Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١)
له رسول الله وَله: ((بم ساررته؟)) قال: أمرته ببيعها، فقال: ((إن الذي حرَّم
شربها، حرم بيعها))، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، فهذا حديث يدل
على ما ذكرناه، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة، لبيَّنه رسول الله وَ له،
كما قال في الشاة الميتة: ((هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به ... ))
الحدیث.
[تنبيه]: إنما أهدى هذا الرجل الراوية لأنه لم يبلغه الناسخ، وكان
متمسكاً بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلاً على أن الحكم لا يرتفع بوجود
الناسخ، كما يقوله بعض الأصوليين، بل ببلوغه، كما دلّ عليه هذا الحديث،
وهو الصحيح؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ لم يوبخه، بل بيَّن له الحكم، ولأنه مخاطب
بالعمل بالأول، بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل
في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء، إذ كانوا يصلّون إلى بيت المقدس،
إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة، أفاده القرطبيّ تَخُّْهُ
في «تفسيره))(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد، والشطرنج
قماراً، أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لمّا حرّم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها،
فقال: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا
يُرِيِدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [المائدة: ٩١]،
فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصَدّ
عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله.
[فإن قيل]: إن شرب الخمر يورث السكر، فلا يقدر معه على الصلاة،
وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى.
[قيل له]: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما
جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدّان عن ذكِر الله، وعن
الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت، فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله
افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم؛ لأجل ما اشتركا فيه من
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٨٩/٦.

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
المعاني، وأيضاً فإن قليل الخمر لا يُسكر، كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا
يسكر، ثم كان حراماً مثل الكثير، فلا يُنْكَر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج
حراماً مثل الخمر، وإن كان لا يسكر، وأيضاً فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة،
فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما
حرمت لأنها تسكر، فتَصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد
والشطرنج؛ لأنه يغفل ويُلهي، فيصد بذلك عن الصلاة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢) - (بَابُ تَحْرِيمٍ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٢] (١٩٨٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ
(ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ
يَحْبَى بْنِ عَبَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َلِّ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ، تُتَّخَذُ خَلَ؟ فَقَالَ: ((لَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم قريباً .
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (السُّدِّيُّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد
الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالتشيّع [٤] (ت١٢٧) (م ٤) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٦٤٠/٨.
[تنبيه]: قوله: ((السّدّيّ)) بضمّ السين، وتشديد الدال المهملتين: نسبة إلى
سُدّة المسجد الجامع بالكوفة، كان يبيع بها المقامع، والسّدّة: الباب،
و((المقامع)): ما تلفّ به المرأة رأسها، وهو السدّي الكبير الأعور.
وأما السديّ الصغير، فهو محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن
عبد الرحمن حفيد السدّيّ الكبير هذا، يروي التفسير عن الكلبيّ، وكان ضعيفاً

٥٨٣
(٢) - بَابُ تَحْرِيمِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٢)
منكر الحديث، أفاده في ((اللباب))(١)، وقال في ((التقريب)): متّهم بالكذب(٢).
٥ - (يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ) بن شيبان بن مالك الأنصاريّ السلميّ، أبو هبيرة
الكوفيّ، يقال: إنه ابن بنت البراء بن عازب، ويقال: ابن بنت خَبّاب بن
الأرتّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وجدّه أبي يحيى شيبان، وله صحبة، وأنس، وجابر، وأم
الدرداء، وسعيد بن جبير، وأرسل عن خَبّاب بن الأرتّ، وأبي هريرة.
وروى عنه سليمان التيميّ، وليث بن أبي سُليم، ومجالد بن سعيد،
وعبد المجيد بن سهيل، وإسماعيل السُّدّيّ، ومِسْعر، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ، وقال ليث، عن
مجاهد: أحبّ أهل الكوفة إليّ أربعة، فذكره فيهم، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: مات في ولاية يوسف بن عُمَر على العراق.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
من المكثرين السبعة.
أنس
شرح الحديث :
(عَنْ أَنَسِ) رَبُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ)؛ أي: حكمها، وقوله:
(تُتَّخَذُ خَلَّّ؟) بالبناء للمفعول، جملة في محلّ نصب على الحال من ((الخمر))،
ويَحْتَمل أن تكون في محل جرّ نعتاً على تقدير أن المعرَّف بـ((أل)) الجنسيّة في
معنى النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
(١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١١٠/٢.
(٢) ((التقريب)) ص٣١٨.

٥٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
و((الْخَلُّ)) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام: قال ابن سِيدَهْ: هو: ما
حَمُض من عصير الْعِنَب وغيره، وقال ابن دُريد: هو عربيّ صحيح، وفي الحديث:
(نِعْم الإدام الخلّ))، واحدته خَلّة، يُذهب بها إلى الطائفة منه، قاله في ((اللسان))(١).
(فَقَالَ) ◌َِّ ((لَا)))؛ أي: لا تتخللوا الخمر، فإنه لا يجوز، قال
النوويّ تَخَّتُهُ: هذا دليل الشافعيّ والجمهور أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا
تطهر بالتخليل، هذا إذا خلّلها بخبز، أو بَصَل، أو خَمِيرة، أو غير ذلك، مما
يُلْقَى فيها، فهي باقية على نجاستها، وينجس ما أُلقي فيها، ولا يطهر هذا
الخل بعده أبداً، لا بغسل، ولا بغيره، أما إذا نُقِلت من الشمس إلى الظلّ، أو
من الظل إلى الشمس، ففي طهارتها وجهان لأصحابنا: أصحهما تطهر، وهذا
الذي ذكرناه من أنها لا تطهر إذا خُلِّلت بإلقاء شيء فيها، هو مذهب الشافعيّ،
وأحمد، والجمهور، وقال الأوزاعيّ، والليث، وأبو حنيفة: تطهر، وعن مالك
ثلاث روايات: أصحها عنه: أن التخليل حرام، فلو خللها عصى، وطَهُرت،
والثانية: حرام، ولا تطهُر، والثالثة: حلال، وتطهر، وأجمعوا على أنها إذا
انقلبت بنفسها خلّاً طهرت، وقد حُكِيَ عن سحنون المالكيّ أنها لا تطهر، فإن
صحّ عنه فهو محجوج بإجماع من قبله، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن القول بنجاسة الخمر وإن قاله
الجمهور فهو محلّ نظر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: نهيه وَل ◌َ عن اتخاذ الخمر خلّاً ظاهرٌ في تحريم
ذلك، وبه قالت طائفة من أهل العلم، ورُوي عن عمر رَُّه، وبه قال الزهريّ،
وكرهه مالك، وقال أبو حنيفة: لا بأس بأن يتخذ الخمر خلّاً، وكيف يصحُّ له
هذا مع هذا الحديث؟ ومع سببه الذي خرج عليه، وهو: أن أنساً روى أن أبا
طلحة سأل النبيّ وَلهم عن أيتام ورثوا خمراً أنجعله خلّاً؟ قال: ((لا))(٣)، فهراقه،
(١) (لسان العرب)) ٢١١/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٢/١٣.
(٣) حديث صحيح، رواه أبو داود في ((سننه)) (٣٢٦/٣) ولفظه: أن أبا طلحة سأل
النبيّ وَ﴿ عن أيتام وَرِثُوا خمراً، قال: ((أهرقها))، قال: أفلا أجعلها خلّاً؟ قال:
((لا))، ورواه أحمد في ((مسنده)) ٢٦٠/٣.

٥٨٥
(٢) - بَابُ تَحْرِيمٍ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٢)
فلو كان هذا جائزاً لكان قد ضيَّع على الأيتام مالهم، ولوجب الضمان على من
أراقها عليهم، وهو: أبو طلحة، وكل ذلك لم يلزم، فدلَّ ذلك على فساد ذلك
القول.
وهذا الحديث أيضاً يدلّ على أن الخمر لا تُملك بوجه، وهو مذهب
الشافعيّ، وقال بعض المالكيّة: إنَّها تُملك، وليس بصحيح؛ إذ لا تُقرُّ تحت يد
أحد من المسلمين، ولا يجوز له التصرُّف فيها إلا بالإراقة، ولا يُنتفع بها،
فأيّ معنى لقول من قال: إنه يملكها؟! غير أنه يُطلق لفظ التمليك بالمجاز
المحض، والله أعلم.
[تنبيه]: لو تخلَّلت الخمر بأمر من الله وَك حلَّت، ولا خلاف في ذلك
على ما حكاه القاضي عبد الوهاب، فأمَّا لو خلَّلها آدميّ فقد أَثِمَ؛ لاقتحامه
النهي، ثم إنها تحلّ وتطهر، على الرواية الظاهرة عن مالك، وعنه رواية
أخرى: أنها لا تحل تغليظاً على المقتحم.
قال الجامع: هذا القول هو الصحيح؛ للنهي في هذا الحديث، وهو
للتحريم، والتحريم يقتضي الفساد، والله تعالى أعلم.
وقال الشافعيّ: إنها تحلّ وهي على النجاسة، قال القرطبيّ: وهذا
ضعیف لوجهین:
أحدهما: بأنه منتقضُ بما إذا تخلَّلت بنفسها .
والثاني: أن الموجب للتحريم والتنجيس وهو الشدَّة؛ قد زال، فيزول
الحكم.
فإن قيل: هَبْكَ أن الشدة قد زالت، لكن بقيت علَّة أخرى للتَّنجيس وهو
مخالطة الوعاء النجس فإنَّه تنجَّس بالخمر، فلما استحالت عينها للخَلِّيَّة بقيت
ممازجته للوعاء النجس، فتنجست بما خالطها من نجاسة الوعاء.
فالجواب: أن الوعاء حين استحالت الخمر خلّاً طاهرٌ لطهارة ما تعلق به
فيه؛ إذ هو الآن جزء من الخل الذي في الوعاء.
فإن قيل: فيلزم على هذا أن يزول حكم النجاسة عن المحل بغير الماء،
وليس بأصلكم؟ .
فالجواب: إنا وإن لم يكن ذلك أصلنا، فقد خرج عن ذلك الأصل الكلِّيِّ

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
فروع: كالْمَخْرَجين، وذيل المرأة، والخفّ، والنعل إذا تعلقت بها أرواث
الدواب، وكالسَّيف الصقيل، وغير هذا مِمَّا استثني عن ذلك الأصل بحكم
الدليل الخاصّ، فيمكن أن تَلْحق هذه المسألة بتلك المواضع، والتحقيق في
الجواب ما أشرنا إليه، من أن عين ما حكمنا بنجاسته لأجله قد طهر، فالمتعلق
به الآن طاهرٌ لا نجس، فالوعاء ليس بنجس. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ .
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن القول بنجاسة الخمر، محلّ نظر،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس
◌ُّه هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٣٢/٢] (١٩٨٣)، و(أبو داود) في ((الأشربة))
(٣٦٧٥)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٩/٣
و١٨٠ و٢٦٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣٧/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل الخمر:
قال أبو عبد الله القرطبيّ تَظْتُ في ((تفسيره)): ذهب جمهور الفقهاء إلى أن
الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو أجاز تخليلها، ما كان رسول الله وقتل﴾ ليدع
الرجل أن يفتح المزادة، حتى يذهب ما فيها (٢)؛ لأن الخل مال، وقد نَهَى عن
(١) ((المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٦٠/٥ - ٢٦١.
(٢) يعني به: ما تقدّم لمسلم في ((البيوع)) عن عبد الرحمن بن وَعْلة السَّبَئيّ من أهل
مصر أنه سأل عبد الله بن عباس عما يُعصَر من العنب، فقال ابن عباس: إن رجلاً
أهدى لرسول الله صل* راوية خمر، فقال له رسول الله وَّيقول: ((هل علمت أن الله قد
حرّمها؟)) قال: لا، فسارّ إنساناً، فقال له رسول الله وَلقال: ((بم ساررته؟)) فقال:
أمرته ببيعها، فقال: ((إن الذي حرَّم شربها حرّم بيعها))، قال: ففتح المزاد حتى
ذهب ما فيها. انتهى.

٥٨٧
(٢) - بَابُ تَحْرِيمٍ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٢)
إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمراً على مسلم، أنه أتلف له مالاً،
وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم، واستؤذن وَّر في تخليلها، فقال:
(لا))، ونهى عن ذلك، ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، من أهل الحديث
والرأي، وإليه مال سحنون بن سعيد.
وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة
آدميّ، أو غيرها، وهو قول الثوريّ، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، والكوفيين.
وقال أبو حنيفة: إن طُرح فيها المسك، والملح، فصارت مُرَبَّى،
وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن في المربى، وقال:
لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي
الدرداء، وهو ما يُروَى عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء من وجه
ليس بالقوي، أنه كان يأكل المربى منه، ويقول: دبغته الشمس والملح، وخالفه
عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر، وليس في رأي
أحد حجة مع السُّنَّة، وبالله التوفيق.
وقد يَحْتَمِل أن يكون المنع من تخليلها، كان في بدء الإسلام عند نزول
تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لِقُرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك،
وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ، والأمر بإراقتها ما يمنع
من أَكْلها إذا خُلُّلت.
ورَوَى أشهب عن مالك قال: إذا خلَّل النصراني خمراً فلا بأس بأكله،
وكذلك إن خللَّها مسلم، واستغفر الله، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في
كتابه، والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم، وابن وهب أنه لا يحل
لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلاً، ولا يبيعها، ولكن ليهرقُهَا .
ولم يختلف قول مالك وأصحابه، أن الخمر إذا تخللت بذاتها، أنَّ أكل
ذلك الخل حلال، وهو قول عمر بن الخطاب، وقبيصة، وابن شهاب، وربيعة،
وأحد قولي الشافعيّ، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. انتهى(١).
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٩٠/٦.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من
أن تخليل الخمر حرام، لا يجوز لمسلم أن يفعله، فلو فعله لا تكون حلالاً هو
الحقّ؛ لوضوح حجته، فإن حديث الباب صريح في النهي، والنهي للتحريم،
فتبصّر .
وأما مسألة كون الخمر نجسة، فقد قدّمنا أنه وإن ذهب إليه الجمهور، إلا
أنه لا دليل عليه، فالقول بطهارتها أظهر دليلاً، فتأمل بالإمعان، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣) - (بابُ تَحْرِيم التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٣] (١٩٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ
لاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ، عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ
النَّبِيَّ بَّهِ عَنِ الْخَّمْرِ، فَنَهَا، أَوْ تُرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ،
فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذُّهليّ البكريّ، أبو
المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١١٣) (خت م
٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ) بن حُجْرِ الْحَضرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٣ - (وَائِلُ الْحَضْرَمِيُّ) ابن حُجْر بن سعد بن مسروق الحضرميّ الصحابيّ
الجليل، كان من ملوك اليمن، ثم نزل الكوفة، ومات في خلافة معاوية طرحها (ز
م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
والباقون تقدّموا قبل بابين.

٥٨٩
(٣) - بابُ تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٣)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم
الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ) ابن حُجر (الْحَضْرَمِيِّ) بفتح الحاء
المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء، آخره ميم: نسبة إلى
حضرموت، وهي من أقصى بلاد اليمن، ونسبة أيضاً إلى حضرموت القبيلة
المشهورة، ووائل هذا منسوب إليها، لا إلى البلد، كما حققه ابن الأثير في
((اللباب))، متعقّباً على السمعاني حيث ادّعى الأول(١). (أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ
الْجُعْفِيَّ) ويقال: سويد بن طارق، ويقال أيضاً: الحضرميّ، قال في
((الإصابة)): طارق بن سُويد الحضرميّ، أو الجعفيّ، ويقال: سُويد بن طارق،
قال ابن منده: وهو وَهَمِّ، وقال ابن السكن، والبغويّ: له صحبة، وروى
البخاريّ في ((تاريخه))، وأحمد، وابن ماجه، والبغويّ، وابن شاهين، من طريق
حماد بن سلمة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سُويد، قال:
قلت: يا رسول الله إن بأرضنا أعناباً نعتصرها، فنشرب منها، قال: ((لا))،
وأخرجه أبو داود، من طريق شعبة، عن سماك، فقال: سأل سُويد بن طارق،
أو طارق بن سُويد، وقال البغويّ: رواه غير حماد، فقال: سُويد بن طارق،
والصحيح عندي: طارق بن سويد، وقد أخرجه ابن شاهين، من طريق
إبراهيم بن طهمان، عن سماك، كما قال حماد بن سلمة سواءً، ونسبه جُعْفيّاً،
وقال أبو زرعة: طارق بن سويد أصحّ، وقال ابن مندهْ: سويد بن طارق وَهَمِّ،
وجزم أبو زرعة، والترمذيّ أيضاً، وابن حبان بأنه طارق بن سويد، وعكس أبو
حاتم، وقال البخاريّ: قال شريك، عن سماك: طارق بن زياد، أو زياد بن
طارق، وقال أبو النضر، عن شعبة، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه: سأل
سُويد بن طارق، وجعله من مسند وائل، وجزم بأنه سويد بن طارق، وأخرجه
(١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٣٧٠.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
ابن قانع من رواية شريك، عن سماك، فقال: طارق بن زياد، ولم يشكّ.
ورواه ابن منده من طريق وهب بن جرير، عن شعبة كذلك، لكن قال:
عن أبيه وائل الحضرميّ، عن سويد بن طارق، أو طارق بن سويد، رجل من
جُعْفَی.
ورواه ابن السكن، والبغويّ من طريق غندر، عن شعبة، فقال: عن
علقمة بن وائل، أن طارق بن سويد سأل، قال ابن السكن: قال أسامة، وأبو
عامر، وأبو النضر، عن شعبة: إن سويد بن طارق، وقال وهب، وأبو داود،
عن شعبة: إن سويد بن طارق، أو طارق بن سويد، قال: والصواب قول
غندر .
ورواه إسرائيل، عن سماك، فاختلف عليه هل هو طارق بن سويد، أو
سويد بن طارق؟ وفيه اختلاف آخر على سماك. انتهى(١).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): وقال البغويّ: الصحيح عندي: طارق بن
سويد، وكذا قال أبو عليّ بن السكن، وقال ابن منده: سويد بن طارق وَهَمُ.
(٢) .
انتھی
وقال في ((تهذيب الكمال)): قال أبو عمر بن عبد البرّ: حديثه في الشراب
صحيح الإسناد. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد كثر الاختلاف في اسمه، فالذي يظهر لي أن
ما في ((صحيح مسلم)) من أنه طارق بن سويد الجعفيّ هو الصواب، كما هو
رأي مسلم، وكما قال البغويّ، وابن السكن، وغيرهما، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(سَأَ النَّبِيَّ نَّهِ عَنِ الْخَمْرِ) ولفظ حديثه، كما في ((مسند الإمام أحمد)»:
من رواية علقمة بن وائل، عن طارق بن سويد الحضرميّ أنه قال: قلت: يا
رسول الله إن بأرضنا أعناباً نعتصرها، فنشرب منها؟ قال: ((لا))، فعاودته،
فقال: ((لا))، فقلت: إنا نستشفي بها للمريض، فقال: ((إن ذاك ليس شفاء،
(١) (الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٠٨/٣ - ٥٠٩.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٤/٥.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٣٤٠/١٣.

٥٩١
(٣) - بابُ تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٣)
ولكنه داء)). (فَنَهَا) وَلَهُ (أَوْ كَرِهَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، إما علقمة، أو من
دونه، قال شيخه: ((فنها))، أو قال: «كَرِهِ)). (أَنْ يَصْنَعَهَا)؛ أي: يعتصر الخمر،
(فَقَالَ) طارق (إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ)؛ أي: لأجل أن أداوي بها المرضى،
(فَقَالَ: ((إِنَّهُ)؛ أي: إن المصنوع من الخمر (لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاء))) ولكونه
داء أسكر شاربه، فأزال عقله، فأي مرض أشدّ من فقدان العقل الذي هو مدار
التكليف، ومعدن التشريف؟ فما شرّف الإنسان على غيره من الحيوان إلا به،
فسبحان من أكرم العقلاء، وميّزهم من البهائم، وسائر الحيوانات بما ركّبه فيهم
من هذا العقل الشريف، ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةِّ وَلَهُ
[القصص: ٧٠].
الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[فائدة]: ذَكَر بعض المحقّقين أن كلّ ما يقوله الأطباء من المنافع في
الخمر، وشربها، كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس قبلُ، وأما بعد
نزول آية ((المائدة))، فإن الله تعالى الخالق لكل شيء سَلَبها المنافع جملةً، فليس
فيها شيء من المنافع، وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا بحثٌ نفيسٌ جدّاً، وهو الذي يشهد له
حديث الباب، فقد قال وسلّ لَمّا قال له طارق: إنما أصنعها للدواء: ((إنه ليس
بدواء، ولكنه داء»، فصرّح بأن الخمر داء، وليس فيه دواءٌ، فليتنبّه العاقل لهذا
البحث الدقيق، فإنه جامع مانع، فمن ادّعى بعد هذا أن الخمر فيها دواء لكذا
وكذا من الأمراض، فقد عاند النصّ الصريح الذي أخبرنا بسلب الله ◌ُعَالَ عنها
النفع على الإطلاق، ﴿وَلَا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حجر ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
[تنبيه]: أخرج مسلم كَُّ هنا رواية علقمة عن أبيه، ((أن طارق بن سويد
سأل ... إلخ)) فجعله من مسند وائل بن حُجر، لا من مسند طارق نفسه،
فالظاهر أنه يرجّح هذه الرواية، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، فمنهم من جعله
(١) راجع: ((سبل السلام شرح بلوغ المرام)) للصنعانيّ كذُّ ٣٦/٤.

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
من مسند طارق، قال المقدسيّ تَخّْثُ في ((المختارة)) بعد ذكر الاختلاف ما
نصّه: فيكون - والله أعلم - سمعه علقمة بن وائل من أبيه، ومن طارق بن
سويد. انتهى(١)، فكأنه يرى أن الحديث محفوظ من كلتا الطريقين.
ويرى الشيخ أحمد محمد شاكر كَُّهُ في تعليقه على ((المحلّ)) ترجيح
کونه من مسند وائل ابن حجر، كما هو رأي مسلم، ودونك عبارته:
قال - ردّاً على ابن حزم في تضعيفه الحديث بسماك بن حرب بأنه يقبل
التلقين - قال: سماك بن حرب ثقةٌ، وكان تغيّر في آخر حياته، فربّما لُقْن،
ولذلك كان من سمع منه قديماً، مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم صحيح
مستقيم، وهذا الحديث رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والطيالسيّ، وأحمد
كلهم من طريق شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، وفي لفظ
أحمد: ((أنه شهد النبيّ وَ له ... إلخ))، ورواه أحمد أيضاً من طريق إسرائيل،
عن سماك، وفي جميع هذه الروايات الحديث من رواية وائل بن حُجْر.
ورواه أحمد، وابن ماجه من طريق حماد بن سلمة، عن سماك، عن
علقمة بن وائل، عن طارق بن سُويد، فجعله حماد من مسند طارق، وهو
مُحْتَمِل، إلا أني أرجّح خطأ حماد في هذا، فقد خالفه شعبة، وإسرائيل - وهما
أحفظ منه - فجعلاه من مسند وائل بن حجر والدٍ علقمة، ويؤيّد هذا أن علقمة
روى الشكّ في اسم طارق بن سُويد، فلو كان رُوي عنه الحديث مباشرة لرفع
هذا الشكّ، والحديث فيما نرى صحيح من طريق شعبة، وإسرائيل، والله
أعلم. انتهى كلام الشيخ أحمد شاكر نَّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث الذي كتبه الشخ أحمد شاكر تَُّ
بحث نفيس جدّاً، خلاصته ترجيح ما رجّحه مسلم تخلّثهُ، من كون الحديث من
مسند وائل بن حُجر، لا من مسند طارق بن سُويد، كما هو رواية حماد بن
سلمة، وذلك لاتفاق شعبة وإسرائيل عليه، ومخالفة حماد بن سلمة لهما لا
تؤثّر في ذلك؛ لأنه دونهما في الحفظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) ((الأحاديث المختارة)) ١٠٨/٨.
(٢) راجع: ((تعليق أحمد محمد شاكر كَّفُ)) على ((المحلّى)) لابن حزم تَخَذَتهُ ١٧٥/١.

٥٩٣
(٣) - بابُ تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ - حديث رقم (٥١٣٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٣٣/٣] (١٩٨٤)، و(أبو داود) في ((الطبّ))
(٣٨٧٣)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢١١٩ و٢١٢٠)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ))
(٣٥٤٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٣٩/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(١٧١٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢/٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤/
٣١١ و٣١٧ و٣٩٩ و٢٩٣/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٨/٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (١٣٨٩ و١٣٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧/٥ و١٠٨)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨)
٣٢٣)، و(المقدسيّ) في ((المختارة)) (١٠٧/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التداوي بالخمر، وسائر
النجاسات:
قال العلامة ابن قدامة تَخْلُهُ: ولا يجوز التداوي بمحرّم، ولا شيء فيه
محرّم، مثل ألبان الأُتُن، ولَحْم شيء من المحرّمات، ولا شُرب الخمر للتداوي
به؛ لِمَا ذكرنا من الخبر، ولأن النبيّ وَ ذُكِر له النبيذ يُصنع للدواء، فقال:
«إنه ليس بدواء، ولكنه داء)). انتهى.
وقال الشوكانيّ ◌َّلُ: قوله: ((ولا تتداووا بحرام))؛ أي: لا يجوز التداوي
بما حرّمه الله من النجاسات وغيرها، مما حرّمه الله، ولو لم يكن نجساً، قال
ابن رسلان في ((شرح السنن)): والصحيح من مذهبنا - يعني: الشافعية - جواز
التداوي بجميع النجاسات، سوى المُسْكِر؛ لحديث العرنيين في ((الصحيحين))
حيث أمَرهم ◌َّ بالشرب من أبوال الإبل للتداوي، قال: وحديث الباب
محمول على عدم الحاجة، بأن يكون هناك دواء غيره يغني عنه، ويقوم مقامه
من الطاهرات، قال البيهقيّ: هذان الحديثان(١) إن صحّا محمولان على النهي
(١) يعني حديث: ((ولا تتداووا بحرام))، وهو حديث صحيح، وحديث: ((إن الله لم
يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم))، حديث صحيح موقوفاً على ابن مسعود، ورَفْعه
ضعيف .

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
عن التداوي بالمسكر، والتداوي بالحرام من غير ضرورة؛ ليُجْمَع بينهما، وبين
حدیث العرنیین. انتهى.
قال الشوكانيّ: ولا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف، فإن أبوال
الإبل الخصمُ يمنع اتصافها بكونها حراماً، أو نجساً، وعلى فرض التسليم
فالواجب الجمع بين العامّ، وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاصّ، وهو
الإذن بالتداوي بأبوال الإبل، بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال
الإبل، هذا هو القانون الأصوليّ. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ كَّتُ تحقيقٌ حسنٌ،
وخلاصته أن الصحيح تحريم التداوي بالحرام، كالخمر، وغيرها، من
النجاسات؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث الباب، وحديث: ((ولا تتداووا
بحرام))، وهو حديث صحيح(٢)، وحديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم
عليكم))، صحيح موقوفاً على ابن مسعود ﴾(٣)، وعلقّه البخاريّ بصيغة
الجزم، ورفعه بعضھم، ولا یصحّ رفعه.
وأما الاحتجاج بحديث العرنيين على جواز التداوي بالنجاسات، فغير
صحيح؛ لأن الصحيح من أقوال العلماء أن أبوال الإبل طاهرة، وقد تقدّم
البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الطهارة)).
والحاصل أنه لا يجوز التداوي بالخمر، وسائر النجاسات؛ لِمَا ذَكَرنا؛
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((نيل الأوطار)) ٩/ ٩٤.
(٢) أخرجه الطبرانيّ، ولفظه: ((إن الله تعالى خلق الداء، والدواء، فتداووا، ولا
تتداووا بحرام)). راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ تَهُ ١٧٤/٤،
وصححه في ((صحيح الجامع)).
(٣) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ١٧٤/٤.

٥٩٥
(٤) - بَابُ قَوْلِهِن ◌َّهِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَةِ - حديث رقم (٥١٣٤)
(٤) - (بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ:
النَّخْلَةِ، وَالْعِنْبَةِ)))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٤] (١٩٨٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي بَحْبَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا كَثِيرٍ
حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ:
النَّخْلَةِ، وَالْعِنْبَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قبل باب.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَلْت الكنديّ
مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، لكنه يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) أو قبل
ذلك، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٥ - (أَبُو كَثِيرٍ) السُّحَيميّ الْغُبَريّ اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن
عبد الرحمن، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذَينة، أو ابن غُفَيلة، ثقةٌ [٣] (بخ م
٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والقول،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضيُه رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
شرح الحديث:
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ (أَنَّ أَبًا كَثِيرٍ) يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: غيره،
كما تقدّم آنفاً. (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث يحيى بن أبي كثير (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّله
أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿) وفي الراوية التالية: ((سمعت رسول الله وَّ))،
((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ) قال البيهقي ◌َّثُ: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه
ثبت أن الخمر تُتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى
أن الخمر شرعاً لا تختص بالمتخذ من العنب. انتهى.
وقال السنديّ تَخّْتُهُ: هذا ليس على وجه القصر عليهما، بل المعنى أنه
منهما، ولا يُقتصر على العنب. وقيل: المقصود بيان ذلك لأهل المدينة، ولم
يكن عندهم مشروب إلا من هذين النوعين. وقيل: إن معظم ما يُتّخذ من
الخمر، أو أشدّ ما يكون في معنى المخامرة والإسكار إنما هو من هاتين.
انتھی .
وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا دليلٌ على أن الأنبذة المتّخذة من التمر،
والزهو، والزبيب، وغيرها تُسمّى خمراً، وهي حرام، إذا كانت مسكرة، وهو
مذهب الجمهور، كما سبق، وليس فيه نفي الخمريّة عن نبيذ الذَّرَة، والعسل،
والشعير، وغير ذلك، فقد ثبت في تلك الألفاظ أحاديث صحيحة بأنها كلها
خمر وحرام. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّ: قوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين)): حجة للجمهور
على تسمية ما يُعتصر من غير العنب بالخمر إذا أسكر، كما قدّمناه، ولا حجة
فيه لأبي حنيفة على قوله، حيث قَصَر الحكم بالتحريم على هاتين الشجرتين؛
لأنه قد جاء في أحاديث أُخَر ما يقتضي تحريم كلّ ما أسكر، كقوله: ((كل
مسكر حرام))، و((كل ما أسكر حرام))، وحديث معاذ والله حيث سُئل
رسول الله ◌َّ ﴿ عن شراب العسل، والذّرَة، والشعير؟ فقال: ((أَنْهَى عن كلّ
مسكر))، وإنما خصّ في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذِّكر؛ لأن أكثر الخمر
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/١٣ - ١٥٤.

٥٩٧
(٤) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: الَّخْلَةِ، وَالْعِنَةِ - حديث رقم (٥١٣٥)
منهما، أو على أن الخمر عند أهلها، والله أعلم، وهذا نحو قولهم: المالُ
الإبلُ؛ أي: أكثرها، وأعمّها. انتهى(١).
وقوله: (النَّخْلَةِ، وَالْعِنْبَةِ))) بالجرّ على البدليّة، ويجوز الرفع بتقدير مبتدا؛
أي: هما، والنصب بتقدير فعل؛ أي: أعني. وفي الرواية الآتية: ((الكرمة،
والنخلة))، وفي رواية: ((الكرم والنخل))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٣٤/٤ و٥١٣٥ و٥١٣٦] (١٩٨٥)، و(أبو
داود) في ((الأشربة)) (٣٦٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٧٥)، و(النسائيّ)
في ((الأشربة)) (٢٩٤/٨) و((الكبرى)) (٢١٠/٣ و١٥٨/٤ و١٨١)، و(ابن ماجه)
في ((الأشربة)) (٣٣٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧٠٥٣)، و(الطيالسيّ)
في («مسنده)) (٣٣٥/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٩/٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٧٩/٢ و ٤٠٨ و٤٠٩ و٤٧٤ و٤٩٦ و٥١٧ و٥١٨ و٥٢٦) وفي
((الأشربة)) (٢١٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١١٣/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٢١١/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٤٤)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٩٥/٥ و٩٦ و٩٧)، و(أبو علي) في ((مسنده)) (٣٩٨/١٠)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٩/٨ - ٢٩٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَقُولُ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنْبَةِ»).
(١) ((المفهم)) ٢٥٧/٥ - ٢٥٨.

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الهمدانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، ثقة ثبتٌ فقيه فاضلٌ
[٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ) قد تقدّم آنفاً المراد بيان أن الخمر
غالب ما يُتّخذ من هاتين الشجرتين، فليس المعنى على الحصر، وإنما هو على
الغالب، فلا ينافي ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن الخمر كلّ ما خامر
العقل، سواء كان متّخذاً من هاتين الشجرتين، أو من غيرهما من الحبوب،
كالبُرّ والشعير، والذُّرَة، والعسل، ونحوها.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، ولله
الحمد .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: الْكَرْمَةِ،
وَالنَّخْلَةِ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: ((الْكَرْمِ، وَالنَّخْلِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ،
إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه [٥] ت قُبيل (١٦٠)
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٤ - (عُقْبَةُ بْنُ التَّوْأَم) - بمثنّاة مفتوحة، ثمّ واو ساكنة، ثم همزة، ثم ميم -
مقبول [٧].

(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٣٧)
٥٩٩
روى عن أبي كثير السَّحَيميّ، وعنه وكيعٌ. قال الحافظ: قرأت بخط
الذهبيّ: لا يُعرف.
تفرّد به المصنّف، مقروناً بالأوزاعيّ، وعكرمة بن عمار، وليس له في
هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (الْكَرْمَةِ، وَالنَّخْلَةِ)، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: ((الْكَرْمِ، وَالنَّخْلِ))) قال
القرطبيّ تَخْثُ: هذا يُشكل مع قوله وَّة: ((لا تقولوا للعنب: الكرم، فإن الكرم قلب
المؤمن))، رواه مسلم. ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم
بعد ذلك وَرَد النهي، أو يقال: إنه وَّ لم يدخل في هذا الخطاب، فإنه قال فيه: ((ولا
تقولوا))، فواجَهَنا به، والمخاطِبُ غير المخاطَبِ، كما تقرّر في الأصول. انتهى(١).
وقال النوويّ تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن هذا الاستعمال كان قبل النهي، ويَحْتَمِل
أنه استعمله بياناً للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم، بل لكراهة التنزيه،
ويَحتمل أنهم خوطبوا به للتعريف؛ لأنه المعروف في لسانهم الغالب في
استعمالهم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٧] (١٩٨٦) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ،
سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ
نَھَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّبِيبُ وَالتَّمَّرُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من
صغار [٩] (ت٢٣٥) وله بضع و(٩٠) سنة (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
(١) ((المفهم)) ٢٥٨/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/١٣.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ إلا في قتادة، فضعيف [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
٣ - (عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحِ) أسلم، تقدّم قريباً.
٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً.
ء
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كلاحقه، وهو (٣٧١) من رباعيّات
الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث، والسماع.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ) ◌َ﴿هَا (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ)
بالبناء للمفعول، (الزَّبِيبُ) اسم جَمْع يُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي
الزبيب، والواحدة زبيبة، قاله الفيّوميّ(١). (وَالتَّمْرُ) تقدّم معناه قريباً. (وَالْبُسْرُ)
بضمّ، فسكون: من ثمر النخل معروفٌ، قال ابن فارس: الْبُسر من كلّ شيء:
الْغَضّ، ونباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طَرِيّ، قاله الفيّوميّ(٢)، وقال المجد: الْبُشْر: التمر
قبل إرطابه، والْبُسْرة واحدتها، وتُضمّ السين. انتهى(٣).
[فائدة]: ذكر المجد اللغويّ تَُّ المَراتبِ التي عَدَّها أَهلُ النَّخْلِ في
تَدْرِيجِ ثَمَرِ الثَّمْرِ حتى يصلَ إلى مَرتَبَةِ الثَّمْر فقال: أوَّلُه طَلْعٌ، فإذا انْعَقَدَ فسَيَابٌ
- كَسَحَابٍ - فإذا اخْضَرَّ، واستَدَارَ فجَدَالٌ، وَسَرَادٌ، وخَلَالٌ - كَسحَابٍ في الكُلِّ
- فإذا كَبِرَ شيئاً فَبَغْوٌ - بفتح الموخَّدةِ، وسكونِ الغَيْن - فإذا عَظُمَ فُبُسْرٌ - بالضَّمِّ
- ثم مُخَطَّمٌ - كمُعَظَّم - ثم مُوَكِّت - على صيغةِ اسم الفاعل - ثم تُذْنُوبٌ -
بالضّمِّ - ثم جُمْسَة - بَضمِّ الجيم، وسكونِ الميم، وسينٍ مهملةٍ مفتوحة - ثم
تَعْدَةٌ - بفتح المُثَلَّثةِ، وسكونِ العَينِ المُهْمَلَةِ، ثمَّ دال - وخالِعٌ، وخالِعَةٌ، فإذا
انتهى نُضْجَّه فرُطَبٌ، ومَعْوٌ، فإن لم يَنْضَج كلَّه فمُنَاصِف، ثمّ تَمْرٌ، وهو آخِرُ
المَراتِبِ .
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٠/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨/١.