Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)) الرَّجُلِ يَكْفِي رَجُلَيْنٍ، وَطَعَامُ رَجُلَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَةً، وَطَعَامُ أَرْبَعَةٍ يَكْفِي ثَمَانِيَةً))). رجال هذا الإسناد: ستّة: وكلّهم تقدّموا قريباً، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((الأعمش)) هو: سليمان بن مِهْران، والحديث من أفراد المصنّف كَّلُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِئَّی وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ))) ((المِعَى)) بكسر الميم، مقصوراً، وفي لغة حكاها في ((المحكم)) بسكون العين، بعدها تحتانية، والجمع أمعاء، ممدوداً، وهي المصارين(١)، وقد وقع في شعر القطاميّ بلفظ الإفراد في الجمع، فقال في أبيات له، حكاها أبو حاتم : حَوَالِبُ غَزْراً وَمِعَى جِيَاعاً وهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، قال أبو حاتم السجستانيّ: المِعى مذكر، ولم أسمع من أثق به يؤنثه، فيقول: مِعَى واحدة، لکن قد رواه من لا يوثق به. انتهى (٢). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((الْمَعْيُ)) بالفتح، و(الْمِعَى)) كإلَى، من أعفاج البطن، الأُولى عن ابن سِيدَهْ، واقتصر الجوهريّ وغيره على الأخيرة، وبه جاء الحديث: ((المؤمن یأکل في مِعَی واحد»، وهو مذگَّر، وقد يؤنث، قال الفرّاء: أكثر الكلام على تذكيره، وربما ذهبوا به إلى التأنيث، كأنه واحد دلّ على الجمع، وأنشد للقطاميّ [من الوافر]: (١) ((المَصِير): الْمِعَى، والجمع مُصْران، مثلُ رَغِيفٍ ورُغْفَان، ثم المصارين جمع الجمع. اهـ. ((المصباح)) ٢ / ٥٧٤. (٢) ((الفتح)) ٣١٢/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٣). ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة كَأَنَّ نُسُوعَ رَحْلِي حِينَ ضُمَّتْ حَوَالِبَ غُرَّزاً وَمِعَى جِيَاعًا أقام الواحد مقام الجمع، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] والجمع: أمعاء، ومنه الحديث: ((والكافر يأكل في سبعة أمعاء))، قال القالي: الهاء في ((سبعة)) تدلّ على التذكير في الواحد، وقال الليث: الأمعاء: المصارين، وقال الأزهريّ: هو جميع ما في البطن، مما يتردّد فيه، من الْحَوَايَا كلّها. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦١] (٢٠٦٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِّى وَاحِدٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في (الإیمان)) ٢٢٢/٢٨. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقون تقدّموا قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم في الأخذ والأداء، فإنهم قرءوا على يحيى القطّان، فقالوا: أخبرنا، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظًّا من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، ومن أشدّ الناس اتّباعاً للأثر (١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١/ ٨٦٠١. ٤٦٣ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦١) شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((الكَافِرُ) ووقع عند البخاريّ من (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) . طريق عبدة بن سليمان، عن عبيد الله العمري بلفظ: ((وأن الكافر، أو المنافق، فلا أدري أيهما قال عبيد الله))، قال في ((الفتح)): هذا الشكّ من عبدة، وقد أخرجه مسلم من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر، بلفظ: ((الكافر)) بغير شكّ، وكذا رواه عمرو بن دينار، وكذا هو في رواية غير ابن عمر، ممن رَوَى الحديث من الصحابة ﴿ه، إلا أنه ورد عند الطبرانيّ في رواية له من حديث سَمُرة ◌َّه بلفظ: ((المنافق)) بدل ((الكافر)). انتهى(١). (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) وإنما عَدِّي ((يأكل)) بـ((في))؛ لأنه بمعنى: يوقع الأكل فيها، ويجعلها ظرفاً للمأكول، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: ١٠]؛ أي: ملء بطونهم. (وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّ وَاحِدٍ))) قال القرطبيّ كَُّهُ ما حاصله: إن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يَسُدّ الجوع، ويمسك الرَّمَقَ، ويَقْوَى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، يَقِلّ أكله ضرورةً، ولذلك قال ◌َله: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطن، حَسْبُ ابن آدم لُقيماتٌ يُقِمن صُلْبه، فإن كان لا مَحالةَ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسِه))(٢)، وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نُسب إلى أكل الكافر المذكور سُبُعاً، فيصير الكافر كأن له سبعةً أمعاء، يأكل فيها، والمؤمن له مِعَّى واحد، وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. انتهى كلام القرطبيّ كَذَهُمُ(٣). وقال في ((الفتح)): قال العلماء: يؤخذ من الحديث الحضّ على التقلّل من الدنيا، والحثّ على الزهد فيها، والقناعة بما تيسّر منها، وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدَّحون بقلة الأكل، ويذمّون كثرة الأكل، كما في (١) ((الفتح)) ٣١٣/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٣). (٢) حديث صحيح، رواه أحمد ١٣٢/٤، والترمذيّ (٢٣٨٠)، وصححه (ابن حبّان) (٦٧٤). (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٩/١٧. ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة حديث أم زرع أنها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع: ((ويشبعه ذراع الْجَفْرة)»، وقال حاتم الطائيّ [من الطويل]: وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا فَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَظْنَكَ سُؤْلَهُ وقال ابن التين رَّلُ: قيل: إن الناس في الأكل على ثلاث طبقات: طائفة تأكل كل مطعوم من حاجة وغير حاجة، وهذا فعل أهل الجهل، وطائفة تأكل عند الجوع بقدر ما يسدّ الجوع حسبُ، وطائفة يُجَوِّعون أنفسهم يقصدون بذلك قمع شهوة النفس، وإذا أكلوا أكلوا ما يَسُدّ الرّمَقَ. انتهى ملخصاً، وهو صحيح، لكنه لم يتعرض لتنزيل الحديث عليه، وهو لائق بالطائفة الثانية. انتهى (١). [تنبيه]: اختُلِف في معنى هذا الحديث على أقوال: [أحدها]: أنه ليس المراد به ظاهره، وإنما هو مَثَلُ ضُرِب للمؤمن، وزُهده في الدنيا، والكافر، وحرصه عليها، فكأنّ المؤمن لتقلّله من الدنيا، يأكل في مِعَّى واحدٍ، والكافر لشدة رغبته فيها، واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد: التقلّل من الدنيا، والاستكثار منها، فكأنه عَبَّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهرٌ. [الثاني]: أن المعنى أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلالُ أقلُّ من الحرام في الوجود، نقله ابن التين، ونَقَل الطحاويّ نحو الذي قبله، عن أبي جعفر بن أبي عمران، فقال: حَمَل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا، كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلاً؛ أي: يرغب فيها، ويَحْرِص عليها، فمعنى: ((المؤمنُ يأكل في مِعَّى واحدٍ))؛ أي: يزهد فيها، فلا يتناول منها إلا قليلاً، والكافر في سبعة؛ أي: يرغب فيها، فيستكثر منها. [الثالث]: أن المراد: حضّ المؤمن على قلة الأكل، إذا عَلِم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتّصاف بصفة الكافر، ويدلّ على أن كثرة الأكل من صفة الكفار، قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَنَّعُونَ وَ بَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾ [محمد: ١٢]. (١) ((الفتح)) ٣١٨/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٣). ٤٦٥ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِئَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦١) [الرابع]: أنه على ظاهره، ثم اختلفوا في ذلك على أقوال: أحدها: أنه ورد في شخص بعينه، واللام عهديّة، لا جنسيّة، جزم بذلك ابن عبد البرّ، فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً من مؤمن، وعكسه، وكم من كافر أسلم، فلم يتغيّر مقدار أَكْله، قال: وحديث أبي هريرة يدلّ على أنه ورد في رجل بِعَيْنه، ولذلك عقّب به مالك الحديث المطلق، وكذا البخاريّ، فكأنه قال: هذا إذا كان كافراً كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما أسلم عوفي، وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة أجزاء، مما كان يكفيه وهو كافر. انتهى. وقد سبقه إلى ذلك الطحاويّ في ((مشكل الآثار))، فقال: قيل: إن هذا الحديث كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حِلاب السبع شياه، قال: وليس للحديث عندنا مَحْمَلٌ غير هذا الوجه، والسابق إلى ذلك أوّلاً أبو عبيدة. وقد تُعُقِّب هذا الحَمْل بأن ابن عمر راوي الحديث فَهِم منه العموم، فلذلك مَنَع الذي رآه يأكل كثيراً من الدخول عليه، واحتجّ بالحديث، ثم كيف يتأتى حَمْله على شخص بِعَيْنه، مع ما سيأتي من ترجيح تعدد الواقعة، ويورد الحديث المذكور عقب كل واحدة منها في حقّ الذي وقع له نحو ذلك؟ القول الثاني: أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادةً، قالوا: تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، والمعنى أن من شأن المؤمن التقلّل من الأكل؛ لاشتغاله بأسباب العبادة، ولِعِلْمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسدّ الجوع، ويُمسك الرّمَق، ويُعِيْن على العبادة، ولخشيته أيضاً من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كلّه، فإنه لا يقف مع مقصود الشرع، بل هو تابع لشهوة نفسه، مسترسل فيها، غير خائف من تَبِعات الحرام، فصار أكْل المؤمن لِمَا ذكرته إذا نُسب إلى أكل الكافر؛ كأنه بقَدْر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطّراده في حقّ كل مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيراً، إما بحَسَب العادة، وأما لعارض يَعْرِض له من مرض باطن، أو لغير ذلك، ويكون في الكفار من يأكل قليلاً، إما لمراعاة الصحة ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض؛ كضعف المعدة . قال الطيبيّ: ومُحَصَّل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة، والاقتناع بالبُلغة، بخلاف الكافر، فإذا وُجد مؤمن، أو كافر على غير هذا الوصف، لا يقدح في الحديث، ومن هذا قوله تعالى: ﴿اٌلَِّ لَا يَنَكِّعُ إِلَّا زَاِبَةً أَوْ مُشْرِكَةُ﴾ الآية [النور: ٣]، وقد يوجد من الزاني نكاح الحرّة، ومن الزانية نكاح الحرّ. القول الثالث: أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث: التامّ الإيمان؛ لأن مَن حَسُن إسلامه، وكَمُل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت، وما بعده، فيمنعه شدّة الخوف، وكثرة الفكر، والاشفاق على نفسه، من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث لأبي إمامة ظ ◌ُبهِ رَفَعَهُ: ((من كَثُر تفكّره قلّ طعمه، ومن قلّ تفكره كثر طعمه، وقسا قلبه))، ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد بنظ ◌ُه الصحيح: ((إن هذا المال حُلْوةٌ خَضِرةٌ، فمن أخذه بإشراف نفس، كان كالذي يأكل ولا يشبع))، فدلّ على أن المراد بالمؤمن من يقتصد في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشَّرَهُ، فيأكل بالنَّهم، كما تأكل البهيمة، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البُنْية. وقد رَدّ هذا الخطابيّ، وقال: قد ذُكِر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصاً في إيمانهم. الرابع: أن المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه، وشرابه، فلا يَشْرَكُهُ الشيطان، فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي، فيشركه الشيطان، كما تقدم تقريره قبلُ، وفي ((صحيح مسلم)) في حديث مرفوع: ((إن الشيطان يستحل الطعام، إذا لم يُذكر اسم الله علیه)). الخامس: أن المؤمن يقلّ حرصه على الطعام، فيبارَك له فيه، وفي مأكله، فيشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المأكل كالأنعام، فلا يُشبعه القليل، وهذا يمكن ضمّه إلى الذي قبله، ويُجعلان جواباً واحداً مركّباً. السادس: قال النوويّ: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في ٤٦٧ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦١) مِعَّى واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل مِعَى المؤمن. انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح، أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب، ثم الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون، والمستقيم، وكلها غلاظ، فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء مِعَى واحد. ونَقَل الكرمانيّ عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنها: المعدة، ثم ثلاثة متصلة بها رِقاق، وهي الاثنا عشري، والصائم، والقولون، ثم ثلاثة غلاظ، وهي الفانفيّ، بنون، وفاءين، أو قافين، والمستقيم، والأعور. السابع: قال النوويّ: يَحْتَمِل أن يريد بالسبعة في الكافر صفات: هي الحرص، والشّرَهُ، وطول الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والْحَسَد، وحُبّ السِّمَن، وبالواحد في المؤمن سدّ خَلَّته. الثامن: قال القرطبيّ: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع. قال الحافظ: ثم رأيت أصل ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر ابن العربيّ ملخّصاً، وهو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس الخمس، والشهوة، والحاجة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أرجح الأقوال هو ما تقدّم عن القرطبيّ كَّثُ، وخلاصته: أن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يَسُدّ الجوع، ويُمسك الرَّمَقَ، ويَقْوَى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، يَقلّ أَكْله ضرورة، فيكون أكل المؤمن إذا نُسب إلى أكل الكافر سُبُعاً، فيصير الكافر كأن له سبعةً أمعاء، يأكل فيها، والمؤمن (١) ((الفتح)) ٣١٥/١٢ - ٣١٨، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٣). ٤٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة له مِعًى واحد، ويكون ذكر السبعة للتكثير، والمبالغة، لا للتحديد، وهذا واضح جدّاً. قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخْدَثُ: هذا الحديث وما كان مثله فليس فيه إلا مدح المؤمن بقلّة رغبته في الدنيا، وزُهده فيها بأخذ القليل منها، في قُوْتِه، وأكْله، وشُربه، ولُبْسه، وكَسْبه، وأنه يأكل لِيَحْيَى، لا لِيَسْمَن، كما جاء عن الحكماء، وقد صحّ عن النبيّ وَ ﴿ أنه قال: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، وإن لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه))، وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل، وذلك معروف في أشعارها، فكيف بأهل الإيمان؟ وأما من عَظُمت الدنيا في عينه، من كافر، وسفيه، فإنما همّته في شبع بطنه، ولذة فرجه، وأخبر النبيّ وَّر أن المؤمن حقّ المؤمن شأنه يأكل في مِعَى واحد، وهذا مجاز دالّ على المدح في القليل من الأكل، والقناعة فيه، والاكتفاء به، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر طه (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٦١/٢٢ و٥٣٦٢ و ٥٣٦٣] (٢٠٦٠)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة)) (٥٣٩٣ و٥٣٩٤ و٥٣٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (٢٦٦/٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٨/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٢٥٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥١/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّه)) (٣٢١/٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٩٥/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢١/٢ و٧٤ و١٤٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٩٩/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٠٦/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٢٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٨/٥ و٢٠٩ و٢١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٦٨/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده) (٨/١٠)، (١) ((الاستذكار)) ٣٤٧/٨. ٤٦٩ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦٢) و(تمام الرازيّ) في ((فوائده)) (١/ ٨٠)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٥/ ٢٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم تقدّموا قريباً، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أسامة، و((ابن نمير)) هو: عبد الله بن نُمير، والد محمد شيخ المصنّف، و((عبيد الله)) هو: ابن عمر الْعُمَريّ، و((عبد الرزّاق)) هو: ابن همّام الصنعانيّ، و((معمر)) هو: ابن راشد، و((أيّوب)) هو: السختيانيّ. وقوله: (قَالًا) الضمير لأبي أسامة، وابن نُمير. وقوله: (كِلَأَهُمَا عَنْ نَافِع) الضمير لعبيد الله بن العمريّ، وأيوب السختيانيّ. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ساقها ابن أبي شيبة كَّلُهُ في ((مصنّفه))، فقال: (٢٤٥٤٦) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلايقول: ((المؤمن يأكل في مِعَى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). انتهى(١). ورواية ابن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع ساقها ابن ماجه تَّتُهُ في ((سننه))، فقال: (٣٢٥٧) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ ه قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤٢/٥. ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة والمؤمن يأكل في مَعْي واحد)). انتهى(١). ورواية أيوب، عن نافع ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه))، فقال: (١٩٥٥٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((إن المؤمن يأكل في مِعَى واحد، وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلََّدِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعاً قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِيناً، فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلاً كَثِيراً، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ) بن عبد الله بن عُمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل بابين. وقوله: (رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِيناً) وفي رواية البخاريّ: ((عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يُؤْتَى بمسكين، يأكل معه، فأَدخلت رجلاً يأكل معه، فأكل كثيراً، فقال: يا نافع لا تُدخِل هذا عليّ، سمعت النبيّ وَّ يقول: ((المؤمن يأكل في مِعَى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). انتهى. [تنبيه]: هذا المسكين قال الحافظ في ((الفتح)): لعلّه أبو نَهِيك، وجزم في ((مقدّمة الفتح)) بأنه هو، والمذكور في ((صحيح البخاريّ))، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: ((كان أبو نَهِيك رجلاً أكولاً، فقال له ابن عمر: إن (١) ((سنن ابن ماجه)) ١٠٨٤/٢. (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤١٩/١٠. ٤٧١ (٢٢)- بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِى وَاحِدٍ،وَالْكَافِرُ بَأْكُلُ ... إلخے-حديث رقم (٥٣٦٤ - ٥٣٦٥) رسول الله ولو قال: ((إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء))، فقال: ((أنا أومن بالله ورسوله))، وفي رواية الحميديّ: «قيل لابن عمر: إن أبا نَهِيك رجل من أهل مكّة يأكل أكلاً كثيراً ... )) الحديث. وقوله: (لَا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((فقال: يا نافع لا تُدخِل هذا عليّ))، قال في ((الفتح)): هكذا حَمَل ابن عمر ◌ًا الحديث على ظاهره، ولعلّه كَرِه دخوله عليه لَمّا رآه متّصفاً بصفة وُصِف بها الكافر. انتهى (١). وقال النوويّ كَّثُ: وأما قول ابن عمر ﴿يًّا في المسكين الذي أكل عنده كثيراً: لا يُدْخَلنّ هذا عليّ، فإنما قال هذا؛ لأنه أشْبَه الكفار، ومَنْ أشبه الكفار كُرِهت مخالطته لغير حاجة، أو ضرورة، ولأن القَدْر الذي يأكله هذا يمكن أن يَسُدّ به خَلَّة جماعة. انتهى(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٤] (٢٠٦١) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ: ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ)). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكَرِ ابْنَ عُمَرَ). (١) («الفتح» ٣١٣/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٥/١٤. ٤٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله، و((أبوه)) هو: عبد الله بن نُمير، و((سفيان)) هو الثوريّ، و((أبو الزبير)) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير هذه ساقها أبو عوانة وَُّهُ في ((مسنده))، فقال: (٨٤٠٨) - حدّثنا أبو زرعة الرازيّ، قئنا قبيصة (ح) وحدّثنا الغزيّ، قال: ثنا الفِرْيابيّ، قالا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر حظُّه قال: قال النبيّ ◌َلقول: (المؤمن يأكل في مِعَّى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٦] (٢٠٦٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. ٢ - (جَدُّهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٣ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات رظه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّه هذا من أفراد المصنّف تَخَذَتْهُ . (١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٠٧/٥. ٤٧٣ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦٧) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٦٦/٢٢ و٥٣٦٧] (٢٠٦٢)، و(الترمذيّ) في ((العلل الصغير)) (٧٥٩/١)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٢٥٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩١٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٠٨/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٢٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٨/٥)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الترمذيّ تَّلُ حديث أبي موسى ظُه هذا، واستغربه، فقال في ((العلل الصغير»: رُبّ حديث يُروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد. حدّثنا أبو كريب، وأبو هشام الرِّفَاعِيّ، وأبو السائب، والحسين الأسود، قالوا: ثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جدّه أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ وَلفر قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعَی واحد». قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، من قِبَل إسناده، وقد رُوي من غير وجه عن النبيّ وَّ، وإنما يُستغرب من حديث أبي موسى، وسألت محمود بن غيلان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، ولم نعرفه إلا من حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، فقلت: حدّثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، ويقول: ما علمت أن أحداً حدَّث بهذا غير أبي كريب، قال محمد: وكنا نُرَى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَفُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ لَهَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). (١) ((شرح علل الترمذيّ)) لابن رجب كتّمُ ٦٤٣/٢. ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدّراوَرْديّ الجهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٢ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقِيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن الْجُهنيّ الْحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين. ◌َ وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن أبا هريرة ◌ُه حدّث عن النبيّ : بما حدّث به عنه ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى الأشعريّ [تنبيه]: رواية أبي هريرة لله عن النبيّ وَّر هذه ساقها أبو عوانة تَّلُهُ في ((مسنده)، فقال: (٨٤٢٦) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا الهيثم بن خارجة، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَ ل قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعّى واحدٍ)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٨] (٢٠٦٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ ضَافَهُ ضَيْفٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى، فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى، فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَاَبَ سَبْعِ شِيَاءٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ، فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرّ بِأُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((المُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)). (١) ((مسند أبي عوان)) ٢١٠/٥. ٤٧٥ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعِى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦٨) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح، أبو يعقوب بن الطبّاع البغداديّ، سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٤)، أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في «الكسوف)» ٢١١٠/٣. ٢ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) المدنيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوَّان السمّان الزيّات، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ ضَافَهُ ضَيْفٌ)؛ أي: نزل عنده، وصار ضيفه، يقال: أضفته: إذا أنزلته، وضفتُ الرجلَ: إذا نزلت به، والضيف: اسم للواحد، والجميع، والمذكر، والمؤنث، يُذْهَب به مذهب المصدر، كما يقال: زَوْرٌ، وعَدْلٌ، ورِضاً، وقد جُمع على أضيافٍ، وضيوفٍ، وضِيفانٍ، قاله القرطبيّ ◌َُّهُ(١). وقال الفيّوميّ تَخْذُ: الضَّيْفُ معروف، ويُطلق بلفظٍ واحدٍ على الواحد وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل، من ضَافَهُ ضَيْفاً، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيْته، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفاً، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لجأ إليك من خوف، فَأَجَرْته، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَريته، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى(٢). وقوله: (وَهُوَ كَافِرٌ) جملةٌ حاليّة. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا الرجل يُشبه أن يكون جَهْجاه الغفاريّ، فأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والبزار، والطبرانيّ من طريقه: ((أنه قَدِم في (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٤٣/٥ - ٣٤٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢. ٤٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة نفر من قومه، يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله والقر المغرب، فلما سَلّم، قال: ليأخذ كل رجل بيد جليسه، فلم يبق غيري، فكنت رجلاً عظيماً طويلاً لا يُقَدَّم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله وَّه إلى منزله، فحَلَب لي عَنْزاً، فأتيت عليه، ثم حَلَب لي آخر، حتى حلب لي سبعةَ أَعْنُز، فأتيت عليها، ثم أتيت بصنيع بُرْمة، فأتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله وَّ، فقال: مَهْ يا أم أيمن، أَكَلَ رزقه، ورزقُنا على الله، فلما كانت الليلة الثانية، وصلَّينا المغرب صنع ما صَنَع في التي قبلها، فحَلَب لي عَنْزاً، ورَوِيتُ، وشَبِعتُ، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: إنه أكل في مِعَّى واحد الليلة، وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعِى واحد)). وفي إسناد الجميع موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وأخرج الطبرانيّ بسند جَيِّد عن عبد الله بن عمر، وقال: ((جاء إلى النبيّ وَ﴿ سبعة رجال، فأخذ كل رجل من الصحابة رجلاً، وأخذ النبيّ وَل رجلاً، فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو غَزْوان، قال: فحَلَب له سبع شياه، فشَرِب لبنها كلّه، فقال له النبيّ وَّ: هل لك يا أبا غزوان أن تُسلِم؟ قال: نعم، فأسلم، فمسح رسول الله وَّ﴿ صدره، فلمّا أصبح حَلَب له شاةً واحدةً، فلم يُتِمّ لبنها، فقال: ما لك يا أبا غزوان؟ قال: والذي بعثك نبيّاً، لقد رَوِيتُ، قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء، وليس لك اليوم إلا مِعَى واحد))، وهذه الطريق أقوى من طريق جهجاه. ويَحْتَمِل أن تكون تلك كنيته، لكن يُقَوِّي التعدد أن أحمد أخرج من حديث أبي بصرة الغفاريّ قال: ((أتيت النبيّ ◌َّ﴿ لَمّا هاجرت قبل أن أُسلم، فحَلَب لي شويهةً، كان يحلبها لأهله، فشربتها، فلما أصبحت أسلمت، وقال عيال النبيّ وَّهَ: نَبِيتُ الليلة كما بتنا البارحة جِياعاً، فحلب لي رسول الله والحلول شاةً، فشربتها، ورَوِيتُ، فقال لي رسول الله وَّهِ: أَرَوِيت؟ فقلت: يا رسول الله قد رَوِيتُ، ما شَبِعت، ولا رَوِيت قبل اليوم ... )) الحديث، وهذا لا يُفَسَّر به المبهم في حديث الباب، وإن كان المعنى واحداً، لكن ليس في قصته خصوص العدد. ٤٧٧ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِئَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦٨) ولأحمد أيضاً، وأبي مسلم الكجيّ، وقاسم بن ثابت، في ((الدلائل))، والبغويّ في ((الصحابة)) من طريق محمد بن معن بن نَضْلة الغفاريّ: حدّثني جدّي نَضْلة بن عمرو قال: أقبلت في لقاح لي حتى أتيت رسول الله وَالت، فأسلمت، ثم أخذت عُلبة، فحلبت فيها فشربتها، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأشربها مراراً لا أمتلئ - وفي لفظ: إن كنت لأشرب السبعة فما أمتلئ، فذكر الحديث، وهذا أيضاً لا ينبغي أن يُفَسَّر به مبهم حديث الباب؛ لاختلاف السياق. ووقع في كلام النوويّ(١) تبعاً لعياض(٢) أنه بصرة بن بصرة(٣) الغفاريّ، وذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) من حديث أبي هريرة في قصة ثُمامة بن أُثال أنه لَمّا أُسر، ثم أسلم، وقعت له قصة تشبه قصة جَهْجاه، فيجوز أن يُفَسَّر به، وبه صدّر المازريّ (٤) كلامه. انتهى. (فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ) بالبناء للمفعول، (فَشَرِبَ حِلَابَهَا) بكسر الحاء المهملة، بوزن كتاب: المراد به هنا هو المحلوب، وهو اللبن، وقد يقال على الْمِحْلَب: حلاب، وهو: الإناء الذي يُحلَب فيه، وقد تقدَّم في ((الطهارة))، قاله القرطبيّ كَّفه(٥). وقال المجد وَُّهُ: الْحَلْبُ - أي: بفتح، فسكون - ويُحرّك: استخراج ما في الضرع من اللبن؛ كالحِلَاب بالكسر، والاحتلابِ، والفعل من بابي نصر، وضرب، والْمِحْلب، والحلاب بكسرهما: إناء يُحْلب فيه. انتهى (٦). قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا هو المعنى المصدريّ، كما قال القرطبيّ بتأويله بالمفعول؛ أي: شرب محلوبها كلّه، والله تعالى أعلم. (١) (شرح النوويّ)) ٢٥/١٤. (٢) ((إكمال العلم)) ٦/ ٥٥٦. (٣) وقع في النُّسخ عند النووي، وعياض، و((الفتح)): نضرة بن أبي نضرة بالضاد المعجمة، وهو غلط، وإنما هو بالصاد المهملة. (٤) ((المعلم)) ٧٢/٣. (٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٤٤/٥. (٦) ((القاموس المحيط)) ص ٣١٠. ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (ثُمَّ أُخْرَى)؛ أي: ثمّ أمر وَّ بحلب شاةً أخرى، فحُلبت (فَشَرِبَهُ) كلّه، (ثُمَّ أُخْرَى، فَشَرِبَهُ) كلّه (حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاءٍ) بالكسر: جمع شاة، قال الفيّوميّ ◌َثْتُ: الشاة: من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أنثى، وتصغيرها شُويهةٌ، والجمع شاءٌ، وشِياهٌ بالهاء رجوعاً إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ وشِفَاءٌ، ويقال: أصلها شاهةٌ، مثلُ عاهة. انتهى(١). (ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ) الرجل (فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِشَاةٍ)؛ أي: بحلب شاة، فحُلبت (فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ) بِـ((حَلْب شاةٍ) (أُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَئِمَّهَا)؛ أي: لم يشرب كلّها، بل اكتفى ببعضها، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ))) قال البيهقيّ كَُّهُ في ((شُعَبه)) بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصّه: وقد أشار أبو عبيد في معنى الحديث إلى هذه الرواية المفسَّرة، فلم أر الْحَلِيميّ رضيه، فكأن الحليمي لم يَحفظ هذه الرواية، ثم قال في آخر كلامه: وإن كان إنما قاله حين وُصف له رجل بِعَيْنه، فمعناه إذاً أن الذي يليق بالكافر أن يكثر أكله، وبالمؤمن أن يقلّ أكله؛ لأن الكافر لا يقصد إلا تسكين المجاعة، وقضاء الشهوة، والمؤمن يَدَع البعض؛ لأنه حرام، ويَدَع البعض إيثاراً به على نفسه، ويَدَع البعض لئلا يثقل، فتنقطع العبادة، ويدع البعض لِفَرط ما فيه من النعمة خيفة ألا يستطيع القيام بشكره، ويدع البعض رياضةً لنفسه، وقَمْعاً لشهوته، حتى لا يستقصى عليه، ويَدَع البعض لئلا يعتاده، فإن لم يجده في وقتٍ اشتدّ عليه ذلك، أو وجد من ذلك في نفسه، والكافر ليس به إلا مَلْء بطنه؛ لأن هذه الوجوه كلها إنما تنبعث عن النظر من قِبَل الإيمان والتقوى، فهو لا يترك لأجلهما شيئاً، وإنما أمامه شهوته دون ما عداها . والْمِعَى في هذا الحديث الْمَعِدة، ومعناه أنه يأكل الكافر أَكْل من له سبعة أمعاء، والمؤمن لِخِفّة أكْله يأكل أَكْل من ليس له إلا معى واحد، والله أعلم. قال: وقرأت في (كتاب الغريبين)) قال: قال أبو عبيد: نرى ذلك بتسمية (١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. ٤٧٩ (٢٢) - بَابٌ ((المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِئَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ بَأْكُلُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٦٨) المؤمن عند طعامه، فيكون فيه البركة، والكافر لا يفعل ذلك، وقيل: إنه خاصّ لرجل، وقال غيره: وفيه وجه أحسن من ذلك كله، وهو أنه مَثَل ضربه النبيّ وَل للمؤمن، وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، ولهذا قيل: الرُّغْب(١) شُؤم؛ لأنه يَحْمِل صاحبه على اقتحام النار، وليس معناه كثرة الأكل دون اتساع الرغبة في الدنيا . وذكر أبو سليمان هذه الوجوه، ثم قال: وقد قيل: إن الناس في الأكل على طبقات: فطائفة يأكلون كلما وجدوا مطعوماً عن حاجة إليه، وعن غير حاجة، وهذا فِعْل أهل الجهل، والغفلة الذين شاكلت طباعهم طباع البهائم، وطائفة يأكلون إذا جاعوا، فإذا ارتفع الجوع أمسكوا، وهذه عادة المقتصدين من الناس، والمتماسكين منهم في الشمائل والأخلاق، وطائفة يتجوّعون، ويرتاضون الجوع قمعاً لشهوات النفوس، فلا يأكلون إلا عند الضرورة، ولا يزيدون منه على ما يكسر غرب الجوع، وهذا من عادة الأبرار، وشمائل الصالحين الأخيار. انتهى ما كتبه البيهقيّ نَّثُ في ((شُعَب الإيمان))(٢). وقال الحاكم الترمذيّ في كتابه ((نوادر الأصول في أحاديث الرسول)): ((الأصل التاسع والخمسون)) في معنى أمعاء الآدميّ لِمَ كانت سبعاً، فصارت واحدة، عن أبي هريرة به، عن رسول الله وَالقول أنه قال: ((المؤمن يأكل في مِعَّى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). قال أبو عبد الله: الإنسان مبني على سبعة: على الشرك، والشكّ، والغفلة، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب، فهذه أخلاقه، وأيُّ خلق من هذه الأخلاق استولى على قلبه نُسب إليه دون الآخر. ﴿ لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ ومما يُحَقّق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّوْعِدُهُمْ أَبْعِينَ ◌ِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُومُ ﴾ [الحجر: ٤٣، ٤٤]، فأهل النار مجزءون مقسمون على هذه الأبواب السبعة، فكل جزء منهم صار جزءاً بِخُلُق من هذه الأخلاق المستولية عليه. ومما يحقق ذلك ما روي عن ابن عباس ﴿ها قال: قال رسول الله وَالسيد: (١) بضمّ الراء، وفتحها مصدر رَغِب. (٢) ((شُعَب الإيمان)) ٢٣/٥. ٤٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (للنار باب لا يدخلها منه إلا من شفا غيظه بسخط الله تعالى))، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سَلّ سيفه على أمتي))، فهذه للرغبة، والأول للغضب، فابن آدم مبني على هذه الأخلاق السبعة، فإذا ولج الإيمان القلب نفى هذه السبعة من القلب، فبقدر قوّة الإيمان تذوب هذه الأخلاق من النفس، وعلى قدر ضَعفه يبقى ضررهنّ، فإذا اكتمل النور، وامتلأ القلب منه لم يبق لهذه الأخلاق فيه موضع، فنفى الشرك، والشك، والغفلة أصلاً، وصار بدل الشرك إخلاصاً، وبدل الشك يقيناً، وبدل الغفلة انتباهاً، وكشف غطاء معاينة، وصار الغضب له، وفي ذاته، وصارت الرغبة إليه، والرهبة منه، وصارت الشهوة مُنْيَة، وكانت نهمة، وبقدر ضعف الإيمان، وسقمه يبقى من هذه الأخلاق في المؤمن، فبقي منه شرك الأسباب، وشك الأرزاق، وغفلة التدبير في كُنْه الأمور، والرغبة، والطمع في الخلق، والرهبة منهم في المضارّ والمنافع، واستعمال الشهوات على النهمة، فإيمانه يقتضيه ما عقد في توحيده لربه أن هذه الأشياء كلها منه، وله، وأخلاقه تمنعه الوفاء بذلك عند نوائبه، فلذلك يبقى في عرصة القيامة محاسباً في مدة طويلة، والآخر كَمُل إيمانه، فامتلأ قلبه من نور الإيمان، فصار كما وصفنا بدءاً، فسقط عنه الحساب غداً. فابن أدم يأكل في مِعَّى واحد أعني الخِلقة، إلا أن هذه الأخلاق السبعة سوى الغضب قد عملت على قلبه، فصار كأنه يأكل في سبعة أمعاء، فإذا آمن، فامتلأ قلبه من نور الإيمان سكنت هذه الأخلاق، فشبع، ورَوِي؛ لأنه قد ثقل قلبه بما وَلَج فيه من الإيمان، فإذا آمن، فإنما يأكل بمعاه الذي خُلق فيه، وكلما كان أوفر حظاً من إيمانه، كان أقلّ لطعمه بهذا المعى الواحد أيضاً، وإذا كان كافراً فهذه الأخلاق الستة تعمل على قلبه حتى يصير كأنه يأكل في سبعة أمعاء؛ لأن الشرك، والشكّ، والغفلة، والشهوة، والرغبة، والرهبة، هي أعوان لحرصه، فإذا حَرَص لم يشبع، واحتاج إلى الكثير، والذي سكنت عنه هذه الستة الأخلاق بولوج الإيمان قلبه ذاب الحرص في جوفه، وثقل الإيمان في قلبه، فأكل بمعاه الذي خُلق للآدميين، فاكتفى بذلك. انتهى(١)، وقد تقدّم (١) ((نوادر الأصول في أحاديث الرسول)) ٢٩/١.