Indexed OCR Text
Pages 561-580
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيّانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٦) ٥٦١ رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عبد الأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كالأسانيد الثلاثة الماضية، و(٣٧٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ)؛ يعني: حديث المعتمر عن أبيه مثل حديث ابن عليّة عنه. وقوله: (فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ ذَالَ) والمعنى: أن أبا بكر بن أنس كان حاضراً عند أنس ظُه لَمّا حدثهم، فكأن أنساً حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة، إما نسياناً، وإما اختصاراً، فذكّره بها ابنه أبو بكر، فأقرّه عليها . وقوله: (حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي)؛ أي: بعض من كان حاضراً مجلس أنس رطُّبه حين حدّث بهذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ رشيد الدين ابن العطّار ◌َُّ في ((غرر الفوائد)) في بيان قوله: ((حدّثني بعض من كان معي ... إلخ)): وقد أورد مسلم بعد ذلك حديث قتادة، عن أنس متّصلاً، وفيه: ((نزل تحريم الخمر، فأكفأناها يومئذ، وإنها لخليط البسر والتمر، قال قتادة: وقال أنس بن مالك: لقد حُرّمت الخمر، وكانت عامّة خمورهم يومئذ البسر والتمر))، فثبت اتّصاله، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: غرض الرشيد ابن العطّر تَخْتُ بهذا الكلام بيان أن الإبهام الواقع في رواية سليمان التيميّ حيث أبهم من حدّثه بقول أنس: ((كان خمرهم يومئذ)» زال برواية قتادة التي أخرجها مسلم بعده، فصار متّصلاً، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى الفضيخ، و((خمرَهم)) منصوب على أنه خبرها . ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة [تنبيه]: رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٢٦١) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا معتمر، عن أبيه، قال: سمعت أنساً قال: كنت قائماً على الحيّ أسقيهم عمومتي، وأنا أصغرهم الفضيخَ، فقيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: أكفئها، فكفأتها، قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: رطب وبسر، فقال أبو بكر بن أنس: ((وكانت خمرَهُمْ، فلم يُنكر أنس، وحدّثني بعض أصحابي أنه سمع أنس بن مالك يقول: كانت خمرهم يومئذ)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فِي رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ، فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَكَفَأْنَاهَا يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّهَا لَخَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالَّمْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَأَبَا دُجَانَةَ) - بضم الدال المهملة، وتخفيف الجيم - هو سِمَاك بن خَرَشَة، وقيل: ابن أوس بن خَرَشة، متّفقٌ على شهوده بدراً، وعلى أنه استُشهد باليمامة. وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن: أن رسول الله وَ﴿، لمّا التحم القتال، ذَبّ عنه مصعب بن عمير - يعني: يوم أُحد - حتى قُتل، وأبو دُجانة سِماك بن خَرَشة، حتى کَثُرت فيه الجراحة، وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة . (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٢١/٥. ٥٦٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٧) وثبت ذِكره في ((صحيح مسلم)) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ وَل﴾، أخذ سيفاً يوم أحد، فقال: ((من يأخذ هذا السيف بحقه؟»، فأخذه أبو دُجانة، ففَلَق به هام المشركين. وأخرج الدُّولابيّ في ((الكنى)) من طريق عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير بن العوام: عرض النبيّ وَل ﴿ يوم أُحد سيفاً، فقال: ((من يأخذ هذا السيف بحقه؟))، فقام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة، فقال: أنا، فما حقّه؟ قال: ((لا تقتل به مسلماً، ولا تَفِرُّ به من كافر))، قاله في ((الإصابة))(١). وقوله: (وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة ﴿ه، شَهِدَ بدراً، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، مات رته بالشام سنة (١٨) (ع) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٣٠/٧. وقوله: (فِي رَهْطٍ مِنَ الأَنَّصَارِ) - بفتح، فسكون -: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح مِن فَتْحها، وهو جَمْع لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر. وقال أبو زيد: الرهط، والنفر: ما دون العشرة من الرجال. وقال ثعلب أيضاً: الرهط، والنفر، والقوم، والْمَعْشر، والْعَشيرة: معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال، دون النساء. وقال ابن السكّيت: الرهط، والعشيرة بمعنَى. ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في (كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً. ورَهْطُ الرجل قومه، وقبيلته الأقربون. انتهى من ((المصباح المنير)). وقوله: (فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ)؛ أي: رجل داخل من خارج البيت، وتقدّم أنه لا يعرف اسمه. وقوله: (فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ)؛ أي: استجدّ أمر من أمور التشريع، وقوله: (نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ)) مستأنَف استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١١/ ١١٢. ٥٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة مقدّر، كأن قائلاً قال: وما هو الخبر الحادث؟ فأجاب بقوله: نزل تحريم الخمر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: إِنِّي لأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَاُ دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ، مِنْ مَزَادَةٍ، فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ ، بِنَحْوِ حَدِيثٍ سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (إِنِّي لأَسْقِي) تقدّم أنه بفتح الهمزة من سقى ثلاثيّاً، وبضمّها، من أسقى رباعيّاً . وقوله: (وَسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ) القرشي الفِهْريّ، يكنى أبا أمية فيما زعم بعضهم، والبيضاء أمه التي كان يُنسب إليها، اسمها: دَعْد بنت الجحدم بن أمية بن ضبة بن الحارث بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة، وهو سهيل بن عمرو بن وهب، وقيل: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقيل: سهيل ابن بيضاء هو سهيل بن عمرو بن وهب بن ربيعة بن هلال ... إلخ. خرج سهيل مهاجراً إلى أرض الحبشة حتى فشا الإسلام، وظهر، ثم قَدِم على رسول الله وَلقه بمكة، فأقام معه حتى هاجر، وهاجر سهيل، فجمع ٥٦٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٨) الهجرتين جمعاً، ثم شهد بدراً، ومات بالمدينة في حياة رسول الله وصلة سنة تسع، وصلى عليه رسول الله وَّر في المسجد. ورَوَى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن أنس بن مالك قال: كان أسنّ أصحاب رسول الله وَ ل﴿ أبو بكر، وسهيل ابن بيضاء، ذكره في ((الاستيعاب))(١) . وقوله: (مِنْ مَزَادَةٍ) هي شطر الراوية، وهي بفتح الميم، والقياس كسرها؛ لأنه آلة يُستقَى بها الماءُ، وجمعها مَزَايدُ، وربّما قيل: مَزَادٌ بغير هاء، والْمَزَادة مَفْعَلَةٌ، من الزاد؛ لأنه يَتَزَوَّد فيها الماءَ، قاله الفيّومِيّ كَّهُ(٢). وقال ابن الأثير كَّلُهُ: قد تكرّر ذكر المزادة في غير موضع من الحديث، وهو الظرف الذي يُحمَل في الماء، كالراوية، والْقِرْبة، والسَّطِيحة، والجمع: المزاود، والميم زائدة. انتهى(٣). وقال المجد كثُّهُ: ((المزادة)»: الراوية، أو لا تكون إلا من جِلْدَين تُقْأم بثالث بينهم لتَّسع، جمعه مَزَادٌ، ومَزَائِدُ. انتهى. وقال المرتضى في ((شرحه)): قوله: ((والمَزَادَةُ: الرَّاوِيَةُ)): قال شيخُنا: وإِطِلاقُ المَزَادَة على الرَّاوِيَةِ، وبالعكس إِنما هو مَجازٌ في الأَصحّ، قالوا: سُمِّيَتِ رَاوِيَةً مجازاً للمُجاورة؛ إِذِ الرَّاوِيَةُ هي الذَّابَّةُ التي تَحْمِلُها، وهو الذِي جَزَم به في ((المِفْتَاح))، وزَعم طائفةٌ من أَهلِ اللَّغَة، منهم أَبو منصور أَن عَيْنَ المَزَادَةِ واوٌ، وأَنَّهَا من الزَّوْد، وبه جَزَمَ صاحبُ ((المِصْباح))، وأَورده صاحبُ ((اللسان)) في الواو والياء، وهو وَهَمٌ. قال الخَفَاجِيُّ في («شرح الشفاءِ)): هي من الزيادة؛ لأنه يُزادُ فيها جِلْدٌ ثالثٌ كما قاله أبو عُبَيْدَةَ، لا من الزَّادِ كما تُؤُهُّم، وقال السيد في ((شرح المفتاح)): ومن فَسَّرَ المزادةَ بما جُعِل فيها الزّادُ فقدْ سَهَا . وقوله: ((أَو المَزَادة لا تكون إِلا من جِلْدَيْنِ تُفْأَمُ بثالثٍ بينهما لِتَّسِعَ))، (١) ((الاستيعاب فى معرفة الأصحاب)) ٦٦٧/٢ - ٦٦٨. (٢) ((المصباح المنير)» ٢٦٠/١. (٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)» ص٨٦٨. ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وكذلك السَّطِيحةُ، ((جمعه: مَزَادٌ ومَزَايِدُ)) قاله أَبو عُبَيدَةَ، والظاهر من عبارة المصنّف أَنهما قولانٍ، والمعروف أَن الثاني بيانٌ للأول كما قاله شيخُنا، وفي (المحكم)): والمَزَادَةُ التي يُحمَل فيها الماءُ وهي ما فُئِمَ بجِلْدِ ثالثٍ بين الجِلْدَيْنِ التَِّعَ، سُمِّيَ بذلك لمَكَانِ الزِّيادة، وقيل: هي المَشْعُوبة من جانبٍ واحدٍ، فإِن خَرَجَتْ من وَجْهَيْنِ فهي شَعِيبٌ. وقالوا: البَعيرُ يَحمِلِ الزَّادَ والمَزَادَ؛ أي: الطَّعامَ والشَّرَابَ، والمَزادةُ بمنزلةِ رَاوِيةٍ لا عَزْلاءَ لها. قال أَبو منصور: المَزَادُ بغير هاءٍ هي الفَرْدَةُ التي يَحْتَقِبها الرَّاكبُ بِرَحْلِه ولا عزلاءَ لها. وأَما الرَّاوِيةُ فإِنها تَجْمَع بينْ المَزادتينِ يُعكمانَ على جَنْبَي البَعِير، ويُرَوَّى عليهما بالرِّواءِ وكلّ واحدة منها مَزَادٌ، والجمع مَزائِدُ. وربما حذَّقُوا الهاءَ فقالوا: مَزَادٌ. وقال ابن شُمَيْل: السَّطِيحة جلدان مُقابَلَانٍ، والمَزَادةُ تكون من جِلْدين ونِصْف وثَلاثةِ جُلود، سُمِّيَتْ لَأنها تَزِيد على السَّطِيحَتَيْنِ. قال شيخُنا: والمعروفُ في المَزَادِةِ فتح الميم. وقال صاحب ((المصباح)): القِياسُ كسرُها؛ لأَنها آلة يُستقَى فيها الماءُ. قلت: ويخالفه قول السيد في ((شرح المفتاح)): إنها ظَرْفٌ للماء، وعليه فالقيَاسُ الفتْحُ، ويؤَيِّده قولُه بعدُ: يُستَقَى فيها؛ إذ لو كانَتْ آلَةً لقال يُسْتَقَى بِهَا. فَتَأَمَّلْ، والله أعلم. انتهى كلام المرتضى تَقْذَّتُهُ(١). وقوله: (خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ) ((الْخَليط)): المختلط من أنواع شتّى، والمراد هنا: ما خُلِط من بسر، وتمر. وقال ابن الأثير تَّتُهُ: في قوله: ((نَهَى عن الخَلِيطَين أن يُنْبَذا)): يريد ما يُنْبَذ من البُسر والتَّمر معاً، أو من العِنَب والزَّبيب، أو من الزَّبيب والتمر، ونحو ذلك، مما يُنْبَذ مُخْتِلِطاً، وإنما نَهى عنه؛ لأنّ الأنْواع إذا اختَلَفت في الانْتبَاذِ كانت أسْرَع للشدة، والتَّخْمِير. والنَّبِيذُ المعمولُ من خَلِيطَين ذَهَبَ قوم إلى تَحْريمه، وإن لم يُسْكِر أخْذاً بظاهر الحديث، وبه قال مالك، وأحمد، وعامَّة المُحَدِّثين، قالوا: من شَرِبِه قبل حُدوث الشَّدة فيه، فهو آئِمٌ من جهةٍ واحدةٍ، ومَن شَرِبِه بعد حُدوثها، فهو (١) ((تاج العروس)) ٢٠١٤/١. ٥٦٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٩) آئِمٌ من جِهَتَين: شُرْبِ الخَلِيطَين، وشُرْبِ المُسْكِر، وغيرهم رخَّص فيه، وعَلَّلوا التحريم بالإسكار. انتهى (١). وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ سَعِيدٍ)؛ يعني: أن حديث هشام الدستوائيّ، عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة عنه المذكور قبله. [تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٢٧٨) - حدّثنا مسلم، حدّثنا هشام، حدّثنا قتادة، عن أنس نظّ الله قال: إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسهيل ابن البيضاء، خَلِيطَ بُسْر وتمر، إذ حُرِّمت الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم، وأصغرهم، وإنا نَعُدّها يومئذ الخمر، وقال عمرو بن الحارث: حدّثنا قتادة، سمع أنساً. انتهى(٢). وساقها أبو يعلى تَّتُهُ في ((مسنده)) بلفظ مسلم، فقال: (٣٠٠٨) - حدثنا أبو موسى، حدّثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس، قال: إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسُهيل ابن بيضاء، من مزادة لهم، فيها خليط بُسر وتمر، إذ دخل علينا داخلٌ، فقال: إنه قد حدث اليوم أمرٌ، قلنا: وما هو؟ قال: حُرِّمت الخمر، فأكفأناها، وكنا نَعُدّها يومئذ خمراً. انتهى(٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٩] (١٩٨١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الثَّمْرُ وَالزَّهْوُ، ثُمَّ يُشْرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، تقدّم قريباً. (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٤١/٢. (٣) ((مسند أبي يعلى)) ٣٦١/٥ - ٣٦٢. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٢٦/٥. ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ) أما ((التمر))، فقال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: هو: من ثمر النخل، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُتْرَك على النخل بعد إرطابه حتى يجفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويُترك في الشمس حتى ييبس، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلة، وهي باسرة بعدما أَخَلَّت؛ ليخفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك، حتى تكون تمراً، الواحدة: تَمْرَةٌ، والجمع: تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ، والتَّمْرُ يذكّر في لغة، ويؤنّث في لغة، فيقال: هو التَّمْرُ، وهي التَّمْرُ، وتَمَرْتُ القومَ تَمْراً، من باب ضرب: أطعمتهم التمر، ورجل تَامِرٌ، ولابِنٌ: ذو تمر، ولبن، قال ابن فارس: التَّامِرُ، الذي عنده التمر، والتَّمَّارُ: الذي يبيعه، وتَمَّرْتُهُ تَتْمِيراً: يبّسته، فَتَتَمَّرَ هو، وأَتْمَرَ الرطبُ: حان له أن يصير تمراً. انتهى(١). وأما ((الزَّهْو)) - بفتح الزاي، وضمّها - لغتان مشهورتان، قال الجوهريّ: أهل الحجاز يضمّون، وهو البُسر الملوّن الذي بدا فيه حمرة، أو صفرة، وطاب. كذا قال النوويّ. وقال الفيّوميّ: زَها النخلُ يزهو زَهْواً، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصفرة في ثمره. وقال أبو حاتم: وإنما يُسَمّى زَهْواً: إذاٍ خَلَصَ لونُ البُسرة في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخلُ: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتھی. وخلاصة القول أنه يُستفاد مما سبق أن الزهو فيه ثلاث لغات: الزّهو بفتح، فسكون، كالدلو، والزُّهو بضم، فسكون، كالقفل، والزهُوّ بضم، فتشديد واو، كالغُلُوّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، ولله الحمد. (١) ((المصباح المنير)) ٧٥/١ - ٧٦. ٥٦٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣٠) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥١٣٠] (١٩٨٠) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ، وَأَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَّيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَاباً مِنْ فَضِيخِ وَتَمْرٍ ، فَأَتَاهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ قُمْ إِلَّى هَذِهِ الْجَرَّةِ فَاكْسِرْهَا، فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا، فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ، حَتَّى تَکَسَّرَتْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. والباقون ذكروا في الباب وقبل باب. وقوله: (أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاح) هو: عامر بن عبد الله بن الْجَرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة بن الحارثَ بن فِهْر القرشيّ الْفِهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديماً، وشَهِدَ بدراً، ومات شهيداً بطاعون عمواس سنة (١٨) وله (٥٨) سنةً له ذِكر في هذا الكتاب، بلا رواية، وتقدّمت ترجمته في ((الصيد والذبائح)) ٤/ ٤٩٩٠. وقوله: (وَأُبَّيَّ بْنَ كَعْبٍ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر سيّد القرّاء، ويُكنى أيضاً أبا الظُّفيل، من فضلاء الصحابة ﴿ه، قيل: توفّي سنة (١٩) وقيل: (٣٢)، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦. وقوله: (مِنْ فَضِيخِ وَتَمْرٍ) تقدّم معنى الفضيخ، والتمر، والمراد هنا: شرباً مخلوطاً منهما . وقوله: (فَأَتَاهُمْ آتٍ) لم يُعرف اسمه. وقوله: (إِلَى هَذِهِ الْجَرَّةِ) بفتح الجيم: إناء معروف من الْفَخّار، والجمع: جِرَار، مثلُ كَلْبة وكلاب. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وقوله: (إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا) - بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره سين مهملة -: إناء يُتّخَذ من صَخْر، ويُنقَرَ، وقد يكون كبيراً، كالحوض، وقد يكون صغيراً، بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يَحْضُره ما يَكسر به غيره، أو كسر بآلَة الْمِهْراس التي يُدَقّ بها فيه، كالهاوَنِ، فأطلق اسمه عليها مجازاً، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (حَتَّى تَكَسَّرَتْ) قال في ((الفتح)): وهذا لا ينافي الروايات الأخرى - يعني: التي فيها الإراقة دون الكسر - بل يُجمع بأنه أراقها، وكسر أوانيها، أو أراق بعضاً، وكسر بعضاً، وقد ذكر ابن عبد البرّ أن إسحاق بن أبي طلحة تفرّد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتاً، وعبد العزيز بن صهيب، وحُميداً، وعَدّ جماعةً من الثقات، رووا الحديث بتمامه عن أنس، منهم من طوّله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها. انتهى(٢). وقال النوويّ تَّتُهُ: وهذا الكسر محمول على أنهم ظَنّوا أنه يجب كسرها، وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، فلما ظنّوه كسروها، ولهذا لم يُنكر عليهم النبيّ وَِّ، وعَذَرهم؛ لعدم معرفتهم الحكم، وهو غَسْلها من غير كسر. انتهى(٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥١٣١] (١٩٨٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي: الْحَنَفِيَّ - حَدَّثَنَا عبدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد الله البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٣٦/٤٩. ٢ - (عبدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ المدنيّ، (١) ((الفتح)) ١٢/ ٦٠١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٣. (٢) ((الفتح)) ١٢ / ٦٠١. ٥٧١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١) صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت١٥٣) (خت م٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٥/٤. ٣ - (أَبُوهُ) جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ، أبو عبد الحميد، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٧/٢٢. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا الْخَمْرَ)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزَُْ ◌ِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ [المائدة: ٩٠]. ٩٠ فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [خاتمة]: في شرح الآية الكريمة، وما يتعلّق بها: قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر، والميسر، وهو القمار (﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذ كانت شهوات وعادات، تَلَبَّسوا بها في الجاهلية، وغلبت على النفوس، فكان نَفِيٍّ منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه، مما يصنعه الناس اليوم، وأما الخمر فكانت لم تحرَّم بعدُ، إنما نزل تحريمها في سنة ثلاث، بعد وقعة أُحد، وكانت وقعة أُحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. ﴿إِنََّاَ لَُّْ﴾ تقدم اشتقاقها، ومعناها، في أول الباب. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ هو قِمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس ظه: كان الرجل في الجاهلية، يُخاطر الرجل على أهله وماله، فأيهما قَمَر صاحبه ذهب بماله وأهله، فنزلت الآية. وقال مجاهد، ومحمد بن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وعطاء، وقتادة، ومعاوية بن صالح، وطاوس، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس أيضاً: كل شيء فيه قمار من نَرْد، وشطرنج فهو الميسر، حتى لَعِبُ الصبيان بالْجَوْز والكِعَاب(١)، إلا ما أبيح من الرِّهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق، وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللَّهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللَّهو: النردُ، والشطرنج، والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه. قال (١) (الكتاب)): فصوص النرد. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة علي بن أبي طالب ظُه: الشطرنج ميسر العجم، وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء، و((الميسر)): مأخوذ من اليَسَر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، يقال: يَسَر لي كذا: إذا وجب فهو يَيْسِرَ يَسَراً ومَيْسِراً، والياسر: اللاعب بالقِداح، وقد يَسَر بَيْسِر، قال الشاعر [من الكامل]: فَأَعِنْهُمُ وَايْسِرْ بِمَا يَسَرُون بِهِ وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكِ فَانْزِلِ وقال الأزهريّ: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سُمِّي ميسراً؛ لأنه يُجَزّأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر؛ لأنه يُجَزِّىء لحم الجزور، قال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح، والمتقامرين على الجزور: ياسرون؛ لأنهم جازرون، إذْ كانوا سبباً لذلك. وفي ((الصحاح)): ويسر القوم الجزور؛ أي: اجتزروها، واقتسموا أعضاءها، قال سحيم بن وَثِيل اليربوعيُّ [من الطويل]: أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ بَيْسِرُونَنِي كان قد وقع عليه سِباء، فضرب عليه بالسهام، ويقال: يَسَر القوم: إذا قامروا، ورجل يَسَرٌ، وياسر: بمعنى، والجمع أيسار، قال النابغة [من البسيط]: مَثْنَى الأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الأَدَمَا أَنِّي أَتَمِّمُ أَيْسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ وقال طَرَفَةُ : وَهُمْ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا أَغْلَتِ الشَّئْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُرْ وكان من تَطَوَّع بنحرها ممدوحاً عندهم، قال الشاعر: وَنَاجِيَةٍ نَحَرْتُ لِقَوْمِ صِدْقٍ وَمَا نَادَيْتُ أَيْسَارَ الْجُزُرْ ﴿وَالْأَصَابُ﴾ بفتح الهمزةً: جمع نُصُب بضمتين: وهو حجر نُصِبَ، وعُبد من دون الله، وقيل: النُّصُب جَمْع، واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها. قاله الفيّوميّ. وقال في ((اللسان)): قال الجوهريّ: النَّصْب - أي: بفتح، فسكون -: ما نُصب، فعُبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصب بالضمّ، وقد يُحرّك، مثلُ عسر، قال الأعشى [من الطويل]: وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ لِعَافِيَةٍ وَاللهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا ویُروی عجُزُه : وَلَا تَعبد الشَّيْطَانَ وَاللّهَ فَاعْبُدَا ٥٧٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١) وقال القرطبيّ في «تفسيره))(١): قال ابن فارس: النُّصُب حجر كان يُنصب، فيعبد، وتُصَبّ عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْب ـ بالفتح - أيضاً، والنصائب حجارة تُنصب حوالي شفير البئر، فتُجعل عضائدَ، وغُبار منتصبٌ: مرتفع، وقيل: النُّصُب جمعٌ واحده نِصاب، كحمار وحُمُر، وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجراً، وقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبيّ وَله: نحن أحقّ أن نعظّم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنه وَيولم يكره ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ ◌ُمُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحجّ: ٣٧]، ونزلت: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿وَالْأَزَمُ﴾ هي: قِداح الميسر، واحدهما زَلَمٌ، وزُلَم، قال: بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزُّلَمْ وقال آخر، فجَمَع [من الكامل]: فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالأَزْلامِ فَلَئِنْ جَذِيمَةُ قَتَّلَتْ سَرَوَاتِهَا وذكر محمد بن جرير، أن ابن وكيع حدّثهم، عن أبيه، عن شَرِيك، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حَصَّى بِيضُ، كانوا يضربون بها . قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشِّطرنج، فأما قول لبيد: تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أَزْلَامُهَا فقال: أراد أظلاف البقرة الوحشية، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: [منها]: الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها: افْعَلْ، وعلى الثاني: لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء، أدخل يده وهي متشابهة، فإذا خرج أحدها ائتمر، وانتهى بحسب ما يَخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سُراقة بن مالك بن جُعشُم، حين اتّبع النبيّ وََّ وأبا بكر، وقت الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦/ ٥٧. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الرزق، وما يريدون، كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي، ونظير هذا الذي حرّمه الله تعالى قول المنجّم: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا، وقال رقم: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. [والنوع الثاني]: سبعة قِداح، كانت عند هُبَل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه العقل، من أمر الديات، وفي آخر ((منكم))، وفي آخر ((من غيركم))، وفي آخر ((مُلصَق))، وفي سائرها أحكام المياه، وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه؛ إذ كان نذر نحر أحدهم، إذا كملوا عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضاً كانت عند كل كاهن، من كُهّان العرب، وحكامهم، على نحو ما كانت في الكعبة عند هُبَل. [والنوع الثالث]: هو قداح الميسر، وهي عشرة: سبعة منها فيها حُظُوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرة لهواً ولعباً، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين، الْمُعدِم في زمن الشتاء، وكَلَب البرد، وتعذّر التحرف. وقال مجاهد: الأزلام هي كعاب فارس والروم، التي يتقامرون بها. وقال سفيان، ووكيع: هي الشطرنج، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْم والنصيب، كما بيّنا، وهو من أكَلْ المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحَمَام، أو بنرد، أو شطرنج، أو بغير ذلك من هذه الألعاب، فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام، حرام كله، وهو ضرب من التكهن، والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز منداد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات، من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال إِلْكِيا الطبري: وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غداً، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر، فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعيّ، في الإقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعيّ بُنِي على الأخبار الصحيحة، وليس مما يُعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعيّ، يجوز أن يَجعَل الشرع خروج القرعة عَلَماً على إثبات حُكم العتق؛ قطعاً للخصومة، ٥٧٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١) أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا، أو قلت كذا، فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح عَلَماً على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يُجعَل خروج القرعة عَلَماً على العتق؛ قطعاً، فظهر افتراق البابين. [تنبيه]: وليس من هذا الباب طلب الفَأْلِ، وكان ◌َل يُعجبه أن يسمع یا راشد، يا نجيح، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث صحيح غريب، وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة، وبلوغ الأمل، فيحسن الظنّ بالله رَ، وقد قال: ((أنا عند ظن عبدي بي))، وكان وَّلهُ: يَكرَه الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله ربك، قال الخطابيّ: الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال الأصمعيّ: سألت ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن يكون مريضاً، فيسمع: يا سالم، أو يكون باغياً، فيسمع: يا واجد، وهذا معنى حديث الترمذيّ، وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة ◌َظُه قال: سمعت النبيّ وَل﴾ يقول: ((لا طيرة، وخيرها الفأل))، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)). ! في هذه الآية: ((رجس)): سخط، وقد يقال ﴿رجسُ﴾ قال ابن عباس للنَّتْن والعَذِرة والأقذار: رجس، والرجز بالزاي: العذاب لا غير، والركس: العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، ذكره القرطبيّ. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ﴾؛ أي: بحمله عليه، وتزيينه، وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه، حتى اقتُدي به فيها. ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ قال النسفيّ: الضمير يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إما تعاطي الخمر، والميسر، ولذا قال: وقال القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ﴾: يريد: أَبْعِدوه، واجعلوه ناحيةً، فَأَمَر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر، مع نصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الخمر، ولا خلاف بين علماء المسلمين، أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة، والدم، ولحم الخنزير في قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ﴾، وغيرها من الآي خبراً، وفي الخمر نهياً وزجراً، وهو أقوى التحريم، وأوكده، رَوَى ابن عباس ﴿ّ قال: لمّا نزل تحريم الخمر، مَشَى أصحاب رسول الله وَ طاهر، بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعلت عِدلاً للشرك - يعني: أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شرك - ثم علّق الفلاح بالأمر، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ دلالةً على تأكيد الوجوب. قاله القرطبيّ. وقال النسفيّ: أكّد تحريم الخمر، والميسر من وجوه: حيث صدّر الجملة بـ((إنما))، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجساً من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرّ البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً، كان الارتكاب خسارة. انتهى (١). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [المائدة: ٩١] قال القرطبيّ تَخّثهُ: أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان، إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا، بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها . رُوي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيماً ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اُلْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ﴾ الآية. ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٩١] يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله، ولم تصلّوا، وإن صلّيتم خلط عليكم كما فعل بعلي ظُه، ورُوي بعبد الرحمن، وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد، عن الشطرنج، أهي ميسر، وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كل ما صدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة (١) (تفسير النسفيّ)) ٣٠٠/١. ٥٧٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١) فهو مَيْسر. قال أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ﴾. وقال النسفيّ تَخُّ: ذَكَر الله تعالى ما يتولّد منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر، والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذِكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة من بين الذِّكر لزيادة درجتها، كأنه قال: وعن الصلاة خصوصاً، وإنما جَمَع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أوّلاً، ثم أفردهما آخِراً؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذَكَر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعاً من أعمال أهل الشرك، فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم، وشارب الخمر والمقامر، ثم أفردهما بالذِّكر ليُعلم أنهما المقصود بالذِّكر. انتهى(١). ﴿فَهَلْ أَنْتُم مَُّهُونَ﴾ قال النسفيّ: من أبلغ ما يُنهى به، كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف، والزواجر، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا، ولم تزجروا؟ انتهى(٢). وقال القرطبيّ: لَمّا عَلِم عمر ظنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى: (انتهوا))، قال: انتهينا، وأمر النبيّ ◌َ ﴿ مناديه أن ينادي في سكك المدينة: ((ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت))، فكُسِرت الدِّنَانُ، وأريقت الخمر، حتى جرت في سكك المدينة. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهاتين الآيتين الكريمتين: (المسألة الأولى): كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولَعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلّ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]؛ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتها، ونترك إثمها، فنزلت هذه (١) (تفسير النسفيّ)) ٣٠٠/١ - ٣٠١. (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٢/٦. (٢) ((تفسير النسفيّ)) ٣٠١/١. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الآية: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]: فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشَرِبها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَتُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فصارت حراماً عليهم، حتى صار يقول بعضهم: ما حرّم الله شيئاً أشد من الخمر، وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبيّ وَل عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها، وقال: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا . وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]، ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنََّا اُلَّْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وفي ((صحيح مسلم)) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن، وفيه قال: وأَتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال، نطعمك، ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرَّم الخمر، قال: فأتيتهم في حَشّ - والْحَشّ البستان -، فإذا رأس جَزُور مشويّ عندهم، وزِقّ من خمر، قال: فأكلت، وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لَحْي جمل فضربني به، فجرح أنفي، وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزوراً، فأتيت رسول الله وَله، فأخبرته، فأنزل الله تعالى فِيَّ - يعني: نفسه - شأن الخمر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتِبُوُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]. ذكره القرطبيّ تَخْتُهُ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر، كان إذ ذاك مباحاً، معمولاً به معروفاً عندهم، بحيث لا يُنكر، ولا يغيّر، وأن النبي ◌َّ أقرّهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، تدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، على ما تقدم، وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يُسكر؟، حديث حمزة رَظُه ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي وجَبّ أسنمتهما، فأخبر عليٍّ بذلك النبيّ وَّر، فجاء إلى حمزة، فصدر عن ٥٧٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٣١) حمزة للنبيّ رَّ من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه من احترام النبيّ وَّ، وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يُسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله وَل﴿ أنه ثَمِلٌ، ثم إن النبيّ وَّر لم يُنكر على حمزة، ولا عَّفَه، لا في حال سُكره، ولا بعد ذلك، بل رجع لمّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ على عقيبيه القهقرى، وخرج عنه، كما هو في ((الصحيحين))، وغيرهما . وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه، أو يشوشه، إلا أنه يُحمَل حديث حمزة على أنه لم يقصد بشربه السكر، لكنه أسرع فيه فغلبه، قاله أبو عبد الله القرطبيّ تَخَذْتُهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأصوليّون من أن السكر حرام في كلّ شريعة يحتاج إلى دليل، فإن ظاهر قصّة حمزة ربه يدلّ على أن السكر كان مباحاً، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْ أيضاً: فَهِمَ الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة، والليث بن سعد، والمزنيّ صاحب الشافعيّ، وبعض المتأخرين من البغداديين، والقرويين، فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرَّم إنما هو شربها، وقد استدلّ سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طريق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لَمَا فَعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولَنَهَى رسول الله بَّر عنه، كما نَهَى عن التخلي في الطرق. [والجواب]: أن الصحابة فعلوا ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب، ولا آبار يريقونها فيها؛ إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم، وقالت عائشة ﴿يا: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونَقْلها إلى خارج المدينة فيه كُلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٦/ ٢٨٧. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعمّ الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة، يمكن التحرز عنها، وهذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة؛ ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا يُنتفع بها، وتتابَع الناس، وتوافقوا على ذلك، والله أعلم. [فإن قيل]: التنجيس حكم شرعيّ، ولا نصّ فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرَّماً أن يكون نجساً، فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس. [قلنا]: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ يدلّ على نجاستها، فإن الرجس في اللسان: النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصّاً، لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأيّ نصّ يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدم والميتة، وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر، والعمومات والأقيسة. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ نظر لا يخفى، إذ استدلاله بقوله: ﴿رِجْسُ﴾ غير صحيح؛ لأنه يلزمه أن تكون الأنصاب، والأزلام أيضاً نجساً، ولا قائل به، وأيضاً قوله: ((لا يوجد نصّ على تنجيس البول ... إلخ))، غير صحيح، فقد ثبتت نجاسة البول، والغائط، والميتة بنصوص كثيرة، كحديث: ((استنزهوا من البول))، وحديث: ((أيما إهاب دُبغ، فقد طهر))، وأمْره ◌َّر المستحاضة بغسل الدم، وغير ذلك، مما لا يخفى على من يتبع النصوص. والحاصل أن القول بنجاسة الخمر محلّ نظر، فإن حديث أنس رَظُه في صبّها في سكك المدينة ظاهر في طهارتها، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قوله تعالى: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتفَع معه بوجه من الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب، رَوَى مسلم، عن ابن عباس : أن رجلاً أهدى لرسول الله وَ لي راوية خمر، فقال له رسول الله وَلي: ((هل علمت أن الله حرمها؟)) قال: لا، قال: فسارّ رجلاً، فقال