Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٥) - بَابُ بَيّانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠١)
وفي الحديث دلالة على أن تحريم ادّخار لحم الأضاحي كان لعلة، فلما
زالت العلة زال التحريم، قال الكرمانيّ: فإن قلت: فهل يجب الأكل من
لحمها؛ لظاهر الأمر، وهو قوله: ((كلوا)»؟.
قلت: ظاهره حقيقة في الوجوب إذا لم تكن قرينة صارفة عنه، وكان ثمة
قرينة على أنه لرفع الحرمة؛ أي: للإباحة، ثم إن الأصوليين اختلفوا في الأمر
الوارد بعد الحظر: أهو للوجوب، أم للإباحة؟ ولئن سلمنا أنه الوجوب حقيقة،
فالإجماع هنا مانع من الحمل عليها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الكرماني الإجماع في المسألة غير
صحيحة، فقد قال به ابن حزم، ونقله عن بعض السلف، فأين الإجماع؟
والصحيح في كون الأمر هنا للإباحة هو كونها بعد الحظر، فإن الصحيح من
أقوال العلماء أنه بعده يعود إلى ما كان عليه قبلُ، وكان الأكل قبل ذلك
مباحاً، فعاد إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ))) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم:
(يفشو)) بالفاء، والشين؛ أي: يشيع لحم الأضاحي في الناس، وينتفع به
المحتاجون، ووقع في رواية البخاريّ: ((يعينوا)) بالعين، من الإعانة، قال
القاضي عياض ◌َّلُ في ((شرح مسلم)): الذي في مسلم أشبه، وقال في
((المشارق)): كلاهما صحيح، والذي في البخاريّ أوجه، والله أعلم.
ووقع في رواية البخاريّ: ((فأردت أن تعينوا فيها))، قال في ((الفتح)):
قوله: ((فأردت أن تعينوا فيها)) كذا هنا من الإعانة، وفي رواية مسلم، عن
محمد بن المثنى، عن أبي عاصم، شيخ البخاري فيه: ((فأردت أن تفشوا فيهم))،
وللإسماعيليّ، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن أبي عاصم: ((فأردت أن
تقسموا فيهم، كلوا، وأطعموا، وادخروا))، قال عياض: الضمير في ((تعينوا فيها))
للمشقة المفهومة من الجهد، أو من الشدة، أو من السَّنَة؛ لأنها سبب الجهد،
وفي ((أن تفشوا فيهم))؛ أي: في الناس المحتاجين إليها، قال في ((المشارق)):
ورواية البخاريّ أوجه، وقال في ((شرح مسلم)): ورواية مسلم أشبه.
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٠/٢١.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
قال الحافظ: قد عرفت أن مخرج الحديث واحدٌ، ومداره على أبي
عاصم، وأنه تارةً قال هذا، وتارةً قال هذا، والمعنى في كل صحيح، فلا وجه
للترجيح. انتهى.
وتعقّبه العينيّ في هذا على عادته المستمرّة، ولكنّ من تأمل كلام الحافظ
يراه وجيهاً، فكيف يرجح قول أبي عاصم هذا تارة، وهذا تارةً؟ فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع
(المسألة الثانية): في تخريجه:
◌َ﴿به هذا متفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٠١/٥] (١٩٧٤)، و(البخاريّ) في
((الأضاحي)) (٥٥٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه)) (٥٩٢٩)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٨٢/٥ -٨٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٢/٩)، و(الرويانيّ) في
((مسنده)) (٢٤٧/٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٢] (١٩٧٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى،
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ:
ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ﴿ِ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ))، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ
مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ
القزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]
(ت١٩٨) (ع) تقدم في «الطهارة)) ٧ /٥٦٣.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الْحَضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الْحِمصيّ، قاضي الأندلس، ثَقةٌ له أفراد [٧] (ت١٥٨) (زم ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٣ - (أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ) حُدير بن كُريب - بالتصغير فيهما - الحمصيّ، صدوقٌ
[٣] مات على رأس المائة (زم س ق) تقدم في ((الصيد والذبائح)) ٤٩٧٩/٢.

٤٦٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْىِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٢)
٤ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) - بالتصغير فيهما - ابن مالك بن عامر الْحَضرميّ الْحِمصيّ،
ثقةٌ جليلٌ، مخضرم [٢] (ت٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٥ - (ثَوْبَانُ) بن بُجدد الهاشميّ، مولى النبيّ وَّة، صحبه، ولازمه، ونزل
بعده الشام، ومات بحِمْصَ سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
وشيخه ذُكر في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالشاميين من معاوية، وشيخه
بغداديّ، ومعن مدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) تَهَ أنه (قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِنَّرِ ضَحِيَّتَهُ) هي شاة، كما
سيأتي في التنبيه الآتي، وكان ذلك في حجة الوداع، كما يأتي في الرواية
الثالثة (ثُمَّ قَالَ: ((يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ) بقطع الهمزة، من الإصلاح رباعيّاً، (لَحْمَ
هَذِهِ) الأضحية، (فَلَمْ أَزَّلْ أَطْعِمُهُ) بضمّ الهمزة، من الإطعام، (مِنْهَا)؛ أي: من
لحم تلك الأضحية، (حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ) قال النوويّ كَّتُهُ: هذا فيه تصريح
بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث، وجواز التزود منه، وفيه أن الادخار،
والتزود في الأسفار لا يقدح في التوكل، ولا يُخرج صاحبه عن التوكل، وفيه
أن الضحيّة مشروعة للمسافر، كما هي مشروعة للمقيم، قال: وهذا مذهبنا،
وبه قال جماهير العلماء، وقال النخعيّ، وأبو حنيفة: لا ضَحِيّة على المسافر،
ورُوي هذا عن عليّ ◌َُّه، وقال مالك، وجماعة: لا تُشرع للمسافر بمنى،
ومكة. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: حديث ثوبان رَّ هذا ظاهر أنه وَّ ضحّى في
السفر، وعليه، فيكون المسافر مخاطباً بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ
الأصل عموم الخطاب بها، وقد قال: ((أُمرت بالأضحى، وهو لكم سُنَّة))؛
وهذا قول كافة العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة، والنخعيّ، فلم يريا على
المسافرين أضحية. وروي ذلك عن عليّ رَظُه. واستثنى مالك من المسافرين
الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية. وبه قال النخعيّ، ويروى ذلك عن الخليفتين

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
ـيّ، وجماعة من السلف؛ لأنَّ الحاج إنما هو
أبي بكر، وعمر، وابن عمر
مخاطَب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحِّي جعله هدياً. والناس غير
الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبّهوا بأهل منى، فيحصل لهم من أجرهم.
وقال الشافعيّ، وأبو ثور: الأضحية واجبة على الحاج بمنى أخذاً
بالعموم المتقدِّم، والقول ما قاله الخليفتان ؤًا؛ إذ قد أُمرنا بالاقتداء بهما،
كما بيّناه في الأصول.
قال الجامع عفا الله عنه: والقول ما قال الخليفتان ... إلخ فيه نظر لا
يخفى، بل القول ما قاله النبيّ بَّ﴿، وفَعَله، فإنه ضحّى بمنى، فالواجب
الاقتداء به، ويُعتذر عن الخليفتين، ومن قال بقولهما بأنهم لم يعلموا بهذه
فلذا قالوا ما قالوا.
ـه ،
السُّنّة، کما عَلِمها ثوبان
والحاصل أن الأضحية مشروعة للمسافر كالمقيم، كما هو مذهب كافّة
العلماء، كما عزاه إليه القرطبيّ في كلامه السابق، فتبصّر بالإنصاف، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان ﴿ه هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٠٢/٥ و٥١٠٣ و٥١٠٤ و٥١٠٥] (١٩٧٥)،
و(أبو داود) في ((الأضاحي)) (٢٨١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٧/٥ - ٢٧٨
و٢٨١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٧٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٩٣٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٥/٤)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٨١/٥ -٨٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٤١١)، و(الحاكم) في
(المستدرك)) (٢٣٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).

٤٦٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ التَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٤)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابِ) أبو الحسين الْعُكليّ، أصله من خراسان، وكان
بالكوفة، ورحل في الحديث، فأكثر منه، صدوقٌ يُخطىء في حديث الثوريّ
[٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِح) ضمير التثنية لزيد بن الحباب،
وعبد الرحمن بن مهديّ.
[تنبيه]: رواية زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح ساقها الإمام
أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٢٤٧٤) حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا زيد بن الْحُبَاب، ثنا معاوية بن
صالح، حدّثني أبو الزاهريّة، عن جُبير بن نُفير، عن ثوبان مولى رسول الله وَليه
قال: ذَبَحَ رسول الله وَ ل﴿ أضحية له، ثم قال لي: ((يا ثوبان أصلح لحم هذه
الشاة))، قال: فما زلت أُطعمه منها حتى قَدِم المدينة. انتهى(١).
ورواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح ساقها النسائيّ تَظّثُهُ
في ((الكبرى))، فقال:
(٤١٥٦) - أنبأ عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ، قال: حدّثنا معاوية بن
صالح، عن أبي الزاهريّة، عن جُبير بن نُفير، عن ثوبان، قال: ذبح
رسول الله ﴿ أضحيته، ثم قال: ((يا ثوبان أصلح لحم هذه الشاة))، فكنت
أُطعمه منها، حتى قدمنا المدينة أيام منى. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُقَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٨١/٥.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٥٨/٢.

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
(أَصْلِحْ هَذَا اللَّحْمَ))، قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو مُسْهِرٍ) عبد الأعلى بن مسهر الغسّانيّ الدمشقيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من
كبار [١٠] (ت٢١٨) (ع) تقدم في ((البيوع)) ١٩/ ٣٩٤٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الْحَضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ
القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٨] (ت١٨٣) على الصحيح، وله ثمانون سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الْحِمصيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٧٤/٥.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((إسحاق بن منصور)) هو: الْكَوْسج.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ) القرشيّ القلانسيّ الصوريّ، نزيل دمشق، ثقةٌ،
من كبار [١٠] (٢١٥) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٦٦/٢٨.
وایحیی بن حمزة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة ساقها أبو
عوانة كَّلُ في ((مسنده))، فقال:

٤٦٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٦)
(٧٨٧٠) - حدّثنا عمران بن بكار البرّاد، ويزيد بن عبد الصمد، وأبو زرعة
عبد الرحمن بن عمرو، قالوا: ثنا محمد بن المبارك الصوريّ، قال: ثنا يحيى بن
حمزة، عن الزُّبَيديّ، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، أنه حدثه، قال: حدّثني
أبي، عن ثوبان ◌َالله مولى رسول الله وَ لّه قال: قال رسول الله وَلاير: ((أصلح هذا
اللحم))، قال: فأصلحته، فلم يزل يأكل منه، حتى بلغ المدينة. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٦] (٩٧٧)(٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ(٣)، عَنْ أَبِيهِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَاٍ، عَنْ
مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ،
فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْئُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ
كُلُّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِراً))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٣ - (ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ) الشيبانيّ الأكبر(٤) الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦]
(ت١٣٢) (بخ م مد ت س) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٦٠/٣٤.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٨١/٥.
(٢) هذا مكرر، تقدّم.
(٣) وفي نسخة: ((عن عبد الله بن بريدة)).
(٤) وأما الأصغر، فهو أبو سنان الشيبانيّ سعيد بن سنان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل
الريّ، صدوق له أوهام من السادسة، هكذا قال في ((التقريب))، وطبقته محل نظر،
فليتأمل، والله أعلم.

٤٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤]
(ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ، تقدّم قريباً.
٦ - (أَبُوهُ) بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير،
أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٥٣٣/١٠٠.
والباقيان ذكرا في الباب وقبله.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدّم في ((كتاب الجنائز)) [٣٤/
٢٢٦٠] (٩٧٧) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، وهو من أفراد المصنّف، فراجعه
هناك تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
وقال النوويّ كَُّهُ: هذا الحديث مما صُرِّح فيه بالناسخ والمنسوخ
جميعاً، قال العلماء: يُعرَف نَسخ الحديث تارةً بنصٍّ كهذا، وتارةً بإخبار
الصحابيّ، ككان آخر الأمرين من رسول الله صل﴿ تركَ الوضوء مما مست النار،
وتارةً بالتاريخ إذا تعذر الجمع، وتارةً بالإجماع، كترك قتل شارب الخمر في
المرة الرابعة (١)، والإجماعُ لا يَنسخ، لكن يدلّ على وجود ناسخ، أما زيارة
القبور فسبق بيانها في ((كتاب الجنائز))، وأما الانتباذ في الأسقية، فسبق شرحه
في (كتاب الإيمان))، وسنعيده قريباً في ((كتاب الأشربة)) - إن شاء الله تعالى -
ونذكر هناك اختلاف ألفاظ هذا الحديث، وتأويل المؤوَّل منها، وأما لحوم
الأضاحي فذكرنا حُكمها، والله أعلم. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّكُ بْنُ مَخْلَدٍ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْقَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِّ ◌َِهـ
قَالَ: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ))، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي سِنَانٍ).
(١) دعواه الإجماع على ترك شارب الخمر في المرّة الرابعة غير صحيحة، فراجع ما
كتبته في ((شرح النسائيّ)) تَرَ حقيقة الأمر، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٣.

٤٦٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْىِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٧)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج،
تقدّم قريباً .
١ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) أبو الحارث الكوفي، ثقة [٦] (ع) تقدم في الطهارة
٦٤٨/٢٥.
٢ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ
قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت١١٥) وله تسعون سنة (م٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
[تنبيه]: كون ابن بريدة هنا هو سليمان، لا عبد الله هو الصواب، خلاف
ما وقع لبعض الشرّاح(١) وذلك لأمور:
١ - (منها): أن مسلماً صرّح في ((الجنائز)) بأن رواية علقمة هذه عن
سليمان بن بريدة.
٢ - (ومنها): أن البيهقيّ صرّح بذلك في ((الكبرى))، كما سيأتي في التنبيه الآتي.
٣ - (ومنها): أن الحافظ المزّي تَّتُ صرّح في ((تحفة الأشراف)) به،
حيث قال في ترجمة سليمان بن بريدة، عن أبيه ما نصّه: حديث ((كنت نهيتكم
عن زيارة القبور ... إلخ)) أخرجه مسلم في ((الجنائز)) عن أبي بكر بن أبي
شيبة، عن قبيصة بن عُقبة، وفي ((الأضاحيّ)) عن حجاج بن الشاعر، عن أبي
عاصم الضحّاك بن مَخْلد، كلاهما عن سفيان، عن علقمة بن مَرْئد، عنه - أي:
عن سليمان - به، وأعاده في ((الأشربة)) عن حجاج بقصّة الظروف. انتهى كلام
الحافظ المزّيّ تَذْتُهُ(٢).
٤ - (ومنها): القاعدة التي ذكر في ((تهذيب التهذيب)) وهي أن أربعة إذا
أطلقوا ابن بريدة، فهو سليمان، وإذا أطلق غيرهم فهو عبد الله، وعلقمة بن
مرثد من هؤلاء الأربعة، وقد نظمت ذلك بقولي:
ابْنُّ بُرَيْدَةَ سُلَيْمَانُ كَذَا أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ وَالْفَرْقَ خُذَا
وَأَعْمَشٌ مُحَارِبٌ فَلْتَعْلَمَا
عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ إِنْ أَبْهَمَا
(١) هو: الشيخ الهرري، فقال: هو: عبد الله بن بريدة، وهو غلط بلا شكّ.
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٢/ ٨٤.

٤٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
فَهْوَ سُلَيْمَانُ وَنِعْمَ الْمُحْتَذَى
مُحَمَّدٌ نَجْلُ جُحَادَةَ كَذَا
إِنَّهُ عَبْدُ اللهِ تَوْءَمُ الرَّجُلْ
وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ إِنْ أَبْهَمَ قُلْ
حَمْدَاً لِمَنْ أَعَانَ فِي التَّقْرِيبِ(١)
أَفَادَهُ الْحَافِظُ فِي ((التَّهْذِیبِ)»
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، فالضحّاك بن مخلد هو أبو عاصم
المذكور قبل خمسة أحاديث، وسفيان هو الثوريّ.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي سِنَانٍ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سفيان
الثوريّ، فتكون المتابعة ناقصة؛ لأنه تابعه في شيخ شيخه، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مَرْئَدٍ، عن سليمان بن بريدة
ساقها البيهقيّ ◌َخْلَثُهُ في ((الكبرى))، فقال:
(١٧٢٦٣) - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الحسن بن
عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد الدارميّ، ثنا محمد بن كثير، أنبأ سفيان (ح)
قال: وأنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا
أبو عاصم، ثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْتَد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه،
قال: قال رسول الله وَله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في
زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكّر الآخرة، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحيّ
فوق ثلاث، ليتسع ذو الطّوْل على من لا طَوْل له، فكلوا ما بدا لكم،
وأطعموا، واذَّخِرُوا، ونهيتكم عن الظروف، وإن الظروف لا تُحَرِّم شيئاً، ولا
تُحَلِّله، وكل مسكر حرام)).
لفظ حديث أبي عاصم، رواه مسلم في ((الصحيح)) عن حجاج بن
الشاعر، عن أبي عاصم. انتهى (٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) ((الفوائد السميّة في قواعد وضوابط علميّة)) ص٥٤.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣١١/٨.

٤٧١
(٦) - بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
(٦) - (بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ)
(اعلم): أن الْفَرَع، والْفَرَعَةُ - بفتح الراء -: أولُ نِتَاج الإبل والغنم،
وكان أهل الجاهليّة يذبحون لآلهتهم يتبرّكون بذلك، فنُهي عنه المسلمون،
وجمعُ الفرَعِ فَرُعُ - أي: بضمّتين - أنشد ثعلبٌ [من الرمل]:
كَغَرِيّ(١) أَجْسَدَتْ رَأْسَهُ فَرٌُ بَيْنَ رِئَّاسٍ وَحَامِ
رئاسٌ وحَامٌ: فحلان. وفي الحديث: ((لا فَرَعَ، ولا عَتِيرَةَ))، تقول:
أفرع القومُ: إذا ذبحوا أوّلَ ولد تُنتَجُهُ(٢) الناقةُ لآلهتهم، وأفرعوا: نُتِجُوا.
والفرَعُ والْفَرَعَةُ: ذِبْحٌ كان يُذبح، إذا بلغت الإبل ما يتمنّاه صاحبها، وجَمْعها
فِرَاعٌ. والفرَعُ: بعيرٌ كان يُذبح في الجاهليّة، إذا كان للإنسان مائة بعير، نَحَر
منها بَعيراً كلّ عام، فأطعم الناسَ، ولا يذوقه هو، ولا أهله. وقيل: إنه كان
إذا تمّت له إبله مائةً قدّم بَكْراً، فنحره لصنمه، وهو الفرَعُ، قال الشاعر
[من البسيط]:
إِذْ لَا يَزَالُ قَتِيلٌ تَحْتَ رَايَتِنَا كَمَا تَشَخَّطَ سَقْبُ النَّاسِكِ الْفَرَعُ
وقيل: الْفَرَعُ طعامٌ يُصنَع لنتاج الإبل، كالْخَرْسِ لولادة المرأة، قاله في
((اللسان))(٣).
و((الْعَتِيرَةُ)) - بفتح العين المهملة، وكسر التاء -: هي: الشاة تُذبح عن
أهل بيت في رجب، وقال أبو عبيد: العتيرة هي الرجبية، ذبيحة كانوا يذبحونها
في الجاهلية في رجب، يتقربون بها لأصنامهم، وقال غيره: العتيرة: نذرٌ كانوا
ينذرونه، من بَلَغ ماله كذا أن يذبح من كل عشرة منها رأساً في رجب، وذكر
ابن سِيدَهْ أن العتيرة أن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغ إبلي مائة عترت
منها عتيرة، زاد في ((الصحاح)): في رجب، ونقل أبو داود تقييدها بالعشر
(١) ((الْغَرِيّ)): صنم كان طُلي رأسه بدم. اهـ. لسان.
(٢) بضمّ أوله، وفتح ثالثه، يقال: نُتجت الناقة بضمّ النون، وكسر المثنّة: إذا وَلَدَتْ،
ولا يُستعمل هذا الفعل إلا هكذا، وإن كان مبنياً للفاعل، أفاده في ((الفتح)).
(٣) ((لسان العرب)) باختصار ٢٤٨/٨ - ٢٤٩.

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
الأُوَلِ من رجب، ونقل النوويّ الاتفاق عليه، قال الحافظ: وَفِيهِ نَظَرُ (١).
وذكر ابن منظور كَّثُ في ((اللسان)): أن العرب في الجاهليّة كانت إذا
طلب أحدهم أمراً نذر، لئن ظَفِر به ليذبحنّ من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي
العتائر أيضاً، فإذا ظفِر به، فربّما ضاقت نفسه عن ذلك، وضنّ بغنمه، وهي
الرَّبِيض، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها في رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك
عتائره. انتھی باختصار.
وقال النوويّ كَّلُهُ: والفرع أول النتاج، كان ينتج لهم، فيذبحونه، قال
أهل اللغة وغيرهم: الفرع - بفاء، ثم راء مفتوحتين، ثم عين مهملة - ويقال
فيه: الْفَرَعَةُ - بالهاء - والعتيرة - بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوقُ -
قالوا: والعتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأُوَل من رجب، ويسمونها
الرجبية أيضاً، واتفق العلماء على تفسير العتيرة بهذا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في كلام الحافظ أن دعواه
الاتفاق فيه نظر.
قال: وأما الفرع فقد فُسّر هنا بأنه أول النتاج، كانوا يذبحونه، قال الشافعيّ،
وأصحابه، وآخرون: هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يملكونه؛ رجاءً
البركة في الأمّ، وكثرة نسلها، وهكذا فَسَّره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم، وقال
كثيرون منهم: هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم، وهي طواغيتهم، وكذا جاء
هذا التفسير في ((صحيح البخاريّ) و((سنن أبي داود))، وقيل: هو أول النتاج لمن
بلغت إيله مائة يذبحونه، وقال شَمِر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة
قَدَّمَ بَكْراً، فنحره لصنمه، ويسمّونه الفرع. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٨] (١٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َاهـ
(١) ((الفتح)) ٤١٦/١٢، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٧٤).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٣ - ١٣٦.

٤٧٣
(٦) - بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ - حديث رقم (٥١٠٨)
(ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَّرْنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)، زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ :
وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النَّتَاجِ، كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، فَيَذْبَحُونَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو
محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، من كبار [٣] (ت٩٤) وقد ناهز الثمانين
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف بالنسبة لِمَا قبل التحويل، ومن سداسيّاته
بالنسبة لِمَا بعده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء
السبعة، وأبو هريرة به رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّهَ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَا فَرَعَ) - بفتحِ
الفاء، والراء، بعدها مهملة - (وَلَا عَتِيرَةَ))) - بفتح العين المهملة، وكسر التاء
المثنّاة التحتانيّة - هَكَذَا جَاءَ في ((الصحيحين)) بِلَفْظِ النَّفْي، وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي،
وقد جاء بِصِيغَةِ النَّهْي فِي رِوَايَة النسائيّ: ((نَهَى رَسُول اللهِوَّ عن الفَرَع
والعتيرة))، لكن في سندها سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهريّ، وَوَقَعَ
فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَد: ((لَا فَرَع، وَلَا عَتِيرَة فِي الْإِسْلَامِ)).
(زَادَ ابْنُ رَافِع) هو محمد شيخه الخامس، (فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ أَوَّلُ
النِّتَاجِ، كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ) - بضم أوله، وفتح ثالثه - يقال: نُتِجت الناقةُ - بضم
النون، وكسر المثناة -: إذا وَلَدت، ولا يُستعمل هذا الفعل إلا هكذا، وإن كان
مبنيّاً للفاعل. (فَيَذْبَحُونَهُ)؛ أي: لأصنامهم.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ في آخر الحديث:
((قال: والفرَع أوّل نتاج كان يُنْتَجُ لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في
رجب)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال: والفرع)) لم يتعيَّن هذا القائل هنا، ووقع
في رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر التفسيرُ موصولاً بالحديث،
ولأبي داود من رواية عبيد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن
المسيِّب، قال: ((الفرع أول النتاج ... )) الحديث، جعله موقوفاً على سعيد بن
المسيِّب، وقال الخطابيّ: أحسب التفسير فيه من قول الزهريّ، قال الحافظ:
قد أخرج أبو قُرّة في ((السنن)) الحديث عن عبد المجيد بن أبي روّاد(١) عن
معمر، وصرّح في روايته أن تفسير الفرع والعتيرة من قول الزهريّ، والله أعلم.
(٢)
.
انتھی
وقوله: ((كانوا يذبحونه لطواغيتهم)) زاد أبو داود عن بعضهم: ((ثم
يأكلونه، يُلْقَى جلده على الشجر))، وفيه إشارة إلى علة النهي، واستنبط الشافعيّ
منه الجواز، إذا كان الذبح لله؛ جَمْعاً بينه وبين حديث: ((الفرع حقّ))، وهو
حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٠٨/٦] (١٩٧٦)، و(البخاريّ) في ((العقيقة))
(٥٤٧٣ و٥٤٧٤)، و(أبو داود) في ((الأضاحي)) (٢٨٣١ و٢٨٣٢)، و(الترمذيّ)
في ((الأضاحي)) (١٥١٢)، و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (١٦٧/٧) و((الكبرى)) (٣/
٧٨)، و(ابن ماجه) في ((الذبائح)) (٣١٦٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(١) وقع في النسخة: (ابن داود))، والظاهر أنه تصحيف.
(٢) ((الفتح)) ٤١٤/١٢، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٧٤).

٤٧٥
(٦) - بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ - حديث رقم (٥١٠٨)
(٧٩٩٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٩٨ و٢٣٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢٥٢/٨)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٦٨/٢)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٢٩/٢ و٢٣٩ و٢٧٩ و٤٠٩ و٤٩٠)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٩٦٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
٨٥ - ٨٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩١٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٢٨٢/١٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٠٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣١٣/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١١٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: ((لا
فَرَعَ، ولا عَتِيرة))، وحديث: ((الفَرَعُ حقّ)):
قال النوويّ كَّلُ ما حاصله: قد صحّ الأمر بالعتيرة، والْفَرَع في غير هذا
الحديث، وجاءت به أحاديث منها حديث نُبيشة رَُّه قال: ((نادى رجل
رسول الله صل38، فقال: إنا كنا نَعْتِر عتيرة في الجاهلية في رجب، قال:
اذبحوا لله في أيّ شهر كان، وبَرُّوا لله، وأطعموا، قال: إنا كنا نُفْرِعِ فَرَعاً في
الجاهلية، فما تأمرنا؟ فقال: في كل سائمة فَرَعٌ، تغذوه ماشيتك، حتى إذا
استَحْمَل ذبحته، فتصدقت بلحمه))، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة، قال
ابن المنذر: هو حديث صحيح، قال أبو قلابة أحد رواة هذا الحديث: السائمة
مائة .
وروى البيهقيّ بإسناده الصحيح، عن عائشة ﴿ثا قالت: ((أمرنا
رسول الله ﴿ بالفَرَعة من كل خمسين واحدة))، وفي رواية: من كل خمسين
شاةً شاةٌ، قال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح.
وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال الراوي: أُراه
عن جدّه، قال: ((سئل النبيّ وَِّ عن الْفَرَع، قال: الفرع حقّ، وأن تتركوه حتى
يكون بَكْراً، أو ابن مَخَاض، أو ابن لَبُون، فتعطيه أرملة، أو تَحْمِل عليه في
سبيل الله خير من أن تذبحه، فيلزق لحمه بوَبَره، وتَكْفأ إناؤك، وتُوَلِّه ناقتك))،
قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: قال النبيّ وَّهِ: ((الفَرَعُ حَقٌّ))، ولكنهم
كانوا يذبحونه حين يولد، ولا شبع فيه، ولهذا قال: ((تذبحه، فيلزَق لحمه
بوَبَره))، وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ولهذا قال: ((خير من أن تكفأ))؛

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
يعني: إذا فعلت ذلك، فكأنك كفأت إناءك، وأَرَقته، وأشار به إلى ذهاب
اللبن، وفيه أنه يَفْجَعها بولدها، ولهذا قال: ((وتُوَلِّهَ ناقتك))، فأشار بتركه حتى
يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة، ثم يذهب، وقد طاب لحمه، واستمتع بلبن
أمه، ولا يشُقّ عليها مفارقته؛ لأنه استغنى عنها، هذا كلام أبي عبيد.
ورَوَى البيهقيّ بإسناده عن الحارث بن عَمْرو، قال: أتيت النبيّ وَّلـ
بعرفات، أو قال: بمنى، وسأله رجل عن العتيرة، فقال: ((مَن شاء عَتَرَ، ومن
شاء لم يَعْتِرْ، ومن شاء فَرَّعُ(١)، ومن شاء لم يُفَرِّع))(٢).
وعن أبي رَزِين قال: يا رسول الله إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في
رجب، فنأكل منها، ونطعم، فقال رسول الله ويمار: ((لا بأس بذلك)).
وعن أبي رَمْلة، عن مِخْنف بن سُليم، قال: كنا وُقُوفاً مع رسول الله وَاهـ
بعرفات، فسمعته يقول: ((ياأيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام
أضحيةً، وعتيرةً، هل تدري ما العتيرة؟ هي التي تسمى الرجبية))، رواه أبو
داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسن.
وقال الخطابيّ: هذا الحديث ضعيف المخرج؛ لأن أبا رملة مجهول،
هذا مختصر ما جاء من الأحاديث في الفرع والعتيرة.
قال الشافعيّ كَّثُ: الفرع شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في
أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكْر ناقته، أو شاته، فلا يغذوه رجاء البركة فيما
يأتي بعده، فسألوا النبيّ وَّ﴿ عنه، فقال: ((فَرِّعوا إن شئتم))؛ أي: اذبحوا إن
شئتم، وكانوا يسألونه عما كانوا يصنعونه في الجاهلية؛ خوفاً أن يُكْرَه في
الإسلام، فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحباباً أن يغذوه، ثم
يُحْمَل عليه في سبيل الله.
قال الشافعيّ: وقوله وَّهِ: ((الفَرَعُ حَقٌّ))؛ معناه: ليس بباطل، وهو كلام
عربيّ خرج على جواب السائل، قال: وقوله وَّ: ((لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة))؛ أي:
(١) عبارة ((القاموس)) تقتضي أن فرّع بتشديد الراء، من التفريع، فتنبّه.
(٢) رواه أحمد، والنسائيّ، وهو ضعيف؛ لجهالة بعض رواته، راجع: ((شرحي على
النسائيّ)) جـ٣٢ ص٣٩٢ - ٣٩٣.

٤٧٧
(٦) - بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ - حديث رقم (٥١٠٨)
لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، قال: والحديث الآخر يدلّ على هذا
المعنى، فإنه أباح له الذبح، واختار له أن يعطيه أرملة، أو يَحْمِل عليه في
سبيل الله، قال: وقوله ◌َ﴿ في العتيرة: ((اذبحوا لله في أيِّ شهر كان))؛ أي:
اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أيّ شهر كان، لا أنها في رجب دون
غيره من الشهور.
قال النووي: والصحيح عند أصحابنا، وهو نصّ الشافعيّ استحباب
الفَرَع، والعَتِيرة، وأجابوا عن حديث: ((لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة)) بثلاثة أوجه:
[أحدها]: جواب الشافعيّ السابق، أن المراد نفي الوجوب.
[والثاني]: أن المراد نفي ما كانوا يذبحون لأصنامهم.
[والثالث]: أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب، أو في ثواب إراقة
الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين، فَبِرّ، وصدقة، وقد نَصّ الشافعيّ في
((سنن حرملة)) أنها إن تيسَّرت كلَّ شهر كان حسناً، هذا تلخيص حُكمها في
مذهبنا، وادَّعَى القاضي عياض أن جماهير العلماء على نَسْخ الأمر بالفَرَع،
والعتيرة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَذُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): واستنبط الشافعي منه - أي: من حديث: ((لا فَرَع ولا
عَتِيرة)) - الجوازَ إذا كان الذبح لله؛ جمعاً بينه وبين حديث: ((الفَرَعُ حَقٌّ))، وهو
حديث أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، من رواية داود بن قيس، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، كذا في رواية الحاكم:
(سئل رسول الله وَله عن الفَرَع، قال: الفَرَع حقّ، وأن تتركه حتى يكون بنت
مخاض، أو ابن لبون، فتَحْمِل عليه في سبيل الله، أو تعطيه أرملة خير من أن
تذبحه، يلصق لحمه بوبره، وتُوَلِّه ناقتك)).
وللحاكم من طريق عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة من قوله: ((الفرعة
حقّ، ولا تذبحها، وهي تلصق في يدك، ولكن أمْكِنها من اللبن حتى إذا كانت
من خيار المال، فاذبحها)).
قال الشافعيّ فيما نقله البيهقيّ من طريق المزنيّ عنه: الفرَع شيء كان
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١٣ - ١٣٧.

٤٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
أهل الجاهلية يذبحونه، يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكُر
ناقته، أو شاته؛ رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبيّ وَلقر عن حُكْمها،
فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحباباً أن يتركوه حتى يُحْمَل عليه
في سبيل الله. وقوله: ((حَقّ))؛ أي: ليس بباطل، وهو كلام خرج على جواب
السائل، ولا مخالفة بينه وبين حديثه الآخر: ((لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة))، فإن معناه:
لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، وقال غيره: معنى قوله: ((لا فَرَعَ، ولا
عَتِيرة))؛ أي: ليسا في تأكد الاستحباب كالأضحية، والأول أولى.
وقال النوويّ(١): نَصّ الشافعيّ في حرملة على أن الفَرَع والعتيرة
مستحبان، ويؤيِّده ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وصححه
الحاكم، وابن المنذر، عن نُبيشة - بنون، وموحدة، ومعجمة، مصغراً - قال:
نادى رجل رسول الله وَّل : إنا كنا نَعْتِر عَتِيرةً في الجاهلية في رجب، فما
تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا لله، في أيّ شهر كان))، قال: إنا كنا نَفْرِع في الجاهلية؟
قال: ((في كل سائمة فَرَعٌ، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استَحْمَل ذبحته، فتصدقت
بلحمه، فإن ذلك خير))، وفي رواية أبي داود، عن أبي قلابة: السائمة مائة.
ففي هذا الحديث أنه وَي لم يبطل الفَرَع والعتيرة من أصلهما، وإنما
أبطل صفةً من كلّ منهما، فمن الفَرَع كونه يذبح أول ما يولد، ومن الْعَتِيرة
خصوص الذبح في شهر رجب.
وأما الحديث الذي أخرجه أصحاب ((السنن)) من طريق أبي رَمْلة، عن
مِخْنف بن سُليم، قال: كنا وقوفاً مع النبيّ وَله بعرفة، فسمعته يقول: ((يا أيها
الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحيةٌ، وعتيرةٌ، هل تدرون ما العتيرة؟
هي التي يسمونها الرجبية))، فقد ضعّفه الخطابيّ(٢) لكن حسّنه الترمذيّ.
وجاء من وجه آخر عن عبد الرزاق، عن مِخْنف بن سُليم، ويمكن رَدّه
إلى ما حُمِل عليه حديث نُبيشة.
ورَوَى النسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث الحارث بن عمرو، أنه
(١) ((المجموع شرح المهذّب)) ٤٢٨/٨، و((شرح مسلم)) ١٣٦/١٣.
(٢) («معالم السنن)) ١٩٥/٢.

٤٧٩
(٦) - بَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ - حديث رقم (٥١٠٨)
لقي رسول الله وَ ﴿ في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله العتائر،
والفرائع، قال: ((من شاء عَتَرَ، ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فَرَّع، ومن شاء لم
يُفَرِّع))، وهذا صريح في عدم الوجوب، لكن لا ينفي الاستحباب، ولا يُثبته،
فیؤخذ الاستحباب من حديث آخر.
وقد أخرج أبو داود من حديث أبي العُشَراء، عن أبيه، أن النبيّ وَّ سئل
عن العتيرة، فحسّنها .
وأخرج أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، من طريق وَكِيع بن
عُدُس، عن عمه أبي رَزِين العُقَيليّ قال: قلت: يا رسول الله إنا كنا نذبح ذبائح
في رجب، فنأكل، ونطعم من جاءنا؟، فقال: ((لا بأس به))، قال وكيع بن
عُدُس: فلا أَدَعُه.
وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تُستحب، وفي هذا تعقّب على من قال: إن
ابن سيرين تفرد بذلك، ونَقَل الطحاويّ عن ابن عون أنه كان يفعله، ومال ابن
المنذر إلى هذا، وقال: كانت العرب تفعلهما، وفَعَلهما بعض أهل الإسلام
بالإذن، ثم نَهَى عنهما، والنهي لا يكون إلا عن شيء كان يُفْعَلُ، وما قال
أحد: إنه نَهَى عنهما، ثم أَذِن في فعلهما، ثم نَقَل عن العلماء تَرْكهما إلا ابن
سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النَّسخ، وبه جزم الحازميّ، وما
تقدم نَقْله عن الشافعيّ يَرُدّ عليهم.
وقد أخرج أبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، واللفظ له، بسند صحيح، عن
عائشة ﴿يُّ: ((أمرنا رسول الله وَ ﴿ بالفَرَعَة في كل خمسين واحدة)). انتهى ما
في ((الفتح)) (١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال العلّامة الشوكانيّ ◌َخُّْ: أحاديث الباب يدلّ بعضها على وجوب
العَتيرة والفرَع، وهو حديث مِخنَف، وحديث نُبيشة، وحديث عائشة، وحديث
عمرو بن شعيب، وبعضها يدلّ على مجرّد الجواز من غير وجوب، وهو حديث
الحارث بن عمرو، وأبي رَزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة
للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب. وقد اختلف في الجمع بين الأحاديث
(١) ((الفتح)) ٤١٤/١٢ - ٤١٦، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٧٤).

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
المذكورة، والأحاديث القاضية بالمنع من الفرع والعَتيرة، فقيل: إنه يُجمع بينها
بحمل أحاديث الجواز على الندب، وحمل أحاديث المنع على عدم الوجوب،
ذكر ذلك جماعة، منهم: الشافعيّ، والبيهقيّ، وغيرهما، فيكون المراد بقوله:
((لا فرَع، ولا عَتِيرة))؛ أي: لا فرَع واجب، ولا عَتِيرة واجبةٌ، وهذا لا بدّ منه،
مع عدم العلم بالتاريخ؛ لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز،
كما تقرّر في موضعه.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أحاديث الجواز منسوخة
بأحاديث المنع، وادّعى القاضي عياضٌ أن جماهير العلماء على ذلك، ولكنّه
لا يجوز الجزم به إلا بعد ثبوت أنها متأخّرة، ولم يثبت.
وقال أيضاً عند شرح حديث: ((لا فرَع، ولا عتيرة)) ما حاصله: وقد
استدلّ بهذا من قال: إن الفرع والعتيرة منسوخان، وقد عرفت أن النَّسخ لا يتمّ
إلا بعد معرفة تأخّر تاريخ ما قيل: إنه ناسخٌ، فأعدل الأقوال الجمع بين
الأحاديث بما سلف، ولا يعكُر على ذلك رواية النهي؛ لأن معنى النهي
الحقيقيّ، وإن كان هو التحريم، لكن إذا وُجدت قرينة أخرجته عن ذلك.
ويمكن أن يُجعل النهي موجّهاً إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون
على حقيقته، ويكون غير متناول لِمَا ذُبح من الفرع، والعتيرة لغير ذلك، مما
فيه وجه قربة.
وقد قيل: إن المراد بالنفي المذكور نفي مساواتهما للأضحية في الثواب،
أو تأكّد الاستحباب. وقد استدلّ الشافعيّ بما روي عنه وَّهو أنه قال: ((اذبحوا لله
في أيّ شهر كان)) على مشروعيّة الذبح في كلّ شهر إن أمكن، قال في ((سنن
حرملة)): إنها إن تيسّرت كلّ شهر كان حسناً .. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َُّ ببعض
تصرّف .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ◌َثُ تحقيق
نفيسٌ جدّاً.
وحاصله أن يُجمع بين حديث: ((لا فرع، ولا عَتيرة)) وأحاديث الأمر
بالفرع والعتيرة، بأن الأمر للندب، والنفي محمول على نفي الوجوب، أو أن
النفي محمول على الفَرَع والعتيرة التي كانت على صفة الجاهليّة، مِنْ ذَبْحها