Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٥)
(١)
وحُضرته، وحضرته. انتهى
وقال النوويّ: هي بفتح الحاء، وضمّها، وكسرها، والضاد ساكنة فيها
كلُّها، وحُكي فتحها، وهو ضعيفٌ، وإنما تُفتَح إذا حُذفت الهاء، فيقال: بحضر
(٢)
فلان. انتهى
.
(زَمَنَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((ادَّخِرُوا ثَلَاثاً) وفي رواية
النسائيّ: (كُلُوا، وادّخروا ثلاثاً))، (ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ))): والمعنى: كلوا
بعضه، وادّخروا بعضه مدةَ ثلاث ليال، وما فَضَل عن ذلك، فتصدّقوا به على
هؤلاء المحتاجين. (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) اسم ((كان)) محذوف؛ أي: فلمّا كان
الزمن بعد ذلك الوقت الذي قال فيه وَلجر: ((ادخروا ... إلخ))؛ أي: في العام
الذي يليه، (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَة) بفتح الهمزة:
جمع سقاءَ، قال المجد تَّتُهُ: السِّقاء، ككِسَاءِ: جلدُ السَّخْلة إذا أجذع، يكون
للماء واللبن، جَمْعه: أسقية، وأسقياتٌ، وأساقٍ. انتهى(٣).
(مِنْ ضَحَابَاهُمْ) بفتح الضاد: جمع ضَحِيّة، كعطيّة وعطايا، كما سبق أول
الكتاب، (وَيَجْمِلُونَ) بالجيم، وفتح أوله، وضمّه، من جَمَل، كنصر، وضرب،
وأجمل، يقال: جَمَلتُ الدهن، أَجمِله، بكسر الميم، وأجمُلُه بضمّها جَمْلاً،
وأجملته إجمالاً؛ أي: أَذَبْته، قاله النوويّ (٤).
وقال القرطبيّ: ((الأسقية)): جمع سقاء، كالأخبية، جمع خِبَاء،
و(يجملون)): يُذيبون، و((الودك)): الشحم، يقال: جملت الشحم، واجتملته:
إذا أذبته، وربّما قالوا: أجملت، وهو قليل. انتهى(٥).
ووقع في بعض النُّسخ: ((ويَحْملون)) بالحاء المهملة، من الحمل؛ أي:
يحملون الودك في تلك الأسقية، والله تعالى أعلم.
(مِنْهَا)؛ أي: من تلك الضحايا، (الْوَدََ) بفتحتين؛ أي: الشحم، ودَسَم
اللحم؛ أي: يُذيبون الشحم، ويستخرجون دهنه، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَمَا
(١) (الصحاح)) ص٢٤١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٢٤.
(٥) ((المفهم)» ٣٧٨/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١٣.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
ذَاكَ؟)))؛ أي: ما سبب قولكم هذا؟، مع ظهور أنه جائز، (قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ
تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا) ببناء الفعل للمفعول، (بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أي: بعد ثلاث ليال.
(فَقَالَ) بَِّ ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّاقَّةِ الَّتِي دَفَّتْ)؛ أي: لأجل
الجماعة التي أتتكم من البادية، أردت أن تتصدّقوا عليهم، وهذا ظاهر فيما
قدّمناه من أن المدار هو الحاجة، وليس هذا من باب النَّسخ. قال أبو العبّاس
القرطبيّ ◌َخْتُهُ: وهذا نصّ منه وَ ﴿ على أن المنع كان لعلّة، ولَمّا ارتفعت ارتفع
المنع المتقدّم؛ لارتفاع موجِبه، لا لأنه منسوخٌ، وهذا يُبطل قول من قال: إن
ذلك المنع إنما ارتفع بالنَّسخ، لا يقال: فقد قال وَّه: ((كنت نهيتكم عن ادّخار
لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادّخروا))، وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول
بخطاب متأخّر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هذا لَعَمْر الله ظاهر
هذا الحديث، مع أنه يَحْتَمِل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد
لنا نصٌّ بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علّته، لَمَا عدَلنا عن ذلك الظاهر،
وقلنا: هو نسخٌ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين
معه في حديث بُريدة ◌َظُه الآتي، لكن النصّ الذي في حديث عائشة رضيديّا في
التعليل بيّنَ أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلّة، فتعيّن ترك ذلك
الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لِعَضَد النصّ له، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الفرق بين رفع الحكم بالنَّسخ، ورفعه لارتفاع علّته أن المرفوع بالنسخ
لا يُحكم به أبداً، والمرفوع لارتفاع علّته يعود الحكم لِعَود العلّة، فلو قَدِمَ على أهل
بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ، يسدّون
بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث، كما هو فعل
النبيّ وَّهُ. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(فَكُلُوا، وَاذَّخِرُوا) - بالدال المهملة المشدّدة - لأن أصلها اذتخروا، من
ذَخَرَ بالذال المعجمة، اجتمع مع تاء الافتعال، وقُلبت التاء دالاً، فصار
إذدَخِروا، ثم قُلبت الذال دالاً، وأدغمت الدال في الذال، فصار: اذَّخِروا(٢)،
كما قال في ((الخلاصة)):
(١) ((المفهم)) ٣٧٨/٥ - ٣٧٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٢١.

٤٤٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٥)
فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالاً بَقِي
طَاتَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُظْبَقٍ
(وَتَصَدَّقُوا))) قال النوويّ تَخُّْ: هذا تصريح بزوال النهي عن ادّخارها فوق
ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها، إذا كانت
أضحية تطوّع، فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها،
ويستحبّ أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث، ويتصدّق
بالثلث، ويُهدي الثلث. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قد أشرت فيما مضى أن أول هذا الحديث مرسل، قال الحافظ
رشيد الدين العطار تظلُّ في ((غرر الفوائد)): هذا مرسل، فإن عبد الله بن واقد
تابعيّ يروي عن عبد الله بن عمر وغيره، وهو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب ﴿، ولم يحتجّ مسلم بهذا المرسل، إنما احتج بباقي
الحديث، وهو قول عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكرت ذلك العمرة، فقالت:
صدق، سمعت عائشة ◌َّا تقول: دَفّ أهل أبيات، من أهل البادية حضرةَ
الأضحى، زمن رسول الله وَه، فقال رسول الله وَالقول: ((ادخِرُوا ثلاثاً ... ))
الحديث، وهذا مسند، ولا يخفى على من له أَنْسٌ بعلم الرواية أن هذا المسند
من هذا الحديث هو الذي احتجّ به مسلم، وقد رواه القعنبيّ عن مالك، عن
عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة به، لم يذكر فيه عبد الله بن واقد،
وكذلك رواه يحيى القطان عن مالك أيضاً، وأخرجه أبو داود في ((سننه)) عن
القعنبيّ كذلك، وأخرجه النسائيّ أيضاً في ((سننه)) عن عبيد الله بن سعيد، وهو
أبو قُدامة السرخسيّ، عن يحيى، وهو القطان، فيما علمت عن مالك، كذلك.
وأما المرسل الذي في أوله، فإنه متصلٌ في كتاب مسلم من حديث ابن
عمر وغيره، عن النبيّ وَّه. انتهى كلام الحافظ العطّار ◌َّتُهُ(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١٣.
(٢) ((غرر الفوائد)) ٢٨٤/١ - ٢٨٥.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال العطّار نَّتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً،
وخلاصته أنه لا عيب على مسلم في إيراده حديث عبد الله بن واقد، وهو
مرسل؛ لأنه لم يُرِد الاحتجاج به، وإنما أراد الاحتجاج بالموصول، وهو
حديث عمرة، عن عائشة ﴿يا، وإنما ساقه حيث سمعه من شيخه كذلك، فأدّاه
كما سمعه، وقد تقدّم كلام العطّار هذا في ((مقدّمة شرح المقدّمة)) وإنما أعدته
هنا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٩٥/٥] (١٩٧١)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة))
(٥٤٢٣ و٥٤٣٨) و((الأضاحي) (٥٥٧٠)، و(أبو داود) في ((الضحايا)) (٢٨١٢)،
و(الترمذيّ) في ((الأضاحي)) (١٥١١)، و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (٢٣٥/٧)،
و(ابن ماجه) في ((الأضاحي)) (٢١٥٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٨٤/٢ -
٤٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥١/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢/
٤٤٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٧٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٢٧)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٢٩٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١١٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الادخار من الأضاحي، فوق ثلاثة أيام، قال ابن
بطال تَخْتُهُ: في الحديث ردٌّ على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام
لغد، وأن اسم الولاية لا يُستحقّ لمن ادّخر شيئاً، ولو قَلّ، وأن من ادّخر أساء
الظن بالله، وفي هذه الأحاديث كفاية في الردّ على من زعم ذلك. انتهى (١).
٢ - (ومنها): جواز النَّسخ في الأحكام الشرعيّة.
٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): في هذه الأحاديث من الفوائد، غير ما
تقدم، نَسْخ الأثقل بالأخفّ؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث،
مما يثقل على المضحِّين، والإذن في الادّخار أخفّ منه، وفيه ردّ على من
(١) ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ٤٨٨/٩.

٤٤٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْىِ عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٥)
يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعَكَسه ابن العربي زعماً أن
الإذن في الادخار نَسخ بالنهي.
وتُعُقّب بأن الادخار كان مباحاً بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخاً،
وعلى تقدير أن يكون نسخاً، ففيه نسخ الكتاب بالسُّنَّة؛ لأن في الكتاب الإذن
في أكلها، من غير تقييد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ﴾ [الحج: ٢٨].
ويمكن أن يقال: إنه تخصيص، لا نسخ، وهو الأظهر. انتهى ما قاله في
((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استظهره الحافظ من كون هذا
النهي ليس بنسخ، وإنما هو من باب التخصيص، هو الحقّ، كما سبق بيانه في
كلام القرطبيّ تَخْثُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلَلهُ: وفي هذا الحديث أبواب من أصول
الفقه، وهو أن الشرع يُراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعلیل،
ولَمّا تصفّح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا وجدوه كثيراً، بحيث حصل لهم
منه أصل كلّيّ، وهو أن الشارع مهما حكم، فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد
يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها، وقد لا يجدون، فيسبُرُون أوصاف
المحلّ الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره
الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة،
والمصلحة لا تعدو أوصاف المحلّ، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا
هذا، فتعيّن. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأكل من الأضحية:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه مستحبّ، قال النوويّ تَخْتُ: هذا مذهبنا،
ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها،
وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماورديّ؛ لظاهر هذا
(١) ((الفتح)) ٥٨٥/١٢ - ٥٨٦، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٧٠).
(٢) («المفهم)) ٣٧٩/٥.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
الحديث في الأمر بالأكل، مع قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾، وحَمَل الجمهور هذا
الأمر على الندب، أو الإباحة، لا سيّما وقد ورد بعد الحظر، فقد قال جماعة
من أصحابنا: إنه في هذه الحالة للإباحة، والجمهور على أنه للوجوب، كما لو
ورد ابتداء، وبوجوب الأكل، ولو لُقمة قاله ابن حزم الظاهريّ.
وأما الصدقة منها، فالصحيح عند الشافعيّة، والحنابلة بما يقع عليها
الاسم، ويستحبّ أن يتصدّق بمعظمها، ويُهدي الثلث، وللشافعيّ قول إنه يأكل
النصف، ويتصدّق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أوفى الكمال في
الاستحباب، وأما الإجزاء فتجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم، وذهب بعضهم
إلى أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وهو مذهب المالكيّة، قال ابن عبد البرّ:
وعلى هذا جماعة العلماء، إلا أنهم يكرهون أن لا يتصدّق منها بشيء. انتهى.
وقالت الحنفيّة: يستحبّ أن يتصدّق بالثلث، ويأكل الثلث، ويدّخر الثلث.
قال وليّ الدين تَخّْتُهُ: وأما الادخار فالأمر به للإباحة بلا شكّ. انتهى.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَُّ في قوله: ((فكلوا، وادّخروا، وتصدّقوا)):
هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل تقَدُّمه عليها يُخرجها عن أصلها من
الوجوب عند من يراه، أو لا يُخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين.
قال: والظاهر من هذه الأوامر هنا إطلاق ما كان ممنوعاً، بدليل اقتران
الادخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادخار على الوجوب
بوجهٍ، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ، وجمهور العلماء على أن
الأكل من الأضحيّة ليس بواجب، وقد شذّت طائفة، فأوجبت الأكل منها؛
تمسّكاً بظاهر الأمر هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحجّ: ٢٨]، ووقع
لمالك في كتاب ابن حبيب أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطىء،
وقال أيضاً: لو أراد أن يتصدّق بلحم أضحيته كلِّه كان له، كأكله كلّه حتى
يفعل الأمرين.
وقال الطبريّ: جميع أئمة الأمصار على جواز أن لا يأكل منها، إن
شاء، ويَطعم جميعها، وهو قول محمد بن الموّاز. انتهى كلام القرطبيّ كَّثهُ(١).
(١) ((المفهم)) ٣٧٩/٥ - ٣٨١.

٤٤٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٦)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الأمر بعد الحظر، قيل: للإباحة؛
لِتبادُره إلى الذهن، وقيل: للوجوب حقيقةً؛ لأن الصيغة تقتضيه. وقيل:
بالتفصيل، فما كان قبل الحظر واجباً كان للوجوب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
اُنْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥]، فإنه كان واجباً قبل تلك
المدة، فاستمرّ كذلك بعدها، وإلا كان للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
ج
حَلُ فَاصْطَادُواْ﴾ الآية [المائدة: ٢]، وهذا القول هو الأرجح عندي(١)، وقد
اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْلُّ في ((المسوّدة))(٢)، والحافظ ابن كثير نَّهُ
في «تفسيره))(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلُْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]، وإلى
الاختلافات المتقدّمة أشار السيوطيّ تَخّْثهُ في ((الكوكب الساطع)) بقوله:
قَالَ الإِمَامُ أَوِ الاسْتِثْذَانِ
فَإِنْ أَتَى افْعَلْ بَعْدَ حَظْرٍ دَانِي
وَقِيلَ مَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحِرْمِ
فَلِلإِبَاحَةِ وَقِيلَ الْحَتْم
وقد نظمت القول الراجح عندي في ((التحفة المرضيّة))، فقلت:
يُفِيدُ مَا كَانَ قُبَيْلُ يُعْتَمَدْ
إِنْ وَرَدَ الْحَظْرُ بُعَيْدَ النَّهْيِ قَدْ
بِذَا يَقُولُ جِلَّةُ الأَئِمَّةِ
مِنْ نَذْبٍ اوْ وَجُوبٍ اوْ إِبَاحَةٍ
حُجَجُهُ كَالشَّمْسِ ظُهْراً تُعْرَفُ
وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ يَنْحُو السَّلَفُ
وقول الطبريّ: ((جميع أئمة الأمصار ... إلخ)) فيه نظر، فقد تقدّم أن ابن
حزم قال بالوجوب، وقد نقله عن بعض السلف، فليس هناك إجماع.
والحاصل أن الأرجح استحباب كلٍّ: من الأكل، والصدقة، والادّخار؛
لوضوح حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٩٦] (١٩٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ،
ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ((كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا))).
(١) كنت رجحت في ((شرح النسائيّ)) القول بأنه للإباحة، لكن الآن ترجّح عندي هذا
القول؛ فتنبّه.
(٢) ((المسوّدة)) ١٠٦/١.
(٣) ((تفسير ابن كثير)) ٦/٢ - ٧.

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٣ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام ◌ًَّا، تقدّم أيضاً قبل بابين.
و((مالك)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٦٥) من رباعيّات الكتاب، وفيه
جابر نظُّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (عَنْ جَابِرٍ) ظُه، في
رواية النسائيّ: ((عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه أخبره أن
رسول الله وَ﴿ ... ))، فصرّح بإخبار جابر له، فزالت عنه تهمة التدليس. (عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أي: بعد ثلاث ليال،
فتذكير العدد باعتبار الليالي، وفي الرواية التالية: ((كنا لا نأكل من لحوم بُدُننا
فوق ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله وَطير، فقال: ((كلُوا، وتزوّدوا))، وفي
رواية: ((كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول الله وصل - أن
نتزوّد منها، ونأكل)) - يعني: فوق ثلاث -. وفي رواية: ((كنا نتزوّدها إلى
المدينة على عهد رسول الله وَالخير)). (ثُمَّ قَالَ) وَ (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛
لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد ذلك النهي ((كُلُوا) تقدّم أن الأمر
فيه للاستحباب عند الجمهور، وأوجبه ابن حزم الظاهري. (وَتَزَوَّدُوا)؛ أي:
خذوا منه زاداً في السفر، وهذا لمن أراد أن يسافر، (وَادَّخِرُوا))) بالمهملة،
وأصله من ذخر بالمعجمة، دخلت عليها تاء الافتعال، ثم أدغمت، ونظيره قوله
تعالى: ﴿وَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الآية [يوسف: ٤٥].
وفي حديث عائشة ﴿ّا الماضي: ((وكلوا، وادّخروا، وتصدّقوا))، قال
السنديّ: قوله: ((ثم كلوا)) هذا ظاهر في النسخ، والذي يدلّ عليه النظر في
أحاديث الباب أن المدار على حاجة الناس، فإن رأى حاجتهم شديدة ينبغي له

٤٤٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٦)
أن لا يدّخر فوق ثلاث، وإلا فله ذلك، وعلى هذا فلا نسخ، ولعلّ نهي
عليّ ◌َّه مبنيّ على ذلك، لا على عدم بلوغ النسخ إليه. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر نصبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٩٦/٥ و٥٠٩٧ و٥٠٩٨ و٥٠٩٩] (١٩٧٢)،
و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٧١٩) و((الجهاد)) (٢٩٨٠) و((الأطعمة)) (٥٤٢٤)
و((الأضاحي)) (٥٥٦٧)، و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (٢٣٣/٧)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٤٨٤/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٧٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٨٦/٣ و٣٨٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٦/٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٢٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٠/٩ - ٢٩١)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١١٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الإذن في أكل لحم الأضحيّة، والادخار بعد ثلاث.
٢ - (ومنها): استحباب الادّخار، من لحوم الأضاحيّ.
٣ - (ومنها): جواز الادخار للقوت، خلافاً لمن كرهه، وقد ورد في
الادخار: ((كان يدّخر لأهله قوت سنة))، وفي رواية: ((كان لا يدّخر لغد))،
والأول في ((الصحيحين))، والثاني في ((صحيح مسلم))، والجمع بينهما أنه كان
لا يدّخر لنفسه، ويدّخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال، فیترکه عند
حاجة الناس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة.
٤ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ: فيه ردّ على المعتزلة الذين يرون أن
النسخ لا يكون إلا بالأخفّ للأثقل، وقد كان أكلها مباحاً، ثم حُرّم، ثم أُبيح،
وأيّ هذين أخفّ، أو أثقل، فقد نُسخ أحدهما بالآخَر.
وتعقّبه وليّ الدين، فقال: تحريمها بعد الإباحة ليس نسخاً؛ لأنه رفع
للبراءة الأصليّة، ورفع البراءة الأصليّة، ليس بنسخ، على ما تقرّر في الأصول،
وإن صحّ ما قاله، فقد وقع النسخ هنا مرّتين، وذلك في مواضع محصورة، لم

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
يُذكر هذا منها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيِّى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ، قَالَ: سَمِغَّتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا لَا تَأْكُلُ
مِنْ لُحُومِ بُذَّنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ مِنَّى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: «كُلُوا،
وَتَزَوَّدُوا))، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم ثلاثة أبواب.
٤ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيةٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُنَّا لَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا) بضمّتين، وتُسكّن داله تخفيفاً، جمع
بَدَنة بفتحات، ويُجمع أيضاً عَلى بدنات؛ كقصب، وقصبات، قال
الفيّوميّ نَّتُهُ: والبَدَنَةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذَكر،
قال: ولا تقع البَدَنَةُ على الشاة، وقال بعض الأئمة: البَدَنَةُ هي الإبل خاصّةً،
ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبِهَا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، سُمّيت بذلك؛
لِعِظَم بَدَنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسُّنَّة، وهو قوله وَّى: ((تجزئ البدنة
عن سبعة، والبقرة عن سبعة))، ففرّق الحديث بينهما بالعطف؛ إذ لو كانت
البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لَمَا ساغ عَظْفها؛ لأن المعطوف غير
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٠١/٥.

٤٥١
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيٍ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٧)
المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: ((اشتركنا مع رسول الله وَ لّل
في الحج والعمرة سبعةٌ منّا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما
نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدْن))، والمعنى: في الحكم؛ إذ لو
كانت البقرة من جنس البدن لَمَا جهلها أهل اللسان، ولفُهِمت عند الإطلاق
أيضاً، قالوا: وإذا أطلقت البَدَنَةُ في الفروع، فالمراد البعير ذكراً كان أو أنثى.
(١)
انتھی(١).
وقوله: (فَوْقَ ثَلَاثٍ مِنَّى) بإضافة ثلاث إلى منى.
وقوله: (فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وََّ) يقال: رَخّصَ الشرع لنا في كذا
ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً: إذا يسّره، وسهّله، والترخيص: التسهيل في
الأمر، والتيسير، قاله الفيّوميّ(٢).
وقوله: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟) السائل هو ابن
جُريج، ففي رواية البخاريّ: ((وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أقال: حتى جئنا
المدینة؟)).
وقوله: (قَالَ: نَعَم)؛ أي: قال عطاء: نعم قال جابر هذا، هكذا في
رواية مسلم بلفظ: ((نعم))، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((قال: لا))، وجَمَع
النوويّ بين الاختلافين، فقال: يَحْتَمل أنه نسي في وقت، فقال: لا، وذكر في
وقت، فقال: نعم. انتهى(٣).
وأما الحافظ فقد رجّح رواية البخاريّ، فقال - بعد ذكر رواية مسلم بلفظ:
((نعم)) -: كذا وقع عنده بخلاف ما وقع عند البخاريّ: ((قال: لا))، والذي وقع
عند البخاريّ هو المعتمد، فإن أحمد أخرجه في ((مسنده)) عن يحيى بن سعيد
كذلك، وكذلك أخرجه النسائيّ عن عمرو بن عليّ، عن يحيى بن سعيد، وقد
نَبَّهَ على اختلاف البخاريّ ومسلم في هذه اللفظة الحميديّ في ((جمعه))، وتبعه
عياض، ولم يذكرا ترجيحاً، وأغفل ذلك شُرّاح البخاري أصلاً، فيما وقفت
عليه، ثم ليس المراد بقوله: ((لا)) نفي الحكم، بل مراده أن جابراً لم يُصَرِّح
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١ - ٢٢٤.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
باستمرار ذلك منهم، حتى قَدِموا، فيكون على هذا معنى قوله في رواية عمرو بن
دينار، عن عطاء: ((كنا نتزوّد لحوم الهدي إلى المدينة))؛ أي: لِتَوَجُّهِنا إلى
المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة، والله أعلم.
لكن قد أخرج مسلم من حديث ثوبان : ((قال: ذبح النبيّ وَ ﴾
أضحيته، ثم قال لي: يا ثوبان أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم
المدينة)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد الحافظ حديث ثوبان، ولم يجمع
بينه وبين نفي عطاء المذكور، وهو سهل؛ إذ يُحمَل أن عدم ذِكر جابر له لا
يستلزم عدم تزوّدهم إلى المدينة، ويؤيّد ذلك رواية عمرو بن دينار المذكورة،
فيكون قوله: ((إلى المدينة)) بمعنى قول ثوبان: ((حتى قَدِمنا المدينة))، فلا
تَخَالُف، ولا حاجة إلى تأويل الحافظ المتقدّم، فتأمله بالإمعان، والله تعالى
أعلم.
والحديث متفقٌ عليه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٌّ،
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ،
عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا لَا نُمْسِكُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمَرَنَا
رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا، وَنَأْكُلَ مِنْهَا؛ يَعْنِي: فَوْقَ ثَلَاثٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،
نزيل بغداد، أخو يوسف، ثقة حافظ جليلٌ، من كبار [١٠] (ت١١ أو ٢١٢) (خ
م مد ت س ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ
فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن ثمانين إلا سنة (ع) تقدّم في ((المقدّمة))
٦ / ٩٦.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسمه زيد الْجَزَريّ، أبو أسامة، أصله من

٤٥٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيّ ... إلخ - حديث رقم (٥٠٩٩ - ٥١٠٠)
الكوفة، ثمّ سكن الرُّها، ثقةٌ [٦] (١١٩) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخّْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ ◌ِ﴾﴾.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠٠] (١٩٧٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عبدُ الأَعْلَى، عَنِ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا عبدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ (١) الأَضَاحِيّ
فَوْقَ ثَلَاثٍ))، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ))، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّ لَهُمْ
عِيَالاً، وَحَشَماً، وَخَدَماً، فَقَالَ: ((كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَاحْبِسُوا، أَوِ اذَّخِرُوا))، قَالَ ابْنُ
الْمُثَنَّى: شََكَ عبدُ الأَعْلَى).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
(١) وفي نسخة: (لَحْمَ)).

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختلط قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَروبة مِهْران اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ
حافظ، له تصانيف، لكنه كثر التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في
قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
من رؤوس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطعة الْعَبْدِيّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٢٧/٦.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ◌ًَّا، تقدّم قريباً.
و «شیخه)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: انتقد بعض الحفّاظ ذِكر قتادة في هذا السند، فقال النوويّ كَّهُ:
هكذا وقع في نُسخ بلادنا: ((سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة))، وكذا ذكره أبو
عليّ الغسانيّ، والقاضي عن نسخة الْجُلُوديّ، والكسائيّ، قالا: وفي نسخة ابن
ماهان: ((سعيدٌ، عن أبي نضرة))، من غير ذِكر قتادة، وكذا ذكره أبو مسعود
الدمشقيّ في ((الأطراف))، وخَلَفٌ الواسطيّ، قال أبو عليّ الغسانيّ: وهذا هو
الصواب عندي، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الجيّاني: إن الصواب إسقاط قتادة
من السند، وأقرّه النوويّ عليه، لكن الذي ذكره الحافظ في ((النكت الظراف))
تصويب ذكر قتادة، فإنه قال - عند قول الحافظ المزيّ تَخَّتُ: (م) حديث قال
النبيّ وَّل : ((يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث)): عن أبي
بكر بن أبي شيبة - ومحمد بن المثنّى - كلاهما عن عبد الأعلى، عنه به.
قال الحافظ: هذه رواية أبي بكر وحده، وأما ابن المثنّى، فإنه أدخل بين
سعيد وأبي نضرة قتادة، والذي يظهر أن الحديث عند عبد الأعلى عن
السعيدين: سعيد بن إياس الْجُرَيريّ، وسعيد بن أبي عروبة، أما الْجُريريّ، فعن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٣، و((تقييد المهمل)) للغسّانيّ ٨٩٢/٣.

٤٥٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْىِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٠)
أبي نضرة بلا واسطة، وهذه رواية أبي بكر بن أبي شيبة عنه، وأما ابن أبي
عروبة، فعن قتادة، عن أبي نضرة به.
ويؤيّد ذلك أن المزّيّ لم يذكر في ((التهذيب)) لسعيد الجريريّ رواية عن
قتادة، وجزم أبو العبّاس أحمد بن ثابت الطرقيّ في ((الأطراف)) أن سعيداً
الراوي هنا عن قتادة هو ابن أبي عروبة. انتهى (١).
فقد تبيّن بما ذُكر أن الحافظ يصوّب ذِكر قتادة في سند محمد بن المثنّى،
والظاهر أن هذا هو الحقّ؛ لأن من صوّب إسقاطه يدّعي الغلط على مسلم في
ذِكره، والدعوى لا بدّ لها من بيّنة، كما قيل:
وَالدَّعَاوِي إِنْ لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ
فما لم يأت بحجة تؤيّد تغليطه مسلماً، لم يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ كَّلُهُ: قوله في طريق ابن أبي شيبة، وابن
المثنى: ((عن أبي نضرة، عن أبي سعيد)) هذا خلاف عادة مسلم في الاقتصار،
وكان مقتضى عادته حذف أبي سعيد في الطريق الأول، ويقتصر على ((أبي
نضرة))، ثم يقول (ح) ويتحول، فإن مدار الطريقين على أبي نضرة، والعبارة
فيهما ((عن أبي سعيد الخدريّ)) بلفظ واحد، وكان ينبغي تَرْكه في الأُولى.
انتهى كلام النوويّ ◌َُّ(٢)، وهو تنكيت مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ها أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ)
ووقع في بعض النُّسخ: ((لحم)) بالإفراد. (الأَضَاحِيِّ) بتشديد الياء، وتُخفّف:
جمع أضحيّة، (فَوْقَ ثَلَاثٍ)))؛ أي: فوق ثلاث ليال. (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ((ثَلَاثَةِ
أَيَّام)»، فَشَكَوْا) بفتح الشين المعجمة، وتخفيف الكاف المفتوحة، مضارع شَكَى،
كدَّعًا يدعو، (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّ لَهُمْ عِيَالاً) بفتح همزة ((أنّ))؛ لوقوعها موقع
المفرد، حيث إن المصدر المؤوّل مفعول به لـ((شَكَوْا))، قال في ((الخلاصة)):
(١) ((النكت الظراف)) ٤٦٠/٣ - ٤٦١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٣ - ١٣٣.

٤٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وَهَمْزَ ((إِنَّ)) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرٍ
و((الْعِيَال)) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة: هم أهل بيت
الإنسان، ومن يمونه الواحد عَيِّلٌ بتشديد الياء، مثل جِيَادٍ وجَيّدٍ، أفاده
الفيّوميّ(١).
(وَحَشَماً) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الْحَشَم - بفتح الحاء، والشين -
هم اللائذون بالإنسان، يَخْدُمونه، ويقومون بأموره، وقال الجوهريّ: هم خَدَم
الرجل، ومَن يَغْضَب له، سُمّوا بذلك لأنهم يغضبون له، والْحِشْمة الغَضَب،
ويُطلق على الاستحياء أيضاً، ومنه قولهم: فلان لا يَحتشم؛ أي: لا يستحي،
ويقال: حَشَمته، وأحشمته: إذا أغضبته، واذا أخجلته، فاستحيى الْخَجْلة،
وكأن الْحَشَم أعمّ من الْخَدَم، فلهذا جُمِع بينهما في هذا الحديث، وهو مِن
باب ذكر الخاصّ بعد العامّ، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَّقُ: ((الحَشَمُ)): خَدَمُ الرجلِ، قال ابن السِّكِّيت: هي
كلمة في معنى الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وفسّرها بعضهم بالعيال،
والقرابة، ومَن يَغْضَب له إذا أصابه أمرٌ، وحَشِمَ يَحْشَمُ، من باب تَعِبَ: إذا
غَضِب، ويتعدى بالألف، فيقال: أَحْشَمْتُهُ، وبالحركة أيضاً، فيقال: حَشَمْتُهُ
حَشْماً، من باب ضَرَبَ، وحَشِمَ يَحْشَمُ، مثل خَجِلَ يَخْجَلُ وزناً ومعنًى،
ويتعدى بالألف، فيقال: أَحْشَمْتُهُ، واحْتَشَمَ: إذا غَضِبَ، وإذا استحيا أيضاً،
والحِشْمَةُ بالكسر: اسم منه، وقال الأصمعيُّ: الحِشْمَةُ: الغضب فقط، وقال
الفارابيّ: حَشَمْتُهُ، وأحشمتُهُ بمعنى، وهو أن يجلس إليك، فتؤذيَهُ، وتُغْضِبَهُ.
(٣)
انتھی(٣).
قال الجامع: إنما ذكرت كلام الفيّوميّ، وإن كان ذكره النوويّ شاملاً له؛
لأن فيه تفصيلاً في الضبط، فيكون كالشرح له، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَخَدَماً) بفتحتين من عطف العام على الخاصّ إن قلنا إن الحشم
من يغضب له، يقال: خَدَمَهُ يَخْدِمُهُ، ويَخْدُمه، من بابي ضرب، ونصر، خِدْمَة،
(١) ((المصباح المنير)) ٤٣٨/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٣٧/١ - ١٣٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١٣.

٤٥٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠٠)
فهو خادم، غُلاماً كان أو جاريةً، والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليل، والجمع:
خَدَمٌ، وخُذَّامٌ، وقولهم: فُلانَةٌ خَادِمَةٌ غَداً، ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى
ستصير كذلك، كما يقال حائضة غداً، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادماً،
وخَدَّمْتُهَا: بالتثقيل للمبالغة والتكثير، واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يُخْدِمني، أو جعلته
كذلك، قاله الفيّوميّ(١).
(فَقَالَ) وَرِ («كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَاحْبِسُوا، أَوٍ) للشكّ من الراوي (ادَّخِرُوا))،
قَالَ) محمد (بْنُ الْمُثَنَّى: شََكَ عبدُ الأَعْلَى)؛ أي: في قوله: ((واحبسوا، أو
ادّخروا»، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٠٠/٥] (١٩٧٣)، و(النسائيّ) في ((الضحايا))
(٢٣٦/٧) و(«الكبرى» (٧٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٥/٣)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٢٣٢/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٢٨)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (١٠٧٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٢/٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٩٢/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): رواية مسلم لحديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه ظاهرة في
أنه سمع الترخيص في أكل لحوم الأضاحي من رسول الله وَ ه بنفسه، لكن
الذي في ((صحيح البخاريّ)) وغيره أنه سمعه من أخيه النعمان بن قتادة (
قال البخاريّ كَخَلَتُهُ :
(٣٧٧٥) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، قال: حدّثني يحيى بن
سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن خباب، أن أبا سعيد بن مالك
الخدريّ ◌َظُهُ قَدِمَ من سفر، فقَدَّم إليه أهله لحماً من لحوم الأضاحي، فقال:
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
((ما أنا بآكله حتى أسأل، فانطلق إلى أخيه لأمه (١)، وكان بدريّاً قتادة بن
النعمان، فسأله، فقال: إنه حَدَث بعدك أَمْرٌ نَقْضٌ لِمَا كانوا يُنهَون عنه، من
أكل لحوم الأضحى بعد ثلاثة أيام)). انتهى (٢).
وساقه الإمام أحمد تَخْتُ بأطول من هذا، فقال في ((مسنده):
(١٦٢٥٩) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن
محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عليّ بن حسين بن جعفر، وأبي
إسحاقُ بنُ يسار، عن عبد الله بن خَبّاب مولى بني عديّ بن النجار، عن أبي
سعيد الخدريّ، قال: كان رسول الله - * قد نهانا عن أن نأكل لحوم نُسُكنا
فوق ثلاث، قال: فخرجت في سفر، ثم قَدِمت على أهلي، وذلك بعد
الأضحى بأيام، قال: فأتتني صاحبتي بساق، قد جعلت فيه قَديداً، فقلت لها:
أنى لك هذا القديد؟ فقالت: من ضحايانا، قال: فقلت لها: أوَ لَمْ ينهنا
رسول الله ◌َ﴿ عن أن نأكلها فوق ثلاث؟ قال: فقالت: إنه قد رَخَّصَ للناس
بعد ذلك، قال: فلم أصدّقها حتى بعثت إلى أخي قتادة بن النعمان، وكان
بدريّاً أسأله عن ذلك، قال: فبعث إليّ أن كل طعامك، فقد صَدَقت، قد
أرخص رسول الله وَّلخر للمسلمين في ذلك. انتهى(٣).
فهذا صريح بأن أبا سعيد لم يسمع الترخيص منه وَّةٍ، وإنما سمعه من
أخيه لأمه قتادة بن النعمان قائه.
ويمكن أن يجاب بأنه سمعه منه وَّ ر، ثم نسيه، فتذكّره لمّا أخبره به
أخوه، أو سمع أول الحديث منه وَّ، وآخره من أخيه، ثم كان يسوقه مساقاً
واحداً، فيكون آخره من مراسيل الصحابة ﴿ه، وهي مقبولة، ولم أر من
تعرّض لهذا البحث، والله تعالى أعلم.
(١) قال في ((الفتح)) (٥٧٨/١٢): وأم أبي سعيد، وقتادة المذكور: أنيسة بنت أبي
خارجة عمرو بن قيس بن مالك، من بني عديّ بن النجّار، ذكر ذلك ابن سعد.
انتھی.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٤٦٨/٤.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٥/٤.

٤٥٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ ... إلخ - حديث رقم (٥١٠١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٠١] (١٩٧٤) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّ قَالَ: ((مَنْ ضَحَّى
مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ (١) شَيْئً»، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ أَوَّلَ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِنَّ ذَاَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ
بِجَهْدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضّحّاك النبيل، تقدّم قريباً.
٣ - (يَزِيدُ بْنُّ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ،
ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو
مسلم، أو أبو إياس، الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٦٦) من رباعيّات الكتاب، وقد وقع
عند البخاريّ ثلاثيّاً، حيث رواه عن أبي عاصم، شيخ شيخ مسلم، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ ضَخَّى مِنْكُمْ
فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ ثَالِثَةَ) وفي بعض النُّسخ: ((بعد ثلاثة))، وقوله: (شَيْئاً))
هكذا في معظم النسخ، بالنصب، ووقع في بعضها، كما أشار إليه في ((الهنديّة»
بلفظ: ((شيءٌ)) بالرفع، وهو الظاهر؛ لأنه فاعل لـ((يُصْبِحَنّ)) التامّة؛ لأنها
بمعنى: لا يدخلنّ في الصباح، ويوجّه ما وقع في معظم النسخ، بأن يقدّر:
(١) وفي نسخة: ((بعد ثلاثة)).

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وقد ترك شيئاً؛ أي: فلا يُصبحنّ في بيته بعد ليلة ثالثة، وقد ترك شيئاً من لحم
أضحيته، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: ((فلا يُصبحنّ بعد ثالثة، وبقي في بيته منه شيءٌ))،
وهو واضح.
قال في ((العمدة)): قوله: ((فلا يُصبحنّ)) من الإصباح: قوله: ((بعد ثالثة))؛
أي: ليلة ثالثة من وقت التضحية، وقوله: ((وفي بيته)) الواو فيه للحال.
(١)
.
انتھی
(فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ أَوَّلَ؟)
قال في ((الفتح)): يُستفادَ منه أن النهي كان سنة تسع؛ لِمَا دل عليه الذي قبله (٢)
أن الإذن كان في سنة عشر، قال ابن الْمُنَيِّر: وجه قولهم: هل نفعل كما كنا
نفعل؟ مع أن النهي يقتضي الاستمرار؛ لأنهم فَهِمُوا أن ذلك النهي وَرَد على
سبب خاصّ، فلما احتَمَل عندهم عموم النهي، أو خصوصه من أجل السبب،
سألوا، فأرشدهم إلى أنه خاصّ بذلك العام، من أجل السبب المذكور.
(٣)
انتھی(٣).
(فَقَالَ: ((لَا)؛ أي: ليس عليكم أن تفعلوا كما فعلتم في العام الماضي من
عدم أكلكم من لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ثم بيّن سبب قوله: ((لا)) بقوله:
(إِنَّ ذَاكَ) العام الماضي (عَامُ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ) - بفتح الجيم . - أي: مشقة،
وفاقة من شدّة القحط، يقال: جَهِد عيشهم؛ أي: نَكِد، واشتدّ، وبلغ غاية
المشقة(٤).
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٢١.
(٢) أي: الحديث الذي أورده في ((الفتح)) قبل هذا، وهو ما أخرجه أحمد في
(مسنده))، وفيه: ((أن النبيّ ◌َ ي قام في حجة الوداع، فقال: إني كنت أمرتكم ألا
تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ لِتَتَّسعكم، وإني أُحلّه لكم، فكلوا منه ما
شئتم ... )) الحديث، فقد بيّن فيه وقت الإحلال، وأنه كان في حجة الوداع.
انتھی .
(٣) ((الفتح)) ٥٧٩/١٢ رقم (٥٥٦٩).
(٤) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٢١.