Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتَّدُّمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٤٢) الآتية: ((قال: كنت جالساً في داري، فمرّ بي رسول الله وَّل، فأشار إليّ، فقمت إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا حتى أتى حُجَر بعض نسائه ... )). وقوله: (فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ ... إلخ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى المفهوم من المقام؛ أي: المخرِج، وهو الخادم، وهذا مذهب البصريّين، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وِإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ ويَحْتَمِل أن يكون مِنْ حَذْف الفاعل، على مذهب الكوفيين، ويكون التقدير: فأخرج الخادم، أو نحو ذلك. قال النوويّ: قوله: ((فأَخْرَج إليه ... إلخ)) هكذا هو في الأصول: ((فَأَخْرَج إليه فِلَقاً))، وهو صحيح، ومعناه ((أخرج الخادم)) ونحوه. انتهى(١). وذكر بعضهم احتمال أن يكون الفاعل ضمير النبيّ وَلفه، وضمير ((إليه)) لجابر، على سبيل الالتفات من التكلّم إلى الغيبة؛ أي: فأخرج النبيّ ◌َّ إلي فلقاً من خبز(٢). وقوله: (فِلَقاً مِنْ خُبْزِ) بكسر الفاء، وفتح اللام: جمع فِلْقة بكسر، فسكون؛ كالكِسْرة وزناً ومعنّىّ، يقال: هذا فِلْقته؛ أي: كِسْرته. وقوله: ((مَا مِنْ أُدُم؟)))؛ أي: أما عندكم شيء من أُدُم؟، فـ((ما)) نافية، وهمزة الاستفهام مقدّرة، و((من)) زائدة للتوكيد، كما قال في ((الخلاصة)): وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرّ» وقوله: (فَقَالُوا: لَا، إِلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلَّ)؛ أي: ليس عندنا أُدُم إلا شيء قليل من خلّ، وهذا دليل أنهم لا يعتدّون الخلّ من الأُدُم المعتبرة التي تُقرَّب للضيف، فتبيّن بهذا أن قوله وَلَ: ((نِعْم الأُدُم الخلّ) ليس مدحاً للخلّ على الإطلاق، وإنما هو مدح له في نفس الوقت، ورفعٌ لشأنه عند الضيف حتى لا ينقبض منه، وجبرٌ للمضيف حيث لا ينكسر قلبه بتقديمه غير اللائق بالضيافة، فتأمّله بالإمعان، ويؤيّد هذا قول جابر نَُّه: ((فما زلت أحبّ الخلّ ... إلخ))، (١) ((شرح النوويّ)) ٧/١٤ - ٨. (٢) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢١/ ٢٥٠. ٣٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة فإنه ظاهر في كونه لا يُحبّ الخلّ قبل ذلك؛ لكونه مرغوباً عنه عندهم، فلما سمع مقالة النبيّ ◌َير أعجبه، وأحبّه لقول النبيّ وَّر، والله تعالى أعلم. قال النوويّ: وأما قول جابر رَظ ◌ُله: «فما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من نبيّ اللهَ وَّة))، فهو كقول أنس ◌َظُبه: ((ما زلت أحبّ الدباء))، وقد سبق بيانه، وهذا مما يؤيّد ما قلناه: إنه مدح للخلّ نفسه، وقد ذكرنا مرّات أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعيَّن المصير إليه، والعمل به عند جماهير العلماء، من الفقهاء، والأصوليين، وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ، فيتعيّن اعتماده، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الظاهر أن الحديث ليس مدحاً للخلّ لذاته، وإنما هو مدحٌ له بحسب الوقت. والحاصل أن ما تقدّم عن الخطّابيّ، وغيره من أن مَدْحِه وَِّ ليس للخلّ نفسه، هو الأظهر، وليس في قول جابر ما يؤيّد ما قاله النوويّ، بل هو بالعكس؛ إذ مفهومه أن جابراً كان لا يحبّ الخلّ قبل ذلك، وإنما أحبّه بعد مقالة النبيّ وَلقول هذه، مع أن الخلّ موجود بكثرة عندهم قبل ذلك، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَتَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبْنِ عُلَيَّةً إِلَى قَوْلِهِ: ((فَنِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً . ٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهبان الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦. (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٧. ٣٨٣ (١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتََّدُمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٤٤) والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن نصر، عن المثنّى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ وَلِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِّيَ بِثَلَاثَةٍ أَقْرِصَةٍ (١)، فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قُرْصاً، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصاً آخَرَ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنٍ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَّ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ مِنْ أُدُم؟))، قَالُوا: لَا، إِلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ، قَالَ: ((هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الأُدُمُ هُوَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ) السُّلميّ، أبو يوسف الصَّيْقل الواسطيّ، صدوقٌ يُخطىء [٦]. روى عن أبي سفيان طلحة بن نافع، وأبي عثمان النَّهْديّ. وروى عنه ابن مهديّ، وهشیم، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد: أخشى أن يكون ضعيف الحديث، وقال ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال الحسن بن شجاع البلخيّ، عن عليّ ابن المدينيّ: شيخ من أهل واسط ضعيفٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به فيما يرويه، قال الدارقطنيّ: ليس بقويّ، ولا حافظ، وقال في موضع (١) وفي نسخة: ((بثلاثة قرص)). ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة آخر: ثقةٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس به بأسٌ، وقال العُقيليّ: روى عن أبي عثمان النَّهْديّ حديثاً لا يُتابع عليه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَخَذَ بِيَدِي) فيه مشروعيّة أخذ الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما. وقوله: (حَتَّى أَتَّى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ) لم يُعرف اسمها (١)، جمع حُجْرة، و((الْحُجَرُ)»: كغُرَف وغُرْفة وزناً ومعنَى(٢). وقوله: (فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا) قال النوويّ تَذَتُهُ: معناه: دخلت الحجاب إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها . وقال القرطبيّ تَخُّ: وقول جابر ظُله: ((فدخلت الحجاب عليها)) ظاهره أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب. انتهى(٣). وقوله: (فَأَتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ) لم يُعرف الآتي بها، قاله صاحب ((التنبيه)) (٤). وقوله: (فَأَتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ) هكذا النسخ بلفظ ((أقرصة))؛ كأسلحة، ولم أجد هذا في كتب اللغة التي بين يديّ، وإنما جَمْع القُرْصة، أو القُرْصِ: أقراص؛ كأقفال، وقِرَصَة، كعِنَبة، وقُرَصٌ؛ كصُرَد، ولعلّ الهمزة في ((أقرصة)) غلطٌ، والصواب بثلاثة قِرَصَة، وقد نصّ في ((اللسان)) على هذا، فقال: ((وفي الحديث: فأُتي بثلاثة قِرَصَة من شعير))، قال: والْقِرَصَة بوزن الْعِنَبة: جَمْع قُرْص، وهو الرغيف؛ كجُحْرٍ وچِحَرَةٍ. انتهى. وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والقُرْصَةُ: الخُبْزَةُ، ويُقَال: هي الصَّغيرَةُ جدّاً؛ كالقُرْصِ، والتَّذْكيرُ أَكْثَر، وجمع ((القُرْصِ)) قِرَصَةٌ، وأَقْرَاصٌ، مثْل غُصْنٍ (١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٥٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٦٦. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٦/٥ -٣٢٧٠. (٤) ((تنبيه المعلم)) ص٣٥٢. ٣٨٥ (١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالنََّدُمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٤٤) وِصَنَةٍ، وأَغْصَانٍ، جَمْعُ ((القُرْصَة)): قُرَصٌ؛ كغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وفي الحديث: (فأُتِيَ بِثَلاثَةِ قِرَصَةٍ من شَعِيرٍ)). انتهى(١). وقوله: (فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في أكثر الأصول: ((نَبِيّ)) بنون مفتوحة، ثم باء موحّدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحتُ مشدّدة، وفسّروه بمائدة من خُوص، ونَقَل القاضي عياض عن كثير من الرواة، أو الأكثرين أنه: (بَتّيّ)) بباء موحدة مفتوحة، ثم مثناة فوق مكسورة مشدّدة، ثم ياء مثناة من تحتُ مشدّدة، والْبَتّ: كساءٌ من وَبَرٍ، أو صوف، فلعله منديل وُضع عليه هذا الطعام، قال: ورواه بعضهم بضم الباء، وبعدها نون مكسورة مشدّدة، قال القاضي الكنانيّ: هذا هو الصواب، وهو طَبَقٌ من خُوص. (٢) انتھی . وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقوله: ((على بَتّيّ)) كذا ضبطه الصدفيّ، والأسديّ بباء واحدة مفتوحة، وبعدها تاء باثنتين من فوقها مكسورة مشدّدة، وبعدها ياء باثنتين من تحتها مشدّدة، منوَّنة، قال: والبَتّ: كساء من وَبَر، أو صوف، قال الشاعر [من الرجز]: مَنْ كَانَ ذَا بَتِّ فَهَذَا بَتِّي مُصَيِّفٌ مُقَيٌِّ مُشَتِّي وكأنّ الذي وُضعت القرصة عليه منديل من صوف، وكذلك عند ابن ماهان، غير أنه فتح التّاء، وعند الطبريّ: ((بُنِّيّ)) بضم الباء، بعدها نون مكسورة مشددة، والياء المشدّدة، قال الكنانيّ: وهو الصواب، وهو: طَبَقٌ من خُوص، قال ابن وضاح: (بُنيءٍ)): طبق، أو مائدة من خوص، أو حلفاء، ووقع في بعض النسخ: ((على نبيّ)) بتقديم النون مفتوحة، وكسر الباء الموحّدة بعدها، وقيل في تفسيره: إنَّه مائدة من خُوص، قال ثعلب: النبيئة شيءٌ مُدَوَّر يُعْمَل من خُوص وشَرِيط. قال: وقسمة النبيّ ◌َ ﴿ الأقرصة الثلاثة نصفين يدلّ على جواز فعل مثل (١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٥٠٢/١ - ٤٥٠٣. (٢) (شرح النوويّ)) ٨/١٤. ٣٨٦ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف عند قلَّة الطعام، كما فعل النبيّ وَّه، فإنَّ الذي قُدّم إليه كان غداؤه، فإنَّ أقرصتهم صغار، لا سيما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك فشرّك فيه الغير وفاءً بقوله ◌َله : ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الأربعة))، رواه مسلم. انتهى(١). وقوله: (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ قُرْصاً، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ... إلخ) قال النوويّ تَخْذّلهُ: فيه استحباب مواساة الحاضرين على الطعام، وأنه يستحب جعل الخبز ونحوه بين أيديهم بالسوية، وأنه لا بأس بوضع الأرغفة، والأقراص صحاحاً غير مكسورة. انتھی(٢). وقوله: (قَالُوا: لَا، إِلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ) قال الطيبيّ تَذْتُ: المستثنى منه محذوف، والمستثنى بدل منه، قال: ونظيره ما في حديث عائشة طفيًا: ((لا إلا شيء بَعَثت به أم عطيّة))، متّفقٌ عليه. قال ابن مالك تَُّهُ: فيه شاهد على إبدال ما بعد ((إلا)) من محذوف؛ لأن الأصل: لا شيء عندنا إلا شيء بعثت به أم عطية. انتهى(٣). وقوله: (قَالَ: ((هَاتُوهُ)؛ أي: أحضروا الخلّ الذي عندكم. وقوله: (فَنِعْمَ الأُدُمُ هُوَ))) ((نعم الأدم)) فعل وفاعلٌ، خبر مقدّم عن ((هو))، وهو المخصوص بالمدح، أو هو خبر لمبتدإ محذوف وجوباً (٤)؛ أي: المخصوص بالمدح هو، قال في ((الخلاصة)): وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا أَوْ خَبَرَ اسْم لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٧/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨/١٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٥٨/٩. (٤) ويجوز كونه مبتدأ حُذف خبره؛ أي: هو مخصوص بالمدح. ٣٨٧ (١٩) - بَابُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٤٥) (١٩) - (بَابُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ الْكِبَارِ تَرْكُهُ، وَكَّذَا مَا فِي مَعْنَاهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٥] (٢٠٥٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أُنِيَ بِطَعَامِ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْماً بِفَضْلَةٍ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لأَنَّ فِيَّهَا ثُوماً، فَسَأَلْتُهُ أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ))، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قريباً. ٢ - (سِمَاُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الباهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، مضطرب في عكرمة، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٣ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤. ٤ - (أَبُو أَبُوبَ الأَنْصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة . ـي، شهد بدراً، ونزل النبيّ وَّ عليه حين قَدِم المدينة، ومات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ) خالد بن زيد ◌َّهُ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ إِذَا أُتِيَ بِطَعَام) ببناء الفعل للمفعول، (أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ)؛ أي: بما بقي منه بعد أكلهً (إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْماً بِفَضْلَةٍ)؛ أي: ببقيّة طعام (لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لأَنَّ فِيهَا ثُوماً)، وكان ◌َلّهِ يكرهه؛ لأجل ريحه الكريه، (فَسَأَلْتُهُ أَحَرَامٌ هُوَ؟)؛ أي: الثوم، (قَالَ) وَّرِ (لَا)؛ أي: ليس محرّماً (وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)؛ أي: أكره أكله (مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ))) هذا تصريح بإباحة الثوم، وهو مُجمَع عليه، لكن يُكره لمن أراد حضور المسجد، أو حضور جمع في غير المسجد، أو مخاطبة الكبار، ويُلحق بالثوم كل ما له رائحة كريهة، قال النوويّ كَّتُهُ: واختلف أصحابنا في حكم الثوم في حقه وَّ، وكذلك البصل، والكُرّاث، ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه، ليست محرّمة؛ لعموم قوله ◌َّير: ((لا)) في جواب قوله: أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث ليس بحرام في حقكم. انتهى(١). (قَالَ) أبو أيوب رَبُهُ (فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ)؛ أي: لأني أحبّك، ومن أوصاف المحبّ الصادق أن يُحبّ ما أحبّ محبوبه، ويَكره ما كره، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف ◌َّهُ، وسيأتي بیان مسائله بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حافظٌ إمام قُدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. (١) ((شرح النوويّ)) ٩/١٤، و((تحفة الأحوذيّ)) ٤٣٠/٥. ٣٨٩ (١٩) - بَابُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٤٧) والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَخْذَثُ في ((مسنده))، فقال: (٢٣٥٨٤) - حدّثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدّثني سماك، عن جابر بن سَمُرة، عن أبي أيوب، أن رسول الله وَله كان إذا أكل طعاماً بعث بفضله إلى أبي أيوب، قال: فأُتي يوماً بقصعة فيها ثُوم، فبعث بها، قال: يا رسول الله أحرام هو؟ قال: ((لا، ولكني أكره ريحه))، قال: فإني أكره ما تكره. انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ - وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ - فِي رِوَايَةِ حَجَّاج: ابْنُ يَزِيدَ، أَبُو زَيْدٍ الأَحْوَلُ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنَّ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَّلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسٍ رَسُولِ اللهِ لَ ◌ّهِ، فَتَتَخَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَِّيِّ وَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((السُّفْلُ أَرْفَقُ))، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَفِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ◌َهَ فِي الْعُلْوِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ◌َّه طَعَاماً، فَإِذَا جِيءٌ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعٍ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً فِيهِ ثُوٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَّ النَّبِيُّ وَِّ: ((لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َهـ يُؤْنَى). (١) هو: ولد الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤١٧/٥. ٣٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجاج بن يوسف بن حجاج البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرٍ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٣ - (أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسيّ الملقّب بعارم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر بآخره، من صغار [٩] (ت٣ أو ٢٢٤) (ع) تقدم في ((الحج)) ٣٠١٣/٢٨. ٤ - (ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدِ الأَحْوَلُ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]. روى عن هلال بن خباب، وعاصم الأحول، وسليمان التيميّ، وجماعة. وروى عنه عبد الله بن معاوية الْجُمَحيّ، ومعاوية بن عمرو، وأبو سلمة التبوذكيّ، ومحمد بن الصَّلْت، وعارٌ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ثقة أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم الأحول، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال عفان: دلّنا عليه شعبة، ووثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان عطّاراً بالبصرة، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ تَّتُهُ: مات سنة (١٦٩). أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٣٨/٢٦. [تنبيه]: وقع في النسخ هنا تصحيف فاحش، وهو قوله: ((حدّثنا عاصم بن عبد الله بن الحارث))، فتصحّف ((عن)) إلى ((ابن))، فصار عبد الله بن الحارث أباً لعاصم، وهذا غلطٌ، والصواب ما هنا، ووقع في النسخة الهنديّة على الصواب، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. ٧ - (أَفْلَحُ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو كثير، وقيل غير ذلك، كان من سبي عين التمر، مخضرمٌ ثقةٌ [٢]. روى عن مولاه، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدريّ، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن سلام. ٣٩١ (١٩) - بَابُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ الُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٤٧) وروى عنه محمد بن سيرين، ونسيبه أبو الوليد عبد الله بن الحارث، وأبو بكر بن حزم، وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال ابن سعد: مات في خلافة يزيد بن معاوية سنة (٦٣)، وكان ثقةً قليل الحديث، وقال ابن المدينيّ: قُتِل بالحرّة، ورواه البخاريّ في ((تاريخه)) عن ابن سيرين بسند صحيح، ونقله ابن عساكر عن الواقديّ، وقال ابن عساكر: أدرك عمر، ورَوَى عن عثمان، وقال ابن سيرين: كاتبه أبو أيوب على أربعين ألفاً، ثم تركها له، وأعتقه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٨ - (أبو أيوب) الأنصاري خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدراً، ونزل النبي صل ﴿ حين قدم المدينة عليه، ومات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عاصم، عن عبد الله بن الحارث، عن أفلح، وفيه أبو أيوب ظُه من أكابر الصحابة ، وممن نزل عليه النبيّ وَ﴾ أول هجرته حتى بنى حُجَر أزواجه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: ظُهُ (أَنَّ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ الصحابيّ الشهير التَّبِيَّ ◌َِ﴿ نَزَلَ عَلَيْهِ)؛ أي: نزل ◌َّه في بيته ضيفاً عليه، حين هاجر من مكة إلى المدينة، (فَتَزَلَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي السُّفْلِ) بضمّ السين المهملة، وكسرها لغتان، قاله النوويّ(١)، والفاء ساكنة، وقال الفُيّوميّ: السُّفْل: خلاف الْعُلْو بالضمّ، والكسرُ لغةٌ، وابن قُتيبة يمنع الضمّ. انتهى(٢). وقال المجد تَّتُهُ: السُّفْلُ والسُّفُولُ، والسُّفَالةُ بضمّهنّ، والسِّفْلُ، والسِّفْلَةُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٧٩/١. ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة بكسرهما، والسَّفَالُ بالفتح: نقض الْعُلْوِ، والْعُلُوِّ، والْعُلَاوَةِ، والْعِلْوِ، والْعِلْوَةِ، (١) والْعَلَاءِ. انتهى(١). حُّ (فِي الْعُلْوِ) بتثليث العين، مع سكون اللام، (وَأَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ قال المجد تَظّثُ: عُلْوُ الشيء مثلّثةٌ، وعُلاوته، بالضمّ، وعاليته: أرفعه. انتهى (٢). (قَالَ) الراوي (فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً) من الليالي، (فَقَالَ) في نفسه، أو قال لمن معه من الأهل (نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ نَّ) قاله إنكاراً على نفسه، حيث إن هذا المشي يُخلّ بتعظيم رسول الله وَِّ، فلذلك شَقَّ على أبي أيوب ◌َظُه. (فَتَنَخَّوْا)؛ أي: انتقلوا من المكان الذي كانوا فيه، (فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ)؛ أي: في جهة أخرى من البيت، (ثُمَّ قَالَ) أبو أيوب بعدما أصبح (لِلنَّبِيِّ وَّر)؛ أي: كلّمه بما فعل من انتقاله من مكان إلى آخر بسبب كونه وال تحتهم، (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((السُّفْلُ أَرْفَقُ)))؛ أي: كوننا في الطبق الأسفل أيسر علينا، وأسهل بنا، وقال القرطبيّ كَّلُ: وقوله وَّ: ((السُّفل أرفق بنا))؛ يعني بذلك: من جهة الصعود إلى العلو، وبما يلحق في تكرار ذلك من المشقّة، ومع ذلك فتجشمها النبيّ وَّ﴿ لَمّا رأى صدق أبي أيوب في احترامه، وعزمه على ألا يسكن العلو بوجه، فلو لم يُجبه إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر، وربما تكثر عليه المشقة، والحرج، فآثر وبَّطهر موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود. انتهى(٣). (فَقَالَ) أبو أيوب (لَا أَعْلُو سَقِيفَةً) - بفتح، فكسر -: الصُّفَّة، وكلُّ ما سُقّف من جَناح وغيره، وسَقِيفة بني ساعدة ظُلّةٌ، وقيل: صُفّة، والجمع سَقَائف، قاله الفيّومِيّ(٤). (أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي الْعُلْوِ)؛ أي: إلى المكان العلو، (وَأَبُو أَيُّوبَ الأنصاريّ فِي السُّفْلِ)؛ أي: إلى المكان السُّفْل. قال النوويّ ◌َُّ: أما نزوله و ير أوّلاً في السفل، فقد صَرَّح بسببه، وأنه أرفق به، وبأصحابه، وقاصديه، وأما كراهة أبي أيوب، فمن الأدب المحبوب (١) ((القاموس المحيط)) ص ٦٢٠. (٢) ((القاموس المحيط)» ص٩٠٨. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٩/٥. (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٨٠. ٣٩٣ (١٩) - بَابُ إِيَاحَةٍ أَكْلِ الُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٤٧) الجميل(١)؛ إذ هو تعظيم للنبيّ وَلّ غاية التعظيم. وَُّه من البقاء في العلو الذي وقال القرطبيّ كَّلُ: وإنما تحرَّج أبو أيوب كان النبيّ وَّ﴿ تحته؛ إعظاماً للرسول وَله، واحتراماً عن أن يعلوه، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو، فيؤذي النبيّ وَّهِ. انتهى(٢). (فَكَانَ) أبو أيوب (يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ وَ﴿ِ طَعَاماً، فَإِذَا جِيءٍ بِهِ)؛ أي: بذلك الطعام (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي أيوب بعدما يأكل النبيّ وَّ منه، (سَأَ) أبو أيوب (عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ) وَِّ (فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ) والمعنى: أن أبا أيوب ◌ُبه إذا بَعَث إلى النبيّ ◌َ ﴿ طعاماً، فأكل منه حاجته، ثم رَدّ الفضلة أكل أبو أيوب من موضع أصابع النبيّ وَّر؛ تبرّكاً به، ففيه التبرك بآثار النبيّ وَّر في الطعام، وغيره، والله تعالى أعلم. (فَصَنَعَ) أبو أيوب (لَهُ) وَّهِ (طَعَاماً فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدّ) بالبناء للمفعول؛ أي: لمّا رُد ذلك الطعام من عنده ◌ََّ (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي أيوب، (سَأَلَ) أبو أيوب (عَنْ مَوْضِعٍ أَصَابِعِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ) ◌َِّ منه؛ لكون الثّومِ فيه. (فَفَزِعَ) بكسَر الزاي، من باب تَعِب؛ أي: فَزَع أبو أيوب ◌َظُه من عدم أَكْله * من ذلك الطعام؛ لخوفه أن يكون حَدَث منه أمر أوجب الامتناع من طعامه، (وَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، من باب سَمِعَ صُعُوداً: رَقِيٍ، (إِلَيْهِ) وَلّ (فَقَالَ) بعدما سأل النبيّ ◌َ ﴿ عن عدم أَكْله منه، فأخبره بأن فيه ثُوماً، (أَحَرَامٌ هُوَ؟)؛ أي: الثوم، قال القرطبيّ تَُّهُ: هذا سؤال من يعتقد أن النبيّ وَلقر إذا ترك أكل شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلاً على تحريمه ذلك، ولذلك أجابه النبيّ وَ﴾ بقوله: ((لا))، وهو ردٌّ على من يقول من أهل الظاهر: إنه حرام، يمنع حضور الجماعات للصلاة، وقد تقدّم الكلام على هذا في ((كتاب (٣) الصلاة)). انتهى (٣). (فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (لَا)؛ أي: ليس بحرام، (وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)؛ أي: لرائحته (١) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٤. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٨/٥. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٨/٥. ٣٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الكريهة، قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا يدلّ على كراهة أكل الثوم، وإن كان مطبوخاً، وقد تقدم قول عمر ظه: ((فمن أَكَلهما فَلْيُمِتْهُما طبخاً))، وإنما كان النبيّ وَ ه يكرههما مطلقاً؛ لخصوصيته بمناجاة الملائكة، ولذلك قال في بعض الحديث: ((كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي))، متّفقٌ عليه. انتهى(١). (قَالَ) أبو أيوب (فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ)؛ لأن مِن صِدْق المحبّة أن يُحب المرء ما يُحبّه محبوبه، ويكره ما يكرهه، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال: ما تكره بصيغة المضارع، أو قال: (مَا كَرِهْتَ) بصيغة الماضي؟ (قَالَ) الراوي أبو أيوب أو غيره (وَكَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُؤْتَى) بالبناء للمفعول، وهذا بيان لسبب كراهة النبيّ ر أكل الطعام الذي فيه الثوم، وذلك لأنه يأتيه المَلَك، والثوم له رائحة كريهة، والملائكة تتأذى منها . وقال النوويّ تَخْلُهُ: قوله: (وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُؤْتَى) معناه: تأتيه الملائكة، والوحيُّ، كما جاء في الحديث الآخر: ((إني أناجي من لا تناجي))، و((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم))، وكان وَله يترك الثوم دائماً؛ لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كلَّ ساعة. قال: واختَلَف أصحابنا في حكم الثوم في حقه ◌َّ، وكذلك البصل، والْكُرّاث، ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرّمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه، ليست محرّمة لعموم قوله وَلّ: ((لا)) في جواب قوله: ((أحرام هو؟)) ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام في حقكم، والله أعلم. انتهى(٢). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: وقوله: ((كان يؤتى)) قد فسَّره الراوي بقوله: يعني: يأتيه الوحي، ومعناه: يؤتى بالوحي؛ أي: يجاء إليه به، والوحي: ما يبلّغه النبيّ ◌َّ عن الله تعالى مما يبلّغه جبريللعلّله. انتهى(٣). (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٨/٥. (٢) (شرح النوويّ)) ٩/١٤. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٩/٥. ٣٩٥ (١٩) - بَابُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٤٧) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ه هذا من أفراد المصنّف نَخَذَتهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٤٥/١٩ و٥٣٤٦ و٥٣٤٧] (٢٠٥٣)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨١١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) ()، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٦/٥ و٤١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٠/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٥٣/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال العلماء فيه أنه يستحب للآكل والشارب أن يُفضل مما يَأكل، ويَشرب فضلةً ليواسي بها من بعده، لا سيما إن كان من أهل الفضل، وكذا إذا كان في الطعام قلّة، ولهم إليه حاجة، ويتأكد هذا في حق الضيف، لا سيما إن كانت عادة أهل الطعام أن يُخرجوا كل ما عندهم، وتنتظر عيالهم الفَضْلة، كما يفعله كثير من الناس، ونقلوا أن السلف كانوا يَستحبون إفضال هذه الفضلة المذكورة، وهذا الحديث أصلُ ذلك كله، كما قال النوويّ كَذَلُهُ(١). ٢ - (ومنها): أن فيه إجلال أهل الفضل، والمبالغة في الأدب معهم. ٣ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لأبي أيوب الأنصاريّ ◌َظُه من أَوْجُه: منها: نزول النبيّ وَّل عليه، ومنها أدبه معه، ومنها موافقته في ترك الثوم. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَُّ في قول أبي أيوب: ((أكره ما تكره)) جواز الامتناع من المباح، وإطلاق اسم الكراهة عليه، وإن لم يكن مطلوب الترك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٤. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٩/٥. ٣٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (٢٠) - (بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِيَارِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٨] (٢٠٥٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِِّ، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ، فَقَالَ: ((مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟))، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِمْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّ قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِي السِّرَاجَ، وَأَرِبِهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ، حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا، وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِّ وَّهِ، فَقَالَ: ((قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن قُرط الضبيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بن جرير الضبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨. ٤ - (أَبُو حَازِمِ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، مولى عَزّة الأسلميّة، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائَّة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظَُّ، وأنه مسلسلٌ بالكوفیین، غیر شیخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ، وفيه أبو هريرة رُّله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً . ٣٩٧ (٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٤٨) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ) وقع عند البخاريّ في ((التفسير)) مسلسلاً بالتحديث، ولفظه: (أَحدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا فُضيل بن غزوان، حدّثنا أبو حازم الأشجعيّ)). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) قال في ((الفتح)): هذا الرجل هو أبو هريرة ظ ◌ُته، وقع مفسَّراً في رواية الطبرانيّ، وقد نَسَبْتُه في ((المناقب)) إلى تخريج أبي البختريّ الطائيّ في صفة النبيّ ◌َلّ، وأبو البختريّ لا يوثق به. انتهى(١). (فَقَالَ) ذلك الرجل (إِنِّي مَجْهُودٌ)؛ أي: أصابني الجهد، وهو المشقّة، والحاجة، وسوء العيش، والجوع(٢)، يقال: جهده الأمرُ والمرضُ جَهْداً: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه: جَهْدُ البلاء(٣). وفي رواية البخاريّ: ((فقال: يا رسول الله أصابني الْجَهْدُ)). (فَأَرْسَلَ) وَهُ (إِلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ) لم يُعرف اسمها؛ أي: أرسلِ وَ له إليها يطلب منها ما يُضيفه به، (فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ)؛ أي: ليس عندي طعام يأكله الضيف، وإنما عندي ماء، وهو لا يُغني عن الطعام. وقال في ((الفتح)): وفيه ما يُشعر بأن ذلك كان في أول الحال قبل أن يفتح الله لهم خيبر وغيرها. انتهى (٤). وقال القرطبيّ تَّهُ: قول أزواج النبيّ وَليقول: ((ليس عندنا إلا ماء)) يدلّ على شدة حالهم، وضيق عيشهم، وكان هذا - والله أعلم - في أول الأمر، وأما بعد ذلك لمّا فُتحت خيبر، فقد كان النبيّ وَّهِ يحبس لأهله قُوْتَ سَنَتهم، ويَحْتَمِل أن يكون بعد ذلك، وأن أزواج النبيّ وَّهُ كنَّ يتصدَّقن بما كان عندهن، ويُؤْثِرْن غيرهنّ بذلك، ويبقين على ما يفتح الله تعالى، ولا يطلبن من النبيّ وَّ؛ لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ. انتهى(٥). (١) ((الفتح)) ٦٨٠/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٨٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ١١/١٤. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢. (٤) ((الفتح)) ٨/ ٤٩٧، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٨). (٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٠/٥. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى) لم تُعرف أيضاً، (فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما قالت الأولى: ((والذي بعثك بالحقّ ما عندي إلا ماء))، (حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ، فَقَالَ) ◌ِ (مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟) ((من)) يَحْتَمِل أن تكون موصولة مبتدأ، خبرها جملة ((رحمه الله))، ويَحْتَمل أن تكون استفهاميّة مبتدأ خبرها جملة ((يُضيف ... إلخ))؛ أي: أي شخص يقوم بضيافته؟، وعليه فقوله: ((يرحمه الله)) جملة خبريّة حال من الفاعل، ويَحْتَمل أن تكون جملة دعائيّة، فتكون مستأنفةً، وعلى الأول فهي خبرية . ولفظ البخاريّ: ((ألا رجلٌ يُضيفه الليلة يرحمه الله)). وقوله: (يُضيف)) بضمّ أوله، من الإضافة رباعيّاً، قال الفيوميّ كَذَلُ: الضَّيْفُ: معروف، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل من ضَافَهُ ضَيْفاً، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيته، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفاً، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لجأ إليك من خوف، فَأَجَرْتَه، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَرَيته، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى(١). وقوله: (هَذَا اللَّيْلَةَ) إشارة إلى الرجل المجهود، و((الليلة)) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((يُضيف))، وفي رواية للبخاريّ: ((ألا رجلٌ يُضيفه هذه الليلة)). (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ) قال في ((الفتح)): زعم ابن التين أنه ثابت بن قيس بن شَمّاس، وقد أورد ذلك ابن بشكوال من طريق أبي جعفر بن النحاس، بسند له عن أبي المتوكل الناجيّ مرسلاً، ورواه إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن))، ولكن سياقه يشعر بأنها قصة أخرى؛ لأن لفظه: ((أن رجلاً من الأنصار عَبَر عليه ثلاثة أيام، لا يجد ما يُفطر عليه، ويصبح صائماً حتى فَطِن له رجل من (١) (المصباح المنير)) ٣٦٦/٢. ٣٩٩ (٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِيثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٤٨) الأنصار، يقال له: ثابت بن قيس))، فقصّ القصة، وهذا لا يمنع التعدد في الصنيع مع الضيف. وفي نزول الآية قال ابن بشكوال: وقيل: هو عبد الله بن رواحة، ولم يذكر لذلك مستنداً. وروى أبو البختريّ القاضي أحد الضعفاء المتروكين في ((كتاب صفة النبيّ وَ﴾)) له أنه أبو هريرة راوي الحديث، والصواب الذي يتعيَّن الجزم به في حديث أبي هريرة ما وقع عند مسلم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، عن أبيه بإسناد البخاريّ: ((فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة))، وبذلك جزم الخطيب، لكنه قال: أظنه غير أبي طلحة زيد بن سهل المشهور، وكأنه استبعد ذلك من وجهين: أحدهما: أن أبا طلحة زيد بن سهل مشهور، لا يحسن أن يقال فيه: فقام رجل يقال له: أبو طلحة، والثاني: أن سياق القصة يُشعر بأنه لم يكن عنده ما يتعشى به هو وأهله، حتى احتاج إلى إطفاء المصباح، وأبو طلحة زيد بن سهل كان أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً، فيَبْعُد أن يكون بتلك الصفة من التقلل. قال الحافظ: ويمكن الجواب عن الاستبعادين، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ تَّتُهُ: ((ويمكن الجواب))، ولم يذكر ذلك الجواب، وقد أجاب بعض المتأخّرين، فقال: ويمكن الجواب عن الأول: بأن شهرة أبي طلحة لا تمنع من أن يقال فيه: رجل من الأنصار، وعن الثاني: بأن المال غادٍ ورائحٌ، فلا يمنع كون أبي طلحة من المياسير أن تمرّ عليه ليلة، وفي طعامه قلّة(٢)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في ((الفتح)) في ((كتاب التفسير)): أردت التنبيه هنا على شيء وقع للقرطبيّ المفسِّر، ولمحمد بن عليّ بن عسكر في ((ذيله)) على تعريف السهيليّ، فإنهما نقلا عن النحاس، والمهدويّ أن هذه الآية نزلت في أبي المتوكل، زاد ابن عسكر الناجيّ: وأن الضيف ثابت بن قيس، وقيل: إن فاعلها (١) ((الفتح)) ٤٩٧/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٨). (٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٦٦/٤. ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ثابت بن قيس، حكاه يحيى بن سلام. انتهى، وهو غلطٌ بَيِّنْ، فإن أبا المتوكل الناجيّ تابعيّ مشهور، وليس له في القصة ذِكر، إلا أنه رواها مرسلة، أخرجها من طريق إسماعيل القاضي، وكذا ابن أبي الدنيا في ((كتاب قرى الضيف))، وابن المنذر في تفسير هذه السورة، كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل: ((أن رجلاً من المسلمين مكث ثلاثة أيام لا يجد شيئاً يُفطر عليه، حتى فَطِن له رجل من الأنصار، يقال له: ثابت بن قيس ... )) الحديث. وقد تَبع ابنَ عسكر جماعةٌ من الشارحين ساكتين عن وَهَمه، فلهذا نبّهت عليه، وتفطّن شيخنا ابن الملَقِّن لقول ابن عسكر: إنه أبو المتوكل الناجيّ، فقال: هذا وَهَمٌ؛ لأن أبا المتوكل الناجيّ تابعيّ إجماعاً. انتهى، فكأنه جوّز أنه صحابيّ يكنى أبا المتوكل، وليس كذلك. انتهى(١). (فَقَالَ: أَنَا)؛ أي: أنا أُضيفه هذه الليلة (يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِه)؛ أي: ذهب ذلك الأنصاريّ بذلك الرجل المجهودِ (إِلَى رَحْلِهِ)؛ أي: إلى منزله، ورحلُ الإنسان هو منزله، من حَجَر، أو مَدَر، أو شَعَر، أو وَبَر، قاله النوويّ دَّثُ . قال الفيّوميّ كَّتُ: ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى (٢). وفي رواية للبخاريّ: ((فذهب إلى أهله))، (فَقَالَ لِمْرَأَتِهِ) لا يُعرف اسمها، وقال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((فقال لامرأته)) إن كان أبا طلحة زيد بن سهل، فامرأته هي أمّ سُليم، وإن كان أبا طلحة ثانياً، فذَكَر المختلعات منه في ((التوضيح))، وإن كان عبد الله بن رواحة، فلا أعلم اسم زوجته. انتهى(٣). (هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟)؛ أي: من الطعام، (قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي) بکسر الصاد وضمّها: جمع صبيّ. قال في ((الفتح): قوله: ((إلا قوت صبياني)) يَحْتَمِل أن يكون هو وامرأته تعشَّيًا، وكان صبيانهم حينئذ في شغلهم، أو نياماً، فأخّروا لهم ما يكفيهم، أو (١) ((الفتح)) ٦٨٠/١٠ - ٦٨١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٨٩). (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٢٢. (٣) ((تنبيه المعلم)) ص٣٥٤.