Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
(فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ) ((إذا)) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا حضور دابّة (تُدْعَى)
بالبناء للمفعول، والنائب ضمير الدابّة، وهو المفعول الأول، والثاني قوله:
(الْعَنْبَرَ) وفي الرواية التالية: ((فألقى لنا البحر دابّةً، يقال لها: العنبر))، وفي
رواية البخاريّ: ((فإذا حُوتٌ مثل الطّرِب))، قال في ((الفتح)): أما الحوت فهو
اسم جنس لجميع السمك، وقيل: هو مخصوص بما عَظُم منها، و((الطَّرِب))
بفتح المعجمة المُشالة، ووقع في بعض النسخ بالمعجمة الساقطة، حكاها ابن
التين، والأول أصوب، وبكسر الراء، بعدها مُوحّدة: الجبل الصغير، وقال
القزاز: هو بسكون الراء، إذا كان منبسطاً ليس بالعالي.
وأما العنبر فقال أهل اللغة: هي سمكة بحرية كبيرة، يُتخذ من جلدها
التُّرْسة، ويقال: إن العنبر المشموم جميع هذه الدابة.
· وقال ابن سيناء: بل المشموم يخرج من البحر، وإنما يؤخذ من أجواف
السمك الذي يبتلعه.
ونقل الماورديّ عن الشافعيّ، قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتاً
في البحر، مُلتوياً مثل عُنُق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سُمّ لها،
فيقتلها، فيقذفها، فيخرج العنبر من بطنها .
وقال الأزهريّ: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين
ذراعاً، يقال لها: بالة، وليست بعربية، قال الفرزدق:
فَبِثْنَا كَأَنَّ الْعَنْبَرَ الْوَرْدَ بَيْئَنَا وَبَالَةُ بَحْرٍ فَاؤُهَا قَدْ تَخَرَّمَا
أي: قد تشقق(١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((تُدْعى العَنْبَر))؛ أي: تُسَمَّى بالعنبر، ولعلها سمِّيت
بذلك؛ لأنها الدابَّة التي تُلقي العنبر، وكثيراً ما يوجد العنبر على سواحل
البحر، وقد وُجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة
كبيرة، كالكویم، حصل لواجديه منه أموال عظيمة. انتهى(٢).
ووقع عند البخاريّ من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار بلفظ:
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٠٧.
(٢) ((المفهم)) ٢٢٠/٥.
١٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
((فألقى لنا البحر حُوتاً مَيّتاً))، واستُدِلّ به على جواز أكل ميتة السمك(١)،
وسيأتي البحث فيه مستوفّى في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(مَيْتَةٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه
(قَالَ) جابر ◌َظُهُ (قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ)
الدابّة ميتة، والميتة يحرم أكلها بنصّ الكتاب العامّ، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فلا تقربوها. (ثُمَّ) إنه أضرب عمّا وقع له من
ذلك لَمّا تحقّق من الضرورة المبيحة له، ولذلك (قَالَ: لَا)؛ أي: لا يكون
حراماً علينا، (بَلْ نَحْنُ رُسُلُ) بضمّتين: جمع رسول، وهو مضاف إلى
(رَسُولِ اللهِوَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ) وقد خرجنا لنجاهد لإعلاء كلمة الله، لا لغرض
أنفسنا، من الحظوظ الدنيوية، (وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ)؛ أي: وقد وقعتم في الضرورة
التي استثنى الله صاحبها من تحريم أكل الميتة، حيث قال في آخر الآية
المذكورة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
(فَكُلُوا) قال القرطبيّ تَخْلُ: وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره،
والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات، فإن أبا عبيدة ظُ حَكَم بتحريم
ميتة البحر تمسُّكاً بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار، مع أن
عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله ◌َّى: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))(٢)،
ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص، ولا عند أحد من أصحابه. انتهى(٣).
وقال النوويّ كَُّهُ: قول أبي عبيدة: ((ميتة ... إلخ)) وذكر في آخر
الحديث أنهم تزودوا منه، وأن النبيّ ◌َير قال لهم حين رجعوا: ((هل معكم من
لحمه شيء، فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله وَالل منه، فأكله.
معنى الحديث: أن أبا عبيدة به قال أوّلاً باجتهاده: إن هذا ميتة،
والميتة حرامٌ، فلا يحلّ لكم أكلها، ثم تغيَّر اجتهاده، فقال: بل هو حلال
لكم، وإن كان ميتةً؛ لأنكم في سبيل الله، وقد اضطررتم، وقد أباح الله تعالى
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٠٧.
(٢) حديث صحيح، أخرجه: أحمد ٢٣٧/٢، وأبو داود (٨١)، والترمذيّ (٦٩)،
والنسائيّ ١٧٦/١، وابن ماجه (٣٨٦).
(٣) ((المفهم)) ٢٢٠/٥.
١٤٣
(٤) - بَابُ إِبَاحَةِ مَيْنَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
الميتة لمن كان مضطرّاً، غير باغ، ولا عادٍ، فكلوا، فأكلوا منه، وأما طلب
النبيّ وَّر من لحمه وأكْله ذلك، فإنما أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في
حِلّه، وأن لا شك في إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو أنه قَصَد التبرك به؛
لكونه طُعْمةً من الله تعالى خارقةً للعادة، أكرمهم الله بها. انتهى(١) .
(قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً) وفي الرواية التالية: ((فأكلنا منها نصف شهر))،
وفي رواية أخرى: ((فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة))، وكلّها في مسلم، قال
الحافظ تَّتُهُ: ويُجْمَع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال: ((ثمان عشرة)) ضبط ما
لم يضبطه غيره، وأن من قال: ((نصف شهر)) ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة
أيام، ومن قال: شهراً جَبَر الكسر، أو ضمَّ بقية المدّة التي كانت قبل وُجدانهم
الحوت إليها، ورَجّح النوويّ رواية أبي الزبير لِمَا فيها من الزيادة، وقال ابن
التين: إحدى الروايتين وَهَمْ. انتهى.
ووقع في رواية الحاكم: ((اثني عشر يوماً))، وهي شاذّة، وأشدّ منها
شذوذاً رواية الخولانيّ: ((فأقمنا قبلها ثلاثة))، ولعل الجمع الذي ذكرته أولى.
انتهى كلام الحافظ تَخْثُ (٢)، وهو جمع جيّد، والله تعالى أعلم.
وعبارة النوويّ كَّلُهُ: قوله في الرواية الأولى: ((فأقمنا عليه شهراً))، وفي
الرواية الثانية: (فأكلنا منها نصف شهر))، وفي الثالثة: ((فأكل منها الجيش ثماني
عشرة ليلة)) طريق الجمع بين الروايات أن مَن روى شهراً هو الأصل، ومعه زيادة
عِلم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قُدِّم المُثْبت، وقد قدّمنا مرات أن
المشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم منه نفي
الزيادة، لو لم يعارضه إثبات الزيادة، كيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة.
وجَمَع القاضي عياض بينهما بأن من قال: نصف شهر أراد: أكلوا منه
تلك المدة طريّاً، ومن قال: شهراً أراد: قدّدوه، فأكلوا منه بقية الشهر قديداً،
والله أعلم. انتهى (٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٠٧/٩ - ٥٠٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٦٠).
(٣) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١٣ - ٨٩.
١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(وَنَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنًا) يفتح، فكسر، ثم نون، قال القرطبيّ: يعني
تقوّينا، وزال ضعفنا، كما قال في الرواية الأخرى: ((حتى ثابت إلينا أجسامنا))؛
أي: رجعت إلينا قُوّتنا، وإلا فما كانوا سِماناً قطّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لتأويل السِّمَن بما ذكره؛ لأن المراد
بالسِّمن سِمَن نسبيّ بالنسبة لِمَا حصل لهم من الْهُزال بشدّة، لا السِّمن الذي
يكون من كثرة الأكل، فإنه المذموم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله أيضاً: ((حَتى سَمِنَّا)) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: هذا دليل المالك، ولمن
يقول بقوله: على أن المضطرَّ يأكل من الميتة شِبَعه، ويتبسّط في أكلها، فإنَّها
قد أبيحت له، وارتفع تحريمها في تلك الحال، فاشبهت الذّكيَّة، وخالفه في
ذلك جماعة، منهم: الحسن، والنخعيّ، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكل
منها حتى يضطرَّ إليها ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم رَمَقَه، وقال عبد الملك:
إن تغذَّى حَرُمَت عليه يومه، وإن تعشى حرمت عليه ليلته، وهذا الذي قاله
هؤلاء تعضده القاعدة المقرَّرة، وهي: أن كل ما أبيح لضرورة فيتقدّر بقَدَرها،
على أنَّه يمكن أن يقال في قضيّة أبي عبيدة، وأكْلِهم من تلك الميتة شهراً حتى
سَمِنوا: إن ذلك القَدْر كان قَدْر ضرورتهم، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على
الهلاك من الجوع، والضعف، وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفراً، وعَدُوّاً،
فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوّهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال
النبيّ وَل و لأصحابه عند الفتح: ((تقوَّوا لعدوّكم، والفطر أقوى لكم))(٢).
انتھی(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك من إطلاق
الإباحة للمضطرّ حتى يجد المذكّى هو الأرجح؛ لظاهر هذه القصّة، والله تعالى
أعلم.
(وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) جوابٍ قَسَم مقدّر؛ أي: والله لقد رأيت
ـنه
(قَالَ) جابر
(١) ((المفهم)) ٢٢١/٥.
(٢) رواه مسلم بلفظ: ((إنكم مصبحوا عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطِرُوا)).
(٣) ((المفهم)) ٢٢٠/٥ - ٢٢١.
١٤٥
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
أنفسنا (نَغْتَرِفُ)؛ أي: نأخذ منه، يقال: غَرَف الماء، من بابي ضرب، ونصر:
أخذه بيده، كاغترفه (١). (مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ) الوقب - بفتح الواو، وسكون القاف،
بعدها موحّدة -: هي النُّقرة التي تكون فيها الحَدَقة. (بِالْقِلَالِ) - بكسر القاف -:
جمع قُلّة بضمّها، قال الفيّوميّ: هو إناء للعرب، كالجرّة الكبيرة، شِبْه الْحُبّ،
والجمع قِلال، مثلُ بُرْمة وبِرَام، وربّما قيل: قُلَلٌ، مثلُ غُرفة وغُرَف. انتهى(٢).
وقال المجد: القُلّة: الْحُبّ العظيم، أو الْجَرّة العظيمة، أو عامّةً، أو من
الفَخَار، والكُوز الصغير ضدٌّ، جَمْعه: كصُرَد، وجبال. انتهى(٣).
وقوله: (التُّهْنَ) منصوب على المفعوليّة لـ((نغترف))؛ أي: السَّمْن، قال
القرطبيّ تَظّلهُ: هذا فيه دليل على أنهم كانوا يُجيزون الانتفاع بشحوم الميتة،
وبالزيت النجس، كما يقوله ابن القاسم، ويجنّب المساجد، وخالفه عبد الملك
وغيره، فقالوا: لا ينتفع بشيء من ذلك؛ لقوله ◌َ لّ في سَمْن الفأرة: ((إن كان
مائعاً فلا تقربوه))(٤).
(وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ) بكسر الفاء، وفتح الدال: جمع فِدْرة، وهي القطعة
من اللحم، والعجين، وشِبْههما. (كَالثَّوْرِ - أَوْ) للشكّ من الراوي (كَقَدْرِ الثَّوْرِ)
قال النوويّ كَُّ: أما الْوَقْب: فبفتح الواو، وإسكان القاف، والباء الموحّدة،
وهو داخل عينه، ونُقْرتها، والقِلال بكسر القاف: جمع قُلّة بضمّها، وهي الْجَرّة
الكبيرة التي يُقِلّها الرجل بين يديه؛ أي: يَحملها، والْفِدَر بكسر الفاء، وفتح
الدال: هي الْقِطَع.
وقوله: ((كقدر الثور)) رويناه بوجهين مشهورين في نُسخ بلادنا، أحدهما:
(١) ((القاموس)) ص٩٤٤.
(٢) ((المصباح)) ٥١٤/٢.
(٣) ((القاموس)) ص١٠٨٦.
(٤) حديث صحيح، رواه أحمد ٢٣٣/٢ و٢٦٥، وأبو داود (٣٨٤١)، وقد ضعَّفوا هذه
الزيادة، وهي: ((إن كان مائعاً فلا تقربوه))، قالوا: والصحيح عدم التفصيل بين
الجامد والمائع، فقد رواه البخاريّ عن ميمونة ﴿ثنا، أن رسول الله وَل سئل عن
فأرة سقطت في سَمْن، فقال: ((ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكُلوا سَمْنكم))، والله
تعالى أعلم.
١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
بقاف مفتوحة، ثم دال ساكنة؛ أي: مثل الثور، والثاني: كفِدَر، بفاء مكسورة،
ثم دال مفتوحة: جمع فِدْرة، والأول أصحّ، وادَّعَى القاضي أنه تصحيف، وأن
الثاني هو الصواب، وليس كما قال. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: و((حجاج العين))، يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو
الوَقْب أيضاً، وهو غار العين الذي فيه حبَّتها، وأصل الوقب: الحفرة في
الحجر.
و ((الفِدَرُ)): جمع فِدْرَة، وهي: القطعة من اللحم، والعجين، وشِبْههما،
وهي: الثَّور)) أيضاً، وجَمْعه: أثوار، والمراد بها هنا: قِطَع العجين، أو
السويق، ولذلك شبَّه قِطَع اللحم بها؛ إذ قال: كفِدْر الثور.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير القرطبيّ للثور بالقطعة يخالف تفسير غيره
بأنه الثور المعروف، وهذا هو الأقرب، والأشبه بمعنى الحديث، والمعنى أنهم
يقطعون من تلك الدابّة قطعةً كبيرة، بقدر ما تكون مثل الثور، والله تعالى
أعلم .
قال القرطبيّ: فإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى
شهر، ومعلوم أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة، بل أقل منها، أنه يُنتِن، ويشتدُّ
نَتَنُّه، فلا يحل الإقدام عليه، كما تقدم في الصيد؛ إذ قال وَلاير: ((كُلْه ما لم
يُنْتِن))؟.
فالجواب: أن يقال: لعل ذلك لم يَنْتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر
لبرودة الموضع، أو يقال: إنهم أكلوه طريّاً، ثم مَلَّحُوه، وجعلوه وشائِقٍ؛ أي:
قدَّدوه قدائد، كما يُفعل باللحم، ويقال فيه: وشقت اللحم، فانَّشق، والوَشيقَة:
القديدة، وعلى هذا يدلّ قوله: ((ونقتطع منه الفِدَر))؛ أي: القطع الكبار.
انتھی(٢).
(فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَفْعَدَهُمْ فِي وَقْبٍ عَيْنِهِ)؛ أي:
في الحفرة التي فيها حبّة عينه، (وَأَخَذَ)؛ أي: أمر بالأخذ، ففي رواية
البخاريّ: ((ثم أمر أبو عبيدة))، (ضِلَعاً من أضلاعه) ((الضّلع)) - بكسر الضاد
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ٨٧.
(٢) ((المفهم)) ٢٢١/٥ -٢٢٢.
١٤٧
(٤) - بَابُ إِبَاحَةِ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
المعجمة، وفتح اللام، وقد تسكّن، واحدة الأضلاع. وفي رواية البخاريّ:
(ثم أمر أبو عبيدة بضِلَعين من أضلاعه، فنُصبا)). قال في ((الفتح)): كذا فيه،
واستُشكِل؛ لأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأن تأنيثه غير حقيقي، فيجوز فيه
التذکیر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن منه تأويل النوويّ، حيث قال:
ووجه التذكير أنه أراد به العضو. انتهى.
(فَأَقَامَهَا)؛ أي: الضلع، (ثُمَّ رَحَلَ)؛ أي: شَدّ عليه الرحل، يقال: رحلتُ
البعير رَحْلاً، من باب نَفَعَ: شددتُ عليه رَحْله، كارتحله، و ((الرَّحْل)) بفتح، فسكون:
مَرْكبٌ للبعير، كالراحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، ومسكنك، وما تستصحبه من
الأثاث، قاله المجد (١)، وقال الفيّوميّ: الرَّحْل كلّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء
للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، مثلُ أسهُم
وسِهام. انتهى (٢). (أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَّعَنَا)؛ أي: مع الجيش، (فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا)؛ أي:
تحت الضلع المنصوب، وفي رواية البخاريّ: ((ثم أمر براحلة، فرُحلت، ثم مرّت
تحتهما، فلم تصبهما))، وفي رواية النسائيّ: ((فنظر إلى أطول جمل، وأطول رجل في
الجيش فمرَّ تحته))، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند ابن إسحاق: ((ثم أمر بأجسم
بعير معنا، فحُمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتهما، وما مسَّت رأسه)).
قال الحافظ: وهذا الرجل، لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن
عبادة، فإن له ذِكراً في هذه الغزوة، كما ستراه بعدُ، وكان مشهوراً بالطول،
وقصته في ذلك مع معاوية، لَمّا أرسل إليه ملك الروم بالسراويل، معروفة،
فذكرها المعافى الحريريّ في ((الجليس))، وأبو الفرج الأصبهانيّ، وغيرهما،
ومحصّلها: أن أطول رجل من الروم، نَزَّع له قيس بن سعد سراويله، فكان
طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه، وطرفها بالأرض، وعوتب
قيس في نَزْع سراويله في المجلس، فأنشد [من الطويل]
سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ
أَرَدتُّ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا
سَرَاوِيلُ عَادِيٌّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٩٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١.
١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
ووقع في آخر ((صحيح مسلم))، من طريق عبادة بن الوليد، أن عبادة بن
الصامت، قال: خرجت أنا وأبي، نطلب العلم، فذكر حديثاً طويلاً، وفي
آخره: ((وشكا الناس إلى رسول الله وَ﴿ الجوع، فقال: ((عسى الله أن
يطعمكم))، فأتينا سِيف البحر، فزخر البحر زخرةً، فألقى دابة، فأورينا على
شِقّها النار، فاطبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، قال جابر: فدخلت أنا وفلان
وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عَيْنها، وما يرانا أحد، حتى خرجنا،
وأخذنا ضلعاً من أضلاعها، فقوّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب،
وأعظم جمل في الركب، وأعظم كَفَل في الركب، فدخل تحته، ما يطأطأ
رأسه))، وظاهر سياقه أن ذلك وقع لهم في غزوة، مع النبيّ بَّ، لكن يمكن
حمل قوله: ((فأتينا سيف البحر)) على أنه معطوف على شيء محذوف، تقديره:
فبعثنا النبيّ ◌َ﴿ في سفر، فأتينا ... إلخ، فيتحد مع القصة التي في حديث
الباب، قاله في ((الفتح))(١) .
(وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ)؛ أي: من لحم ذلك الحوت (وَشَائِقَ) جمع وَشِيق،
أو وَشِيقة، بمعنى القديد، قال المجد تَدْتُ: الْوَشِيقُ، والْوَشيقةُ: لحمٌ يُقدّد
حتى يَيْبَسَ، أو يُغلى إغلاءةً، ثم يُقدّد، ويُحمل في الأسفار، وهو أبقى قديد،
ووشقه يَشِقُه - أي: من باب وَعَدَ - قَدَّده. انتهى(٢).
وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((وَشَائقَ)) هو بالشين المعجمة والقاف، قال أبو
عبيد: هو اللحم يؤخذ، فيُغلى إعلاءً، ولا يُنضَج، ويُحْمَل في الأسفار، يقال:
وَشَقت اللحمَ، فاتَّشق، والوشيقة الواحدة منه، والجمع وشائق، ووُشُق،
وقيل: الوَشِيق: القَدِيد. انتهى(٣).
قال القرطبيّ تَّقُ: وهذا اللفظ يدلّ أيضاً على أنه يَتزوَّد من الميتة إذا
خاف ألا يجد غيرها، فإن وجد غيرها، أو ارتجى وجوده لم يستصحبها، وهو
قول مالك، وغيره من العلماء. انتهى (٤).
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (الْمَدِينَةَ) النبويّة (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَذَكَرْنَا
(١) ((الفتح)) ٥٠٨/٩ - ٥٠٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٨٧/١٣ - ٨٨.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٤٠٠.
(٤) ((المفهم)) ٢٢٢/٥.
١٤٩
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
راپه فیه،
ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: ما وقع لهم من قصّة العنبر، وما قاله أبو عبيدة
(فَقَالَ) بَرِ ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ) من البحر (لَكُمْ)؛ أي: فهو حلال أكله،
وهذا تذكير لهم بنعمة الله تعالى؛ ليشكروه عليها، (فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ،
فَتُطْعِمُونَا؟»، قَالَ) جابر (فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْهُ)؛ أي: بعضه، فـ((من))
بمعنى بعض، وفي رواية البخاريّ: ((أطعِمونا إن كان معكم منه، فآتاه - بالمد
أي: أعطاه - بعضهم، فأكله))، ووقع في رواية ابن السكن: ((فأتاه بعضهم
بعضو منه، فأكله))، قال عياض: وهو الوجه، وفي رواية أحمد من طريق ابن
جريج التي أخرجها منه البخاريّ: ((وكان معنا منه شيء، فأرسل به إليه بعض
القوم، فأكل منه))، ووقع في رواية أبي حمزة، عن جابر، عند ابن أبي عاصم
في ((كتاب الأطعمة)): ((فلمّا قَدِموا ذَكَروا لرسول الله وَّر، فقال: ((لو نعلم أنا
نُدركه لم يُرْوِح لأحببنا، لو كان عندنا منه))، قال الحافظ: وهذا لا يخالف
رواية أبي الزبير؛ لأنه يُحْمَل على أنه قال ذلك ازدياداً منه بعد أن أحضروا له
منه ما ذُكر، أو قال ذلك قبل أن يُحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم
لم يُرْوِح، فأكل منه، والله أعلم. انتهى(١).
(فَأَكَلَهُ) قال القرطبيّ تَخُّْ: وأكْله وَّهِ منه ليبيِّن لهم بالفعل جواز أكل ميتة
البحر في غير الضرورة، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرَّمة في القرآن،
كما قد بيَّن ذلك بقوله : ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)).
وفي هذا للجمهور ردٌّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء، وهو:
طاوس، وابن سيرين، وحماد بن زيد، وأصحاب الرأي - أبو حنيفة
وأصحابه .. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: يُؤكل ما وُجد في حافتي
البحر، وما جَزَرَ عنه، ولا يُؤكل ما طفا. ومثله رُوي عن ابن عباس، وكأنهما
قصرا الإباحة على حديث أبي عبيدة المذكور. والصحيح: الإباحة في الجميع؛
لقوله {وَل: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥١٠.
(٢) ((المفهم)) ٢٢٢/٥ - ٢٢٣.
١٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله ضجًا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ / ٤٩٩٠ و٤٩٩١ و٤٩٩٢ و ٤٩٩٣ و٤٩٩٤
و٤٩٩٥ و٤٩٩٦] (١٩٣٥)، و(البخاريّ) في ((الشركة)) (٢٤٨٣) و((الجهاد))
(٢٩٨٣) و((المغازي)) (٤٣٦٠ و٤٣٦١) و((الذبائح)) (٥٤٩٤)، و(أبو داود) في
(الأطعمة)) (٣٨٤٠)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٧٥)، و(النسائيّ) في
((الصيد)) (٢٠٨/٧ - ٢٠٩) و((الكبرى)) (٤٨٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد))
(٤١٥٩)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٧٤٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٨٦٦٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٣/٣ و٣١١ و٣٧٨)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (٨٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٦٠)، و(أبو يعلى) في
«مسنده)) (١٩٢٠ و١٩٥٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٨٧/١)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢١/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥١/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم ميتة البحر، وهو الحلّ، وذلك لتصريحه في
الحديث بكون البحر ألقى حوتاً ميتاً، فأكلوا منه، ثم أكَل النبيّ وَّ منه
بعدهم، وبهذا تتم الدلالة، وإلا فمجرد أكْل الصحابة منه، وهم في حالة
المجاعة، قد يقال إنه للاضطرار، ولا سيما وفيه قول أبي عبيدة: ((ميتة))، ثم
قال: ((لا تأكلوه، ثم قال: جيش رسول الله بَّر، وفي سبيل الله رحمتك، ونحن
مضطرّون، كلوا باسم الله))، وحاصل قول أبي عبيدة: أنه بناه أوّلاً على عموم
تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها، إذا كان غير باغ ولا
عادٍ، وَهُم بهذه الصفة؛ لأنهم في سبيل الله، وفي طاعة رسوله وَُّ، وقد تبيَّن
من آخر الحديث، أن جهة كونها حلالاً، ليست سبب الاضطرار، بل كونها من
صيد البحر، ففي آخر الحديث أنهم لمّا قدموا على رسول الله وسط * المدينة
ذكروا له ذلك، فقال: ((ذلك رزقٌ رزقكموه الله ◌َ، أمعكم منه شيء؟، فأتاه
بعضهم بعضو، فأكله))، فتبيّن لهم أنه حلال مطلقاً، وبالغ في البيان بأكله منها؛
١٥١
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
لأنه لم يكن مضطراً، قاله في ((الفتح))(١).
٢ - (ومنها): أن الجيوش لا بدّ لها من أمير، يضبطها، وينقادون لأمره
ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، وأنه يستحبّ
للرفقة من الناس، وإن قلّوا أن يؤمّروا أحدهم عليهم، ويُطيعوه، وينقادوا له،
فقد أخرج البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) من حديث أبي هريرة ظته، مرفوعاً:
((إذا كان ثلاثةٌ في سفر، فليؤمّروا أحدهم))، وهو حديث صحيح.
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ◌ُّه من الزهد في الدنيا، والتقلّل
منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا
الحال.
٤ - (ومنها): مشروعية المواساة بين الجيش، عند وقوع المجاعة.
٥ - (ومنها): أن الاجتماع على الطعام، يستدعي البركة فيه.
٦ - (ومنها): أنه يستحبّ للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم؛ ليكون
أبرك، وأحسن في العِشرة، وأن لا يختصّ بعضهم بأكل دون بعض، كما كان
النبيّ ◌َّ﴿ يفعله في مواطن، وكما كان الأشعريّون يفعلونه، وأثنى عليهم بذلك
رسول الله ويتر، كما ثبت ذلك في ((الصحيح)).
٧ - (ومنها): أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه؛ إدلالاً
عليه، وليس هو من السؤال المنهيّ عنه، إنما ذلك في حق الأجانب للتموّل،
ونحوه، وأما هذه فللمؤانسة، والملاطفة، والإدلال.
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ الاجتهاد في الأحكام، في زمن النبيّ ◌َّآ،
كما يجوز بعده، وذلك لقول أبي عبيدة ظُبه بعد أَنْ نهاهم عن أكله، وقال:
(ميتة، لا تأكلوه، قال: جيش رسول الله وَّ ر، وفي سبيل الله ◌َ، ونحن
مضطرّون، كلُوا باسم الله)).
٩ - (ومنها): أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات، التي يشك
فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي.
١٠ - (ومنها): أن فيه إباحةَ ميتات البحر كلها، سواء في ذلك، ما مات
(١) ((الفتح)) ٤٤٩/١٢ - ٤٥٠، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٣).
١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
بنفسه، أو باصطياد، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
١١ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ((أكلنا منه نصف شهر))، جواز أكل
اللحم، ولو أنتن؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ قد أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالباً،
بلا نتن في هذه المدة، لا سيما في الحجاز، مع شدة الحرّ، لكن يَحْتَمِل أن
يكونوا مَلَّحوه، وقَدَّدُوهُ، فلم يدخله نتن، وقد تقدم قريباً قول النووي أن النهي
عن أكل اللحم، إذا أنتن للتنزيه، إلا إن خيف منه الضرر فيحرم، وهذا
الجواب على مذهبه، ولكن المالكية حملوه على التحريم مطلقاً، وهو الظاهر،
ويأتي في الطافي نظير ما قاله في النتن، إذا خُشي منه الضرر، قاله في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استظهره في ((الفتح)) من حَمْل
النهي على التحريم، كما قال المالكيّة، هو الحقّ عندي، كما تقدّم بيانه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صيد البحر:
قال النوويّ تَخّْثُ: قد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال بعض
أصحابنا: يحرم الضفدع؛ للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى
ذلك ثلاثة أوجه :
[أصحها]: يحلّ جميعه؛ لهذا الحديث.
[والثاني]: لا يحل.
[والثالث]: يحل ما له نظير مأكول في البر، دون ما لا يؤكل نظيره،
فعلى هذا تؤكل خيل البحر، وغنمه، وظباؤه، دون كلبه، وخنزيره، وحماره،
قال: قال أصحابنا: والحمار، وإن كان في البر مأكول وغيره، ولكن الغالب
غير المأكول، هذا تفصيل مذهبنا .
وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر، إلا الضفدع: أبو بكر الصديق،
وعمر، وعثمان، وابن عباس ه، وأباح مالك الضفدع، والجميع، وقال أبو
(١) ((الفتح)) ٤٥٠/١٢.
١٥٣
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
حنيفة: لا يحل غير السمك، وأما السمك الطافئ، وهو الذي يموت في
البحر، بلا سبب، فمذهبنا إباحته، وبه قال جماهير العلماء، من الصحابة،
فمن بعدهم، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء، ومكحول،
والنخعيّ، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وغيرهم، وقال جابر بن
عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وأبو حنيفة: لا يحل.
دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيِّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]،
قال ابن عباس، والجمهور: ((صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه))، وبحدیث
جابر هذا، وبحديث: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، وهو حديث صحيح،
وبأشياء مشهورة، غیرِ ما ذکرنا .
وأما الحديث المرويّ عن جابر، عن النبيّ ◌َيقول: ((ما ألقاه البحر، وجَزَر
عنه، فكلوه، وما مات فيه، فطفا فلا تأكلوه))، فحديث ضعيفٌ باتّفاق أئمة
الحديث، لا يجوز الاحتجاج به، لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارَضٌ بما
ذكرناه.
[فإن قيل]: لا حجة في حديث العنبر؛ لأنهم كانوا مضطرّين.
[قلنا]: الاحتجاج بأكل النبيّ وَّل منه في المدينة، من غير ضرورة. انتهى
كلام النوويّ كَّفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: يستفاد من الحديث إباحة ميتة البحر، سواء
مات بنفسه، أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور، وعن الحنفية: يكره،
وفرّقوا بين ما لَفَظَّه، فمات، وبين ما مات فيه، من غير آفة، وتمسّكوا بحديث
أبي الزبير، عن جابر: ((ما ألقاه البحر، أو جَزَر عنه، فكلوه، وما مات فيه
فطفا، فلا تأكلوه))، أخرجه أبو داود، مرفوعاً، من رواية يحيى بن سُليم
الطائفيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، ثم قال: روى الثوريّ، وأيوب، وغيرهما
عن أبي الزبير، هذا الحديث موقوفاً، وقد أسند من وجه ضعيف، عن ابن أبي
ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعاً، وقال الترمذيّ: سألت البخاري
عنه؟، فقال: ليس بمحفوظ، ويُرْوَى عن جابر خلافه. انتهى، ويحيى بن سليم
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/١٣.
١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
صدوق، وصفوه بسوء الحفظ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال يعقوب بن
سفيان: إذا حدّث من كتابه، فحديثه حسن، وإذا حدّث حفظاً، يُعرَف ويُنكَر.
وقال أبو حازم: لم يكن بالحافظ، وقال ابن حبان في ((الثقات))، كان يخطىء،
وقد توبع على رفعه، وأخرجه الدارقطنيّ، من رواية أبي أحمد الزبيريّ، عن
الثوريّ، مرفوعاً، لكن قال: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه عن الثوريّ، وهو
الصواب، وروي عن ابن أبي ذئب، وإسماعيل بن أمية، مرفوعاً، ولا يصح،
والصحيح موقوف، وإذا لم يصح إلا موقوفاً، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره،
والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك لو مات في البر، لأكل بغير تذكية، ولو
نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات، لأكل، فكذلك إذا مات، وهو
في البحر(١).
وقال في ((الفتح)) أيضاً ما حاصله: وفي الحديث جوازُ أكل حيوان البحر
مطلقاً؛ لأنه لم يكن عند الصحابة نصّ يخص العنبر، وقد أكلوا منه، كذا قال
بعضهم، ويخلُش فيه أنهم أوّلاً إنما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويجاب
بأنهم أقدموا عليه مطلقاً، من حيث كونه صيد البحر، ثم توقفوا من حيث كونه
ميتة، فدل على إباحة الإقدام على أكل ما صِيد من البحر، وبَيّن لهم الشارع
آخِراً أن ميتته أيضاً حلال، ولم يفرّق بين طافٍ ولا غيره.
واحتج بعض المالكية بأنهم أقاموا يأكلون منها أياماً، فلو كانوا أكلوا منه
على أنه ميتة، بطريق الاضطرار ما داوموا عليه؛ لأن المضطر، إذا أكل الميتة،
يأكل منها بحسب الحاجة، ثم ينتقل لطلب المباح غيرها .
وجمع بعض العلماء بين مختلف الأخبار في ذلك، بحمل النهي على
كراهة التنزيه، وما عدا ذلك على الجواز، ولا خلاف بين العلماء، في حِلّ
السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البر،
كالآدمي، والكلب، والخنزير، والثعبان، فعند الحنفية، وهو قول الشافعية،
يحرم ما عدا السمك، واحتجوا عليه بهذا الحديث، فإن الحوت المذكور، لا
يسمى سَمَكاً، وفيه نَظَر، فإن الخبر وَرَدَ في الحوت نصاً .
(١) ((الفتح)» ٤٥٠/١٢.
١٥٥
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٠)
وعن الشافعية الحلّ مطلقاً، على الأصح المنصوص، وهو مذهب
المالكية، إلا الخنزير في رواية، وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اٌلْبَحْرِ﴾
[المائدة: ٩٦]، وحديث: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، أخرجه مالك،
وأصحاب ((السنن))، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم. وعن
الشافعية: ما يؤكل نظيره في البر حلال، وما لا فلا، واستثنوا على الأصح،
ما يعيش في البحر والبر، وهو نوعان:
[النوع الأول]: ما ورد في مَنْع أَكْله شيء يخصه، كالضفدع، وكذا
استثناه أحمد؛ للنهي عن قتله، وردّ ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان
التيمي، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه، والحاكم، وله شاهد من
حديث ابن عمر، عند ابن أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه
الطبراني، في ((الأوسط))، وزاد: ((فإن نقيقها تسبيح))، وذكر الأطباء أن الضفدع
نوعان: بري، وبحري، فالبري يَقتُل آكله، والبحريّ يضره.
ومن المستثنى أيضاً: التمساح؛ لكونه يَعْدُو بنابه، وعند أحمد فيه رواية،
ومثله القِرْش في البحر الملح، خلافاً لِمَا أفتى به المحب الطبري، والثعبان،
والعقرب، والسرطان، والسلحفاة؛ للاستخباث، والضرر اللاحق، من السم،
ودنيلس، قيل: إن أصله السرطان، فإن ثَبَت حَرُم.
[النوع الثاني]: ما لم يَرِدْ فيه مانع، فيحل، لكن بشرط التذكية، كالبط،
وطير الماء، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو
القول بتعميم حل أكل حيوان البحر، إلا ما ورد نصّ صحيح بمنع أكله، وإلا
ما ثبت عن ثقات الأطباء، أو التجربة ضرره، فيحرم، وقد كنت رجحت في
((شرح النسائيّ)) في ((الطهارة)) قول من خصّ الحلّ بالسمك، فقط؛ لحديث:
((أُحلّت لنا ميتتان ... ))، فقد بيّن الميتة بأنهما السمك والجراد، ولكن الآن
ترجّح عندي ما ذكرته؛ لقوة حديث قصة جيش أبي عبيدة تظنه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٤٥٠/١٢ - ٤٥١.
١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)): وقع في أواخر ((صحيح مسلم)) في
الحديث الطويل، من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت: أنهم دخلوا على
جابر، فرأوه يصلي في ثوب ... الحديث، وفيه قصة النخامة في المسجد،
وفيه أنهم خرجوا في غزاة ببطن بُوَاط، وفيه قصة الحوض، وفيه قيام المأمومين
خلف الإمام، كل ذلك مُطوَّل، وفيه قال: سرنا مع رسول الله وَّ، وكان قوت
كل رجل منا تمرة، كل يوم، فكان يمصها، وكنا نختبط بقِسِيّنا، ونأكل، وسرنا
مع رسول الله وَ لجر، حتى نزلنا وادياً أفيح، فذكر قصة الشجرتين اللتين التفّتا
بأمر النبيّ وَّة، حتى تستّر بهما عند قضاء الحاجة، وفيه قصة القبرين اللذين
غَرَس في كل منهما غصناً، وفيه فأتينا العسكر، فقال: ((يا جابر ناد
الوضوء ... ))، فذكر القصة بطولها، في نبع الماء من بين أصابعه، وفيه: وشكا
الناس إلى رسول الله ◌َ﴿ الجوع، فقال: ((عسى الله أن يطعمكم))، فأتينا سِيف
البحر، فزجر البحر زَجْرة، فألقى دابة، فأَوْرينا على شِقِّها النار، فاطّبخنا،
واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، وذكر أنه دخل هو وجماعة في عينها، وذكر قصة
الذي دخل تحت ضلعها، ما يُطأطئ رأسه، وهو أعظم رجل في الركب، على
أعظم جمل، وظاهر سياق هذه القصة، يقتضي مغايرة القصة المذكورة في هذا
الباب، وهي من رواية جابر أيضاً، حتى قال عبد الحق، في ((الجمع بين
الصحيحين)): هذه واقعة أخرى غير تلك، فإن هذه كانت بحضرة النبيّ وَ ل،
وما ذكره ليس بنص في ذلك؛ لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر، فأتينا
سيف البحر هي الفصيحة، وهي معقبة لمحذوف تقديره: فأرسَلَنا النبيّ وَّ مع
أبي عبيدة، فأتينا سِيف البحر، فتتحد القصتان، قال الحافظ: وهذا هو الراجح
عندي، والأصل عدم التعدد.
ومما ننبّه عليه هنا أيضاً، أن الواقديّ زعم أن قصة بعث أبي عبيدة،
كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ؛ لأن في نفس الخبر الصحيح،
أنهم خرجوا يترصدون عير قريش، وقريش في سنة ثمان، كانوا مع النبيّ وَل
في هدنة، قال: وقد نبهت على ذلك في ((المغازي))، وجوّزت أن يكون ذلك
قبل الهدنة في سنة ست، أو قبلها، ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، بقول جابر،
في رواية مسلم هذه: إنهم خرجوا في غَزاة بُواط، وغزاة بُواط كانت في السنة
١٥٧
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩١)
الثانية من الهجرة، قبل وقعة بدر، وكان النبيّ وَّ خرج في مائتين من
أصحابه، يعترض عيراً لقريش، فيها أمية بن خلف، فبلغ بُواطاً، وهي بضم
الموحدة، جبال لجهينة، مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة بُرُد، فلم
يلق أحداً، فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة، فيمن معه يرصُدون العير المذكورة،
ويؤيد تقدمَ أمرها، ما ذُكر فيها من القِلّة والجهد، والواقع إنهم في سنة ثمان،
كان حالهم اتسع، بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة، يناسب
ابتداء الأمر، فيرجح ما ذكرته، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في دعوى اتّحاد قصّتي جابر
هاتين نظرٌ؛ بل الذي يظهر لي هو ما قاله عبد الحقّ تَخْتُ من تغاير الواقعتين
كما يدلّ عليه سياقهما، والجمع الذي ذكره الحافظ لا يخفى ما فيه من
التكلّف، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ
عَمْرُو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةِ رَاكِبِ،
وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّحِ، نَرْصُدُ عِيراً لِقُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ،
فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيّ جَيْشَ الْخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا الْبَخْرُ
دَابَّةً، يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَاذَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا، حَتَّى ثَابَتْ
أَجْسَامُنَا، قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ
رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ، وَأَطْوَلِ جَمَلٍ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ: وَجَلَسَ فِي حَجَاجٍ
عَيْنِهِ نَفَرٌ، قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةَ وَدَكٍ، قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا
جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً
تَمْرَةً، فَلَمَّا فَنِيَ وَجَدْنَا فَقْدَهُ).
(١) ((الفتح)) ١٢ /٤٥١ - ٤٥٢.
١٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار، أبو بكر البصريّ، نزيل
مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] (ت٢٤٨) (م ت س) تقدم في ((البيوع)) ٢٥/ ٣٩٧٣.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
و((جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﴾)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخْذَثُ، وهو (٤٥٣) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ رَاكِبٍ) وفي رواية: ((ونحن ثلاثمائة وبضعة
عشر))، ويُجمع بينهما بأن من قال: ((ثلاثمائة)) ألغى الكسر، أو أن الثلاثمائة هو
الجيش، والزائد غيرهم من الْخَدَم ونحوهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (نَرْصُدُ عِيراً لِقُرَيْشٍ) بضم الصاد، يقال: رصدته رَضْداً، من باب
قتل: قعدت له على الطريق، والفاعل راصد، وربّما جُمِع على رَصَد، مثلُ
خادم وخَدَم، قاله في ((المصباح)).
و(الْعِيرُ)) - بالكسر -: الإبل تحمل الْمِيرة، ثم غلب على كلّ قافلة.
وقوله: (فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ)؛ أي: ساحل البحر.
وقوله: (حَتَّى أَكَّلْنَا الْخَبَطَ) - بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مهملة -،
هو وَرَقُ السَّلَم.
وقوله: (وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا) - بفتح الواو، والمهملة -؛ أي: شحمه.
وقوله: (حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا) - بالثاء المثلّثة -؛ أي: رجعت إلى القوّة،
وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم هُزالٌ من الجوع السابق.
وقوله: (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ)؛ أي: أمر بالأخذ.
وقوله: (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ) قال النوويّ ◌َخْذَُّ: كذا
هو في النسخ: ((فنصبه))، وفي الرواية الأولى: ((فأقامها))، فأنثها، وهو
المعروف، ووجه التذكير أنه أراد به العضو. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١٣.
١٥٩
(٤) - بَابُ إِبَاحَةٍ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٩٢)
وقوله: (وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ) وفي رواية: ((أربعة نفر))، والْحِجَاج
بكسر الحاء المهملة، وتُفتح: العظم المستدير حولَها، وهو مذكّرٌ، وجمعه
أَحِجّة، وقال ابن الأنباريّ: الحِجَاج: العَظْم المُشْرِف على غار العين. ذكره
الفيوميّ.
وقال النوويّ كَخَّهُ: الْحِجاج بحاء، ثم جيم مخففة، والحاء مكسورة،
ومفتوحة، لغتان مشهورتان، وهو بمعنى: ((وَقْب عينه)) المذكور في الرواية
السابقة، وقد شرحناه. انتهى(١).
وقوله: (قَبْضَةً قَبْضَةً) بفتح القاف، وضمّها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
سَمِعَ عَمْرُو جَابِراً يَقُولُ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ: إِنَّ رَجُلاً نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثاً،
ثُمَّ ثَلَاثاً، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ).
قوله: (إِنَّ رَجُلاً نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ... إلخ) الرجل: هو قيس بن سعد بن
عبادة الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿يَا، مات سنة ستين تقريباً،
وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الجنائز)) ٢٢٢٥/٢٣.
وكان اشترى الْجُزُرَ من أعرابي جُهَنيّ، كلَّ جَزُور بوسق من تمر، يوفيه
إياه بالمدينة.
(ثلاث جزائر) قال في ((الفتح)): المراد بقوله: ((جزائر)): جمع جَزُور،
وفيه نظر، فإن جزائر جمع جزيرة، والجزور إنما يُجمع على جُزُر بضمتين،
فلعله جمع الجمع. انتھی(٢).
وقال الفيّوميّ: الْجَزُور من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى،
والجمع جُزُر، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضاً على جُزُرَات، ثم على جزائر،
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٤٩/١٢.
١٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
ولفظ الجزُور أُنثى، يقال: رعت الجزور، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجزور الناقة
التي تُنْحَر. انتهى(١) .
ذلك، وكان في
وقوله: (ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ) وذلك لمّا رأى عمر
ذلك الجيش، سأل أبا عبيدة، أن ينهى قيساً عن النحر، فعَزَمَ عليه أبو عبيدة،
أن ينتهي عن ذلك، فأطاعه. انتهى.
قال في ((الفتح)): وقد اختلفوا في سبب نهي أبي عبيدة قيساً أن يستمرّ
على إطعام الجيش، فقيل: لخشية أن تَفْنَى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه
اشترى من غير العسكر. وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال،
فأراد الرفق به، وهذا أظهر، قاله في ((الفتح)). والله أعلم.
وفي رواية البخاريّ: ((وكان عمرو - يعني: ابن دينار - يقول: أخبرنا أبو
صالح، أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنتُ في الجيش، فجاعوا، قال: انحر،
قال: نحرتُ، ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرثُ، قال: ثم جاعوا، قال:
انحر، قال: نحرت، ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نُهِيتُ)).
قال في ((الفتح)) ما نصّه: وهذا صورته مرسل؛ لأن عمرو بن دينار(٢) لم
يُدرك زمان تحديث قيس لأبيه، لكنه في مسند الحميديّ موصول، أخرجه أبو
نعيم في ((المستخرج)) من طريقه، ولفظه: عن أبي صالح، عن قيس بن سعد بن
عبادة، قال: قلت لأبي: وكنت في ذلك الجيش، جيشِ الخبط، فأصاب الناس
جوع، قال لي: انحر، قلت: نحرت، فذكره، وفي آخره، قلت: نهيتُ. وذكر
الواقديّ بإسناد له، أن قيس بن سعد، لَمّا رأى ما بالناس، قال: من يشتري
مني تمراً بالمدينة بجزور هنا، فقال له رجل من جهينة: من أنت؟، فانتسب له،
فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر، بخمسة أوسق، وأشهد له نفراً
من الصحابة، فامتنع عمر، لكون قيس لا مال له، فقال الأعرابيّ: ما كان سعد
لِيَجْنِيَ بابنه في أوسق تمر، فبلغ ذلك سعداً، فغضب، ووهب لقيس أربع
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٨.
(٢) كذا في ((الفتح))، والظاهر أن صوابه: لأن أبا صالح لم يدرك ... إلخ، فليُتأمّل،
والله تعالى أعلم.