَيَّ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ،
قَالَ: ((إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَقْصٍ) هو: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي
وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٩/ ٧٣٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (رَأَى عَلَى رَجُل مِنْ آلِ عُطَارِدٍ) المراد عطارد نفسه، كما قيل في
قوله ريمات: ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ الآية [سبأ: ١٣] إنه داود نفسه، قاله صاحب
((التنبيه))(١).
وقوله: (قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ)؛ أي: من خليط الحرير، (أَوْ حَرِيرٍ)، ((أو)) فيه
للشكّ من الراوي.
و((القباء)) بالفتح، والمدّ، قال الفيّوميّ تَُّهُ: والقباء ممدودٌ عربيّ،
والجمع أقبيةٌ، وكأنه مشتقّ من: قبوتُ الحرفَ أقبوه قَبْواً: إذا ضممته. انتهى(٢).
وقال المجد تَظُّ: ((القَبْوُةُ)): انضمام ما بين الشفتين، ومنه القَبَاءُ من
الثياب، جمعه أقبيةٌ. انتهى(٣).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رَّتُهُ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ حَقْصٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
رَأَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَّارِدٍ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا
بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا، وَلَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا))).
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٥٩.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٢٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٩/٢.

٥٧١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٧)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (رَوْحُ) بن عبادة القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن نُمير))، هو: محمد بن عبد الله بن
نُمير.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) الضمير لروح بن عُبادة.
وقوله: (إِنَّمَا بَعَنْتُ بِهَا إِلَيَْكَ لِتَنْتُفِعَ بِهَا)؛ أي: تبيعها، فتنتفع بثمنها، كما
صُرّح به في الرواية التي قبلها، وفي حديث ابن المثنّى بعدها(١).
[تنبيه]: رواية روح بن عُبادة، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ فِي الإِسْتَبْرَقِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَخَشُنَ مِنْهُ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلِ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَأَتَّى بِهَا
النَّبِيَّ وَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: ((إِنَّمَا بَعَنْتُ بِهَا إِلَيْكَ
لِتُصِيبَ بِهَا مَالاً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنْبَريّ مولاهم التّنُّوريّ، أبو سهل
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحَضْرميّ مولاهم، البصريّ النحويّ، صدوقٌ
ربّما أخطأ [٥] (١٣٦) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٨٦/٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
(١) (شرح النوويّ)) ٤٠/١٤.

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقوله: (حَدَّثَنِي يَحْبَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي
الإِسْتَبْرَقِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّبَاجِ، وَخَشُنَ مِنْهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
عُمَرَ يَقُولُ، وذكر الحديث) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، وفي
كتابَي البخاريّ، والنسائيّ: ((قال لي سالم: ما الإستبرق؟ قلت: ما غَلُظ من
الديباج))، وهذا معنى رواية مسلم، لكنها مختصرة، ومعناها: قال لي سالم في
الإستبرق: ما هو؟ فقلت: هو ما غَلُظ، فرواية مسلم صحيحة، لا قَدْحَ فيها،
وقد أشار القاضي إلى تغليطها، وأن الصواب رواية البخاريّ، وليست بغلط،
بل صحيحة، كما أوضحناه. انتهى كلام النوويّ رَّتُهُ، وهو تعقّبٌ جيّد، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَخَشُنَ مِنْهُ) ((غَلُظ))، و(خَشُن)) من باب
كُرُم، وقال في ((الفتح)): قوله: (خَشُّن)) بفتح الخاء، وضمّ الشين المعجمتين،
للأكثر، ولبعضهم بالمهملتين. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): ((الْغلظة)) مثلّثة الغين، والغِلاظة، بالكسر؛ ككتابة،
والْغِلَظ؛ كعِنَبِ: ضدّ الرّقّة، والفعل؛ ككرُم، وضَرَبَ، فهو غليظٌ، وغُلاظُ؛
كغُراب. انتهى (٢).
وقال أيضاً: خَشُنَ؛ ككرُم، خَشْناً، ومَخْشنةً، وخُشونةً، وخُشْنَةً بضمّهما،
وتخشّن: ضدّ لان. انتهى(٣).
وقوله: (رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلِ حُلَّةً) تقدّم أنه عطارد بن حاجب التميميّ.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير يحيى بن أبي إسحاق،
وضمير ((حديثهم)) للرواة الذين رووا عن سالم فيما مضى، وهما: ابن شهاب،
وأبو بكر بن حفص، وفيه إطلاق ضمير الجماعة على الاثنين، وهو فصيح،
كما أسلفناه غير مرّة.
وأما إصلاح الشيخ الهرريّ بقوله: ((نحو حديثهما))، ودعواه التحريف من
النسّاخ فغير صحيح؛ لأنه لا توجد نسخة من نُسخ الكتاب على ما ادّعاه،
(١) ((الفتح)) ٦٥٧/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٨١).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٩٥٧.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٣٧٢.

٥٧٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٧)
وأيضاً فإن مسلماً يستعمل هذا الاستعمال كثيراً، كما أسلفته غير مرّة، وإطلاق
العرب ضمير الجماعة على الاثنين فصيح صحيح، وقد حقّقت ذلك في ((التحفة
المرضيّة))، و((شرحها))، فارجع إليهما، تزدد علماً، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم هذه ساقها البخاريّ تَخُّْ
في ((صحيحه))، فقال:
(٥٧٣١) - حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الصمد، قال: حدّثني
أبي، قال: حدّثني يحيى بن أبي إسحاق قال: قال لي سالم بن عبد الله: ما
الإستبرق؟ قلت: ما غَلُظ من الديباج، وخَشُن منه، قال: سمعت عبد الله
يقول: رأى عمر على رجل حُلّةً من استبرق، فأَتَى بها النبيّ ◌َِّ، فقال: يا
رسول الله اشترِ هذه، فَالْبَسها لوفد الناس، إذا قَدِموا عليك، فقال: ((إنما يلبس
الحرير من لا خلاق له))، فمضى في ذلك ما مضى، ثم إنّ النبيّ وَّرْ بَعَث إليه
بحلة، فَأَتَّى بها النبيّ وَّه، فقال: بعثتَ إليّ بهذه، وقد قلت في مثلها ما قلت،
قال: ((إنما بعثت إليك لتصيب بها مالاً))، فكان ابن عمر يَكْرَه العَلَم في الثوب
لهذا الحدیث. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاريّ كَّلُ في آخر هذا الحديث ما نصّه:
((وكان ابن عمر يَكْرَه العَلَم في الثوب لهذا الحديث))، قال الخطابيّ: مذهب
ابن عمر في هذا مذهب الوَرَع، وكان ابن عباس يقول في روايته: ((إلا عَلَماً
في ثوب))، وذلك لأن مقدار العَلَم لا يقع عليه اسم اللبس، قال: ولو أن رجلاً
حَلَف لا يلبس غَزْل فلانة، فأخذ ثوباً، فَنَسَج فيه مِنْ غَزْلها، ومِن غَزْل غيرها،
وكان الذي مِنْ غَزْلها لو انفرد لم يبلغ إذا نُسِج أنه يحصل منه شيء مما يقع
علی مثله اسم اللبس لم يحنث. انتهى(٢).
وسيأتي في هذا الباب بعد ثلاثة أحاديث من رواية أبي عثمان النَّهْديّ عن
عمر ظه في النهي عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع،
وسيأتي البحث فيه مستوفّى هناك - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٥٨/٥.
(٢) (الأعلام)) للخطابيّ ٢١٩/٣.

٥٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
[تنبيه آخر]: اعترض بعض من شرح الكتاب(١) على هذا الحديث،
فقال: وحديث ابن عمر هذا في رواية سالم عنه معارضة بين رواياته: بعضها
قيّدت بإستبرق، وبعضها قيّدت بديباج، وهما ضدّان، فتساقطتا، وبقيت الرواية
المطلقة، وهي رواية نافع، فرجحت. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاعتراض عجيب من هذا القائل،
والحديث متّفقٌ عليه، وقد أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) بهذا اللفظ، فلا
أدري من أين أتاه هذا الاعتراض؟، ولم يتكلّم أحد من شرّاح الكتابين بما
قاله، لا الحافظ في ((الفتح))، ولا غيره، وأيضاً فأين التعارض الذي ادّعاه؟
فإن معنى الإستبرق، والديباج واحدٌ، فقد فسّر المفسّرون قوله تعالى: ﴿مِّن
سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] بأن السندس ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما
غلُظ منه أي من الديباج، فالديباج أعمّ، والإستبرق داخل في معناه؛ لأنه نوع
منه، فلا تعارض بينهما، فتأمله بالإمعان، والله تعالى المستعان.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٨] (٢٠٦٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ،
قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ
ثَلَاثَةً(٢): الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي
عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ
الْعَلَمْ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ
يَقُولُ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ))، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا
مِيثَرَةُ الأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ،
فَخَبَّرْتُهَا(٣)، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ،
كِسْرَوَانِيَّةً، لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ
(١) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: ((شرحه)) ٣٢٩/٢١.
(٢) وفي نسخة: ((ثلاثاً)).
(٣) وفي نسخة: ((فأخبرتها)).

٥٧٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٨)
عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَِّيُّ وَهِ يَلْبَسُهَا، فَتَحْنُ نَغْسِلُهَا
لِلْمَرْضَى، يُسْتَشْفَى بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم،
أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة العَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) هو: عبد الله بن كيسان التيميّ
مولاهم، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الحج)) ٢٦/ ٣٠٠٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ ﴿ُهَا (وَكَانَ خَالَ وَلَدٍ
عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح، قال في ((التهذيب)) في ترجمته: روى عنه صهره
عطاء بن أبي رَباح(١). (قَالَ) عبد الله (أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر ﴿ّا (إِلَى
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا، (فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ) بتشديد الراء،
من التحريم، (أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً) بدل من ((أشياء»، وفي بعض النسخ: ((أشياء ثلاثاً»،
وهو أيضاً جائز؛ لأن قاعدة تأنيث العدد مع المذكّر، وتذكيره مع المؤنّث إنما
يجب إذا وقع المعدود بعده تمييزاً، كثلاثة رجال، وثلاث نسوة، وأما إذا
تقدّم، كما هنا، أو حُذف؛ كحديث: ((وأتبعه ستّاً من شوّال)) فيجوز فيه
الأمران، وقد تقدّم بيان هذا في غير هذا المحلّ، وبالله تعالى التوفيق، وقوله:
(العَلَمَ فِي الثَّوْبِ) وما عُطف عليه بدل من ((أشياءَ))، أو من ((ثلاثةً))، أو خبر
المحذوف؛ أي: هي، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعني.
و((الْعَلَم)» محرّكةً: رَسْم الثوب، ورقمه، قاله المجد، وقال الفيوميّ:
أعلمت الثوبَ: جعلتُ له عَلَماً من طراز وغيره، وهي العلامة، جمعه أعلامٌ،
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٤١٠/٢.

٥٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
مثل سَبَب وأسباب. انتهى(١).
(وَمِيثَرَةَ الأُرْجُوَانِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: تقدّم تفسير ((المِيثَرَة))، وضبطها،
وأما ((الأُرْجُوان)) فهو بضم الهمزة والجيم، هذا هو الصواب المعروف في
روايات الحديث، وفي كتب الغريب، وفي كتب اللغة وغيرها، وكذا صَرّح به
القاضي في ((المشارق))، وفي شرح القاضي عياض في موضعين منه أنه بفتح
الهمزة، وضمّ الجيم، وهذا غلط ظاهر من النساخ، لا من القاضي، فإنه صرّح
في ((المشارق) بضمّ الهمزة، قال أهل اللغة وغيرهم: هو صبغ أحمر شديد
الحمرة، هكذا قاله أبو عبيد، والجمهور، وقال الفراء: هو الحمرة، وقال ابن
فارس: هو كل لون أحمر، وقيل: هو الصوف الأحمر، وقال الجوهريّ: هو
شجر له نَوْرٌ أحمر أحسن ما يكون، قال: وهو معرَّب، وقال آخرون: هو
عربيّ، قالوا: والذكر والأنثى فيه سواء، يقال: هذا ثوب أرجوان، وهذه قطيفة
أرجوان، وقد يقولونه على الصفة، ولكن الأكثر في استعماله إضافة الأرجوان
إلى ما بعده، ثم إن أهل اللغة ذكروه في باب الراء والجيم والواو، وهذا هو
الصواب، ولا يُغْتَرّ بذكر القاضي له في ((المشارق)) في باب الهمزة والراء
والجيم، ولا بذكر ابن الأثير له في الراء والجيم والنون، والله أعلم. انتهى
كلام النوويّ تَخْذُ(٢) .
(وَصَوْمَ) شهر (رَجَبِ كُلُّهِ) قال عبد الله بن كيسان: (فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ) بن
عمر ﴿يا جواباً عما استفتته أم سلمة ◌َيُّها من الأشياء الثلاثة: (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ)
بفتح التاء للمخاطب، (مِنْ رَجَبٍ)؛ أي: من تحريمي صوم شهر رجب (فَكَيْفَ
بِمَنْ يَصُومُ الأَبَدَ؟) قال النوويّ تَخْلُهُ: هذا من ابن عمر ظَهَا إنكار لِمَا بلغها عنه
من تحريمه، وإخبار بأنه يصوم رجباً كله، وأنه يصوم الأبد، والمراد بالأبد ما
سوى أيام العيدين، والتشريق، وهذا مذهبه، ومذهب أبيه عمر بن الخطاب،
وعائشة، وأبي طلحة، وغيرهم من سلف الأمة، ومذهب الشافعيّ وغيره من
العلماء أنه لا يكره صوم الدهر، وقد سبقت المسألة في ((كتاب الصيام)) مع
شرح الأحاديث الواردة من الطرفين. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٢٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٢.

٥٧٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٨)
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: معنى قول ابن عمر هذا: أنه إذا كان صوم الأبد
جائزاً، فکیف لا يكون صوم رجب كلّه جائزاً؟ وهذا تكذيب لمن نقل عنه،
وإبطال لقول من يقول بذلك، وقد تقدّم في ((كتاب الصيام)) الاختلاف في صوم
الأبد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في ((كتاب الصيام)) [٢٧٢٩/٣٧]
(١١٥٩) ترجيح القول بتحريم صيام الدهر؛ لقوّة حججه، فراجعه تستفد علماً
جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
(وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ) بفتح التاء للمخاطب أيضاً، (مِنَ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ)؛ أي:
من تحريمي العَلَم في الثوب، (فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رَبُهَ (يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ)))؛ أي: لا
نصيب، ولا حظّ له، (فَخِفْتُ) بكسر الخاء، من بابٍ فَهِمَ، (أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ
مِنْهُ)؛ أي: من جملة ما نُهي عنه في هذا الحديث، قال النوويّ: وأما ما
ذَكَرَتْ عنه من كراهة العَلَم، فلم يعترف بأنه كان يُحَرِّمه، بل أخبر أنه تَوَرَّع عنه
خوفاً من دخوله في عموم النهي عن الحرير. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَُّ: مَنْعُ عبد الله العَلَم الحرير في الثوب؛ إنما كان لأنَّه
تمسّك بعموم النهي عن لبس الحرير، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر ته الذي
رواه عنه سُويد بن غَفَلة الآتي في آخر الباب، والصواب إعمال ذلك المخَصِّص
في النهي العام، ولأجل هذا المخَصِّص قال ابن حبيب: إنه يرخَّص في لبس
العَلَم، والصلاة فيه، وإن عَظُم.
قال القرطبيّ: ويعني بقوله: وإن عَظُم، إذا بلغ أربع أصابع؛ الذي هو
غاية الرخصة المذكورة في الحديث، ورُوي عن مالك اختلاف في قدر الإصبع
من الحرير يكون في الثوب، فنهى عنه مرة، وأجازه أخرى. انتهى(٣).
(وَأَمَّا مِيثَرَةُ الأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ) هذا فيه التفات؛ لأن ظاهره أن
يقول: فهذه مِيثرتي، والله تعالى أعلم.
(١) «المفهم)) ٣٩٢/٥.
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٩٢/٥.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٢.

٥٧٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ) قال القرطبيّ: يعني أنه كان يستعمل مِيثرة الأُرجوان،
فكيف يُحَرِّمها؟! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهيّ عنها بأنها من
أرجوان. انتهى(١).
وقال النوويّ: وأما الميثرة فأنكر ما بلغها عنه فيها، وقال: هذه مِيثرتي،
وهي أرجوان، والمراد أنها حمراء، وليست من حرير، بل من صوف، أو
غيره، وقد سبق أنها قد تكون من حرير، وقد تكون من صوف، وأن الأحاديث
الواردة في النهي عنها مخصوصة بالتي هي من الحرير. انتهى (٢).
(فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ، فَخَبَّرْتُهَا(٣)، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ وََّ) قال
النوويّ دَّثُ: قَصَدَتْ أسماء ◌ًِّا بإخراجها جبة النبيّ وَّر المكفوفة بالحرير بيان
أن هذا ليس محرماً، وهكذا الحكم عند الشافعيّ وغيره أن الثوب، والجبة،
والعمامة، ونحوها إذا كان مكفوف الطرف بالحرير جاز، ما لم يزد على أربع
أصابع، فإن زاد فهو حرام؛ لحديث عمر ظته المذكور بعد هذا. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وقول أسماء: ((هذه جبة رسول الله (وَ ل﴿)) تَحتجُّ بذلك
على جواز العَلَم من الحرير، فإنَّ الجبّة كان فيها لِيْنَةٌ من حرير، وكانت مكفوفة
بالحرير، ووجه الاحتجاج بذلك أنه إذا كان القليل من الحرير الْمُصمت
المخيط في الثوب جائزاً، كان العَلَم بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من
قال: إن ذلك الحرير وُضع في الجُبَّة بعد موت رسول الله وَّه؛ لأنَّه لو كان
كذلك لَمَا احتجّت به أسماء ظْهَا، ولكان الواضع معروفاً عندهم، فإنَّ الاعتناء
بتلك الجبّة كان شديداً، وتحفّظهم بها كان عظيماً؛ لأنَّها من آثار رسول الله وَه
المتداولة عندهم للتذكر، والتبرك، والاستشفاء، فيَبعد ذلك الاحتمال، بل
يبطل، بدليل قولها: ((هذه كانت عند عائشة ﴿يّا))، إلى آخر الكلام، فتأمَّله،
فإنَّه يدلّ على ذلك دلالة واضحة. انتهى(٥).
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٩٢/٥ - ٣٩٣.
(٣) وفي نسخة: ((فأخبرتها)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٢/١٤.
(٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٩٣/٥.

٥٧٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٨)
(فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ) بإضافة ((جُبّة)) إلى ((طيالسة))، والطيالسة:
جمع طيلسان، بفتح اللام على المشهور، قال جماهير أهل اللغة: لا يجوز فيه
غير فتح اللام، وعَدُّوا كسرها في تصحيف العوامّ، وذكر القاضي في
((المشارق)) في حرف السين والياء، في تفسير الساج أن الطيلسان يقال: بفتح
اللام، وضمّها، وكسرها، وهذا غريبٌ ضعيفٌ، قاله النوويّ نَظُّهُ(١).
وقال الطيبيّ كَظَّثُ: وفي ((المغرب)): الطيلسان: تعريب اللسان، وجَمْعه
طيالسة، وهو من لباس العجم، مدوّرٌ أسود، وفي ((جمع التفاريق)): الطيالسة
لُحمتها وسَدَاها صوفٌ، والطيلس لغة فيه. انتهى، فعلى هذا الإضافة للبيان؛
أي: جبّة صوف، ويُعلم منه أنها كانت سوداء، قال: ويَحْتَمل أن يكون منسوباً
إلى الأعاجم، قال صاحب ((الأساس))، و((المغرب)): تقول العرب: يا ابن
الطيلسان، يريدون: يا أعجميّ، وينصره قوله: ((كسروانيّة))، وهو منسوب إلى
كسرى ملك الفرس، وبهذا تندفع جميع الإشكالات. انتهى(٢).
(كِسْرَوَانِيَّةً) - بكسر الكاف، وفتحها، والسين ساكنة، والراء مفتوحة -
ونقل القاضي أن جمهور الرواة رووه بكسر الكاف، وهو نسبة إلى کِسْرَى،
صاحب العراق، مَلِك الفُرْس، وفيه كسر الكاف، وفتحها، قال القاضي:
ورواه الهرويّ في مسلم، فقال: ((خسروانية)).
وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار النبيّ وَلقر، من ثيابه،
ونحوها، وفيه أن النهي عن الحرير المراد به الثوب المتمخِّض من الحرير، أو
ما أكثره حرير، وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر،
والذهب، فإنه يحرم كلّ جزء منهما(٣).
وقال القرطبيّ كَُّ: وقولها: ((طيالسة))؛ أي: غليظة، كأنَّها من طيلسان،
وهو الكساء الغليظ.
وقولها: ((خسروانية)) بالخاء المنقوطة، من فوقها، وهي رواية ابن ماهان،
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٢/١٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٩٥/٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٢.

٥٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وبالكاف، رواية غيره، وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجميّ، كما قالوا:
كسروانية، فنسبوها إلى كسرى، والله تعالى أعلم (١).
(لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاج) - بكسر اللام، وإسكان الباء - هكذا ضبطها القاضي،
وسائر الشُّرّاح، وكذًّا هي في كتب اللغة، والغريب، قالوا: وهي رُقعة في
جيب القميص، هذه عبارتهم كلُّهم، والله أعلم (٢).
وقوله: (وَفَرْجَيْهَا) بفتح الفاء، وسكون الراء: تثنية فَرْج، وهو الْفَتْق،
جمعه فُرُوجٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، قاله الفيّميّ كَُّ(٣).
وقال الشوكانيّ تَخْتُهُ: الفَرْجُ في الثوب: الشَّقّ الذي يكون أمام الثوب،
وخلفه، في أسفلها، وهما المراد بقوله: ((فرجيها)). انتهى(٤).
وقوله: (وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّبَاجِ) منصوبين على إضمار فعل؛ أي:
ورأيت فرجيها مكفوفين، وعند الخشنيّ، وغيره: ((وفرجاها مكفوفان)) مرفوعاً
على الابتداء والخبر، والواو حالية، قاله القرطبيّ تَظّمُ(٥).
وقال النوويّ ◌َُّهُ: وأما قولها: ((وفرجيها مكفوفين)) فكذا وقع في جميع
النُّسخ: ((وفرجيها مكفوفين))، وهما منصوبان بفعل محذوف؛ أي: ورأيت
فرجيها مكفوفين، ومعنى المكفوف: أنه جُعِل لها كُفَّة بضم الكاف، وهو ما
يُكَفّ به جوانبها، ويُعطف عليها، ويكون ذلك في الذيل، وفي الفَرْجين، وفي
الگمین. انتھی(٦).
(فَقَالَتْ) أسماء رَّا: (هَذِهِ) الجبّة (كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين
(حَتَّى قُبِضَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: إلى أن ماتت، (فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا)؛
أي: أخذتها، (وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَلْبَسُهَا) فيه جواز لباس الجبة، ولباس ما له
فرجان، وأنه لا كراهة فيه. (فَتَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى) جَمْع مريض، (يُسْتَشْفَى
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٩٣/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٢/١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٦/٢.
(٤) ((نيل الأوطار)) ٧٩/٢.
(٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٩٣/٥.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٢.