Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ الثَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٥٢ - ٥١٥٣)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٥١/٥ و٥١٥٢] (١٩٨٩)، و(النسائيّ) في
(الأشربة)) (٢٩٣/٨) و((الكبرى)) (٥٠٨٠)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة))
(٣٣٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٢٦/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٣٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٤/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٢] ( .. ) - وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ - وَهُوَ أَبُو كَثِيرِ الْغُبَرِيُّ -
حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧َ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (الْغُبَرِيُّ) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى غُبَر بن
غَنْم بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، بطن من يشكر، قاله في ((اللباب))(١).
[تنبيه]: رواية هاشم بن القاسم، عن عكرمة بن عمّار هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٣] (١٩٩٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيَْانِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى
النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالثَّمْرُ جَمِيعاً،
وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ بَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٧٤/٢.

٦٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيّ القاضي، تقدّم قريباً.
٢ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
٣ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،
أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت١١٩)
(ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ الكوفي، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً.
و(شيخه)) ذُكر في الباب، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
وقوله: (وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) فاعل
(كَتَب)) ضمير النبيّ بَّه، فقد بيّن ذلك أبو عوانة في ((مسنده)) من طريق
أسباط بن محمد، عن الشيبانيّ، ولفظه: ((كتب رسول الله ويّيقول إلى أهل جُرش
ينهاهم أن يخلطوا التمر والزبيب)). انتهى(١).
وقوله: (إِلَى أَهْلِ جُرَشَ) بضمّ الجيم، وفتح الراء: بلدٌ باليمن، قاله
النوويّ، وقال ياقوت الحمويّ: من مخاليف اليمن، من جهة مكة، وقيل: إن
جُرَش مدينة عظيمة باليمن، وولاية واسعة(٢).
وقال في ((اللباب)): الْجُرشيّ: نسبة إلى بني جُرَش، بطن من حِمْير، ثم
ساق نسبه، ثم قال: وقيل: إن جُرَش موضع باليمن، ويَحْتَمِل أن تكون هذه
القبيلة نزلته، فسُمّ بها، مثلُ حَضْرَمَوْت. انتهى (٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١١٤/٥.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٢/١.
(٢) راجع: ((معجم البلدان)) ١/ ٤٨٧.

٦٢٣
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٥٤ - ٥١٥٥)
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٥٣/٥ و٥١٥٤] (١٩٩٠)، و(النسائيّ) في
((الأشربة)) (٢٩٠/٨) و((الكبرى)) (٤٣٦/٣ و٤٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٩٣/٥ و٢٩٢/٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٤/١ و٣٣٦)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (٢١٩/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١١٥/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٤] ( .. ) - وَحَدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: الطَّحَّانَ -
عَنِ الشَّيْبَانِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي التَّمْرِ وَالَّبِيبِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ) بن عثمان الواسطيّ، أبو محمد، ويقال له: وهبان،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله (٥ أو٩٦) سنة (م د س) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٩/١٥.
٢ - (خَالِدٌ الطَّخَّانَ) ابن عبد الله بن عبد الرحمن المزنيّ مولاهم، أبو
الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
و((الشيبانيّ))، وهو: سليمان بن أبي سليمان، ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ) فاعل ((يَذْكُر)) ضمير خالد الطحّان.
[تنبيه]: رواية خالد الطحّان، عن الشيبانيّ هذه ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في
((مسنده))، مقروناً بحصين، فقال:
(٨٠٢٤) - حدّثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، وسأله ابن أورمة، قال: ثنا
أبو سعيد الحداد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حُصين، عن حبيب بن أبي
ثابت، وعن الشيبانيّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: كتب رسول الله وَ له إلى أهل جُرَش أن لا يَخلطوا التمر بالزبيب،
وفي حديث حصين عن حبيب: ((وكتب رسول الله ◌َله إلى أهل البحرين: لا
يخلطوا التمر بالزَّهْو - يعني: الفضيخ ـ)). انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٥] (١٩٩١) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ
نُهِيَ أَنْ يُنَبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُّ جَمِيعاً، وَالتَّمْرُ وَأَلَّبِيبُ جَمِيعاً).

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قريباً .
وقوله: (قَدْ نُهِيَ ... إلخ) بالبناء للمجهول، وله حُكم الرفع على الراجح
من أقوال العلماء، قال السيوطيّ تَخُّْهُ في ((ألفيّة الحديث)):
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا ((أُمِرْنَا)) وَكَذَا ((كُنَّا نَرَى))
والحديث من أفراد (المصنّف)، لم يُخرجه من أصحاب الكتب السّة
غيره، وأخرجه (عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٩٧٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١١٥/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: قَدْ نُهِيَ أَنْ
يُنْبَذَ أَلْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعاً، وَالتَّعْرُ وَالزَّبِيبٌ جَمِيعاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريباً أيضاً، و((رَوحٌ)) هو ابن عبادة القيسيّ، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي الْمُزَقَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَنْتُم،
وَالنَّقِيرِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ الْيَوْمَ حَلَالٌ، مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرَاً)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٧] (١٩٩٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ نَهَى عَنِ الدَُّّاءِ، وَالْمُزَقَّتِ، أَنْ
يُنْبَذَ فِیهِ).

٦٢٥
(٦) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِيَاذِ فِي الْمُزَنَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَتْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٥٧)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، غير ابن شهاب، فتقدّم قبل أربعة
أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف، كلاحقه، وهو (٣٧٤) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّهُ)؛ أي: أنساً (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابنَ
شهاب (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ نَهَى عَنِ الدَُّّاءِ)؛ أي: عن الانتباذ في الدّبّاء، بضمّ
الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ، وجوّز فيه بعضهم القصر، وهو القرع
اليابس؛ أي: الوعاء منه. (وَالْمُزَّقَّتِ) هو المقيّر، كما فسّره به ابن عمر في
كلامه الآتي، وهو المطليّ بالقار، وهو الزِّفْت، وقوله: (أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ) بالبناء
للمفعول، وهو في تأويل المصدر بدل من ((الدباء)) و((المزفّت))، وأفرد الضمير
باعتبار المذكور.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في أوائل ((كتاب الإيمان)) [١٢٤/٦]
(١٧) شرح أحاديث هذا الباب، وبيان معاني هذه الألفاظ عند ذكر حديث وفد
عبد القيس، فلا حاجة إلى الإطالة بإعادة ذلك، وإنما نذكر حَلّ بعض ما
يُستشكَّل، وما لم يتقدّم ذِكره هناك.
وخلاصة القول - كما قال النوويّ : - أن الانتباذ في هذه الأوعية مَنهيّاً
عنه في أول الإسلام؛ خوفاً من أن يصير مُسكراً فيها، ولا يُعلَم به؛ لكثافتها،
فتتلف ماليّته، وربما شربه الإنسان ظانّاً أنه لم يصر مسكراً، فيصير شارباً
للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر، فلما طال الزمان، واشتهر تحريم
المسكر، وتقرر ذلك في نفوسهم نُسِخ ذلك، وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء،
بشرط أن لا يشربوا مسكراً، وهذا صريحُ قوله وَّ في حديث بُريدة المذكور في
آخر هذه الأحاديث: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في كل
وعاء، غير أن لا تشربوا مسكراً))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رطُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٥٧/٦ و٥١٥٨] (١٩٩٢)، و(البخاريّ) في
((الأشربة)) (٥٥٨٧)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٣٠٥/٨) و((الكبرى)) (٥١٣٩
و٥١٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٠/٣ و١٦٥)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٠١٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٣٠/٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٢٢٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٠/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٠٨/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الانتباذ في الأوعية
المذكورة وغيرها :
ذهب الجمهور إلى أن أحاديث النهي عن الانتباذ في الأوعية منسوخة
بحديث بريدة بن الحصيب به المذكورة في آخر الباب، وذهب بعضهم إلى
أن النهي باق، قال الخطابيّ تَظّثُ: القول بالنسخ هو أصحّ الأقاويل، قال:
وقال قوم: التحريم باق، وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالكٌ،
وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عبّاس ﴿ه، أفاده
النوويّ تَظَّهُ(١).
وقال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب ترخيص النبيّ وَّ في
الأوعية والظروف بعد النهي))، ثم ذكر فيه خمسة أحاديث.
[ثانيها]: حديث عبد الله بن عمرو ها، وفيه استثناء المزفت.
قال في ((الفتح)): وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص،
بما ذُكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ
عليه صنيع البخاريّ، وقال الشافعيّ، والثوريّ، وابن حبيب من المالكية: يُكره
ذلك، ولا يَحْرُم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان.
وقد أسند الطبريّ عن عمر ما يؤيد قول مالك، وهو قوله: ((لأن أشرب
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١.

٦٢٧
(٦) - بَابُ التَّهْىِ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٥٧)
من قُمقُم مُحْمَّى فيُحرِق ما أحرق، ويُبقي ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ
الجر))، وعن ابن عباس: ((لا يُشرَب نبيذ الجرّ، ولو كان أحلى من العسل))،
وأسند النهي عن جماعة من الصحابة.
وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعاً للذريعة، فلمّا قالوا:
لا نجد بُدّاً من الانتباذ في الأوعية، قال: ((انتبذوا، وكلُّ مسكر حرام))، وهكذا
الحكم في كل شيء نُهي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة،
كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها، قال: ((فأعطوا
الطريق حقها)).
وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلا أن النهي إنما كان أوّلاً، ثم نُسخ،
وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر،
وابن عباس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، كذا أطلق، قال: والأول
أصح، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريباً، فلما اشتهر
التحريم أبيح لهم الانتباذ، في كل وعاء، بشرط ترك شرب المسكر، وكأن من
ذهب إلى استمرار النهي، لم يبلغه الناسخ.
وقال الحازميّ: لمن نَصَر قول مالك أن يقول: وَرَدَ النهي عن الظروف
كلها، ثم نُسخ منها ظروف الأَدَم، والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها على
المنع .
ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم، ولفظه:
((نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا
تشربوا مسكراً))، قال: وطريق الجمع أن يقال: لمّا وقع النهي عامّاً، شَكَوا إليه
الحاجة، فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك،
فرخَّص لهم في الظروف كلها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الحجج أن أرجح
الأقوال هو القول بأن الانتباذ جائز في أيّ وعاء كان، وأنه يُعتذر للمانعين بأنه
لم يبلغهم النَّسخ الواضح في حديث بُريدة رُّه المذكور في الباب، فإنه نصّ
(١) ((الفتح)) ٦٣٣/١٢٣ - ٦٣٤، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٩٢).

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
لا يحتمل التأويل، فقد قال ◌َ: ((نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في
الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً))، وفي لفظ: ((نهيتكم عن الظروف وإن
الظروف - أو ظرفاً - لا يُحِلّ شيئاً ولا يُحَرِّمه، وكلُّ مسكر حرام))، وفي لفظ:
(كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأَدَم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا
تشربوا مسكراً)).
فدلالة النصّ على أن النّسخ عامّ في جميع الأوعية، لا يُخصّ منه شيءٌ،
مما لا يتردد فيها ذو فهم.
والحاصل أن النهي الوارد في الانتباذ في الأوعية منسوخ، فيجوز الانتباذ
في أيّ وعاء كان، مع تجنّب المسكر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٨] (١٩٩٣) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِلَهُ نَهَى عَنِ الدَُّّاءِ، وَالْمُزَّفَّتِ، أَنْ
يُنْتَذَ فِيهِ، قَالٍ: وَأَخْبَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ:
((لَا تَتْتَِذُوا فِي الدَُّّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ))، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَبُوا الْحَنَاتِمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (قَال: وَأَخْبَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير الزهريّ،
وقوله: ((وأخبره)) فيه التفات، والظاهر أن يقول: وأخبرني ... إلخ، وجعل
بعض الشرّاح فاعل ((قال)) ضمير ابن عيينة، والأول أَولى، فقد ساقه أبو عوانة
في ((مسنده)(١)، فقال: قال الحميديّ، قال: وثنا سفيان قال: ثنا الزهريّ،
قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ... إلخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ)؛ أي: أخذاً من النبيّ وَِّ،
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ١٣٠/٥.

٦٢٩
(٦) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الاِنْتِيَاذِ فِي الْمُزَنَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَتْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٥٨)
لا من عنده، بدليل الروايتين التاليتين، قال: ((عن النبيّ وَلّ أنه نهى عن
المزفّت، والحنتم، والنقير))، وإنما غيّر الأسلوب، فقال: ((ثم يقول أبو
هريرة ... إلخ)) إشارة إلى أنه وافق أنساً ظها في قوله: ((نهى عن الدباء
والمزفّت))، ثم زاد أبو هريرة مما سمعه عنه وَلّ الحنتم، فقال: و((اجتنبوا
الحناتم)).
و((الحناتم)): جمع حنتم، ـ بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء
مثناة من فوقُ مفتوحة، ثم ميم - والواحدة حنتمة، قال النوويّ كَُّ: اختلف
في تفسيرها :
[فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جرار خُضْر، وهذا التفسير ثابت عن أبي
هريرة ربه في الرواية التالية، وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابيّ رَظَه، وبه
قال الأكثرون، أو كثيرون من أهل اللغة، وغريب الحديث، والمحدثين،
والفقهاء.
[والثاني]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير،
وأبو سلمة.
[والثالث]: أنها جرار يؤتى بها من مصر، مُقَيَّرات الأجواف، ورُوي ذلك
عن أنس بن مالك ظبه، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر.
[والرابع]: عن عائشة ثنا: جرار حُمْر أعناقها في جُنُوبها، يُجلب فيها
الخمر من مصر.
[والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضاً: أفواهها في جنوبها يُجلب فيها
الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر.
[والسادس]: عن عطاء: جِرَار كانت تُعمل من طين وشعر ودَم.
وأما معنى النهي عن هذه الأربع، فهو أنه نهي عن الانتباذ فيها، وهو أن
يُجعل في الماء حبات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو ويُشرَب، وإنما
خُصّت هذه بالنهي؛ لأنه يُسرع الإسكار فيها، فيصير حراماً، وتبطل ماليّته،
فنُهي عنه؛ لِمَا فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره مَن لم يَطّلع
عليه، ولم يَنهَ عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لِقّتها لا يخفى
فيها المسكر، بل إذا صار مسكراً شقّها غالباً.

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسخ بحديث بُريدة ◌َُّه الآتي
في هذا الباب، أن النبيّ وَّل قال: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ، إلا في الأسقية،
فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَم،
وَالنَّقِيْرِ، قَالَ: قِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا الْحَنْتُمُ؟ قَالَ: الْجِرَارُ الْخُضْرُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٣.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، وشرح الحديث واضح
يُعلم مما مضى.
وقوله: (الْجِرَارُ الْخُضْرُ) الوصف بالخضرة لا مفهوم له، وكأن الجرار
الخضر حينئذ كانت شائعة بينهم، فكان ذِكر الأخضر لبيان الواقع، لا
للاحتراز، أفاده في ((الفتح)) (٢).
وقال في ((العمدة)): ((الحنتم)) - بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح
التاء المثناة من فوقُ ـ وهي جرار خُضْرٌ مدهونةٌ، كانت تُحْمل الخمر فيها إلى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١، كتاب ((الإيمان)).
(٢) ((الفتح)) ١٠/ ٦١.

٦٣١
(٦) - بَابُ الَّهْىٍ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَنْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٥٩)
المدينة، ثم اتُّسِع فيها، فقيل للخزف كله: حنتم، واحدتها حنتمة، وإنما نَهَى
النبيّ وَّ عن الانتباذ فيها؛ لأنها تُسرع الشدةُ فيها لأجل دَهْنِها، وقيل: لأنها
كانت تُعْمل من طين يُعْجَن بالدّمِ، فنُهِي عنها؛ لِيُمْتَنَع عن عملها، قال ابن
الأثير: والأول أوجه. انتهى(١).
وقال في موضع آخر: قال ابن عمر: الحنتم: هي الجرار كلها، وقال
أنس بن مالك: جرار يؤتى بها من مصر مُقَيَّرات الأجواف، وقالت عائشة:
جرار حُمْر أعناقها في جُنُوبها يُجلَب فيها الخمر من مصر، وقال ابن أبي ليلى:
أفواهها في جُنوبها يُجلب فيها الخمر من الطائف، وكانوا يَنبذون فيها، وقال
عطاء: هي جرار تُعمل من طين، ودَمٍ، وشَعْرٍ، وفي ((الْمُحْكَم)): الحنتم: جرار
خُضْرٌ تَضْرِب إلى الحمرة، وفي ((مجّمع الغرائب)): حُمْرٌ، وقال الخطابيّ هي
جرة مَطْليّة بما يَسُدّ مَسَامّ الخزف، ولها التأثير في الانتباذ؛ لأنها كالمزَقَّت،
وقال ابن حبيب(٢): الحنتم الْجَرّ، وكل ما كان من فَخّار أبيض، وأخضر،
وقال المازريّ: قال بعض أهل العلم: ليس كذلك، إنما الحنتم ما طُلِي من
الفَخّار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره. انتهى(٣).
وقال الكرمانيّ: مفهوم الأخضر يقتضي مخالفة حكم الأبيض له، وأجاب
بأن شرط اعتبار المفهوم أن لا يكون الكلام خارجاً مخرج الغالب، وكانت
عادتهم الانتباذ في الجرار الْخُضْر، فذكر الأخضر لبيان الواقع، لا للاحتراز،
وقال الخطابيّ: لم يتعَلَّق الحكم في ذلك بخضرة الجرّ وبياضه، وإنما يتعلّق
بالإسكار، وذلك أن الجرار أوعية متينة قد يتغير فيها الشراب، ولا يَشْعُر به،
فنُهوا عن الانتباذ فيها، وأمروا أن ينتبذوا في الأسقية لرقّتها، فإذا تغيّر الشراب
فيها يُعْلَم حالها، فيُجتنب عنه، وأما ذِكر الخضرة فمن أجل أن الجرار التي كانوا
ينتبذون فيها كانت خُضْراً، والأبيض بمثابته فيه، والآنية لا تُحَرِّم شيئاً ولا تحلله.
(١) ((عمدة القاري)) ١٨٠/٢١.
(٢) وقع في النسخة: ((وقال أبي حبيب))، والظاهر أنه مصحّف من ابن حبيب،
فليُحرّر، والله أعلم.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٥/١.

٦٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وقال ابن عبد البر: هذا عندي كلام خرج على جواب سؤال كأنه قيل:
الجر الأخضر، فقال: لا تنتبذوا فيه فسمعه الراوي، فقال: نَهَى عن الجر
الأخضر.
وأخرجه الشافعي تَخُّْ عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي أوفى:
(نَهَى رسول الله بََّ عن نبيذ الجرّ الأخضر، والأبيض، والأحمر)).
قال العينيّ ◌َّثهُ: حاصل الكلام أن النهي يتعلق بالإسكار، لا بالخضرة،
ولا بغيرها، وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن أبي أوفى أنه كان يشرب نبيذ
الجر الأخضر، وأخرج أيضاً بسند صحيح عن ابن مسعود، أنه كان ينتبذ له في
الجر الأخضر، ومن طريق مَعْقِل بن يسار، وجماعة من الصحابة نحوه.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٦٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ،
حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِوَقْدِ عبد القَيْسِ:
((أَنْهَاكُمْ عَنِ الدَُّّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ - وَالْحَنْتُمُ: الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ -
وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ، وَأَوْكِهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (نُوحُ بْنُ قَيْسٍ) بن رَبَاح الأزديّ الْحُدّانيّ، ويقال: الطاحيّ، أبو
رَوْح البصريّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٨].
رَوَى عن أخيه خالد بن قيس، وتُمامة بن عبد الله بن أنس، وأيوب،
وابن عون، وأبي هارون العبدي، وعمرو بن مالك النُّكريّ، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن هارون، وعفان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن
إسماعيل، ومسدّد، وحميد بن مسعدة، وقتيبة، ونصر بن علي الجهضميّ،
وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، في رواية عثمان الدارميّ عنه: ثقةٌ، وقال أبو
(١) ((عمدة القاري) ٢١/ ١٨٠ بزيادة من ((الفتح)) ١٠/ ٦١.

٦٣٣
(٦) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاِنْنَاذِ فِي الْمُزَقَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْخَنْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٦٠)
داود: ثقةٌ، بلغني عن يحيى أنه ضعّفه، وقال مرةً: يتشيع، وقال النسائيّ: ليس
به بأس، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن معين: هو شيخٌ صالح
الحديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: نوح بن قيس الْحُدّانيّ
كان ينزل سُويقة طاحية، فنُسب إليها .
قال نصر بن عليّ، وابن حبان: مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
(١٩٩٣)، وحديث (٢٠٩٢): ((فصاغ رسول الله وَ ل﴿ خاتماً حَلْقته فضّة ... ))
الحدیث.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
٣ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب والباب الماضي.
وقوله: (لِوَفْدِ عبد القَيْسِ) ((الوفد)) بفتح، فسكون: القوم يجتمعون،
ويَرِدون البلاد، واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة،
واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، قاله ابن الأثير(١).
وفي ((الصحاح)): وَفَدَ فلانٌ على الأمير رسولاً، والجمع وَفْدٌ، وجمع
الوافد أوفاد، والاسم الوٍفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير؛ أي: أرسلته، وفي
((المغيث)): الوفد قوم يجتمعون، فيَرِدُون البلاد، وكذا ذكره الفارسيّ في ((مجمع
الغرائب))، وقال صاحب ((التحرير)): والوفد: الجماعة المختارة من القوم،
ليتقدّموهم إلى لُقِيّ العظماء، والمصير إليهم في المهمات، وقال القاضي: هم
القوم يأتون المَلِك رِكاباً، ذكره في ((العمدة))(٢).
و((عبد القيس)): أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بفتح الهمزة، وسكون الفاء،
وبالصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْميّ - بضم الدال المهملة، وسكون العين
المهملة، وبیاء النسبة ۔ ابن جدیلة - بفتح الجیم - ابن أسد بن ربيعة بن نِزار،
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) ص ٩٨٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٤/١.

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القطيف، والأحساء، وما بين هجر إلى الديار
المصرية، ذكره في ((العمدة))(١)
وقوله: (أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ) بضمّ الدال، وتشديد الباء، وبالمدّ، وقد
يُقصر، وقد تُكسر الدال، وهو: اليقطين اليابس؛ أي: الوعاء منه، وهو القَرْع،
وهو جمعٌ، والواحدة دُبّاءة، ومن قصر قال: دُبّاة، قال عياض: ولم يحك أبو
عليّ، والجوهريّ غير المد. انتهى (٢).
وقوله: (وَالنَّقِيرِ) - بفتح النون، وكسر القاف -، وسيأتي تفسيره في الباب
بأنه چِذْعٌ ینقُرون وسطه، وینبذون فيه.
وقوله: (وَالْمُقَيَّرِ) - بضمّ الميم، وفتح القاف، وتشديد الياء المفتوحة -؛
أي: المطليّ بالقار، وفي حديث ابن عبّاس: ((والمزفّت)) - بتشديد الفاء -؛
أي: المطلي بالزِّفت؛ أي: القار بالقاف، ويقال: الزفت نوع من القار، وقال
ابن سِيدَهْ: هو شيء أسود، يُظْلَى به الإبل، والسُّفُنُ، وقال أبو حنيفة(٣): إنه
شجرٌ مُرّ، والقار يقال له: القِير بكسر القاف، وسكون الياء آخر الحروف،
قيل: هو نبت يُحْرَق إذا يبس يطلى به السُّفن وغيرها، كما يطلى بالزِّفْت، ذكره
في ((العمدة)) (٤).
وقوله: (وَالْحَنْتَمُ: الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ) قال النوويّ كَلَّقُ: هكذا هو في
جميع النُّسخ ببلادنا: ((والحنتم المزادة المجبوبة))، وكذا نقله القاضي عياضٌ
عن جماهير رواة ((صحيح مسلم))، ومعظم النُّسخ، قال: ووقع في بعض
النُّسخ: ((والحنتم، والمزادة المجبوبة))، قال: وهذا هو الصواب، والأُولى
تغيير، وَوَهمٌ، قال: وكذا ذكره النسائيّ: ((وعن الحنتم، وعن المزادة
المجبوبة))، وفي سنن أبي داود: ((والحنتم، والدباء، والمزادة المجبوبة))، قال:
وضَبَظْناه في جميع هذه الكتب: ((المجبوبة)) بالجيم، وبالباء الموحّدة المكررة،
قال: ورواه بعضهم: ((المخنوثة)) بخاء معجمة، ثم نون، وبعد الواو ثاء مثلّثة،
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٤/١ - ٣٠٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٥/١.
(٣) هو الدِّينوريّ اللغويّ، لا الإمام الفقيه المشهور، فتنبّه.
(٤) ((عمدة القاري)) ٣٠٥/١.

٦٣٥
(٦) - بَابُ الَّهْىِ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْمُزَقَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَتْتُم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٦١)
كأنه أخذه من اختناث الأسقية المذكورة في حديث آخر، وهذه الرواية ليست
بشيء، والصواب الأول أنها بالجيم، قال إبراهيم الحربيّ، وثابت: هي التي
قُطع رأسها، فصارت كهيئة الدَّنّ، وأصل الْجَبّ القطع، وقيل: هي التي قُطِع
رأسها، وليست لها عَزْلاء من أسفلها، يَتنفّس الشراب منها، فيصير شرابها
مسکراً، ولا يُدری به. انتهى.
و ((المزادة)) بفتح الميم: هي الراوية، أو لا تكون إلا من جلدين تُقْأَمُ
بثالث بينهما لتّسع، جمعه مزاد، ومزايد، قاله المجد (١).
وقوله: (وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ) بكسر السين، ككساء: جلدُ السَّخْلة إذا
أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه أسقيةٌ، وأسقياتٌ، وأساقٍ، قاله المجد(٢).
وقوله: (وَأَوْكِهِ) - بقطع الهمزة - أمْر من أوكى، يقال: أوكيت السقاء
بالألف: شددت فمه بالوكاء، ووكيته، من باب وعد لغة قليلة، والوكاء
ككتاب: حَبْلٌ يُشدّ به رأس القربة، أفاده الفيّوميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: وعلى اللغة الأخيرة يجوز وصل الهمزة هنا.
قال النوويّ: قال العلماء: معناه: أن السقاء إذا أُوكي أُمِنت مفسدة
الإسكار؛ لأنه متى تغيّر نبيذه، واشتدّ، وصار مسكراً شَقّ الجلد الْمُوكَى، فما
لم يشقّه لا يكون مسكراً، بخلاف الدباء، والحنتم، والمزادة المجبوبة،
والمزفّت، وغيرها من الأوعية الكثيفة، فإنه قد يصير فيها مسكراً، ولا يُعْلَم.
(٣)
انتھی(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٦١] (١٩٩٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ (ح)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ
- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ
الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يُنْتَبَذَ(٤) فِي الدُّبَّاءِ،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٥٨٣.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٦٠/١٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٢٤.
(٤) وفي نسخة: ((أن يُنبذ)).

٦٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وَالْمُزَقَّتِ، هَذَا حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَفِي حَدِيثٍ عَبْثَرٍ، وَشُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَّهَى عَنِ
الدَُّّاءِ، وَالْمُزَّفَّتِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ) أبو عثمان الكوفي، ثقة [١٠] (م س)
تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (عَبْثَرُ) بن القاسم الزُّبيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٩) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٥/٤٨.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً .
٤ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ
يُغرب [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣.
٥ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظ قارىء، يدلّس [٥] (٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) ابن يزيد بن شريك أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابد
يرسل ويدلّس [٥] (ت٩٢) وله أربعون سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٧ - (الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢].
روى عن ابن مسعود، وعمر، وعليّ، وعمرو بن ميمون الأوديّ.
وروى عنه إبراهيم التيميّ، وعمارة بن عمير، وثمامة بن عقبة، وأشعث بن
أبي الشعثاء، وغيرهم.
قال عبد الله: ذكره أبي، فعَظّم شأنه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: ثقة، وقال ابن معين أيضاً: إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سويد، عن
عليّ ما بالكوفة أجود إسناداً منه.
قال ابن سعد: تُؤُفّي في آخر خلافة عبد الله بن الزبير، وأرّخه ابن أبي
خيثمة سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
صلى عليه عبد الله بن يزيد، وقال ابن عيينة: كان الحارث من عِلْيَة أصحاب
ابن مسعود، وقال العجليّ: ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط هذا (١٩٩٤)،

٦٣٧
(٦) - بَابُ الَّهْىِ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدَُّّاءِ، وَالْحَنْتَم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٦٢)
وحديث (٢٥٧١): ((أجل إني أُوعك كما يوعك رجلان منكم ... )) الحديث،
و(٢٦٠٨): «ما تعُدّون الرقوب فيكم؟ ... )) الحديث، و(٢٧٤٤): ((لَلَّه أشدّ
فرحاً بتوبة عبده ... )) الحديث.
٨ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب رَظُه تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين، وشرح الحديث واضح،
يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ رَظُهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٦١/٦] (١٩٩٤)، و(البخاريّ) في ((الأشربة))
(٥٥٩٤)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٣٠٥/٨) و((الكبرى)) (٢٢٠/٣)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٨٣/١ و١٣٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١١٩/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٦٢] (١٩٩٥) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ
لِلأَسْوَدِ: هَلْ سَأَلْتَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَذَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَا أُمَّ
الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ، قَالَتْ: نَهَانَا أَهْلَ
الْبَيْتِ أَنْ نَتْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَا ذَكَرَتِ الْحَنْتَمَ، وَالْجَرَّ؟
قَالَ: إِنَّمَا أُحَدَّثُكَ بِمَا سَمِعْتُ، أَأُحَدَّتُكَ (١) مَا لَمْ أَسْمَعْ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه
يرسل كثيراً [٥] (٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
(١) وفي نسخة: ((أأحدّثكم)).

٦٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
٣ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن،
مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٢] (٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
٤ - (أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) عائشة ◌َّا، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
شرح الحديث :
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِلأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ، وهو
خال إبراهيم الراوي عنه، (هَلْ سَأَلْتَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) عائشة ضِفَنَا (عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ
يُنْتَبَذَ فِيهِ؟) ببناء الفعلين للمفعول؛ أي: عن الوعاء الذي يُكره الانتباذ فيه؟
(قَالَ) الأسود (نَعَمْ) سألتها عنه، ثم فسّر ((نعم)) بقوله: (قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبِرِينِي عَمَّا نَهَى) بالبناء للفاعل، و((ما)) موصولة، لا استفهاميّة، ولذا لم
تُحذف ألفها. (عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية
البخاريّ: ((قلت: يا أمّ المؤمنين عَمَّ نَهَى النبيّ وَلِّ أن يُنتبذ فيه؟))؛ أي:
أخبريني عما نهى، و((عمّ)) أصلها ((عن ما)) فَأدغمت النون في ميم، وحُذفت
ألفها؛ لكونها استفهاميّةً بخلافها في رواية مسلم، فإنها موصولة، كما أسلفته
آنفاً. (قَالَتْ: نَهَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بالنصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أهل
البيت، قال في ((الخلاصة)):
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ ((يَا)) كَـ«أَيُّهَا الْفَتَى)» بِإِثْرِ «ارْجُونِيَا)»
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ ((أَيِّ)) تِلْوَ ((أَلْ))
كَمِثْلِ («نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ)»
ويَحْتَمَلِ نَصْب ((أهلَ)) على أنه عطف بيان، أو بدل لـ(نا)).
(أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدَُّّاءِ، وَالْمُزَقَّتِ، قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ لَهُ)؛ أي: للأسود،
(أَمَا ذَكَرَتِ) عائشة (الْحَنْتَمَ، وَالْجَرَّ؟)؛ أي: مع الدبّاء، والمزفّت، (قَالَ)
الأسود (إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ بِمَا سَمِعْتُ) منها، (أَأُحَدِّثُكَ) وفي بعض النُّسخ:
(أأحدثكم؟)) (مَا لَمْ أَسْمَعْ؟) وهو استفهام إنكاريّ، وإنما استفهم إبراهيم عن
الحنتم والجرّ؛ لاشتهار الحديث بالنهي عن الانتباذ في الأربعة، ولعلّ هذا هو
السرّ في التقييد بأهل البيت، فإن الدبّاء والمزفّت كان عندهم متيسّراً، فلذلك

٦٣٩
(٦) - بَابُ النَّهْيِ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْمُؤَنَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَتْتَم، ... إلخ - حديث رقم (٥١٦٣ -٥١٦٤)
خصّ نهيهم عنهما، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦ / ٥١٦٢ و ٥١٦٣ و٥١٦٤ و٥١٦٥ و٥١٦٦
و٥١٦٧] (١٩٩٥)، و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٥٩٥)، و(النسائيّ) في
((الأشربة)) (٣٠٥/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٥/٦ و١٣٣ و١٧٢ و٢٠٣
و٢٧٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَئِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ،
وَالْمُزَقَّتِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ -
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَسُلَيَّمَانُ، وَحَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((الفتح)) ٦٣٩/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٩٥).

٦٤٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
٢ - (حَمَّاهُ) بن أبي سليمان مسلم الأشعريّ مولاهم، أبو إسماعيل
الكوفيّ الفقيه، صدوقٌ، له أوهامٌ، ورُمي بالإرجاء [٥].
روى عن أنس، وزيد بن وهب، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير،
وعكرمة، وأبي وائل، وإبراهيم النخعيّ، والحسن، وعبد الله بن بريدة،
والشعبيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وعاصم الأحول، وشعبة، والثوريّ، وحماد بن
سلمة، ومِسْعَر بن كِدام، وهشام الدستوائيّ، وأبو حنيفة، وغيرهم.
قال أحمد: مقارب، ما روى عنه القدماء سفيان وشعبة، وقال أيضاً:
سماع هشام منه صالح، قال: ولكن حماد - يعني: ابن سلمة - عنده عنه تخليط
كثير، وقال أيضاً: كان يُرمَى بالإرجاء، وهو أصح حديثاً من أبي معشر -
يعني: زياد بن كُليب - وقال مغيرة: قلت لإبراهيم: إن حماداً قعد يفتي،
فقال: وما يمنعه أن يفتي، وقد سألني هو وحده عما لم تسألوني كلكم عن
عُشره، وقال ابن شُبرمة: ما أحدٌ أمنّ عليّ بعلم من حماد، وقال معمر: ما
رأيت أفقه من هؤلاء: الزهري، وحماد، وقتادة، وقال بقية: قلت لشعبة:
حماد بن أبي سليمان؟ قال: كان صدوق اللسان، وقال ابن المبارك عن شعبة:
كان لا يحفظ، وقال القطان: حماد أحب إلي من مغيرة، وكذا قال ابن معين،
وقال: حماد ثقةٌ، وقال أبو حاتم: حماد هو صدوق لا يُحتجّ بحديثه، وهو
مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شَوَّش، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وكان أفقه
أصحاب إبراهيم، وقال النسائيّ: ثقة إلا أنه مُرجىء، وقال ابن عديّ: وحماد
كثير الرواية خاصّة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد، وغرائب، وهو متماسك
في الحديث، لا بأس به.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات سنة (١٢٠)، وقال غيره: سنة (١١٩)،
وهو قول البخاريّ، وابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء، وكان مرجئاً،
وكان لا يقول بخلق القرآن، ويُنكر على من يقوله، ونقل ابن سعد أنهم أجمعوا
على أنه مات سنة عشرين؛ أي: ومائة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.