Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٢) ٤٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٠/٥، ١٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٤/٨) و((شعب الإيمان)) (١٢٧/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٠٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ـّ من المبادرة بخدمة النبيّ ١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة وإحضار ما يحتاج إليه. ٢ - (ومنها): الحثّ على تخمير الإناء محافظةً على ما فيه من الطعام والشراب كي لا يقع عليه فيفسده. ٣ - (ومنها): بيان أنه إن لم يجد غطاء يغطي به الإناء ينبغي أن يعرِض عليه عوداً، ويسمّي الله تعالى. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم إذا سمع توجيه النبيّ وَّر، وإرشاده أمته إلى شيء أن يتلقّى ذلك بانشراح صدر، ولا يقول: لم؟ وكيف؟، كأن يقول في هذا الحديث: ماذا يفيد عرض العود على الإناء المكشوف؟ فإن ذلك ينافي مقتضى الإيمان، فواجب المسلم أن يقول: سمعنا، وأطعنا، وأيضاً فإن الحكمة في هذا ظاهرة، وذلك لأن عرض العود ليس هو المأمور به مجرّداً، وإنما معه تسمية الله تعالى، فاسم الله تعالى هو الحصن الحصين، فليُتنّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، وَزَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُوَّلُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ أَتَّى النَّبِيَّ لَهُ بِقَدَحِ لَبَنٍ بِمِثْلِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ زَكَرِيَّاءُ قَوْلَ أَبِي حُمَيْدٍ بِاللَّيْلِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) أبو إسحاق التمّار البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٢) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٠/٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية ابن جريج، وزكريّا بن إسحاق كلاهما عن أبي الزبير ساقها أبو عوانة تَُّ في ((مسنده))، فقال: (٨١٤٧) - حدثنا أبو الحسن الميمونيّ، وأبو الأزهر، قالا: ثنا رَوْح بن عُبادة، قال: ثنا ابن جريج وزكريا بن إسحاق، قالا: ثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني أبو حميد، أنه أتى النبيّ وَّ بقدح من لبن، من البقيع(١)، ليس بمخمّر، فقال النبيّ وَلجر: ((ألّا خمرته ولو بعود تعرضه))، قال أبو حميد: إنما أمر النبيّ وَ﴿ بالأسقية أن توكأ، وبالأبواب أن تُغْلَق ليلاً، ولم يذكر زكريا قول أبي حميد بالليل. انتهى. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تخذتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٣] (٢٠١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذاً؟ فَقَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحِ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَلََّّ خَمَّرْتَهُ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُوداً؟»، قَالَ: فَشَرِبَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبت [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب. وقوله: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ آل﴿ ... إلخ) هذا صريح في كون جابر حضر قصّة النبيذ، بخلاف قصّة اللبن، فإن ظاهرها أنه لم يحضره، وإنما (١) هكذا النسخة ((بالبقيع)) بالموحّدة، وتقدّم ما فيه، فلا تغفل. ٦٣ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٣) أخذها من أبي حميد وفي عبارة الحافظ هنا نظر، فإنه قال بعد ذِكره پعنه ، روايتي مسلم هذه، والتي قبلها ما نصّه: والذي يظهر أن قصة اللبن كانت لأبي حميد، وأن جابراً حضرها، وأن قصة النبيذ حملها جابر عن أبي حميد، وأبهم أبو حميد صاحبها، ويَحْتَمِل أن يكون هو أبا حميد راويها أبهم نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، وهو الذي يظهر لي، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن جابراً تظله حضر قصّة النبيذ؛ لقوله: ((كنا مع رسول الله وَ﴿ ... إلخ))، وأما قصّة اللبن، فحدّثه بها أبو حميد ظه؛ لقوله: ((حدّثني أبو حميد الساعديّ))، وأما حمل القصّة على التعدّد، فظاهر؛ فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَاسْتَسْقَى)؛ أي: طلب السُّقيا. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ ... إلخ) يَحْتَمِل أن يكون أبا حميد الساعديّ، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، وهو الذي استظهره في ((الفتح))، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذاً؟) ((ألا)) هنا للعرض، و((نسقيك)) يَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، من سقاه ثلاثيّاً، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّه، من أسقاه رباعيّاً، وقد تقدّم غير مرّة. وقوله أيضاً: (نَسْقِيكَ نَبِيذاً؟) هو محمول على ما سبق في الباب السابق أنه نبيذ لم يشتدّ، ولم يصر مسكراً، قاله النوويّ كَّتُهُ(٢). وقوله: (قَالَ: فَشَرِبَ) فيه بيان أن أمْرَه وَلّ بتخميره للإرشاد، والاستحباب، لا للوجوب، فلو شرب الإنسان ما يُخمّر جاز، ولكنه خلاف الأولى، فتنبّه. والحديث بلفظ النبيذ من أفراد المصنّف، والمتّفق عليه بلفظ اللبن، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦٥٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٠٥). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/١٣. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَح مِنْ لَبَنٍ، مِنَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُوداً؟»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يُقَالُ لَهُ: أَبُو حُمَيْدٍ) هو الساعديّ المتقدّم ◌َظُه، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٥] (٢٠١٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((فَطُّواً الِإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَاباً، وَلَا يَكْثِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُوداً، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ))، وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَغْلِقُوا الْبَابَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٦٥ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِبِكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] مات في شعبان (١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٣٨٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ظُبه، لا يقال: عنعنة أبي الزبير غير مقبولة؛ لأنه مدلّس؛ لأنا نقول: إن الراوي هنا هو الليث بن سعد، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر ظه، وقد قدّمنا قصّته في هذا، وإلى هذا، أشرت في أبيات من جملتها : رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ يُخْشَى يَا فَطِنْ كَذَاكَ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاغْتَنِمَا (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((فَطَّوا) بفتح الغين المعجمة، وضمّ الطاء المشدّدة، وأصله غَطِّيُوا، بوزن عَلِّمُوا، فنُقلت ضمّة الياء إلى الطاء دفعاً للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وتشديد الطاء للمبالغة؛ إذ ثلاثيّه متعدّ، قال الفيّومِيّ ◌َغْفُ: غَطَوْتُ الشيءَ أَغْطُوهُ، وغَطَيْتُهُ أَغْطِيهِ، من بابي عَلَا، وَرَمَى، والتثقيل مبالغةٌ، وأَغْطَيْتُهُ بالألف أيضاً، ويختلف وزن المفعول بحسب وزن الفعل، والغِطَاءُ مثلُ كتاب: السِّتْرُ، وهو ما يُغَطَّى به، وجمعه: أَغْطِيَةٌ، مأخوذ من قولهم: غَطَا الليلُ يَغْطُو: إذا سترَتْ ظلمته كلَّ شيءٍ. انتهى(١). وقوله: (الإِنَاءَ) مفعول ((غَظُوا))، وهو بكسر الهمزة، وجمعه الآنية، كالوِعاء والأوعية وزناً ومعنّى، والأواني جمع الجمع، قاله الفيّوميّ(٢). (وَأَوْكُوا السِّقَاءَ)؛ أي: اربطوه بالوٍكاء، وهو بالكسر: ما يُربط بهِ فم القربة، ونحوها، وأصل ((أوكوا)): ((أوكيوا)) بوزن أكرموا، فتُقلت ضمّة الياء إلى (١) ((المصباح المنير)) ٤٤٩/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٨/١. ٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الكاف بعد سَلْب حركتها؛ استثقالاً للخروج من الكسرة إلى الضمّة، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار ((أَوْكُوا))، يقال: أوكيت السقاء بالألف: إذا شددت فمه بالوكاء، ووكيته من باب وَعَد لغة قليلة(١). وقال ابن عبد البرّ تَخْتُ: قوله: ((وأوكئوا السقاء)) فالسقاء: القِربة، وشِبهها، والوكاء: الخيط الذي تُشد به، فكأنه قال ◌َّهو: اربطوا فم الإناء إذا كان مما يُربط مثله، وشُدُّوه بالخيط. وقال القرطبيّ: و((إيكاء السِّقاء)»: شَدُّهُ بالخيط، وهو الوكاء، ممدود مهموز، ولذلك يجب أن يكون ((أوكئوا)) رباعيّاً مهموز اللام. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه يجب أن يكون أوكئوا بالهمز غير صحيح، فإن أهل اللغة اتّفقوا على أن الكلمة أوكى بالألف، لا بالهمز، قال المجدّ كَّلُهُ: الوكاء، ككِساء: رباط القِرْبة وغيرها، وقد وكاها، وأوكاها، وعليها. انتهى. فأفاد أن الكلمة ليست مهموزة، وتقدّم عن الفيّوميّ نحوه، ونحوه للجوهريّ في ((الصحاح))، وأما استدلاله على كونه مهموزاً بلفظ الوكاء، فهذا خطأ، فإن مصدر أعطى، وادّعى، وارتضى، واستقصى، وما أشبهها ممدود قياساً مطرداً، وإن الأفعال غير ممدودة، قال ابن مالك في ((الخلاصة)) في باب المقصور والممدود: فَالْمَدُّ فِي نَظِيرِهِ حَتْماً عُرِفْ وَمَا اسْتَحَقَّ قَبْلَ آخِرٍ أَلِفْ بِهَمْزِ وَصْلٍ كَارْعَوَى وَكَارْتَأَى كَمَصْدِرِ الْفِعْلِ الَّذِي قَدْ بُدِئًا والله تعالى أعلم. (وَأَغْلِقُوا الْبَابَ) بقطع الهمزة، من الإغلاق رباعيّاً، هذه هي اللغة الفصحى، وذكر بعضهم أنه يقال: غلق الباب، كضرب، قال الفيّوميّ تَّهُ: أغلقت الباب بالألف أوثقته بالغَلَقِ، وغلّقته بالتشديد مبالغةٌ وتكثيرٌ، وانغلق (١) ((المصباح المنير)) ٦٧١/٢. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٠/٥ - ٢٨١. ٦٧ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) ضدّ انفتح، وغَلَقْتُهُ غَلْقاً، من باب ضرب لغة قليلة، حكاها ابن دريد عن أبي زيد، قال الشاعر: وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ (١) وقال المجد ◌َُّهُ:َ وغَلَقَ البابَ يَغْلِقُه لُشْغَةٌ، أو لُغيّةٌ رديئةٌ في أغلقه. انتھی. وقال المرتضى في ((شرحه)): وغلَقَ البابَ يَغْلِقُه، من حدٍّ ضرَبَ غْقاً، نقَلَها ابنُ دُريد، وعَزاها إلى أبي زيْدٍ، لُثْغَةٌ، أو لُغَيّة رَديئةٌ مثْروكة في أغْلَقَه، فهو مُغْلَقٌ، أو نادِرَة، وقد جاءَ ذلك في قوْلِ الشّاعِرِ [من الطويل]: ويُضْحِي عَلَى أفنائِهِ الغِينِ يَهْتِفُ لَعِرْضٌ من الأغراضِ يُمْسي حَمامُهُ وَبَابٍ إِذَا مَا مَالَ للغَلْقِ يَصرِفُ أحَبُّ إِلَى قْلِبي من الدّيكِ رَنّةً وهي لُغة متروكة كما قاله الجوهريّ، قال أبو الأسود الدّؤَليّ: وَلَا أقولُ لِبَابِ الدّارِ مَغْلوقُ وَلَا أقولُ لقِدْرِ القوْمِ قَدْ غَلِيَتْ قِدْرِي وقابَلَها دَنٌّ وإبْرِيقُ لَكِنْ أقولُ لِبابي مُثَلَقٌ وَغَلَتْ وأما غَلَّق البابَ فهي لُغَة فَصيحة، وربّما قالوا: أغْلَقْتُ الأبوابَ يُراد بها التّكثير، نقله سيبَوَيه، قال: وهو عرَبِيٍّ جيّدٌ، وأنشَدَ الجوْهَريُّ للفَرزدق [من البسيط]: مَا زِلْتُ أفتَحُ أبواباً وأُغْلِقُها حَتَّى أتَيْتُ أبا عمْرِو بْنَ عمّارٍ قال أبو حاتم السِّجِسْتانيّ: يُريدُ أبا عَمرو بنَ العَلاءِ. انتهى(٢). (وَأَطْفِتُوا السِّرَاجَ) بقطع الهمزة، من الإطفاء رباعيّاً، يقال: طَفِئت النار تَظْفأ بالهمز، من باب تَعِب ◌ُفُوءاً، على فُعُولٍ: خَمَدَت، وأطفأتها، ومنه أطفأتُ الفتنةَ: إذا سَكّنتها، على الاستعارة، قاله الفيّوميّ(٣). وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: قوله: ((أطفؤوا السراج)) مهموز أيضاً، قال الله رَى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًاً لِلْحَرْبِ أَلْفَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال الشاعر: بَرَزْتُ فِي غَايَتِي وَشَايَعَنِي مُوقِدُ نَارِ الْوَغَى وَمُظْفِؤُهَا وقال غيره: (١) (المصباح المنير)) ٤٥١/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٧٥/٢. (٢) ((تاج العروس)) ٦٥٢٩/١ - ٦٥٣٠. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وَعَادِلَةِ هَبَّتْ تَلُومُ وَلَوْمُهَا لِنِيرَانِ شَوْقِي مُوقِدٌ غَيْرُ مُطْفِئٍ (١) [تنبيه]: قال القرطبيّ تَخْتُ: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وليس الأمر الذي قُصِد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسماً منفرداً بنفسه عن الوجوب والندب. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وليس الأمر الذي قُصد به الإيجاب ... إلخ)) محلّ نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ثمّ ذكر التعليل للأمر بهذه الأشياء بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) قال القرطبيّ تَخْتُ: الشيطان هنا للجنس، بمعنى الشياطين. انتهى. [تنبيه]: ((الشيطان)) في أصله قولان: أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّةً، ووزنه فَيْعالٌ، وكلّ عاتٍ متمرّدٍ من الجنّ والإنس، والدوابّ فهو شيطانٌ، ووصفَ أعرابيّ فرسه، فقال: كأنّه شيطان في ((أشطان))(٣). والقول الثاني: أن الياء أصليّةٌ، والنون زائدةٌ عكسُ الأول، وهو من شاط يَشيط: إذا بطل، أو احترق، فوزنه فَعْلانٌ(٤). (لَا يَخُلُّ سِقَاءً) ببناء الفعل للفاعل، وكذا الفعلان بعده، وهو بفتح حرف المضارعة، وضمّ الحاء، من حلّ الشيءَ يحلّه، من باب نصر: إذا نقضها، (وَلَا يَفْتَحُ بَاباً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ) تقدّم أنه بضم الراء أفصح من كسرها، (عَلَى إِنَائِهِ عُوداً) بالضمّ؛ أي: خشباً، (وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ﴾ بنصب ((يذكر)) عطفاً على ((يعرُض))، (فَلْيَفْعَلْ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ ... إلخ)) هو بضم الراء، وكذا قاله الأصمعي، وقد رواه أبو عبيد بكسر الراء، والوجه الأول، وهو: أن يَجْعَل العود معروضاً على فم (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٢/ ١٧٧. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٠/٥ - ٢٨١. (٣) ((الأشطان)) بالفتح: جمع شَطَن محرّكةً، مثلُ سبب وأسباب، وهو الحبل. (٤) (المصباح المنير)) ٣١٣/١. ٦٩ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) الإناء، ولا بدَّ من ذكر الله تعالى عند هذه الأفعال كُلُّها، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا، فيذكر الله تعالى، وببركة اسمه تندفع المفاسد، ويحصل تمام المصالح، فمطلق هذه الكلمات مردود إلى مُقَيِّدِها. انتهى(١). (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) تصغير فاسقة، وهي الفأرة، سُمّيت بذلك لخروجها من جُحرها للفساد. وقال ابن عبد البرّ تَخْدَثُ: الفويسقة: الفأرة، سماها رسول الله صل* فاسقة في هذا الحديث وغيره، وقال له: ((خمس فواسق تُقتل في الحل والحرم))، فذكر منهن الفأرة، وكلُّ من آذى مسلماً إذا تابع ذلك، وگَثُر منه، وعُرِف به فهو فاسق، والفأرة أذاها كثير، وأصل الفسق: الخروج عن طاعة الله، ومن الخروج عن طاعة الله: أذى المسلم، والفأرة مؤذية، فلذلك سميت فاسقةً، وفويسقةً، والرجل الظالم الفاجر فاسق، والمؤذي بيده، ولسانه، وفعله، وسعيه فاسقٌ، قال الله رَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ [الأحزاب: ٥٨]. انتهى (٢). أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَا قُبِينًا ( (تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ))) قال النوويّ كَُّهُ: المراد بالفويسقة الفأرة، وتُضْرِم بالتاء، وإسكان الضاد؛ أي: تحرق سريعاً، قال أهل اللغة: ضَرِمَتِ النارُ بكسر الراء، وتَضَرَّمت، وأضرمت؛ أي: التهبت، وأضرمتها أنا، وضرمتها. انتهى(٣) . وقال الفيّوميّ: ضَرِمت النارُ ضَرَماً، من باب تَعِبَ: التهبت، وتضرّمت، واضطرمت كذلك، وأضرمتها إضراماً، وضَرِمَ الرجلُ ضَرَماً، فهو ضَرِمُ: اشتدّ جوعه، أو غضبه. انتهى (٤). وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وقوله: (تُضرم)): أي تُشعل، وتُحرق، وقال ابن وهب: أما قوله: ((الفويسقة تضرم على الناس بيتهم)) فإنما تَحْمِل الفتيلة، وهي تتقد حتى تجعلها في السقف، وقال أحمد بن عمران الأخفش: الفويسقة: (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨١/٥. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧٣/١٢ - ١٧٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٣. (٤) ((المصباح المنير)) ٣٦١/٢. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الفأرة، وقوله: ((تُضرم على الناس بيتهم)) تُشعل البيت عليهم بالنار، وذلك أنها إذا تناولت طرف الفتيلة، وفيها النار، فلعلها تمر بثياب، أو بحطب، فتشعل النار فيها، فيلتهب البيت على أهله، وقد أصاب ذلك أهل بيت بالمدينة، فذكر ذلك لرسول الله ◌َ* من الغد، فقال: ((إن هذه النار عدوّ لكم، فإذا نِمتم فأطفئوها عنكم))، قال: حدثنا بذلك أبو أسامة، عن يزيد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ وَلَد . قال ابن عبد البرّ: ثبت عن النبيّ وَّر من حديث ابن عمر وغيره أنه قال: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون))، وكان رسول الله صل﴿ بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. ثم ساق بسنده إلى الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن النبيّ وَّ قال: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون». وأخرج أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: الفأرة فويسقةٌ، قيل له: لم قيل لها: الفويسقة؟ قال: لأن النبيّ وَل﴿ استيقظ، وقد أَخذت فتيلةً لتحرق بها البيت، ثم ساق بسنده إلى ابن عباس رضي قال: جاءت فأرة، فأخذت تجرّ الفتيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله وَّيقوم على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال: ((إذا نِمتم فأطفئوا سُرُجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا، فتحرقكم)). انتهى(١). وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَغْلِقُوا الْبَابَ))) بيّن به اختلاف شيخيه، فمحمد بن رُمح ساقها بالسياق المذكور هنا، وأما قتيبة فأسقط منه قوله: ((وأغلقوا الباب))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر , هذا متفق عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٣٥/١٠ و٥٢٣٦ و٥٢٣٧ و ٥٢٣٨ و٥٢٣٩ (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧٥/١٢. ٧١ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) و٥٢٤٠ و٥٢٤١] (٢٠١٢)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٨٠ و٣٣٠٤ و٣٣١٦) و((الأشربة)) (٥٦٢٣ و٥٦٢٤) و((الاستئذان)) (٦٢٩٥ و٦٢٩٦) وفي ((الأدب المفرد)) (١٢٢١)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧٣١ و٣٧٣٢ و٣٧٣٣ و٣٧٣٤)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨١٢)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤٥٢ و((الآداب)) (٣٨١٦)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٤٥ و٧٤٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠١/٣ و٣١٢ و٣٦٢ و٣٧٤ و٣٨٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٣٢ و٢٥٦٠)، و(البغويّ) في ((مسنده)) (١٤١/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩٨/٤ و١٥٥)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/ ٣٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): ما قاله النوويّ تَخْذَلُهُ: هذا الحديث فيه جُمل من أنواع الخير، والآداب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا، فأمر ◌َّ و بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان، وجعل الله هذه الأسباب أسباباً للسلامة من إيذائه، فلا يقدر على كشف إناء، ولا حَلّ سقاء، ولا فتح باب، ولا إيذاء صبيّ وغيره إذا وُجدت هذه الأسباب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح ((أن العبد إذا سَمَّى عند دخول بيته قال الشيطان: لا مبيت))؛ أي: لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء، وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله: ((اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا)) كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان، وكذلك شِبه هذا مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة. ٢ - (ومنها): ما قاله أيضاً أن فيه الحثّ على ذكر الله تعالى في هذه المواضع، ويُلحق بها ما في معناها، قال أصحابنا - يعني: الشافعيّة -: يُستحب أن يذكر اسم الله تعالى على كل أمر ذي بال، وكذلك يحمد الله تعالى في أول كل أمر ذي بال للحديث الحسن المشهور فيه. انتهى كلام النوويّ تَذّلهُ(٢). (١) المراد فوائد حديث جابر به بسياقاته المختلفة التي أوردها مسلم، وكذا ما في الشرح، لا خصوص السياق المذكور في هذه الرواية، فتدبّر. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٣. ٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((للحديث الحسن)) هكذا حسّنه النوويّ، وليس كذلك، فإن الحديث ضعيف شديد الضعف، وقد استوفيت بيانه في ((شرح المقدّمة))، فارجع إليه، تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: قد تضمَّنت جملة هذه الأحاديث أن الله تعالى قد أطلع نبيَّه ◌َ﴿ على ما يكون في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين، والفأر، والوباء. وقد أرشدنا النبيّ وَله إلى ما يُتَّقى به ذلك، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكراً الله تعالى، مُمتثلاً أمر نبيَّه وَلِّ، وشاكراً لله تعالى على ما أرشدنا إليه، وأعْلَمنا به، ولنبيِّه وَّ على تبليغه، ونصحه، فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضررٌ بحول الله وقُوّته، وبركة امتثال أوامره وَ له، وجازاه عنَّا أفضل ما جازى نبيّاً عن أمته، فلقد بلَّغ، ونصح ◌ُّر. انتهى(١). ٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُ في ((التمهيد)): وفي هذا الحديث من العلم أيضاً أن الشيطان لم يُعطّ مع ما به من القوّة أن يفتح غَلَقاً، ولا يَحُل وكاءً، ولا يكشف إناء؛ رحمةً من الله تعالى بعباده، ورفقاً بهم(٢). وقال في ((الاستذكار)): في هذا الحديث الأمرُ بغلق الأبواب من البيوت في الليل، وتلك سُنَّة مأمور بها؛ رفقاً بالناس لشياطين الإنس والجن، وأما قوله: ((إن الشيطان لا يفتح غَلَقاً، ولا يَحُلّ وِكاءً)) فذلك إعلام منه، وإخبار عن نعم الله على عباده من الإنس؛ إذ لم يُعْطَ قوّة على فتح باب، ولا حَلّ وكاء، ولا كشف إناء، وأنه قد حُرِمٍ هذه الأشياء، وإن كان قد أُعطي ما هو أكثر منها، من التخلُّل، والولوج حيث لا يلج الإنس. قال: وقوله: ((أوكوا السقاء)): معناه أيضاً قريب مما وصفنا في غلق الباب، والسقاءُ القربةُ، وقد تكون الْقُلَّة، والخابية، وما كان مثلهما في ذلك المعنى. وقوله: ((اكفؤوا الإناء)): معناه: اقلبوه على فيه، ((أو خمِّروه)) شَكَّ المحدّث. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٢/٥. (٢) (التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٢/ ١٧٧. ٧٣ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الِإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِيكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) والمعنى في ذلك أن الشياطين تجول بالبيوت والدُّور بالليل، وفيهم مَرَدَة تؤذي بدروب من الأذى، وذلك معروف في أفعالهم في كتاب العلماء، ومعلوم بالمشاهدات في أزمنة شتى، وهم لنا أعداء، وحسبك بفعل العدوّ، قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُوْنَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ [الكهف: ٥٠]. قال: وأمر رسول الله وَله بإطفاء المصباح رفقاً بأمته، وحياطة عليهم، وأدباً لهم، وقال ◌َله: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون))، رواه الزهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، ومن حديث عطاء بن يسار، عن جابر، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا سمعتم نُباح الكلاب، أو نُهاق الحمير بالليل، فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهنّ يرون ما لا تَرَوْن، وأَقِلُوا الخروج إذا هدأت الرِّجْلُ، فإن الله تعالى يبث من خلقه في ليله ما شاء، وأجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح باباً أُجيف، وذُكر اسم الله عليه، وغَُّوا الْجِرار، وأكفئوا الآنية، وأوكوا القِرَب)). قال أبو عمر: قد أَتَى في هذا الحديث شرطُ التسمية في الباب إذا أجيف، وجاء في غيره أيضاً مثله في تغطية الإناء، أو قلبه، إن الشيطان لا يعترضه إذا سُمِّي الله تعالى عليه عند ذلك الفعل به، وهذه زيادة على ما جاء في حديث أبي الزبير، عن جابر. وفي حديث القعقاع بن حكيم، عن جابر ظه، عن النبيّ ◌َّ قال: ((غَطّوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السَّنَة ليلةً ينزل بها وياء، لا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاءٍ ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء)). قال الليث بن سعد - وهو أحد رواة هذا الحديث -: والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول. ـّه قال: قال النبيّ ◌َل: وفي حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر ـ ((خمِّروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وكُفُّوا صبيانكم عند المساء، فإن للجنّ انتشاراً، وخَطْفةً)). انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َخْذُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((الاستذكار)) ٣٦٤/٨ - ٣٦٦. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ٥ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): قال القرطبيّ: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد، قال: وقد يكون للندب، وجزم النوويّ بأنه للإرشاد؛ لكونه لمصلحة دنيوية، وتُعُقِّب بأنه قد يفضي إلى مصلحة دينية، وهي حفظ النفس المحرَّم قَتْلها، والمال المحرم تبذيره. وقال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: هذه الأوامر لم يحملها الأكثر على الوجوب، ويلزم أهل الظاهر حملها عليه، قال: وهذا لا يختص بالظاهريّ، بل الحمل على الظاهر إلا لمعارضٍ ظاهرٍ يقول به أهل القياس، وإن كان أهل الظاهر أولى بالالتزام به؛ لكونهم لا يلتفتون إلى المفهومات، والمناسبات، وهذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها، فمنها ما يُحمل على الندب، وهو التسمية على كل حال، ومنها ما يُحمل على الندب والإرشاد معاً، كإغلاق الأبواب؛ من أجل التعليل بأن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً؛ لأن الاحتراز من مخالطة الشيطان مندوب إليه، وإن كان تحته مصالح دنيوية، كالحراسة، وكذا إيكاء السقاء، وتخمير الإناء، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا فرق بين هذه الأوامر في حمل جميعها على الوجوب؛ لأنها بصيغ الأمر، والأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، ولم يأت من فرّق بينها بحجة مقنعة صارفة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)) أيضاً: وقال القرطبيّ: في هذه الأحاديث أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره، وفيه نار فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يؤمَن معه الاحتراق، وكذا إن كان في البيت جماعة، فإنه يتعيَّن على بعضهم، وأحقّهم بذلك آخرهم نوماً، فمن فَرّط في ذلك كان للسُّنَّة مخالفاً، ولأدائها تاركاً، ثم أورد الحديث الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم، من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((جاءت فأرة، فجرّت الفتيلة، فألقتها بين يدي النبيّ وَّ على الْخُمْرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال النبيّ وَّ: إذا نِمْتم (١) ((الفتح)) ١٤ / ٢٦٢، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٣). ٧٥ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الِإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٥) فأطفئوا سراجكم، فإن الشيطان يدلّ مثل هذه على هذا، فيحرقكم)). وفي هذا الحديث بيان سبب الأمر أيضاً، وبيان الحامل للفويسقة، وهي الفأرة على جرّ الفتيلة، وهو الشيطان، فيستعين، وهو عدوّ الإنسان عليه بعدوّ آخر، وهي النار، أعاذنا الله بکرمه من کید الأعداء، إنه رؤوف رحيم. وقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جرّ الفويسقة الفتيلة، فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا يُمنع إيقاده، كما لو كان على منارة من نحاس أملس، لا يمكن الفأرة الصعود إليه، أو يكون مكانه بعيداً عن موضع يمكنها أن تثب منه إلى السراج، قال: وأما ورود الأمر بإطفاء النار مطلقاً، كما في حديثي ابن عمر، وأبي موسى، وهو أعمّ من نار السراج، فقد يتطرق منه مفسدة أخرى غير جرّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت، وكسقوط المنارة، فينثر السراج إلى شيء من المتاع، فيحرقه فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك، فإذا استوثق بحيث يؤمَن معه الإحراق، فیزول الحکم بزوال علته. وقد صرح النوويّ بذلك في القنديل مثلاً؛ لأنه يؤمَن معه الضرر الذي لا يؤمَن مثله في السراج. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر أبو عمر بن عبد البرّ كَّلُ في ((التمهيد)) عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((خمِّروا الآنية، وأوكئوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وكُفُّوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشاراً، وخَطْفَةً))، رواه البخاريّ. قال أبو عمر: في معنى قوله هذا: ((وخطفة)) ما قد ذكره ابن أبي الدنيا، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدّثنا خالد بن الحارث الْهُجيميّ، قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن رجلاً من قومه خرج ليصلي مع قومه صلاة العشاء، ففُقِد، فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب، فحدّثته بذلك، فسأل عن ذلك قومها، (١) ((الفتح)) ٢٦٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٣). ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة فصدّقوها، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فتربصت، ثم أتت عمر، فأخبرته بذلك، فسأل عن ذلك قومها، فصدقوها، فأمروها أن تتزوج، ثم إن زوجها الأول قَدِم، فارتفعوا إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يَعلم أهله حياته، قال: إن لي عذراً، قال: فما عذرك؟ قال: خرجت أصلي مع قومي صلاة العشاء، فسَبَتْني الجنّ، أو قال: أصابتني الجنّ، فكنت فيهم زماناً، فغزاهم جنّ مؤمنون، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكنت فيمن أصابوا، فقالوا: ما دينك؟ قلت: مسلم، قالوا: أنت على ديننا، لا يحلّ لنا سبيك، فخيَّروني بين المقام وبين القفول، فاخترت القفول، فأقبلوا معي بالليل بَشَرٌ يحدثونني، وبالنهار إعصار ريح أتبعها، قال: فما كان طعامك؟ قال: الفول، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابك؟ قال: الْجَدَف، قال قتادة: الجدف ما لم يُخَمّر من الشراب، قال فخيَّره عمر بين المرأة والصداق. قال أبو عمر: هذا خبر صحيح من رواية العراقيين، والمكيين، مشهور، وقد رَوَى معناه المدنيون في المفقود، إلا أنهم لم يذكروا معنى اختطاف الجنّ للرجل، ولا ذكروا تخيير المفقود بين المرأة والصداق، وإنما ذكرناه ههنا من أجل تخمير أواني الشراب والطعام، وهي لفظة لم أرها في هذا الحديث في غير هذا الإسناد، وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده من غير رواية قتادة في باب صیفيّ، والحمد لله. قال أبو عمر: يُروَى هذا الجدف في هذا الحديث: الجدف بالدال، وقال أبو عبيد: هو كما جاء في الحديث ما لا يُغَطَّى من الشراب، قال: وقد قيل: هو نبات باليمن لا يحتاج آكله إلى شرب الماء، وأنكر ابن قتيبة هذا، وزعم أنه زُبْد الشراب، ورغوة اللبن، قال: وسُمّي جدفاً؛ لأنه يُقطع، ويُرمَى عن الشراب، قال: وقد يجوز أن يقال لِمَا لا يغطى من الشراب: جدف، كأن غطاه جدف؛ أي: قطع. انتهى(١). (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٢/ ١٨٢ - ١٨٣. ٧٧ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٦) وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَاكْفِئُوا الإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الِنَاءَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيضَ الْعُودِ عَلَى الإِنَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّلُهُ، كلاحقه، وهو (٣٨٨) من رباعيّات به أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. الکتاب، وفيه جابر وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير مالك تَّتُهُ؛ أي: قال مالك: ((واكفئوا الإناء، أو خمّروا الإناء))، بدل قول الليث: ((غَطّوا الإناء))، و((أو)) في روايته للشكّ(١)، حيث شكّ هل قال: ((واكفئوا الإناء))، أو قال بدله: (خَمّروا الإناء))؟ وقال ابن عبد البرّ ◌َخْذُ: وأما قوله: ((وخمّروا الإناء)) فالتخمير ههنا التغطية، وما خمّرته فقد غَطّيته، وإنما يُكفأ من الأواني ما لا يمكن تغطيته، وتخميره، وقوله في حديث مالك: ((خَمّروا الإناء، أو أكفئوا الإناء))، يَحْتَمِل أن يكون التخيير في تخمير الإناء، وتحويله، ويَحْتَمِل أن يكون شكّاً من المحدّث. انتهى (٢). (١) بيّن ذلك ابن عبد البرّ في ((الاستذكار))، وذكر في ((التمهيد)) ما يدلّ على أنه يَحتمل أيضاً التخيير، فتنبّه. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧٧/١٢. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وقوله: ((وَاكْفِتُوا الِإِنَاءَ) أمرٌ من الإكفاء، رباعيّاً، أو من الكَفْء ثلاثيّاً، فهمزته يجوز قطعها، ووصلها، ومعناه: القلب، يقال: كفأه، كمنعه: صرفه، وكبّه، وقلبه، كأكفأه، واكتفأه، قاله المجد وَذَهُ(١). وقال ابن عبد البرّ تَخْذَلُ: وأما قوله: ((وأكفئوا الإناء)) فإنه يريد: اقلبوه، وكُبّوه، وحَوِّلوه إذا كان فارغاً، لا تدعوه مفتوحاً، ضاحياً، يقال: كفأت الإناء: إذا قلبته، وهي كلمة مهموزة، وأنا أكفؤه، قال ابن هرمة: عِندِي لِهَذَا الزَّمَانِ آنِيَةٌ أَمْلَؤُهَا مَرَّةً وَأَكْفَؤُهَا وقوله: (أَوْ خَمِّرُوا الإِنَاءَ))) من التخمير، وهو التغطية. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيضَ الْعُودِ عَلَى الإِنَاءِ) فاعل ((يذكر)) ضمير مالك أيضاً؛ يعني: أن مالكاً لم يذكر في روايته قوله: ((إلا أن يعرُّض على إنائه عُوداً)). وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((ولم يذكر تعريض العود)» هكذا هو في أكثر الأصول، وفي بعضها: (تَعْرُضُ)) فأما هذه فظاهرة، وأما تَعْرِيض)) ففيه تسمّح في العبارة، والوجه أن يقول: ((ولم يذكر عَرْضَ العُودِ))؛ لأنه المصدر الجاري على (تَعْرُض))، والله أعلم، انتهى (٢) . [تنبيه]: رواية مالك، عن أبي الزبير هذه ساقها في ((الموطأ))، فقال: (١٦٥٩) - وحدّثني عن مالك، عن أبي الزبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله وَ لقوله قال: ((أغلقوا الباب، وأوكوا السقاء، وأكفئوا الإناء، أو خمِّروا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غَلَقاً، ولا يَحُلّ وِكَاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفويسقة تُضْرِم على الناس بيتهم)). انتهى(١). وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَغْلِقُوا الْبَابَ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَخَمِّرُوا الآنِيَةَ))، وَقَالَ: ((تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ ثِيَابَهُمْ))). (١) ((القاموس المحيط)) ص ١١٣٧. (٣) ((موطأ مالك)) ٩٢٨/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٣. ٧٩ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٧) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُ، كسابقه، وهو (٣٨٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير زهير بن معاوية، وكذا فاعل ((قال)) الآتي: وقوله: (وَقَالَ: ((تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ ثِيَابَهُمْ))) كذا هو في النسخ التي بين يديَّ بلفظ ((ثيابهم))، ولم أجده بهذا اللفظ عند غيره، فإن الحديث أخرجه أبو عوانة، وغيره وكلّهم ذكروه بلفظ: ((تُضرم على أهل البيت بيتهم))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية زهير بن معاوية، عن أبي الزبير هذه ساقها أبو عوانة وَظُّهُ في ((مسنده))، فقال: (٨١٥١) - حدثنا أبو داود الحرّانيّ، قال: ثنا الحسن، وأبو جعفر قالا: ثنا زهير (ح) وحدّثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، قال: ثنا يونس بن محمد (ح) وحدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قالا: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله بَله: ((أغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخَمِّروا الآنية، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يفتح غَلَقاً، ولا يَحُلّ وِكاءً، ولا يكشف إناءً، فإن الفويسقة - زاد يونس بن محمد: ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يَعْرُض على إنائه عُوداً، ويذكر الله فليفعل - وقالوا جميعاً: فإن الفويسقة تُضرم على أهل البيت بيتهم)). انتهى (١). (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٤١/٥ - ١٤٢. ٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَ: ((وَالْقُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنةً، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ فقيهٌ إمام عابد حجةٌ، من رؤوس [٤] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَقَالَ: ((وَالْفُوَيْسِقَةُ) فاعل ((قال)) ضمير سفيان الثوريّ. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئاً، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.