Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤) وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّتُهُ: ألحق الجمهور بالكلب كلّ حيوان معلّم، يتأتّى به الاصطياد، تمسّكاً بالمعنى، وبما رواه الترمذيّ عن عديّ بن حاتم به أنه قال: سألت رسول الله ول عن صيد البازي؟ فقال: ((إذا أمسك عليك، فكل))، على أن في إسناده مجالداً، ولا يُعرف إلا من حديثه، وهو ضعيف، والمعتمد النظر إلى المعنى، وذلك أن كلّ ما يتأتّى من الكلب يتأتّى من الفهد مثلاً، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المِدية التي ذبح النبيّ وَّ بها، وقياس الأَمَة على العبد في سراية العتق. وقد خالف في ذلك قومٌ، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصّةً، ومنهم من يستثني الكلب الأسود، وهو الحسن، والنخعيّ، وقتادة؛ لأنه شيطانٌ، كما قال النبيّ وَّ، متمسّكين بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّينَ﴾، وبأنه ما وقع في ((الصحيحين)) إلا ذِكر الكلاب، وهذا لا حجّة لهم فيه؛ لأن ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر، وأيضاً فإن ذِكْرها خصوصاً لا يدلّ على أن غيرها لا يُصاد بها؛ لأن الكلب لقبٌ، ولا مفهوم للّقب عند جماهير المحقّقين من الأصوليين، ولم يصر إليه إلا الدّفّاق، وليس هو فيه على توفيق، ولا وفاق، ولو صحّ زعمه ذلك لكَفَر من قال: عيسى رسول الله، فإنه كان يلزم منه بحسب زعمه، أن محمداً وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليس رسولاً. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاصطياد بكل حيوان يقبل التعليم هو الأرجح؛ لظهور مُدْركه، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط التسمية على الكلاب، والذبيحة: قال الحافظ ابن كثير رَكّْثُ في «تفسيره)) - (٢/ ١٧٠) عند تفسير قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] - ما حاصله: قد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمداً، أو ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ سهواً، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبيّ، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح، محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه ((الأربعين))، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٤]، ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة ◌ًا: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه، فَكُلْ ما أمسك عليك))، وهما في ((الصحيحين))، وحديث رافع بن خديج ظُه: ((ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوه))، وهو في ((الصحيحين)) أيضاً، وحديث ابن مسعود ظاه: أن رسول الله وَّر، قال للجن: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله علیه))، رواه مسلم، وحديث جندب بن سفيان البجلي ظُه، قال: قال رسول الله وَلقول: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا، فليذبح باسم الله))، أخرجاه، وعن عائشة رضيوثّا: أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟، قال: ((سمُّوا عليه أنتم، وكلوا))، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر، رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فَهِموا أن التسمية لا بد منها، وخَشُوا أن لا تكون وُجدت من أولئك؛ لحداثة إسلامهم، فأمَرَهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل؛ لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح، إن لم تكن وُجدت، وأمَرَهم باجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم. (المذهب الثاني في المسألة): أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركها عمداً أو نسياناً لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعيّ نَّتُهُ، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإمام مالك، ونصّ على ذلك أشهب بن عبد العزيز، من أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحَمَل الشافعي الآية ٨٣ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤) الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ الآية، [الأنعام: ١٢١] على ما ذُبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِ ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال ابن جريج، عن عطاء: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] قال: ينهى عن ذبائحَ، كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعيّ قويّ، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه، بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية؛ أي: لا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه، في حال كونه فسقاً، ولا يكون فسقاً، حتى يكون قد أُهِلّ به لغير الله، ثم ادّعى أن هذا متعيِّن، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية، على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فإنها عاطفة، لا مَحَالة، فإن كانت الواو التي ادّعى أنها حالية صحيحة، على ما قال، امتنع عَظْف هذه عليها، فإن عُطفت على الطلبية، ورَدَ عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية، بَطَل ما قال من أصله، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَتْ يُذْكَرِ أَسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة. ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن لَهِيَعة، عن عطاء - وهو ابن السائب - به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الأول: عطاء بن السائب، وهو مختلط، وجرير ممن روى عنه بعد اختلاطه، وفي الثاني: ابن لهيعة، وهو ضعيف للاختلاط، لكن الأثر سيأتي بإسناد صحيح، والله تعالى أعلم. قال: وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في ((المراسيل)) من حديث ثور بن زيد، عن الصلت السَّدُوسيّ، مولى سُويد بن منجوف، أحد التابعين، الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان، في كتاب ((الثقات))، قال: قال رسول الله تليفون : ((ذبيحة المسلم حلال، ذَكَر اسم الله، أو لم يَذكُر، إنه إنْ ذَكَر لم يَذْكُر إلا اسم الله))، وهذا مرسل، يُعضَد بما رواه الدارقطنيّ، عن ابن عباس، أنه قال: ((إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإنّ المسلم فيه اسم من أسماء الله)). ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ واحتج البيهقيّ أيضاً بحديث عائشة، ﴿ّها المتقدم: أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه، أم لا؟ فقال: ((سمُّوا أنتم، وَكُلوا))، رواه البخاريّ، قالوا: فلو كان وجود التسمية شرطاً، لم يُرَخِّص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم. (المذهب الثالث في المسألة): إن تَرَكَ البسملةَ، على الذبيحة نسياناً لم يضر، وإن تركها عمداً لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وهو محكيّ عن عليّ، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصريّ، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغياني، في كتابه ((الهداية)) الإجماع قبل الشافعيّ، على تحريم متروك التسمية عمداً، فلهذا قال أبو يوسف، والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ؛ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدّاً، وقد تقدم نقل الخلاف، عمن قبل الشافعيّ، والله أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير تَّتُهُ: مَن حَرّم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله وَّ ر في ذلك؛ يعني: ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقيّ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا مَعقِل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ وَّر، قال: ((المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله، وليأكله))، وهذا الحديث رَفْعه خطأ، أخطأ فيه مَعْقِل بن عبيد الله الجزري، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميديّ، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله، فزادا في إسناده أبا الشعثاء، ووقفاه، وهذا أصح، نَصّ عليه البيهقيّ، وغيره من الحفاظ. ثم نقل ابن جرير، وغيره، عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسياناً، والسلف يُطلقون الكراهة على التحريم كثيراً، والله ٨٥ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤) أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير، أنه لا يُعتبر قول الواحد، ولا الاثنين مخالفاً لقول الجمهور، فَيَعُدّه إجماعاً، فليُعلَم هذا. والله الموفق. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير(١) بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل أُتيت بطير كَرّى(٢)، فمنه ما قد ذُبح، فذُكر اسم الله عليه، ومنه ما نُسي أن يُذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْه كُلَّه، قال: وسألت محمد بن سيرين، فقال: قال الله: تَأْكُلُواْ مِنَا لَمْ يُذْكَرِ أُسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . واحتُجّ لهذا المذهب، بالحديث المرويّ من طرُق، عند ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذَرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبيّ ◌َّر: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))، وفيه نَظَر، والله أعلم. وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عديّ، من حديث مروان بن سالم القَرْقَسانيّ - بفتح القافين - عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي؟ فقال النبيّ وَّه: ((اسم الله على كل مسلم))، ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القَرْقَسانيّ، أبا عبد الله الشاميّ ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. قال ابن كثير: وقد أفردت هذه المسألة على حِدَةٍ، وذكرت مذهب الأئمة، ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات، والمناقضات، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير كَخَذَتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القائلون باشتراط (١) مصغّراً، وقيل: بوزن عَظِيم مكبّراً، وثّقه ابن معين، وابن حبّان، وغيرهما. انتهى من تعليق الشيخ أحمد شاكر رُْه على ((تفسير ابن جرير" ٨٤/١٢. (٢) بفتحتين جمع كَرَوان، طائر بين الدجاجة والحمامة، حسن الصوت، يؤكل لحمه. انتهى. من هامش ((تفسير ابن جرير)) ٨٤/١٢. (٣) (تفسير ابن كثير)) ١٧٤/٢ - ١٧٦. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ التسمية مطلقاً، عمداً، أو سهواً هو الأرجح؛ لظاهر الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية، ولصّحة الأمر بذلك في حديث عديّ رَظُه، المذكور في الباب، حيث قال النبيّ وَّ له: ((إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله عليه))، ومثله في حديث أبي ثعلبة الخشنيّ ◌ُه الآتي، فقد جَعَلَهَا الشارع شَرْطاً فِي حَدِيث عَدِيٍّ، وأوقف الْإِذْن فِي الْأَكْلِ عَلَيْهَا، فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَةِ، وَالْمُعَلَّقْ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْد انْتِفَائِهِ، عِنْد مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ، وَالشَّرْطِ أَقْوَى مِنْ الْوَصْف، وَيَتَأَّد الْقَوْل بِالْوُجُوبِ أيضاً بِأَنَّ الْأَصْلِ تَحْرِيَمَ الْمَيْتَة، وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى صِفَته، فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْف، وَغَيْرِ الْمُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أَصْل التَّحْرِيم. أفاده في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل الصيد الذي أَكَلَ منه الكلب : ذهب الجمهور إلى تَحْرِيم أَكْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ الْكَلْب مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْكَلْب مُعَلَّماً؛ لقوله في هذا الحديث: ((فإن وجدته قد أكل منه، فلا تطعَم منه شيئاً))، وَقَدْ عَلَّلَ بِالْخَوْفِ مِنْ أَنَّهُ: ((إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه))، قال في ((الفتح)): وَهُوَ الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَي الشَّافِعِيّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيم - وَهُوَ قَوْل مَالِك، وَنُقِلَ عَن بَعْض الصَّحَابَة -: يَحِلّ، وَاحْتَجُوا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث عَمْرو بْنِ شُعَيْب، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: ((أَنَّ أَغْرَابِيّاً، يُقَال لَّهُ: أَبُو ثَعْلَّبَة، قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّ لِي كِلَاباً مُكَلَّبَةٍ، فَأَقْتِنِي فِي صَيْدِهَا، قَالَ: كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك، قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. قال الحافظ: وَلا بَأْس بِسَنَدِهِ. وَسَلَكَ النَّاسِ فِي الْجَمْعِ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ طُرُقاً: [مِنْهَا] : - لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ - حَمْلُ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة، عَلَى مَا إِذَا قَتَلَهُ، وَخَلَّاهُ، ثُمَّ عَادَ، فَأَكَلَ مِنْهُ. [وَمِنْهَا]: التَّرْجِيحِ، فَرِوَايَة عَدِيٍّ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، مُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتهَا، وَرِوَايَةٍ أَبِي ثَعْلَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ ((الصَّحِيحَيْنِ))، مُخْتَلَّف فِي تَضْعِيفِهَا، وَأَيْضاً فَرِوَايَة عَدِيِّ صَرِيحَة، مَقْرُونَة بِالتَّعْلِيلِ الْمُنَاسِب لِلتَّحْرِيمِ، وَهُوَ خَوْف الْإِمْسَاك (١) ((الفتح)) ٤٢١/١٢، كتاب ((الذبائح)) (٥٤٧٥). ٨٧ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٦٤) عَلَى نَفْسه، مُتَأَيِّدَة بِأَنَّ الْأَصْلِ فِي الْمَيْتَة التَّحْرِيمِ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَب الْمُبِيحِ، رَجَعْنَا إِلَى الْأَصْلِ، وَظَاهِرِ الْقُرْآن أَيْضاً، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّأَ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا، أَنَّ الَّذِي يُمْسِكَهُ مِنْ غَيْرِ إِرْسَال لَا يُبَاحِ، وَيَتَقَوَّى أَيْضاً بِالشَّاهِدِ مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاس ◌ِ﴿هَا، عِنْد أَحْمَد: ((إِذَا أَرْسَلْتِ الْكَلْب، فَأَكَلَ الصَّيْدِ، فَلَا تَأْكُل، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه، وَإِذَا أَرْسَلْته فَقَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُل فَكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ)). وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارِ مِنْ وَجْه آخَرِ، عَن ابْنِ عَبَّاس، وَابْنُ أَبِي شَيْبَة، مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِعِ بِمَعْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّد الْإِمْسَاك كَافِياً، لَمَا احْتِيجَ إِلَى زِيَادَة: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. [وَمِنْهَا] : - لِلْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ - حَمْلُ حَدِيث عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَحَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة عَلَى بَيَان الْجَوَازِ. قَالَ بَعْضهمْ: وَمُنَاسَبَة ذَلِكَ أَنَّ عَدِيّاً، كَانَ مُوسِراً، فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْلِ عَلَى الْأَوْلَى، بِخِلَافِ أَبِي ثَعْلَبَة، فَإِنَّهُ كَانَ بِعَكْسِهِ. قال الحافظ: وَلا يَخْفَى ضَعْف ◌َذَا النَّمَسُّك، مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْلِيلِ فِي الْحَدِيث، بِخَوْفِ الإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسه. وَقَالَ ابْنِ التِّينِ: قَالَ بَعْض أَصْحَابِنَا: هُوَ عَامٌ، فَيُحْمَلِ عَلَى الَّذِي أَدْرَكَهُ مَيِّتاً، مِنْ شِدَّةَ الْعَدْو، أَوْ مِنْ الصَّدْمَة، فَأَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَلَى صِفَة، لَا يَتَعَلَّق بِهَا الإِرْسَالِ، وَلا الإِمْسَاكِ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْله: ((فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُل))؛ أي: لا يُوجَد مِنْهُ غَيْرِ مُجَرَّد الْأَكْلِ، دُون إِرْسَال الصَّائِد لَهُ، وَتَكُون هَذِهِ الْجُمْلَة مَقْطُوعَة عَمَّا قَبْلهَا. قال الحافظ: وَلا يَخْفَى تَعَسُّف هَذَا، وَيُعْده. وَقَالَ ابْنِ الْقَصَّارِ: مُجَرَّد إِرْسَالنَا الْكَلْبِ إِمْسَاكٌ عَلَيْنَا؛ لأَنَّ الْكَلْب لَا نِيَّة لَهُ، وَلَا يَصِحّ مِنْهُ مَيْزِهَا(١)، وَإِنَّمَا يَتَصَيَّد بِالتَّعْلِيمِ، فَإِذَا كَانَ الاعْتِبَارِ بِأَنْ يُمْسِك عَلَيْنَا، أَوْ عَلَى نَفْسِه، وَاخْتَلَفَ الْحُكْم فِي ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَتَمَّيَّزِ ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّة، وَهُوَ مُرْسِله، فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُرْسِلُهُ لَمْ يُمْسِك عَلَيْهِ. كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى بُعْده أَيْضاً، وَمُصَادَمَتِه لِسِيَاقِ الْحَدِيث. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ مَعْنَى قَوْله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: صِدْنَ لَكُمْ، وَقَدْ (١) هكذا نسخة ((الفتح)) ولعل الصواب: ((تمييزها))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ جَعَلَ الشَّارِعِ أَكْله مِنْهُ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ، لَا لِصَاحِبِهِ، فَلَا يُعْدَل عَن ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لابْنِ أَبِي شَيْبَةٍ: ((إِنْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ، فَلَا تَأْكُلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلَّمْ مَا عَلَّمَتْهُ))، وَفِي هَذَا إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَكْله، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَلَّمِ التَّعْلِيمَ الْمُشْتَرَطَ. وَسَلَكَ بَعْض الْمَالِكِيَّة التَّرْجِيحِ، فَقَالَ: هَذِهِ اللَّفْظَةِ ذَكَرَهَا الشَّعْبِيّ، وَلَمْ يَذْكُرِهَا هَمَّامٍ، وَعَارَضَهَا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة. وَهَذَا - قال الحافظ - تَرْجِيح مَرْدُود، لِمَا تَقَدَّمَ. وَتَمَسَّك بَعْضهمْ بِالإِجْمَاعِ عَلَى جَوَاز أَكْله، إِذَا أَخَذَهُ الْكَلْبِ بِفِيهِ، وَهَمَّ بِأَكْلِهِ، فَأُدْرِك قَبْلِ أَنْ يَأْكُلِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ أَكْله مِنْهُ دَالاً عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه، لَكَانَ تَنَاؤُله بِفِيهِ، وَشُرُوعه فِي أَكْله كَذَلِكَ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطِ أَنْ يَقِف الصَّائِد، حَتَّى يَنْظُرِ هَلْ يَأْكُلِ، أَوْ لا؟ انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور، من عدم جواز أكل ما أكل منه الكلب هو الأرجح؛ ترجيحاً لحديث عديّ ظُله المتّفق عليه، الموافق لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وأما حديث أبي ثعلبة ربه، وإن قلنا بأنه صالح للاحتجاج، فإنه دون حديث عديّ المتّفق عليه، فلا يقوى لمعارضته، فتأملٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيّانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ، قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ، فَقَالَ: (إِذَا أَرْسَّلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضيل بن غَزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيَّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٨٩ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٦٦) ٢ - (بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٩١/٤٧. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ) بيّن سبب المنع في الرواية التالية بقوله: ((فإنما سمّيت على كلبك، ولم تُسمّ على غيره))، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي - بحمد الله تعالى وعونه -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: ((إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ))، وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسََ عَلَى نَفْسِهِ»، قُلْتُ: فَإِنْ وَجَدْتُ مَعَ كَلْبِي كَلْباً آخَرَ، فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ قَالَ: ((فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) - بفتح الفاء - الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] مات في خلافة مروان بن محمد (خ م د س ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٦٩/١٠. والباقون ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي. وقوله: (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: موقوذ؛ أي: مقتول بغير محدّد، والموقوذة: هي المقتولة بالعصا، أو الحجر، أو غيرهما، وأصله من الکسر، والرَّضّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهَ عَنِ الْمِعْرَاضِ(١)، فَذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَنِ الْمِعْرَاضِ) وفي بعض النسخ: ((عن صيد المعراض)). [تنبيه]: رواية ابن عليّة، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، وَعَنْ نَاسِّ ذَكَرَ شُعْبَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنِ الْمِعْرَاضِ، بِمِثْلِ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مَّات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٢ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُعْبَةُ)؛ أي: أسماءهم، فالمفعول محذوف، كما يظهر من رواية أحمد الأتية، وهذا من كلام غندر، والمراد أن شعبة حدّثه بهذا الحديث عن عبد الله بن أبي السفر، وعن ناس آخرين ذكر شعبة أسماءهم، ولا (١) وفي نسخة: ((عن صيد المعراض)). ٩١ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٩) أذكرهم الآن، إما نسياناً، أو اختصاراً، كلّهم رووه عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم ەپعنه . وممن روى عنه شعبة غير عبد الله بن أبي السفر: سعيدُ بن مسروق، والحكمُ بن عتيبة، كما في الروايتين الآتيتين هنا، وهما من رواية غندر عن شعبة، فتنبه. وقوله أيضاً: (وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُعْبَةُ) و(عن ناس)) معطوف على مقدّر، كأنه قال: حدّثنا شعبة. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ بلفظ: ((وعن ناس، وذكر شعبة))، وهو غلطٌ، فتنبّه. [تنبيه آخر]: رواية محمد غُندر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٩٤١٠) - حدّثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، ثنا عبد الله بن أبي السفَر، وعن ناس ذكرهم شعبة، عن الشعبيّ، قال: سمعت عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله وَلقر عن المعراض، فقال رسول الله وَله: ((إذا أصاب بحدّه فكل، وإذا أصاب بعَرْضه فقتل، فإنه وَقِيذٌ، فلا تأكل))، قال: قلت: يا رسول الله أُرسل كلبي؟ قال: ((إذا أرسلت كلبك، وسَمَّيت، فأخذ فَكُل، فإذا أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه))، قال: قلت: يا رسول الله أُرسل كلبي، فأجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذ؟ قال: ((لا تأكل، فإنما سمّيت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْلَمُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: ((مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ(٣))، (١) هو ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه. (٢) («مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٨٠/٤. (٣) وفي نسخة: ((فإنه وقیذ)). ٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: ((مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلُهُ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْباً آخَرَ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ (١)، وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرُهُ عَلَى غَيْرِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس [٦] (ت٧ أو٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) بفتح العين، وإسكان الراء؛ أي: غير المحدّد منه(٢). وقوله: (فَهُوَ وَقِيذٌ) وفي بعض النسخ: ((فإنه وَقِيذٌ)). وقوله: (فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ) قال النوويّ كَذَتُهُ: معناه: إنّ أخذَ الكلبِ الصيدَ وقَتْله إياه ذكاة شرعية، بمنزلة ذبح الحيوان الإنسيّ، وهذا مُجْمَع عليه، ولو لم يقتله الكلب، لكن تَرَكَه، ولم تَبْقَ فيه حياة مستقرّةٌ، أو بقيت، ولم يبق زمان يمكن صاحبه لحاقه وذَبْحه، فمات حلّ؛ لهذا الحديث: ((فإن ذكاته أخذه)). (٣) انتھی . وقوله: (أَخَذَهُ مَعَهُ) وفي نسخة: ((أخذ معه)) بحذف الضمير. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى قريباً، ولله الحمد والمنّة. (١) وفي نسخة: ((أخذ معه)). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ٧٧. (٢) (شرح النوويّ)) ٧٧/١٣. ٩٣ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٧٠ - ٤٩٧١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) ابن راهويه، ذُكر أول الباب. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، تقدّم قريباً. و((زکریّا)) ذُکر قبله. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن زكريّا بن أبي زائدة هذه ساقها النسائيّ ◌َّثُ في ((سننه))، فقال: (٤٨٢٠) - أخبرنا عليّ بن حُجْر، قال: أنبأنا عيسى بن يونس وغيره، عن زكريّا، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله وَلقول عن صيد المعراض، فقال: ((ما أصبت بحدّه فكُلْ، وما أصاب بعَرْضه فهو وَقِيذ)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم - وَكَانَ لَنَا جَاراً، وَدَخِيلاً، وَرَبِيطاً بِالنَّهْرَيْنِ - أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: أُرْسِلٌُّ كَلْبِي، فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْباً قَدْ أَخَذَ، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ، قَالَ: ((فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) الْقُرشيّ الْبُسْريّ البصريّ، يُلقّب حَمْدان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٨/٤٠. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٨/١٩. (١) ((السنن الكبرى)) للنسائي ١٥٤/٣، و((المجتبى)) ١٩٥/٧. ٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَكَانَ لَنَا جَاراً، وَدَخِيلاً، وَرَبِيطاً) هذا الكلام للشعبيّ تَخْتُهُ؛ أي: أن عديّ بن حاتم ظُبه كان جاراً لنا، ودخيلاً؛ أي: مداخلاً، ومخالطاً، ومرابطاً ملازماً لثغر من ثغور العدوّ، أو ملازماً للعبادة، رَبَط نفسه عليها . وقال النوويّ تَخُّْ: قال أهل اللغة: ((الدَّخيل)) - بفتح الدال المهملة، وكسر الخاء المعجمة - والدّخّال: الذي يداخل الإنسان، ويخالطه في أموره، و(الرَّبِيط)) هنا بمعنى المرابط، وهو الملازم، والرباط: الملازمة، قالوا: والمراد هنا: رَبَط نفسه على العبادة، وعن الدنيا(١). وقال الفيّومي: فلان دخيل بين القوم؛ أي: ليس من نَسَبِهِم، بل هو نَزِيل بينهم، ومنه قيل: هذا الفرع دَخيل في الباب، ومعناه أنه ذُكر استطراداً، ومناسبةً، ولا يشتمل عليه عَقْد الباب. انتهى(٢). وقوله: (بِالنَّهْرَيْنِ) بيان للموضع، ولم أجد من بيّن المراد به، والذي يظهر أنه أراد نهر الفرات ودِجْلة، إلا أن محمد المرتضى ذكر في ((تاج العروس)) ما نصّه: ونَهْرانُ: من قُرى اليمن، من أَعمال ذِمار. انتهى (٣)، والظاهر أن هذا ليس المراد هنا، والله تعالى أعلم. ومما يؤيّد الأول أن الفيّوميّ ◌َّتُ قال: الفُرات نهر عظيم، مشهور، يخرج من حدود الروم، ثم يمرّ بأطراف الشام، ثم بالكوفة، ثم بالْحِلّة، ثم يلتقي مع دِجْلة في البطائح، ويصيران نهراً واحداً، ثم يصبّ عند عبّادان في بحر فارس. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ مِثْلَ ذَلِكَ). (١) ((شرح النوويّ)) ٧٧/١٣. (٣) (تاج العروس)) ٣٥٨٧/١. (٢) ((المصباح المنير)) ١٩٠/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٥. ٩٥ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَبِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٧٣) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة، عن الحكم هذه ساقها أبو نعيم تَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٥٧٣) - حدّثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله أُرسل كلبي علي الصيد، فأجد كلباً مع كلبي، لا أدري أيهما أخذ؟ قال: ((فلا تأكل، إنما سمّيت على كلبك، ولم تسمُّ على غيره)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكْ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَّيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَيّاً فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْباً غَيْرَهُ، وَقَدْ قَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ(٢)، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ السَّكُونِيُّ) تقدّم قريباً. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تُقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) فيه ما يدلّ على أن الإرسال لا بدّ أن يكون (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٠/٥. (٢) وفي نسخة: ((فإن رميت بسهمك)). ٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ من جهة الصائد، ومقصوداً له؛ لأن أَفْعَلَ فِعْلُ الفاعل، كأخرج، وأكرم، ثم هو فِعْلُ عاقل، فلا بدّ أن يكون مفعولاً لغرض صحيح، قاله القرطبيّ(١). وقول: (فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) فيه إيجاب التسمية عند الإرسال، كما يجب عند الذبح. وقوله: (فَأَدْرَكْتَهُ حَيّاً فَاذْبَحْهُ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هذا تصريح بأنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه، ولم يحلّ إلا بالذكاة، وهو مُجْمَع عليه، وما نُقِل عن الحسن، والنخعيّ خلافه فباطل، لا أظنه يصح عنهما، وأما إذا أدركه، ولم تبق فيه حياة مستقرّة، بأن كان قد قطع حلقومه، ومَريّه، أو أجافه، أو خرق أمعاءه، أو أخرج حِشْوته، فيحلّ من غير ذكاة بالإجماع، قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب إمرار السكين على حلقه؛ ليريحه. انتهى (٢). وقال القرطبيّ: قوله: ((فإن أدركته حيّاً فاذبحه)): هذا يدلُّ على أن المقدور عليه لا تكون ذكاته العقر، بل الذبح، أو النحر، وعلى هذا فيجب على الصائد إذا أرسل الجوارح أن يجتهد في الجري مُهيِّئاً لآلة الذبح؛ فإنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيد بين يدي الجوارح لم يَجُز أكله؛ لأنَّه لمّا أمسكته الجوارح صار مقدوراً عليه، والصائد لو لم يُفرِّط كان متمكناً من ذبحه، فإن أدركه الصائد منفوذ المَقاتِل فحُكمه حُكْم المقتول؛ لأنَّه ميؤوس من بقائه، إلا أن مالكاً استحب ذكاته مراعاة للخلاف، هذا هو مشهور قوله. (٣) انتھی(٣). وقوله: (فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ) قال النوويّ تَخْذُهُ: فيه بيان قاعدة مهمّة، وهي إنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحلّ؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه، وفيه تنبيه على أنه لو وجده حيّاً، وفيه حياة مستقرّة، فذكّاه حَلّ، ولا يضر كونه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره؛ لأن الاعتماد حينئذ في الإباحة على تذكية الآدميّ، لا على إمساك الكلب، وإنما تقع الإباحة بإمساك الكلب إذا قَتَله، وحينئذ إذا كان معه كلب آخر لم (١) ((المفهم)) ٢٠٦/٥. (٣) ((المفهم)) ٢٠٨/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٨/١٣. ٩٧ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَبِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٧٤) يحلّ، إلا إن يكون أرسله مَن هو مِن أهل الذكاة، كما أوضحناه قريباً. (١) . انتھی وقال القرطبيّ بعد ذكر الروايات ما نصّه: هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها، فمعناها واحد، وهذا الاختلاف يدلّ على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى، وتفيد هذه الروايات أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له لا بدَّ أن يكون متحققاً غير مشكوك فيه، ومع الشكِّ لا يجوز الأكل، وهذا الكلب المخالط محمول على أنه غير مرسَل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونَفْسه، ولا يختلف في هذا، فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه فإنَّه للصائِدَيْن؛ يكونان شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مَقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مَقاتله. انتهى (٢). وقوله: (فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً ... إلخ) هذا دليل لمن يقول: إذا أثّر جرحه، فغاب عنه، فوجده ميتاً، وليس فيه أثَر غير سهمه حلّ، وهو أحد قولي الشافعيّ، ومالك، في الصيد والسهم، والثاني: يحرم، قال النوويّ: وهو الأصح عند أصحابنا، والثالث: يحرم في الكلب دون السهم، والأول أقوى، وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، وأما الأحاديث المخالفة له فضعيفة، ومحمولة على كراهة التنزيه، وكذا الأثر عن ابن عباس ها: «كُلْ ما أصميت، وَدَعْ ما أنميت))؛ أي: كُلْ ما لم يغب عنك، دون ما غاب. انتهى(٣). وقوله: (وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ)؛ أي: لأن موته بالماء، لا بالجَرح، وهذا متّفقٌ عليه، قاله النوويّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ﴾ِ عَنِ (١) ((شرح مسلم)) ١٣/ ٧٧. (٣) ((شرح مسلم)) ٧٩/١٣. (٢) (المفهم)) ٢٠٩/٥. ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ الصَّيْدِ، قَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) تقدّم قريباً . والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٧٥] (١٩٣٠) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْح، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضٍ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي اَلَّمُعَلَّم، أَوْ بِكَلْيِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضٍ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضٍ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وله (٩١) سنة (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح) بن صفوان التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه زاهد [٧] (ت٨ أو٩١٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) أبو شُعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١ أو١٢٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٤ - (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بن عبد الله الْخَولانيّ الْحِمْصيّ، وُلد في حياة ٩٩ (١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٧٥) ـّ [٢] (ت٨٠) (ع) تقدم في النبيّ ◌َ* يوم حنين، وسَمِع من كبار الصحابة. ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٥ - (أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ) - بضمّ الخاء، وفتح الشين المعجمتين - الصحابيّ المشهور ﴿ه، اختُلِف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، روى عن النبيّ وَّ﴾، وعن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وروى عنه أبو إدريس الخولانيّ، وأبو أمية الشَّعْبانيّ، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وأبو أسماء الرَّحَبيّ، وُجُبير بن نُفير، وغيرهم. قال عبيد الله بن سعد الزهريّ: قال أحمد: بلغني عن أبي مُسهر قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: أبو ثعلبة اسمه جُرْثومة، وقال النسائيّ: ثنا عمرو بن منصور، أنا أبو مسهر، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز قال: اسم أبي ثعلبة جُرثومة، وقيل: جُرهم، وقال حنبل عن أحمد: بلغني عن سعيد بن عبد العزيز قال: اسمه جرثوم، وكذا قال صالح بن أحمد، عن أبيه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي مسهر: اسمه جرثوم، وعن سليمان بن عبد الرحمن قال: سألت بعض ولد أبي ثعلبة عن اسمه، فقال: لاشر بن جرثوم، وقال يعقوب بن سفيان: قلت لهشام بن عمار: ما اسم أبي ثعلبة؟ قال: يقولون: جرثوم بن عمرو، وكذا قال نوح بن حبيب، عن هشام، وقال الأثرم عن أحمد: اختلفوا فيه، فقيل: جرثوم بن عمرو، وقيل: جرهم بن ناشم، وفي رواية: لاشم، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وصالح بن أحمد عن أبيه، وحنبل بن أحمد: اسمه جرهم بن ناشم، وكذا قال مسلم، وكذا قال البغويّ عن ابن زنجويه، وهارون بن عبد الله، وكذا قال ابن سعد عن أصحابه، وقال دُحيم: اسمه جرثوم، وقال خليفة بن خياط: اسمه الأشقّ بن جرهم، ويقال: جرثومة بن ناشج، ويقال: جرهم، وقال ابن الْبَرْقيّ: اسمه جرثومة بن الأشتر بن جرثوم، ممن بايع تحت الشجرة، قال: وقال بعضهم: اسمه الأشقّ بن جرهم، وقيل غير ذلك. وقال ابن عيسى: بلغني أنه كان أقدم إسلاماً من أبي هريرة، ولم يقاتل مع عليّ، ولا مع معاوية، ومات في أول إمرة معاوية. وقال القاضي أبو عليّ الخولاني: نزل دَاريا. وقال خالد بن محمد الكنديّ: رُوي عن أبي الزاهرية: سمعت أبا ثعلبة ١٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ يقول: إني لأرجو أن لا يخنُقني الله تعالى كما أراكم تُخنقون عند الموت، قال: فبينما هو يصلي في جوف الليل قُبِض، وهو ساجدٌ، فرأت ابنته في النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فَزِعَةً، فنادت أين أبي؟ قالوا: في مصلاه، فنادته، فلم يجبها، فأتته، فوجدته ساجداً، فحرّكته فسقط ميتاً . وقال أبو عبيد، وابن سعد، وخليفة، وهارون الحمال: قال أبو حسان الزياديّ: مات سنة خمس وسبعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وكرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٩٣٢) وكرّره ثلاث مرّات أيضاً، وحديث (١٩٣٦). و ((ابن المبارك)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالدمشقيين، غير شيخه فكوفي، وابن المبارك فمروزي، وحيوة فمصري، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ: أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ) الصحابيّ المشهور بكنيته، واختُلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، كما مرّ آنفاً، وكان إسلامه قبل خيبر، وشَهِد بيعة الرضوان، وتوجّه إلى قومه، فأسلموا، وله أخ يقال له: عمرو، أسلم أيضاً (١). (الْخُشَنِيَّ) - بضمّ الخاء، وفتح الشين المعجمتين، ثم نون -: نسبة إلى بني خُشين، بطن من النمر بن وبرة بن تغلب - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام، بعدها موحّدة ــ ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة (٢). (يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية البخاريّ: ((قلت: يا نبيّ الله))، (إِنَّا) بكسر الهمزة، هي ((إنّ)) واسمها، (١) (الفتح)) ٤٢٨/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٤٥٧٨). (٢) ((الفتح)) ٤٢٨/١٢، و((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٤٦/١ - ٤٤٧.