Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٦) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِيَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْخَتْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٩٩)
بالتصغير، فإن كان ضَبَطه فلعل أبا عياض كان يقال له: عمرو وعمير، ولكنه
آخر غير صاحب عبادة، والله أعلم. انتهى (١).
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن
سعد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن، الصحابيّ ابن
الصحابيّ، أحد السابقين الفقهاء من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، مات
ليالي الحرّة بالطائف على الراجح سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، و(ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي
عمر العدنيّ، ثم المكيّ، و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض: سليمان الأحول، عن مجاهد، عن أبي عياض.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو) ﴿يَا، قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في النسخ
المعتمدة ببلادنا، ومعظم النسخ: ((عن عبد الله بن عَمْرو)) بفتح العين من عَمْرو
وبواو من الخط، وهو ابن عمرو بن العاص، ووقع في بعضها: ابن عُمَر:
بضم العين - يعني: ابن الخطاب - وذكر القاضي أن نُسخهم أيضاً اختَلَفت
فيهم، وأن أبا علي الغسانيّ قال: المحفوظ: ابن عَمْرو بن العاص، وقد ذَگره
الحميديّ صاحب ابن عيينة، وابن أبي شيبة، كلاهما عن سفيان بن عيينة، في
مسند ابن عمرو بن العاص، وكذا ذكره البخاريّ، وأبو داود، وكذا ذكره
الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين))، ونَسَبه إلى رواية البخاريّ ومسلم، وكذا
ذَكَره جمهور المحدثين، وهو الصحيح، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عن عبد الله بن عمرو))؛ أي: ابن العاص، كذا
في جميع نُسخ البخاريّ، ووقع في بعض نُسخ مسلم: ((عبد الله بن عُمر)) بضم
العين، وهو تصحيف، نبّه عليه أبو عليّ الجيانيّ. انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ٦٣٥/١٢ - ٦٣٦.
(٣) ((الفتح)) ٦٣٦/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٧/١٣.

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة الجيّانيّ تَّلُهُ بعد أن ساق نصّ مسلم
المذكور قال: هكذا هذا الإسناد عند ابن ماهان، ووقع في النسخة: عن أبي
العبّاس الرازيّ، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر - يعني: ابن الخطّاب -
وكذلك وقع عند السِّجزيّ، وعند الكسائيّ، كلهم قال فيه: عن عبد الله بن
عمر بن الخطّاب، قال أبو عليّ: والحديث محفوظ لعبد الله بن عمرو بن
العاص، وكذلك جعله الحميديّ، وابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة في مسند
عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى كلام الجيّانيّ ◌َُّهُ(١).
والحاصل أن الصواب ما وقع في ((صحيح البخاريّ))، ومعظم نُسخ مسلم
أنه عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عبد الله بن عمرو ﴿هَا (لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ عَنِ النَّبِيذِ فِي
الأَوْعِيَةِ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في مسلم: ((عن النبيذ في الأوعية))، وهو
الصواب، ووقع في غير مسلم: ((عن النبيذ في الأسقية))، وكذا نقله الحميديّ
في ((الجمع بين الصحيحين)) عن رواية عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان: ((عن
النبيذ في الأوعية)). انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: ((لَمّا نَهَى النبيّ وَّر عن الأسقية))، بلفظ
((الأسقية)) بدل ((الأوعية))، فقال في ((الفتح)): كذا وقع في هذه الرواية، وقد
تفطّن البخاريّ لِمَا فيها، فقال بعد سياق الحديث: حدّثني عبد الله بن محمد،
حدّثنا سفيان، بهذا، وقال: ((عن الأوعية))، وهذا هو الراجح، وهو الذي رواه
أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، كأحمد، والحميديّ، في ((مسنديهما))، وأبي
بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عُمَر عند مسلم، وأحمد بن عَبْدة، عند
الإسماعيليّ، وغيرهم.
وقال عياض: ذِكْر الأسقية وَهَمٌ من الراوي، وإنما هو: ((عن الأوعية))؛
لأنه وَّ لم ينه قطّ عن الأسقية، وإنما نَهَى عن الظروف، وأباح الانتباذ في
الأسقية، فقيل له: ليس كلّ الناس يجد سِقَاءً، فاستثنى ما يُسْكِر، وكذا قال
لوفد عبد القيس لمّا نهاهم عن الانتباذ في الدباء، وغيرها، قالوا: ففيم
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٩٤/٣.

٦٨٣
(٦) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الاِنْتِيَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَتْتَم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٩٩)
نشرب؟ قال: ((في أسقية الأَدَم))، قال: ويَحْتَمِل أن تكون الرواية في الأصل
كانت: لَمّا نَهَى عن النبيذ إلا في الأسقية، فسقط من الرواية شيء. انتهى.
وسبقه إلى هذا الحميديّ، فقال في ((الجمع)): لعله نقص من لفظ المتن،
وكان في الأصل: لمّا نَهَى عن النبيذ إلا في الأسقية.
وقال ابن التين: معناه: لمّا نهى عن الظروف إلا الأسقية، قال الحافظ:
وهو عجيب، والذي قاله الحميديّ، أقرب، وإلا فحَذْف أداة الاستثناء مع
المستثنى منه، وإثبات المستثنى غير جائز، إلا إن ادَّعَى ما قال الحميديّ أنه
سقط على الراوي.
وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن يكون معناه: لمّا نهى في مسألة الأنبذة عن
الجِرار، بسبب الأسقية، قال: ومجيء ((عن)) سببية شائع، مثل: يَسْمَنُون عن
الأكل؛ أي: بسبب الأكل، ومنه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ الآية [البقرة: ٣٦]؛
أي: بسببها .
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، ويظهر لي أن لا غَلَط، ولا سَقْط،
وإطلاق السقاء على كل ما يُسْقَى منه جائز، فقوله: ((نَهَى عن الأسقية)) بمعنى
الأوعية؛ لأن المراد بالأوعية: الأوعية التي يُستقى منها، واختصاص اسم
الأسقية بما يُتخذ من الأَدَم إنما هو بالعُرف.
وقال ابن السِّكِّيتَ السقاء يكون للّبن، والماء، والوَظْبُ بالواو للّبن
خاصّةً، والنِّحْي بكسر النون، وسكون المهملة للسَّمْن، والقربةُ للماء، وإلا
فمن يجيز القياس في اللغة لا يَمنع ما صَنَع سفيان، فكأنه كان يرى استواء
اللفظين، فحدّث به مرّةً هكذا، ومراراً هكذا، ومن ثَمَّ لم يَعُدّها البخاريّ
وَهَماً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما تقدّم من توهيم عياض، وغيره
لرواية ((الأسقية)) هو الأظهر، وقد تقدّم في أول كلام الحافظ ترجيحه لها، وأن
البخاريّ تفطّن لِمَا فيها، والحاصل أن رواية مسلم بلفظ ((الأوعية)) سالمة،
فتفطّن، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٦٣٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٩٣).

٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
[تنبيه آخر]: الفرق بين الأسقية من الأدم وبين غيرها، أن الأسقية
يتخللها الهواء من مسامّها، فلا يُسرع إليها الفساد مثل ما يسرع إلى غيرها من
الجرار، ونحوها، مما نُهِي عن الانتباذ فيه، وأيضاً فالسقاء إذا نُبذ فيه، ثم رُبط
أُمنت مفسدة الإسكار بما يُشرب منه؛ لأنه متى تغيّر، وصار مسكراً شقّ الجلد،
فلمّا لم يشقّه فهو غير مسكر، بخلاف الأوعية؛ لأنها قد تصير النبيذ فيها
مسكراً، ولا يُعلم به، وأما الرخصة في بعض الأوعية دون بعض، فمن جهة
المحافظة على صيانة المال؛ لثبوت النهي عن إضاعته؛ لأن التي نُهي عنها
يُسرع التغيّر إلى ما يُنبذ فيها، بخلاف ما أُذِن فيه، فإنه لا يُسرع إليه التغير،
ولكن حديث بُريدة ظاهر في تعميم الإذن في الجميع بقَيْد أن لا تشربوا
المسكر، فكأن الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشرب من الوعاء ابتداءً حتى
يُختبر حاله، هل تغيّر أو لا؟ فإنه لا يتعيّن الاختبار بالشرب، بل يقع بغير
الشرب، مثل أن يصير شديد الغليان، أو يقذف بالزبد، ونحو ذلك، قاله في
((الفتح))(١).
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لنهيه ◌َ﴿، (لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ)؛
أي: أسقية الأَدَم، فحَذَف المفعول؛ لِعِلْمِه. (فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ، غَيْرِ
الْمُزَقَّتِ) قال النوويّ كَثُهُ: هذا محمول على أنه رخّص فيه أوّلاً، ثم رخّص
في جميع الأوعية في حديث بريدة وغيره، والله أعلم. انتهى(٢).
وقد وقع عند البخاريّ بلفظ: ((فَرَخّص لهم))، وهو لغة في ((أرخص))،
يقال: رَخّص الشرع لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً: إذا يسّره،
وسهّله، قاله الفيّوميّ(٣).
وفي رواية ابن أبي شيبة: ((فَأَذِن لهم في شيء منه))، وفي هذا دلالة على
أن الرخصة لم تقع دفعةً واحدةً، بل وقع النهي عن الانتباذ إلا في سقاء، فلما
شَكَوْا رَخَّص لهم في بعض الأوعية دون بعض، ثم وقعت الرخصة بعد ذلك
عامّةً.
(١) ((الفتح)) ٦٣٨/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٩٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٤/١.

٦٨٥
(٦) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الاِنْتِيَاذِ فِي الْمُزَقَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَتْتَمِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٩٩)
قال الحافظ نَخْذَتُهُ: لكن يفتقر من قال: إن الرخصة وقعت بعد ذلك إلى
أن يُثبت أن حديث بريدة الدالّ على ذلك كان متأخراً عن حديث عبد الله بن
عمرو هذا. انتهى.
[تنبيه]: قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): (باب ترخيص النبيّ ◌َل
في الأوعية والظروف بعد النهي))، قال في ((الفتح)): ذكر فيه خمسة أحاديث:
أولها: حديث جابر، وهو عامّ في الرخصة، ثانيها: حديث عبد الله بن عمرو
- يعني: حديثه المذكور عند مسلم هنا - وفيه استثناء المزَفّت، ثالثها: حديث
عليّ في النهي عن الدباء، والمزفّت، رابعها: حديث عائشة مثله، خامسها :
حديث عبد الله بن أبي أوفى في النهي عن الجرّ الأخضر، وظاهر صنيعه أنه
يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذُكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة
خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ عليه صنيع البخاريّ، وقال الشافعيّ،
والثوريّ، وابن حبيب من المالكية: يُكره ذلك، ولا يحرم، وقال سائر
الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان، وقد أسند الطبريّ عن عمر ما يؤيّد قول
مالك، وهو قوله: ((لَأَنْ أشرب من قُمْقُم مُحْمَّى، فيُحرِق ما أحرق، ويُبقي ما
أبقى أحبّ إليّ من أن أشرب نبيذ الجرّ))، وعن ابن عباس: ((لا يشرب نبيذ
الجرّ، ولو كان أحلى من العسل))، وأسند النهي عن جماعة من الصحابة.
وقال ابن بطال كَُّ(١): النهي عن الأوعية إنما كان قطعاً للذريعة، فلمّا
قالوا: ((لا نجد بُدّاً من الانتباذ في الأوعية، قال: ((انتبذوا، وكلّ مسكر
حرام))، وهكذا الحكم في كل شيء نُهِي عَنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط
للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بُدّ لنا منها، قال:
((فأعطوا الطريق حقّها)).
وقال الخطابيّ تَظُّ(٢): ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أوّلاً، ثم
نُسِخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن
عمر، وابن عباس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، قال الحافظ: كذا
أطلق، قال: والأول أصحّ، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان
(١) راجع: ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ٥٥/٦.
(٢) راجع: ((معالم السنن)) ٢٤٨/٤.

٦٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
قريباً، فلمّا اشتَهَر التحريم أُبيح لهم الانتباذ في كل وعاء، بشرط تَرْك شُرب
المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ.
وقال الحازميّ ◌َُّ: لِمَن نَصَر قول مالك أن يقول: وَرَد النهي عن
الظروف كلها، ثم نُسخ منها ظروف الأَدَم، والجرار غير المزفتة، واستمرّ ما
عداها على المنع، ثم تَعَقّب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند
مسلم، ولفظه: ((نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل
وعاء، غير أن لا تشربوا مسكراً)).
قال: وطريق الجمع أن يقال: لمّا وقع النهي عامّاً شَكَوا إليه الحاجة،
فرخّص لهم في ظروف الأدم، ثم شَكّوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخّص
لهم في الظروف كلها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحازميّ مِنْ وجه الجمع بين
الروايات تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه المصنف هنا [٥١٩٩/٦] (٢٠٠٠)، و(البخاري) في
((صحيحه)) (٥٢٧١)، و(الشافعي) في ((مسنده)) (٢٨٢/١)، و(البيهقي) في
((الكبرى)) (٣١٠/٨)، و(الطحاوي) في ((معاني الآثار)) (٢٢١/٤)، و(الحميدي)
في ((مسنده)) (٢٦٥/١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
.
(٨٨)
(٧) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرِ حَرَامٌ،
وَبَيَانِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَمْ يَتُبْ عَنْ شُرْبِهَا بِمَنْعِهِ إِنَّاهَا فِي الآخِرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٠] (٢٠٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الْبِتْعِ، فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

٦٨٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٠)
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بثقات المدنيين، غير
شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه
عائشة رضينا من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ظَّا أنها (قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الْبِتْعِ)
بكسر الموحدة، وسكون المثناة، وقد تُفتح، وهي لغة يمانية. قاله في ((الفتح))،
وقال النوويّ: هو بباء موحّدة مكسورة، ثم مثناة فوقُ ساكنة، ثم عين مهملة،
وهو نبيذ العسل، وهو شراب أهل اليمن، قال الجوهريّ: ويقال أيضاً: بفتح
التاء المثنّة، كقِمْعِ، وقَمَعٍ. انتهى.
زاد في روايَّة البخاري: ((وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه))،
قال في ((الفتح)): وظاهره أن التفسير من كلام عائشة رضيّا، ويَحْتَمِل أن يكون
من كلام مَنْ دونها، ووقع في رواية معمر، عن الزهري، عند أحمد مثل رواية
مالك، لكن قال في آخره: ((والبتع نبيذ العسل))، وهو أظهر في احتمال
الإدراج؛ لأنه أكثر ما يقع في آخر الحديث، وقد أخرجه مسلم من طريق
معمر، لکن لم يَسُقْ لفظه. انتهى.
قال الحافظ تَخّلُ: ولم أقف على اسم السائل، في حديث عائشة ,
صريحاً، لكنني أظنه أبا موسى الأشعريّ رَظُله، ففي رواية مسلم الآتية عن أبي
بردة، عن أبيه قال: فقلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين، كنا نصنعهما
باليمن: الْبِتْع من العسل، يُنَبَذ حتى يشتدّ، والمزر من الشعير والذرة يُنبذ حتى
يشتدّ؟ قال: وكان النبيّ وَلّ، أُعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: ((أنهى عن
كل مسكر أسكر عن الصلاة)). انتهى.
قال: وفي رواية أبي داود، التصريح بأن تفسير البتع مرفوع، ولفظه:
سألت رسول الله و له عن شراب من العسل؟ فقال: ((ذاك البتع))، قلت: ومن
الشعير، والذرة؟ قال: ((ذاك الْمِزْر))، ثم قال: ((أَخِرْ قومك أن كل مسكر
حرام))، وقد سأل أبو وهب الجيشانيّ، عن شيء مما سأله أبو موسى، فعند
الشافعيّ، وأبي داود، من حديثه، أنه سأل النبيّ وَّر عن المزر؟ فأجاب بقوله:
(كل مسكر حرام)).

٦٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
(فَقَالَ) وَ («كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)))؛ أي: كل شراب صالح لأن
يكون مسكراً فإنه محرّم، فليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل إذا
كانت فيه صلاحية الإسكار حَرُم تناوله، ولو لم يَسْكُر المتناوِل بالقَدْر الذي
تناوله منه، كما فسّرته الروايات الأخرى: ((كلُّ مسكر حرام))، ويؤخذ من لفظ
السؤال، أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكر منه؛ لأنه لو أراد
السائل ذلك، لقال: أخبرني عما يحل منه وما يحرم، وهذا هو المعهود من
لسان العرب، إذا سألوا عن الجنس، قالوا: هل هذا نافع أو ضار؟ مثلاً، وإذا
سألوا عن القدر، قالوا: كم يؤخذ منه؟. أفاده في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٠٠/٧ و٥٢٠١ ٥٢٠٢] (٢٠٠١)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٤٢) و((الأشربة)) (٥٥٨٥ و٥٥٨٦ و٥٥٩٥)، و(أبو
داود) في ((الأشربة)) (٣٦٨٧ و٣٣٨٦ و٣٦٨٧)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة))
(١٨٦٣ و١٨٦٦)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٢٩٧/٨ و٣٢٠) و((الكبرى)) (٣/
٢١٣ و٢١٤ و٢١٦ و١٨٥/٤ و١٨٦)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٣٨٦)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٩٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٧٨)،
و(عبد الرزّاق) في («مصنّفه)) (١٧٠٠٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٩٢/٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/ ١٠٠ - ١٠١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦/٦
و٩٦ و١٩٠ و٢٢٥)، وفي ((الأشربة)) (٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٠٥)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٤٥)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٤/
٢١٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
٩٧ - ٩٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠/٨)، و(إسحاق بن راهويه) في
(١) ((الفتح)) ٦٠٧/١٢ - ٦٠٨، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٥).

٦٨٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٠)
((مسنده)) (٢٩١/٢ و٢٨٥ و٤٨٦)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٥١/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٠٠٨)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم كلّ شراب أسكر، قال أبو عمر بن عبد البرّ دَخَذُّهُ:
والبتع شراب العسل لا خلاف عَلِمْتُه في ذلك بين أهل الفقه، ولا بين أهل
اللغة، وإذا خرج الخبر بتحريم المسكر على شراب العسل، فكل مسكر مثله
في الحكم، وكذلك قال ابن عمر طًا: ((كل مسكر خمر)). انتهى(١).
٢ - (ومنها): هذا من جوامع كَلِمه ◌َلّ، كما أخبر بذلك أبو موسى
الأشعريّ ◌ُه في حديثه الآتي.
٣ - (ومنها): أنه يستحبّ للمفتي إذا رأى بالسائل حاجة أن يضمّه إلى
المسئول عنه، ونظير هذا الحديث حديث: ((هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته)).
٤ - (ومنها): أن فيه تحريم كل مسكر، سواء كان متَّخَذاً من عصير
العنب، أو من غيره.
٥ - (ومنها): أنه استُدل بمطلق قوله: ((كل مسكر حرام)) على تحريم ما
يُسكر، ولو لم يكن شراباً، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم
النوويّ وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مُخَدِّرة، وهو مكابرة؛ لأنها
تُحدِث بالمشاهدة ما يُحدث الخمر من الطرب، والنشأة، والمداومة عليها،
والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة، فقد ثبت في أبي
داود: النهي عن كل مسكر، ومُفَتِّر، وهو بالفاء، والله أعلم، قاله في
((الفتح))(٢)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شرب المسكر غير
عصير العنب:
قال الحافظ ابن عبد البرّ تَخّْلهُ: أجمعوا على أن عصير العنب إذا غلا،
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٢٥/٧.
(٢) ((الفتح)) ٦١١/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٥).

٦٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
واشتدّ، وقَذَف بالزَّبَد، وأسكر الكثير منه أو القليل، أنه الخمر المحرّمة
بالكتاب والسُّنَّة المجتمع عليها، وأن مستحلها كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا
قُتل، هذا كله ما لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى، وسائر العلماء، واختلفوا في
شارب المسكر من غير خمر العنب إذا لم يُسكر، فأهل الحجاز يرون المسكر
حراماً، ويرون في قليله الحدّ كما في كثيره على من شربه، وبه قال مالك،
والشافعيّ، وأصحابهما، وجماعة أهل الحجاز، وأهل الحديث من أهل
العراق، وأما فقهاء العراق فجمهورهم لا يرون في المسكر على من شَرِبِه حدّاً
إذا لم يُسكر، ولا يَدْعُون ما عدا خمر العنب خمراً، ويدعونه نبيذاً.
قال: وأما اختلاف العلماء في حدّ عصير العنب الذي إذا بلغه كان خمراً
فاختلاف متقارِب فنذكره هنا لتكمل فائدة الكتاب بذلك: روى ابن القاسم عن
مالك أنه كان لا يعتبر الغليان في عصير العنب، ولا يلتفت إليه، ولا إلى
ذهاب الثلثين في المطبوخ، وقال: أنا أحدّ كل من شرب شيئاً من عصير
العنب، وإن قلّ إذا كان يسكر منه، وهو قول الشافعيّ، وقال الليث بن سعد:
لا بأس بشرب عصير العنب ما لم يَغلِ، ولا بأس بشرب مطبوخه إذا ذهب
الثلثان، وبقي الثلث، وقال سفيان الثوريّ: اشرب عصير العنب حتى يَغْلِي،
وغليانه أن يقذف بالزبد، فإذا غَلَى فهو خمر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي
يوسف، ومحمد، وزفر، إلا أن أبا يوسف قال: إذا غَلَى فهو خمر، وقال أبو
حنيفة: لا بأس به ما لم يقذف بالزبد، وقالوا: إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه،
ويبقى الثلث، ثم غَلَى بعد ذلك فلا بأس به؛ لأنه قد خرج من الحال
المكروهة الحرام إلى حال الحلال، فسواء غَلَى بعد ذلك، أو لم يَغْلِ، وقال
أحمد بن حنبل: العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حَرُم، إلا أن يَغْلِيَ قبل
ذلك فيحرم، قال: وكذلك النبيذ، وعن سعيد بن المسيِّب: أنه لا بأس بشرب
العصير ما لم يُزْبِد، وإذا أزبد فهو حرام، هذه رواية يزيد بن قُسيط عنه، وروى
عنه قتادة: اشربه ما لم يَغْلِ، فإذا غَلَى فهو خمر، وكذلك قال إبراهيم النخعيّ،
وعامر الشعبيّ، وقال الحسن: اشربه ما لم يتغيّر، وقال سعيد بن جبير: اشربه
يوماً وليلةً، وروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن عليّ، وعن عطاء، وابن
سيرين، والشعبيّ، وعن عطاء أيضاً: اشربه ثلاثاً ما لم يَغْلِ، وقال ابن عباس:

٦٩١
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٠)
اشربه ما كان طريّاً، وقال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه شيطانه، قيل له: ومتى
يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَقْذّهُ(١).
وقال المازريّ تَخْتُ: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتدّ حلال،
وعلى أنه إذا اشتدّ، وغَلَى، وقذف بالزبد حَرُم قليله وكثيره، ثم لو حصل له
تخلُّل بنفسه، حلّ بالإجماع أيضاً، فوقع النظر في تبدّل هذه الأحكام عند هذه
المتخذات، فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودلّ على أن علة التحريم
الإسكار، فاقتضى ذلك أن كل شراب وُجد فيه الإسكار، حرم تناول قليله
و کثیره. انتھی(٢).
قال الحافظ نَُّ: وما ذكره استنباطاً ثبت التصريح به في بعض طرق
الخبر، فعند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان من حديث جابر قُبه،
قال: قال رسول الله وَليل: (ما أسكر كثيره، فقليله حرام))، والنسائيّ من حديث
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مثله، وسنده إلى عمرو صحيح، ولأبي داود
من حديث عائشة ها، مرفوعاً: ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق، فملء
الكف منه حرام))، ولابن حبان، والطحاويّ، من حديث عامر بن سعد بن أبي
وقاص، عن أبيه رظُه، عن النبيّ وَّ، قال: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)).
وقد اعتَرَف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في
تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يُسكر، وقال بعضهم: أراد به
ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلاً حتى يَقْتُل، قال: ويدلّ له
حديث ابن عباس ◌ًّا رفعه: ((حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل
شراب)). انتهى.
وهذا الحديث أخرجه النسائيّ، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله
وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره،
أن الرواية فيه بلفظ: ((والمسكر)) - بضم الميم، وسكون السين - لا ((السكر)) -
بضم، ثم سكون، أو بفتحتين - وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فَرْد، ولفظه
(١) ((الاستذكار)) ٨/ ١٢.
(٢) ((المعلم بفوائد صحيح مسلم)) للمازريّ كَافُ ٦٢/٣.

٦٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
مُحْتَمِل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث، مع صحتها وكثرتها؟.
وجاء عن عليّ عند الدارقطنيّ، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق،
والطبرانيّ، وعن خَوّات بن جبير، عند الدارقطنيّ، والحاكم، والطبرانيّ، وعن
زيد بن ثابت، عند الطبرانيّ، وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي
قبلها قوّةً وشهرةً.
قال أبو المظفر ابن السمعانيّ: وكان حنفيّاً، فتحوّل شافعيّاً: ثبتت
الأخبار عن النبيّ ◌َ﴿، في تحريم المسكر، ثم ساق كثيراً منها، ثم قال:
والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها،
فإنها حُجج قواطع، قال: وقد زَلَّ الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخباراً
معلولةً، لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظنَّ أن رسول الله وَّهِ شَرِب
مسكراً، فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شَرِبِه كان حلواً،
ولم يكن مسكراً .
وقد رَوَى ثمامة بن حزن القشيريّ، أنه سأل عائشة ◌َهنا عن النبيذ؟
فدعت جارية حبشية، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله وَ لغيره،
فقالت الحبشية: كنت أَنْبِذ له في سقاء من الليل، وأوكؤه، وأعلّقه، فإذا أصبح
شرب منه، أخرجه مسلم، وروى الحسن البصريّ، عن أمه، عن عائشة
نحوه .
ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلّة الإسكار، والاضطراب من أَجَلِّ
الأقيسةِ، وأوضحِها، والمفاسدُ التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن
ذلك أن علة الإسكار في الخمر؛ لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ؛
لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام
الخمر؛ لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ
غِلَظ وكدرة، وفي الخمر رقّة وصفاء، لكن الطبع يَحْتَمِل ذلك في النبيذ؛
لحصول السكر كما تُحْتَمَل المرارة في الخمر؛ لِطَلَب السكر، قال: وعلى
الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر، قلّ أو كثر، مُغْنِيَة عن القياس،
والله تعالى أعلم.
وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حلّ النبيذ الذي يُسكر كثيره

٦٩٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٠)
عن الصحابة شيء، ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعيّ، قال: وقد ثبت
حديث عائشة يتا: ((كل شراب أسكر فهو حرام)).
وأما ما أخرج ابن أبي شيبة، من طريق أبي وائل: ((كنا ندخل على ابن
مسعود، فيسقينا نبيذاً شديداً))، ومن طريق علقمة: ((أكلت مع ابن مسعود، فأتينا
بنبيذ شديد، نبذته سيرين، فشربوا منه)).
[فالجواب عنه]: من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: لو حُمل على ظاهره، لم يكن معارِضاً للأحاديث في تحريم
كل مسكر.
[ثانيها]: أنه ثبت عن ابن مسعود ظله تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا
اختلف النقل عنه، كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصحابة، مع موافقة
الحديث المرفوع أولى.
[ثالثها]: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالشدّة شدّة الحلاوة، أو شدة
الحموضة، فلا یکون فيه حجة أصلاً.
:
وأسند أبو جعفر النحاس، عن يحيى بن معين، أن حديث عائشة
((كل شراب أسكر، فهو حرام))، أصح شيء في الباب.
وفي هذا تَعَقُّب على من نقل عن ابن معين أنه قال: لا أصل له، وقد
ذكر الزيلعيّ في ((تخريج أحاديث الهداية))، وهو من أكثرهم اطلاعاً: أنه لم
يثبت في شيء من كتب الحديث نَقْل هذا عن ابن معين. انتهى.
وكيف يتأتى القول بتضعيفه، مع وجود مخارجه الصحيحة، ثم مع كثرة
طرقه؟ حتى قال الإمام أحمد: إنها جاءت عن عشرين صحابيّاً، فأورد كثيراً
منها في (كتاب الأشربة)) المفرد، فمنها ما تقدم، ومنها حديث ابن عمر الآتي
عند مسلم آخر الباب، وحديث عمر بلفظ: ((كل مسكر حرام))، عند أبي يعلى،
وفيه الإفريقي، وحديث عليّ، بلفظ: ((اجتنبوا ما أسكر))، عند أحمد، وهو
حسن، وحديث ابن مسعود، عند ابن ماجه، من طريق ليّن بلفظ عمر، وأخرجه
أحمد من وجه آخر ليّن أيضاً، بلفظ عليّ، وحديث أنس، أخرجه أحمد بسند
صحيح، بلفظ: ((ما أسكر فهو حرام))، وحديث أبي سعيد، أخرجه البزار بسند
صحيح، بلفظ عمر، وحديث الأشج العَصَري، أخرجه أبو يعلى كذلك بسند

٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
جيّد، وصححه ابن حبان، وحديث دَيْلَم الحميريّ، أخرجه أبو داود بسند
حسن، في حديث فيه قال: ((هل يسكر؟)) قال: نعم، قال: ((فاجتنبوه))،
وحديث ميمونة، أخرجه أحمد بسند حسن، بلفظ: ((وكل شراب أسكر، فهو
حرام))، وحديث ابن عباس، أخرجه أبو داود، من طريق جيّد، بلفظ عمر،
والبزار من طريق ليّن، بلفظ: ((واجتنبوا كل مسكر))، وحديث قيس بن سعد،
أخرجه الطبرانيّ، بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر، بلفظ
حديث عمر، وحديث النعمان بن بشير، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ:
((وإني أنهاكم عن كل مسكر))، وحديث معاوية، أخرجه ابن ماجه بسند حسن،
بلفظ عمر، وحديث وائل بن حجر أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن
إياس المزنيّ، أخرجه البزار، بلفظ عمر بسند ليّن، وحديث عبد الله بن مُغَفَّل،
أخرجه أحمد بلفظ: ((اجتنبوا المسكر))، وحديث أم سلمة، أخرجه أبو داود
بسند حسن، بلفظ: ((نُهي عن كل مسكر ومُفَتِّر))، وحديث بريدة أخرجه مسلم
في أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائيّ بسند
حسن كذلك، ذَكَر أحاديث هؤلاء الترمذيّ في الباب، وفيه أيضاً عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند النسائيّ، بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطاب،
أخرجه الطبرانيّ بلفظ عليّ: ((اجتنبوا كل مسكر))، وعن الرَّسيم أخرجه أحمد،
بلفظ: ((اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكرا))، وعن أبي بردة بن نيار، أخرجه
ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ، وعن طلق بن عليّ، رواه ابن أبي شيبة بلفظ:
((يا أيها السائل عن المسكر، لا تشربه، ولا تُسْقِه أحداً من المسلمين))، وعن
صحار العبدي، أخرجه الطبرانيّ بنحو هذا، وعن أم حبيبة عند أحمد في
(كتاب الأشربة))، وعن الضحاك بن النعمان، عند ابن أبي عاصم في
((الأشربة))، وكذا عنده عن خَوّات بن جبير.
فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر، وأبي موسى، وعائشة،
زادت عن ثلاثين صحابيّاً، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أن المسكر
لا يحلّ تناوله، بل يجب اجتنابه، والله أعلم.
وقد رَدّ أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاويّ، فقال أحمد: حدّثنا
عبد الله بن إدريس، سمعت المختار بن فُلْفُل، يقول: سألت أنساً؟، فقال:

٦٩٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٠)
نهى رسول الله وَّر عن المزفت، وقال: ((كل مسكر حرام))، قال: فقلت له:
صدقت، المسكر حرام، فالشربة، والشربتان على الطعام، فقال: ما أسكر
كثيره، فقليله حرام، وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابيّ أعرف
بالمراد، ممن تأخر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال. انتهى ما في
((الفتح)) (١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ ◌َُّهُ في تتبّع أحاديث النبيّ وَل
المرويّة في تحريم شرب المسكر، ولو لم يَسْكَر، فمحاولة الطحاويّ، ومن تبعه
في تأويل حديث: ((كلّ شراب أسكر فهو حرام)) بأن المراد السكر منه، لا
تناول ما لا يُسكر؛ يعني: القليل منه محاولةٌ فاشلة، باطلة يُبطلها ما صحّ عن
جماهير الصحابة، والتابعين في حَمْلهم الحديث على أن المراد منه شرب
المسكر، سواء أسكر؛ لكثرته، أم لم يُسكر لقلّته.
والحاصل أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام، فلا يحلّ شرب النبيذ إذا بلغ
حدّ الإسكار، ولو لم يَسكر منه؛ لنصّ رسول الله وَّهر على تحريمه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: أخرج النسائيّ كَّثُ بسند حسن، عن أبي هريرة ◌ُبه قال:
عَلِمْتُ أن رسول الله وَّ كان يصوم، فتحيّنت فِطره بنبيذ صنعته له في دباء،
فجئته به، فقال: ((أَذْنِهِ))، فأدنيته منه، فإذا هو يَنِشّ، فقال: ((اضْرِب بهذا
الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر)).
قال أبو عبد الرحمن - النسائيّ -: وفي هذا دليل على تحريم السكر قليله
وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم
ما تقدمها الذي يُشْرَب في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السُّكْرَ
بكلّيته لا يَحْدُث على الشربة الآخرة، دون الأولى والثانية بعدها، وبالله
(٢)
التوفيق. انتهى (٢).
[فائدة]: رأيت للعلامة اللغويّ أحمد بن محمد بن عليّ المقرىء الفيّوميّ
(١) ((الفتح)) ٦٠٨/١٢ - ٦١١، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٥).
(٢) ((سنن النسائيّ - المجتبى)) ٣٠١/٨.

٦٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
المتوفّى سنة (٧٧٠هـ) الذي أعزو إليه غالب النقول اللغوية في هذا الشرح؛
لوجازته مع إتقانه، فائدةً تتعلق بهذا الموضوع، حيث قال في كتابه الممتع
((المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)) ما نصّه:
ويُرْوَى(١): ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام))، ونُقل عن بعضهم أنه أعاد
الضمير على ((كثيره))، فيبقى المعنى على قوله: ((فقليل الكثير حرام، حتى لو
شرب قَدَحين من النبيذ مثلاً، ولم يَسْكَر بهما، وكان يسكر بالثالث، فالثالث
كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأَوَّلَين)).
وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون
الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة
على المبتدإ لِيُرْبَطَ به الخبرُ، فيصيرُ المعنى: الذي يُسكر كثيره، فقليل ذلك
الذي يُسكر كثيره حرام، وقد صَرّح به في الحديث، فقال: ((كلُّ مسكر حرام،
وما أسكر الفرق منه، فملء الكفّ منه حرام)). ولأن الفاء جواب لِمَا في
المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يسكر كثيره، فقليل
ذلك الشيء حرام، ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك
الذي يقوم غلامه، ولو أعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم
غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخباراً عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ
بلا رابط، فتأمله، وفيه فساد من جهة المعنى أيضاً؛ لأنه إذا أُريدَ: فقليل الكثير
حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر من
الخمر، وهو مخالفٌ للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ تَّتُهُ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الفيّوميّ تَخْلُّ تحقيق نفيسٌ
جدّاً، يقطع دابر المفسدين الذين يقولون: إن المحرَّم هو الشربة الأخيرة، حيث
تبيّن به أن ما تمسّكوا به من التمويهات الباطلة، لا يؤيّده النقل اللغويّ، كما
(١) كان الأولى في مثل هذا الحديث الصحيح التعبير بثبت، أو بصحّ، ونحو ذلك، لا
((يروى)) بصيغة التمريض، إلا أن العذر للفيّوميّ أنه لغويّ، وليس محدّثاً، حتى
يَعرف هذه الدقائق الحديثيّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١.

٦٩٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠١ -٥٢٠٢)
أن النصوص الصحيحة تنابذه. ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ
﴾ [آل عمران: ٨]. اللَّهمّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا
رَحْمَةُ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى الُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تَقُولُ: سُئِلَ
رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ الْبِشْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصري، صدوق [١١] (م س ق) تقدم
في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا
حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ صَالِحِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِّ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ
سُفْيَانَ، وَصَالِحٍ: ((سُئِلَ عَنِ الْبِثْعِ))، وَهُوَ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ:
أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَلِّ يَقُولُ: ((كُلَّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّفٌ [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.

٦٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
٢ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُ) ابن عليّ الخلّال، نزيل مكة، تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، تقدّم
أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ،
تقدّم أيضاً قريباً .
٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون كلّهِم ذُكروا في الباب والذي قبله.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةً)؛ يعني: أن شيوخه الخمسة رووا هذا
الحديث عن سفيان بن عيينة.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة: ابن
عيينة، وصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ
بسنده الماضي؛ أي: عن أبي سلمة، عن عائشة ئها.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها ابن ماجه تَخْلَهُ في
((سننه))، فقال:
(٣٣٨٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن
الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، تَبْلُغ به النبيّ وَّرَ قال: ((كلّ شراب أسكر
فهو حرام)). انتهى(١).
ورواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٧٩٤٠) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن
أخبره، أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، أنها سمعت النبيّ وَّه يقول: ((كلّ شراب
مسكر حرام)). انتهى (٢).
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١١٢٣/٢.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٩٨/٥.

٦٩٩
(٧) - بَابُ بَيَّانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٣)
ورواية معمر بن راشد عن الزهريّ ساقها إسحاق بن راهويه في ((مسنده))،
فقال :
(١٠٦٧) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة،
عن عائشة، أن رسول الله وَ الله سئل عن الْبِتْع، فقال: ((كل شراب أسكر فهو
حرام))، قال: ((والبتعُ نبيذ العسل)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٣] (١٧٣٣)(٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ وَ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَاباً يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، مِنَ الشَّعِيرِ،
وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ، مِنَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: ((كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في ((الزكاة))
٢٣٣٣/١٦.
٢ - (أَبُوهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، الكوفيّ، وُلد بالبصرة،
قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد
جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، مات رظُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شعبة،
فواسطيّ، ثم بصريّ، وقتيبة فبغلانيّ، وإسحاق، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ
عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه.
(١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٤٨٦/٢.
(٢) هذا رقم مكرّر.

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َّه أنه (قَالَ: بَعَثَني)؛ أي: أرسلني (النَّبِيُّ ◌َلو
أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الشهير
المتوفّى سنة ثمان عشرة بالشام، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٣٠/٧. (إِلَى
الْيَمَنِ) البلد المعروف، قال في ((الفتح)): كان بَعْثُ أبي موسى ◌َُه إلى اليمن
بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد تبوك مع النبيّ وَّر، وقال في الكلام
على بعث معاذ ظه: وروى أحمد من طريق عاصم بن حميد، عن معاذ: (لمّا
بعثه رسول الله (وَل# إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب ... )) الحديث، ومن
طريق يزيد بن قطيب، عن معاذ: ((لمّا بعثني النبيّ وَّ إلى اليمن قال: قد بعثتك
إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتِل بمن أطاعك من عصاك))، وعند أهل المغازي أنها
كانت في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. انتهى(١).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَاباً يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا)؛ أي: أرض اليمن، (يُقَالُ
لَهُ: الْمِزْرُ) بكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء، (مِنَ الشَّعِيرٍ) متعلّق
بـ((يُصنع))، ويُصنع أيضاً من الذّرَة، والحنطة. (وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ) بكسر
الموحّدة، وسكون التاء، (مِنَ الْعَسَلِ)؛ أي: يُصنع منه، المراد من السؤال:
معرفة حُكْم شُربه، ففي رواية زيد بن أبي أنيسة عن سعيد بن أبي بردة الآتية:
((قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين نصنعهما باليمن: البتع، وهو من العسل،
يُنبذ حتى يشتدّ، والْمِزْر، وهو من الذرة والشعير، يُنبذ حتى يشتدّ ... )).
(فَقَالَ) وَِ ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))) وفي رواية زيد الآتية: وكان رسول الله وَلَه قد
أُعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: ((أنهى عن كلّ مسكر أسكر عن الصلاة))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ
هذا متّفق عليه .
مضُوعَيْهـ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٧٧/٩ - ٤٧٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٤١).