Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (١٤) - بَابٌ فِي الدِّخَارِ الثَّمْرِ، وَنَحْوِهِ، مِنَ الأَقْوَاتِ لِلْعِيَالِ - حديث رقم (٥٣٢٥) المناويّ كَّلُ: هذا وارد في بلاد ليس من عادتهم الشِّبَع بغيره، وفيه حَثّ على الْقَنَعِ، وتنبيهٌ على حِلّ ادِّخار قُوت العيال، فإنه أسكن للنفس، وأحصن عن الْمَلاَل. انتهى (١). وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)): وهذا لأن التمر كان قُوْتَهم، فإذا خلا منه البيت جاع أهله، وأهل كل بلدة بالنظر إلى قُوتِهم يقولون كذلك، وقال الطيبيّ: لعله حثٌّ على القناعة في بلادٍ كثر فيها التمر؛ أي: من قَنِع به لا يجوع، وقيل: هو تفضيل للتمر، والله تعالى أعلم. (٢) انتھی(٢). وقال النوويّ تَخّْلُهُ: فيه فضيلة التمر، وجواز الادخار للعيال، والحثّ (٣) عليه. انتهى . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا إنما عنى به النبيّ ◌َير المدينة، ومن كان على حالهم، ممن غالب قُوتِهِم التمر، وذلك أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى، فيجوع أهله؛ إذ لا يجدون شيئاً، ويصدق هذا القول على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد، أو يكون الغالب فيه صنفاً واحداً، فيقال على بلد ليس فيه إلا البُرّ: بيت لا بُرَّ فيه جياع أهله، ويفيد هذا: التنبيه على مصلحة تحصيل القوت، وادِّخاره؛ فإنَّه أسكن للنفس غالباً، وأبعد عن التشويش. انتهى(٤). وقال المناويّ كََّثُ: ((بيت لا تمر فيه جياع أهله)) لكونه أنفس الثمار التي بها قوام النفس والأبدان، مع كونه أغلب أقوات الحجاز، وفي رواية لابن ماجه بسند جيّد، كما قاله زين الحافظ: ((بيت لا تمر فيه كالبيت لا طعام فيه)). انتھی . قال: قال القرطبيّ: ويصدق هذا على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد، ويكون الغالب فيه صنفاً واحداً، فيقال على بلد ليس فيه إلا البرّ: بيت لا بر (١) ((فيض القدير)) ٤٤٦/٦. (٢) ((عون المعبود)) ٢١٩/١٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١٣. (٤) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٠/٥. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة فيه جياع أهله، فكأن التمر إذ ذاك قُوْتُهم، كما يقول أهل الأندلس: بيت لا تِيْن فيه جياع أهله، قال ابن العربيّ تَظُّ: وأنا أقول: ما يناسب الخلقة والشرعة، وتصدقه التجربة: بيت لا زبيب فيه جياع أهله، وأهل كل قطر یقولون في قُؤْتِهم مثله. وقال الطيبيّ: الحديث يَحمِل على الحثّ على القناعة في بلاد يكثر فيها التمر، يعني بيت فيه تمر، وقَنِعوا به لا يجوع أهله، وإنما الجائع من ليس عنده تمر، وفيه تنبيه على مصلحة تحصيل القوت، وادخاره. انتهى (١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ها هذا من أفراد المصنّف ◌َذَلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٢٥/١٤ و٥٣٢٦] (٢٠٤٦)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٦٢/٣)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨١٥)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠٦/٨)، و(أحمد) في (مسنده) (١٧٩/٦ و١٨٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٠٣/٢ - ١٠٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٠٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٨/٥ - ١٨٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٥٣/٥ و٨٣/٧)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٠/ ٣١) وفي ((أخبار أصبهان)) (٩٢/١ و١١٦/٢)، و(أبو الشيخ) في ((الأمثال)) (٢٣١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٨٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن عمّار الشهيد تَخّْثُ في ((علل الحديث)): ووجدت فيه - يعني: ((صحيح مسلم)) - عن يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيّ وَل قال: ((لا يجوع أهل بيت عندهم التمر))، ورَوَى بهذا الإسناد أيضاً عن النبيّ وَّ: (نِعم الإدام الخلّ))، حدّثنا أحمد بن محمد بن القاسم الفَسَوِيّ، حدّثنا أحمد بن سفيان، حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا يحيى بن حسان بهذين (١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ تخلفه ٢٠٩/٣. ٣٤٣ (١٤) - بَابٌ فِي ادِّخَارِ التَّمْرِ، وَنَحْوِهِ، مِنَ الأَقْوَاتِ لِلْعِيَالِ - حديث رقم (٥٣٢٥) الحديثين، قال أحمد بن صالح: نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلاً، قال أحمد بن صالح: وحدّثني ابن أبي أويس، قال: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام، عن رجل من الأنصار: أن رسول الله وال أهلي سأل قوماً: ((ما إدامكم؟)) قالوا: الخلّ، قال: ((نِعْم الإدام الخلّ)). انتهى كلام ابن عمّار تَقْدَهُ(١). وقال الترمذيّ كَُّ في ((علله)): سألت محمداً - يعني: البخاريّ - عن هذين الحديثين - أي: حديث: ((بيت لا تمر فيه جياع أهله))، وحديث: ((نِعْم الإدام الخلّ)) - فقال: لا أعلم أحداً روی هذين الحدیثین غیر یحیی بن حسان، عن سليمان بن بلال، ولم يعرفهما محمد إلا من هذا الوجه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير يحيى بن حسّان)) فيه نظر، فقد رواه مروان بن محمد، عن سليمان، أخرجه من طريقه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان، قال أبو داود في ((سننه)): (٣٨٣١) - حدّثنا الوليد بن عتبة، ثنا مروان بن محمد، ثنا سليمان بن بلال، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة خُيًّا قالت: قال النبيّ ◌َلَّه: (بیت لا تمر فيه جياع أهله)). انتهى(٣). [تنبيه]: هذا الحديث روي من حديث سلمى ﴿ا، أخرجه ابن ماجه في ((سننه))، فقال: (٣٣٢٨) - حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، ثنا بن أبي فُديك، ثنا هشام بن سعد، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدّته سلمى، أن النبيّ وَ ل قال: ((بيت لا تمر فيه كالبيت لا طعام فيه))(٤). انتهى(٥). وأخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))، فقال: (٧٥٨) - حدّثنا سعيد بن محمد بن سعيد بن حمزة بن المغيرة بن نشيط (١) ((علل الحديث في كتاب الصحيح)) ١٠٩/١ - ١١٠. (٣) ((سنن أبي داود)) ٣٦٢/٣. (٢) ((علل الترمذيّ)) ٣٠٢/١. (٤) حسّنه الشيخ الألبانيّ تَّفُ في ((السلسلة الصحيحة)) ٣٧٧/٤. (٥) ((سنن ابن ماجه)) ١١٠٥/٢. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة المخزوميّ المصريّ، ثنا سعيد بن سليمان الواسطيّ، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن حارثة بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، عن أمه، وكانت خادماً للنبيّ وَّه قالت: سمعت رسول الله وَّ ه يقول: ((بيت لا تمر فيه جياع أهله)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا عَائِشَةُ بَيْتُ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ بَيْتُ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ - أَوْ: ((جَاعَ أَهْلُهُ)) - قَالَهَا مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَْنَبِ) القعنبِيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ) - بمهملتين الثانية ساكنة - أبو يوسف، مولى بني ليث، وقيل: مولى جويرية بنت الحارث الهلالية، المدنيّ، ثقةٌ من كبار [٧]. روى عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، وبلال بن أبي بردة، وإسحاق بن يسار المدنيّ، وغيرهم. وروى عنه مالك، وابن أبي الزناد، والثوريّ، وإسماعيل بن أبي عياش، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وابن المبارك، والأصمعيّ، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: لا بأس به، وكذا قال أبو داود، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال ابن سعد: تُؤُنّي في خلافة أبي جعفر، وكان قليل الحديث، وقال خليفة: مات سنة اثنتين وستّين ومائة. تفرّد به المصنّف، وليس له عنده في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (١) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ٢٩٩/٢٤. ٣٤٥ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٢٧) ٣ - (أَبُو الرِّجَالِ(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة الأنصاريّ، مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن، ثقةٌ [٥] (خ م س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٩٠/٤٦. ٤ - (أُمّهُ) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّ، أكثرت عن عائشة ◌َؤُها، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧. و((عائشة )) ذُكرت قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من أوله إلى آخره، والقعنبيّ، وإن كان بصريّاً، إلا أن أصله من المدينة، وقد سكنها مدّة. والحديث من أفراد المصنّف نَّثُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَُّ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٧] (٢٠٤٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرُّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن معمر بن حزم الأنصاريّ أبو طُوَالة - بضمّ الطاء المهملة - المدنيّ، القاضي، تقدّم قريباً. ٢ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. (١) بكسر الراء، وتخفيف الجيم لُقّب به؛ لأنه كان له عشرة أولاد ذكور. ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ٣ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٥) على المشهور تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنة ﴿ه، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، ومناقبه جمّة، وهو آخر من مات من العشرة شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص وفي رواية هاشم بن هاشم التالية: ((قال: سمعت عامر بن سعد بن أبي وقّاص، يقول: سمعت سعداً يقول: سمعت رسول الله (وَل يقول ... )). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أراد: لابَتَي المدينة، وإن لم يَجر لها ذِكرٌ؛ للعِلم بها، واللابتان تثنية لابة، وهي الحَرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السُّود، والجمع لابِّ، مثلُ ساعة وساع، واللَّوبة بالضمّ لغةٌ، والجمعُ لُؤْبٌ، قاله الفيّوميّ (١). (حِينَ يُصْبِحُ)؛ أي: حين يدخل وقت الصباح، (لَمْ يَضُرُّهُ) بضمّ الراء للإتباعِ، (سُمِّ) قال الفيّوميّ: السمّ: ما يَقْتُلُ، بالفتح في الأكثر، وجمعه سُمومٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وسِمَامٌ أيضاً، مثلُ سَهْمٍ وسِهام، والضمّ لغةٌ لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمْتُ الطعامَ، منْ باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ. انتهى (٢). [فائدة]: قال الخضريّ تَظْلَثُ في ((حاشية شرح ابن عقيل على الخلاصة)): إذا اتّصل بآخر الفعل المدغم من المجزوم وشِبهه هاء الغائبة وجب فتحه، كَرُدَّهَا، ولم يَرُدَّها، أو هاء الغائب وجب ضمّه، كرُدُّهُ، ولم يردّه؛ لأن الهاء خفيّة، فلن يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وَلِيها الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث (١) (المصباح المنير)) ٥٦٠/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٩/١. ٣٤٧ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٢٧) قبل هاء الغائب، وغُلُّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لغيّةٌ، سَمِع الأخفش: مُدِّهِ، وغُطِّهِ، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كلّ منهما . فإن اتّصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدِّ القومَ بالكسر؛ لأنها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه تخفيفاً، وحكى ابن جنّي ضمّه إتباعاً، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الطويل]: فَغُضّ الظَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلَا كَعْباً بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا نَعَم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في ((التسهيل)). فإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك ففيه ثلاث لغات: الفتح؛ للخفّة مطلقاً؛ أي: في مضموم الفاء، كرُدَّه، ومكسورها، كفِرّ، ومفتوحها، كَعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقاً على أصل التخلّص، وهو لغة كعب، والإتباع بحركة الفاء، كُرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في کلامهم. انتھی(١). (حَتَّى يُمْسِيَ)))؛ أي: يدخل في المساء. وفي الرواية التالية: ((من تصبّح بسبع تمرات عجوة، لم يضرّه ذلك اليوم سمّ، ولا سحرٌ))، وفي رواية البخاريّ: ((من اصطَبَحَ كلَّ يوم تمرات عجوة، لم يضرّه سمّ، ولا سحرٌ ذلك اليوم إلى الليل)). قوله: ((كلَّ يوم تمرات عجوة)) كذا أطلق في هذه الرواية، ووقع مقيَّداً في غيرها، ففي رواية جمعة، وابن أبي عمر: ((سبع تمرات))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية دُحَيم، عن مروان، وكذا هو في رواية أبي أسامة في الباب، ووقع مقيَّداً بالعجوة في رواية أبي ضمرة أنس بن عياض، عن هاشم بن هاشم، عند الإسماعيليّ، وكذا في رواية أبي أسامة، وزاد أبو ضمرة في روايته التقييد بالمكان أيضاً، ولفظه: ((مَن تصبَّح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية))، والعالية: القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد، قال: وللزيادة شاهد عند مسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة بلفظ: ((في عجوة العالية شفاء في أول البكرة))، ووقع لمسلم أيضاً من طريق أبي طُوالة (١) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل)) ٣٢٩/٢. ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن عامر بن سعد بلفظ: ((من أكل سبع تمرات مما بين لا بتيها حين يصبح)). قوله: ((لم يضره سمّ، ولا سحرٌ ذلك اليوم إلى الليل)): السمّ معروف، وهو مثلث السين. وقوله: ((ذلك اليوم)) ظرف، وهو معمول لـ((يضرّه))، أو صفة لـ«سحر)). وقوله: ((إلى الليل)) فيه تقييد الشفاء المطلق في رواية ابن أبي مليكة، حيث قال: ((شفاء، أو أنها ترياق أول البكرة))، وتردده في ترياق شكّ من الراوي، والبكرة بضم الموحدة، وسكون الكاف، يوافق ذِكر الصباح في حديث سعد، والشفاء أشمل من الترياق، يناسب ذكر السمّ، والذي وقع في حديث سعد شيئان: السحر والسم، فمعه زيادة علم. وقد أخرج النسائيّ من حديث جابر، رفعه: ((العجوة من الجنة، وهي شفاء من السمّ))، وهذا يوافق رواية ابن أبي مليكة. والترياق بكسر المثناة، وقد تضمّ، وقد تُبْدَل المثناة دالاً، أو طاءً، بالإهمال فيهما، وهو دواء مركّبٌ معروف يعالج به المسموم، فأُطلق على العجوة اسم الترياق؛ تشبيهاً لها به. وأما الغاية في قوله: ((إلى الليل)) فمفهومه أن السر الذي في العجوة من دفع ضرر السحر والسم يرتفع إذا دخل الليل في حقّ مَن تناوله مِن أول النهار، ويستفاد منه إطلاق اليوم على ما بين طلوع الفجر، أو الشمس إلى غروب الشمس، ولا يستلزم دخول الليل. قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على حكم من تناول ذلك في أول الليل، هل يكون كمن تناوله أول النهار، حتى يندفع عنه ضرر السم والسحر إلى الصباح؟ والذي يظهر خصوصية ذلك بالتناول أول النهار؛ لأنه حينئذ يكون الغالب أنّ تناوله يقع على الريق، فیحْتَمِل أن يُلحق به من تناول الليل على الريق؛ كالصائم، وظاهر الإطلاق أيضاً المواظبة على ذلك، وقد وقع مقيّداً فيما أخرجه الطبريّ من رواية عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فيها أنها كانت تأمر بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات. وأخرجه ابن عديّ من طريق محمد بن عبد الرحمن الظُّفاويّ، عن ٣٤٩ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٢٧) هشام، مرفوعاً، وذكر ابن عديّ أنه تفرَّد به، ولعله أراد تفرّده برفعه، وهو من رجال البخاريّ، لكن في المتابعات. قال: ويجوز في تمرات عجوة الإضافة، فتخفض، كما تقول: ثياب خَزّ، ويجوز التنوين على أنه عَظْف بيان، أو صفة لسبع، أو تمرات، ويجوز النصب منوّناً على تقدير فِعْل، أو على التمييز. قال الخطابيّ: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبيّ ◌َله لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لا لخاصيّة في التمر، فيه نظر لا يخفى، بل هو ظاهر في كونه لخاصيّة تمر المدينة؛ إذ دعوة النبيّ وَلو لتمر المدينة عامّة، لا تخصّ العجوة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكون المراد نخلاً خاصّاً بالمدينة لا يُعرف الآن، وقال بعض شراح ((المصابيح)) نحوه، وأن ذلك لخاصية فيه، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصّاً بزمانه اَله. قال الحافظ: وهذا يُبعده وَصْف عائشة لذلك بَعْده وَهـ وقال بعض شراح ((المشارق)): أما تخصيص تمر المدينة بذلك فواضح من ألفاظ المتن، وأما تخصيص زمانه بذلك فبعيد، وأما خصوصية السبع فالظاهر أنه لسرّ فيها، وإلا فُيُستحب أن يكون ذلك وتراً. وقال المازريّ: هذا مما لا يُعقل معناه في طريقة علم الطبّ، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب، لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع، ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه ◌َ ﴿ خاصة، أو لأكثرهم إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا غالباً، وإن وُجد في الأكثر حُمِل على أنه أراد وصف غالب الحال. وقال عياض: تخصيصه ذلك بعجوة العالية، وبما بين لابتي المدينة يرفع هذا الإشكال، ويكون خصوصاً لها، كما وُجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دون ذلك الجنس في غيره؛ لتأثير يكون في ذلك من الأرض، أو الهواء، قال: وأما تخصيص هذا العدد فَلِجَمْعه بين ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الأفراد والأشفاع؛ لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه أشفاع ثلاثة، وأوتار أربعة، وهي من نمط غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، وقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وكما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات، والسبعمائة مبالغة في كثرة المئين. وقال النوويّ: في الحديث تخصيص عجوة المدينة بما ذُكر، وأما خصوص كون ذلك سبعاً فلا يُعقل معناه، كما في أعداد الصلوات، ونُصُب الزكوات، قال: وقد تكلم في ذلك المازريّ، وعياض بكلام باطل، فلا يُغترّ به. انتھی. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامهما ما يقتضي الحكم عليه بالبطلان، بل كلام المازريّ يشير إلى محصّل ما اقتصر عليه النوويّ، وفي كلام عياض إشارة إلى المناسبة فقط، والمناسبات لا يُقصد فيها التحقيق البالغ، بل يُكتفَى منها بطرق الإشارة. وقال القرطبيّ: ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم، وإبطال السحر، والمطلق منها محمول على المقيد، وهو من باب الخواص التي لا تُدرك بقياس ظنيّ، ومن أئمتنا من تكلّف لذلك، فقال: إن السموم إنما تَقْتُل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم، قال: وهذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقاً، بل خصوصية التمر، فإن من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك من التمر، والأَولى أن ذلك خاصّ بعجوة المدينة، ثم هل هو خاصّ بزمان نُظْقِه، أو في كل زمان؟ هذا مُحْتَمِلٌ، ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فمن جرَّب ذلك فصحَّ معه عَرَف أنه مستمرّ، وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان، قال: وأما خصوصية هذا العدد فقد جاء في مواطن كثيرة من الطب، كحديث: ((صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب))، وقوله للمفؤود الذي وجّهه للحارث بن كَلَدَة أن يَلُدّه بسبع تمرات، وجاء تعويذه سبع مرات إلى غير ذلك. وأما في غير الطب فكثير، فما جاء من هذا العدد في معرض التداوي فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله، أو من أطلعه على ذلك، وما جاء منه في غير ٣٥١ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٢٨) معرض التداوي، فإن العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة، وإن لم تُرِد عدداً بعينه. وقال ابن القيّم: عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز، وهو صنف كريم ملذذ متين الجسم والقوة، وهو من أَلْيَن التمر، وألذّه، قال: والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية؛ لِمَا فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الديدان؛ لِمَا فيه من القوة الترياقية، فإذا أُديم أَكْله على الريق جفف مادة الدود، وأضعفه، أو قتله. انتهى. وفي كلامه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم، وهو ما ينشأ عن الديدان التي في البطن لا كل السموم، لكن سياق الخبر يقتضي التعميم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وعلى تقديم التسليم في السم فماذا يصنع في السحر؟. انتهى كلام الحافظ ◌َُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ضُرُّ (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٢٧/١٥ و٥٣٢٨ و٥٣٢٩] (٢٠٤٧)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة)) (٥٤٤٥) و((الطبّ)) (٥٧٦٨ و٥٧٦٩)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٧٥ - ٣٨٧٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٥/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨١/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٩٠/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٢/٢ و١٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٥/٨ و٣٤٥/٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هَاشِمٍ بْنِ هَاشِم، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَاً يَقُولُ: سَمِّعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ))). (١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٣ - ٢٣٠، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٨). ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قريباً. ٣ - (هَاشِمُ بْنُ هَاشِم) بن ◌ُتبة بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ويقال له: هاشم بن هاشمَ بن هاشمٌّ، وهو أصحّ؛ لأن هاشم بن عتبة قُتل بصفين سنة سبع وثلاثين، فيبعد أن يكون صاحب الترجمة ابنه؛ لِبُعد ما بين وفاتيهما(١)، ثقةً [٦]. رَوَى عن سعيد بن المسيِّب، وعامر، وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن وهب بن زمعة، وعبد الله بن نِسطاس، وغيرهم. وروى عنه مالك، والدراوَرْديّ، ويحيى بن أبي زائدة، وموسى بن يعقوب الزَّمْعيّ، وأبو أسامة، وأبو ضمرة، وشجاع بن الوليد، وعبد الله بن نمیر، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال البخاريّ عن مكيّ: سمعت منه سنة أربع، وقال أحمد بن حنبل عن مكيّ: سمعت منه سنة سبع وأربعين، وقال العجليّ: هاشم بن هاشم بن عتبة مدنيّ ثقةٌ، وقال البزار: ليس به بأس. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مَنْ تَصَبَّحَ) وفي رواية للبخاريّ: ((من اصطبح)). قال في ((الفتح)): قوله: ((من اصطبح))، وفي رواية: ((مَن تَصَبّح))، وكلاهما بمعنى التناول صباحاً، وأصل الصَّبُوح والاصطباح: تناول الشراب صُبْحاً، ثم استُعمل في الأكل، ومقابله: الْغَبُوق، والاغتباق، بِالْغَين المعجمة، وقد يُستعمل في مطلق الغذاء أعمّ من الشرب والأكل، وقد يُستعمل في أعمّ من ذلك، كما قال الشاعر: صَبَحْنَا الْخَزْرَجِيَةَ مُرْهَفَاتٍ (١) ((تهذيب الكمال)) ١٩/١١. ٣٥٣ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٢٩) و(تَصَبَّحَ)) مطاوع صَبَّحْتَهُ بكذا: إذا أتيته به صباحاً، فكأن الذي يتناول العجوة صباحاً قد أتي بها، وهو مِثْل تَغَدَّى، وتَعَشَّى: إذا وقع ذلك في وقت الغداء، أو العشاء. وقوله: (بِسَبْع تَمَرَاتٍ عَجْوَةً) تقدّم أنه يجوز إضافة ((تمرات)) إلى ((عجوة))، فتُخفض، كما في: ثوبُ خزّ، ويجوز التنوين على أنه عَطْف بيان، أو صفة لـ((سبع))، أو ((تمرات))، ويجوز نصبه منوّناً على تقدير فعل، أو على التمييز. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، كِلَاهُمَا عَنْ هَاشِمٍ بْنِ هَاشِمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ مِثْلَهُ، وَلَا يَقُولَانِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدنيّ، تقدّم قبل بابین. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن قيس السَّكُونيّ، الكوفيّ، صدوقٌ، ورِعٌ، له أوهامٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الصيد والذبائح)) ٧/ ٥٠٢٣. و «هاشم)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم ساقها البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال: (٥١٣٠) - حدّثنا جمعةُ بن عبد الله، حدّثنا مروان، أخبرنا هاشم بن هاشم، أخبرنا عامر بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((من تَصَبّح ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة كلَّ يوم سبع تمرات عجوة، لم يضره في ذلك اليوم سمّ، ولا سحر)). انتهى (١). ورواية شُجاع بن الوليد عن هاشم ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى))، فقال : (١٩٣٥٣) - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبأ أبو عليّ إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا محمد بن عبيد الله المنادي، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، ثنا هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، أن سعداً عظ ته قال: قال رسول الله وَل: ((من تصبَّح بسبع تمرات من عجوة، لم يضرّه ذلك اليوم سمّ، ولا سحر)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٣٠] (٢٠٤٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْبَى بْنُ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ: ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ شَرِيك - وَهُوَ: ابْنُ أَبِي نَمِرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءَ، أَوْ إِنَّهَا تِرْبَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَصِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطىء [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٢١/٨٠. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق المدنيّ، صدوقٌ فيه مزاح [٣] (خ م س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٦/ ١٢٥٠. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٧٥/٥. (٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٤٥/٩. ٣٥٥ (١٥) - بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ - حديث رقم (٥٣٣٠) و((عَائِشَةُ رِّ)) ذُكرت في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَلُهُ، وهو مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث مروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة هنا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّ قَالَ: ((إِنَّ فِي عَجْوَةٍ الْعَالِيَةِ) ((العَجْوة)) - بفتح العين المهملة، وإسكان الجيم ـ نوع جيّد من التمر، قال ابن الأثير: تكرر ذكرها في الحديث، وهو نوعٌ من تَمْرِ المَدِينةِ، أكبرُ من الصَّيْحَانِيّ، يضرب إلى السَّواد من غَرْس النبيّ وَّ. انتهى(١). و((العالية)): ما كان من الحوائط، والقرى، والعمارات من جهة المدينة العليا، مما يلي نجداً، والسافلة من الجهة الأخرى مما يلي تهامة، قال القاضي: وأدنى العالية ثلاثة أميال، وأبعدها ثمانية من المدينة. (شِفَاءٌ، أَوْ) شكّ من الراوي، هل قال: شفاء، أو قال: (إِنَّهَا تِرْبَاقٌ) - بكسر التاء، وضمّها، لغتان -، ويقال: دِرْياق، وطریاق أيضاً، كله فصيح، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: ((الترياق)): دواء مركّب معلومٌ، ينفع من السموم، ويقال فيه: دِرِیاقٌ، وطِرْیاقٌ، وتِریاق. انتهى (٢). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): التِّرياق بالكسر: دواءٌ مركّب من أجزاء كثيرة، ويُطلق على ما له زهرية، ونفع عظيم سريع، وهو الآن يُطلق على العاديّ الذي اخترعه ماغنيس الحكيم، وتمَّمه أندروماخس القديم بعد ألف ومائة وخمسين سنة بزيادة لحوم الأفاعي فيه، وبها كَمُل الغرض، وهو مسمِّيه بهذا الاسم؛ لأنه نافعٌ من لدغ الهوامّ السَّبُعيّة، وهي باليونانية تریاء بالكسر، ونافع أيضاً من الأدوية المشروبة الشُّمّيّة، وهي باليونانية قااً ممدودة، ثم خُفّف (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤١٣/٣. (٢) ((المفهم)) ٣٢٣/٥. ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وعُرِّب، ويقال: بالدال أيضاً بدل التاء، وفي ((العباب)): الترياق دواء السموم، فارسيّ، مركب، وقال غيره: لغة في الدرياق. انتهى(١). وقال الفيّوميّ ◌َقْتُ: والتِّرْيَاقُ قيل: وزنه فِعْيَالٌ بكسر الفاء، وهو روميّ مُعَرَّبٌ، ويجوز إبدال التاء دالاً وطاء مهملتين؛ لتقارب المخارج، وقيل: مأخوذ من الريق، والتاء زائدة، ووزنه تِفْعال بكسرها؛ لِمَا فيه من ريق الحيّات، وهذا يقتضي أن يكون عربيّاً. انتهى(٢). (أَوَّلَ الْبُكْرَةِ)) بنصب ((أَوّلَ)) على الظرفيّة، وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((مَن تَصَبّح)). قال النوويّ نَخْذَلُهُ: وفي هذه الأحاديث فضيلة تمر المدينة، وعجوتها، وفضيلة التصبّح بسبع تمرات منه، وتخصيص عجوة المدينة دون غيرها، وعَدَد السبع من الأمور التي عَلِمَها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها، فيجب الإيمان بها، واعتقاد فضلها، والحكمة فيها، وهذا كأعداد الصلوات، ونُصُب الزكاة، وغيرها، فهذا هو الصواب في هذا الحديث، وأما ما ذكره الإمام أبو عبد الله المازريّ، والقاضي عياض فيه، فكلام باطلٌ، فلا تلتفت إليه، ولا تُعَرِّجْ عليه، وقصدتُ بهذا التنبيهِ التحذيرَ من الاغترار به، والله أعلم. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الحافظ تعقّب النووي في ردّه على المازريّ والقاضي عياض، فراجع ما سبق في ذلك، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ظّنا هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٣٠/١٥] (٢٠٤٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٥/٤ و٣٦٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٥/٦ و١٥٢)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٥٣٤/٢ و١٠٢٨/٣ و١٠٤٨)، والله تعالى أعلم. (١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٦٢٢٦/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٧٤/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٣/١٤. ٣٥٧ (١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣١) (١٦) - (بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٣١] (٢٠٤٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَهُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، ذُكر في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أميّة الطّنافسيّ الكوفيّ، صدوق [٨] (ت١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٧/٤٨. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) الفَرَسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٦ - (عَمْرُو بْنُ حُرَيْثِ) بن عمرو بن عُثمان بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، صحابيّ صغير، مات سنة (٨٥) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٢٨/٣٦. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ) العَدويّ، أبو الأعور الصحابيّ الشهير، أحد العشرة، مات سنة (٥٠) أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في ((البيوع)) ٤١٢٥/٥١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَّلُ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن سعيداً له أحد العشرة المبشرين بالجنّة شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) قال في ((الفتح)): كذا قال عبد الملك بن عُمير، ومن تابعه، وخالفهم عطاء بن السائب، من رواية ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة عبد الوارث عنه، فقال: ((عن عمرو بن حُريث، عن أبيه))، أخرجه مسدّد في ((مسنده)، وابن السكن في ((الصحابة))، والدارقطنيّ في ((الأفراد))، وقال في ((العلل)): الصواب رواية عبد الملك، وقال ابن السكن: أظنّ عبد الوارث أخطأ فيه، وقيل: كان سعيد بن زيد تزوج أم عمرو بن حريث، فكأنه قال: حدّثني أبي، وأراد زوج أمه مجازاً، فظنه الراوي أباه حقيقة. انتهى(١). (قَالَ) سعيد ◌َظُهُ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ) - بفتح الكاف، وسكون الميم، بعدها همزة مفتوحة - قال الخطابيّ: وفي العامة من لا يهمزه، واحدة الكمء - بفتح، ثم سكون، ثم همزة - مثل تمرة وتمر، وعكس ابن الأعرابيّ، فقال: الكمأة الجمع، والكمء الواحد، على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خَبْأة وخَبْء، وقيل: الكمأة قد تُطلق على الواحد، وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ، قال الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤْاً(٢) وَعَسَاقِلاً وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأَوْبَرِ والعساقل بمهملتين وقاف ولام: السَّرَاب(٣)، وكأنه أشار إلى أن الأكمؤ محلّ وجدانها الفَلَوات، والكمأة نبات لا ورق لها، ولا ساق، توجد في الأرض من غير أن تُزرع، قيل: سُمّيت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها، ومادة الكمأة من جوهر أرضيّ بخاريّ يحتقن نحو سطح الأرض (١) ((الفتح)) ١٠٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٨). (٢) ((الأكْمُؤْ)): جمع كَمْء؛ كأَفْلُس وفَلْس، والكمء: واحد الكمأة؛ لأنها اسم جنس جمعيّ له، على خلاف الغالب من كون التاء في المفرد، وهي نبتٌ في البادية، له ثمرٌ يُجنى، و((العساقل)): جمع عُسْقول، كعُصفور نوع منها، وهي الكبار البيض التي يقال لها: شحمة الأرض، وأصله: عساقيل كعصافير، حُذفت ياؤه للضرورة، ونبات الأوبر: كمأة صغيرة مزغبة على لون التراب رديئة الطعم، وهي أول الكمأة، وقيل: مثلها، وليست منها، قاله في ((التصريح)) بزيادة. انتهى. ((حاشية الخضريّ على ابن عقيل)) ١١٩/١. (٣) بالسين المهملة، كما في ((القاموس))، هكذا فسّره في ((الفتح))، ولكن هذا التفسير غير مناسب هنا، وإنما المناسب تفسيره بأنه نوع من الكمأة، كما ذكرته في التعليق السابق، فتنبه. ٣٥٩ (١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣١) ببرد الشتاء، وينمّيه مطر الربيع، فيتولد، ويندفع متجسداً، ولذلك كان بعض العرب يسمّيها جُدَريّ الأرض(١) تشبيهاً لها بالجدريّ مادةً وصورةً؛ لأن مادته رطوبة دموية، تندفع غالباً عند الترعرع، وفي ابتداء استيلاء الحرارة، ونماء القوة، ومشابهتها له في الصورة ظاهر. وأخرج الترمذيّ من حديث أبي هريرة عظ﴿به أن ناساً من أصحاب رسول الله ﴿ قالوا: الكمأة جُدَريّ الأرض، فقال النبيّ وَله: ((الكمأة من المنّ ... )) الحديث. وللطبريّ من طريق ابن المنكدر، عن جابر قال: كَثُرت الكمأة على عهد رسول الله ◌َ، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هي جدريّ الأرض، فبلغه ذلك، فقال: ((إن الكمأة ليست من جدريّ الأرض، ألا إن الكمأة من المنّ))، والعرب تسمي الكمأة أيضاً بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام، ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتّال يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثانية، رديئة للمعدة، بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج، والسكتة، والفالج، وعسر البول، والرطب منها أقل ضرراً من اليابس، وإذا دُفنت في الطين الرطب، ثم سلقت بالماء والملح والسَّعْتَر(٢)، وأُكلت بالزيت، والتوابل الحارة قلّ ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين، قاله في ((الفتح))(٣). (مِنَ الْمَنِّ) قيل: في المراد بالمنّ ثلاثة أقوال: [أحدها]: أن المراد أنها من المنّ الذي أُنزل على بني إسرائيل، وهو الطَّلّ الذي يسقط على الشجر، فيُجمَع، ويؤكل حلواً، ومنه الترنجبين، فكأنه (١) قال في ((لسان العرب)) ١٢١/٤: الجدريّ هو الحَبّ الذي يظهر في جسد الصبي؛ شبّهوها به؛ لظهورها من بطن الأرض كما يظهر الجدريّ من باطن الجلد، وأراد به ذمها. انتهى. (٢) ((السَّعْتَرْ)): نبت معروف. اهــ ((ق)). (٣) ((الفتح)) ١٠٣/١٣ - ١٠٤، كتاب ((الطبّ)) (٥٧٠٨). ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة شبَّه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفواً بغير علاج. [والثاني]: أن المعنى أنها من المنّ الذي امتنّ الله به على عباده عفواً بغير علاج، قاله أبو عبيد، وجماعة، وقال الخطابيّ: ليس المراد أنها نوع من المنّ الذي أُنزل على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلّف بيذر، ولا سقي، فهو من قبيل المنّ الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فيقع على الشجر، فيتناولونه، ثم أشار إلى أنه يَحْتَمِل أن يكون الذي أُنزل على بني إسرائيل كان أنواعاً منها ما يسقط على الشجر، ومنها ما يخرج من الأرض، فتكون الكمأة منه، وهذا هو: [القول الثالث]: وبه جزم الموفّق عبد اللطيف البغداديّ، ومن تبعه، فقالوا: إن المنّ الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط، بل كان أنواعاً منّ الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفواً، ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد، ومن الطلّ الذي يسقط على الشجر. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن هذا القول الثالث هو الأظهر في معنى الحديث، الموافق لظاهره، فيكون المراد بالمنّ في الحديث هو المنّ الذي أُنزل على بني إسرائيل، ولا مانع من هذا الظاهر، فيتعيّن المصير إليه، وعدم التكلّف بالتأويل الذي قاله أهل القولين الآخرين، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: و((المنّ)): مصدر بمعنى المفعول؛ أي: ممنون به، فلمّا لم يكن للعبد فيه شائبة كسب، كان مَّاً محضاً، وإن كانت جميع نِعَم الله تعالى على عبيده منّاً منه عليهم، لكن خُصّ هذا باسم المنّ؛ لكونه لا صُنع فيه لأحد، فجعل ◌َلَ قُؤْتَهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأُدْمهم السلوى، وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطلّ الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله وَله: ((من المنّ))، فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المنّ، وإن غلب استعمال المنّ عليه عرفاً. انتھی . قال الحافظ: ولا يعكر على هذا قولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾