Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي صَالِح) ذكوان السّمّان الزّيّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((بَيَّنَمَا) تقدّم أن أصلها (بَيْنَ))، فأُشبعت الفتحة، فصارت
ألفاً، وزيدت فيه الميم، فصارت ((بينما))، ويقال أيضاً: ((بينا)) بدون الميم،
وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ
وخبر - وهو قوله: ((رجلٌ يمشي)) - ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وهو
قوله: ((وَجَد ... إلخ))(١).
وقوله: (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه وَصْفه بقوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ
شَوْكِ) - بضمّ الغين المعجمة، وسكون الصاد المهملة - هو: ما تشعّب من
ساق الشجر، دِقاقها، وغِلاظها، والصغيرة: بِهاء، وجمعه غُصُونٌ، وَغِصَنة
- بكسر، ففتح - وأغصان، قاله المجد ◌َُّهُ(٢). (عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ)؛ أي:
أبعده عن الطريق؛ لئلا يؤذي مسلِماً، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، يقال:
شكرته، وشكرت له بمعنى واحد(٣)، وقال المجد تَخْدَثُ: ((الشُّكْرُ)) بالضمّ:
عِرْفان الإحسان، ونشرُهُ، أو لا يكون إلا عن يَدٍ، ومن الله تعالى الْمُجَازاة،
والثناء الجميل، شَكَره، وله، شُكْراً، وشُكُوراً، وشُكْراناً، وشكر اللهَ، ولله،
وبالله، ونعمةَ الله، وبها. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ تَخَذَتُهُ: شَكَرتُ للهِ: اعترفتُ بنِعَمه، وفعلتُ ما يجب من
فِعل الطاعة، وتَرْك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في
الأكثر باللام، فيقال: شكرت له شُكراً، وشُكراناً، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال:
شكرته، وأنكره الأصمعيّ، في السَّعَةِ، وقال: بابه الشِّعر، وقول الناس في
القنوت: ((نشكرك، ولا نكفرك)) لم يثبت في الرواية المنقولة عن عمر
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٧١/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٧١/٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٥٠.
(٤) ((القاموس المحيط)) (٧٠٠).

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
على أن له وجهاً، وهو الازدواج، وتشكّرت له مثلُ شكَرتُ له. انتهى(١).
(فَغَفَرَ لَهُ))) بالبناء للفاعل، وفي رواية لابن حبّان: ((حُوسب رجل ممن
كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا غُصن شوك كان على الطريق، كان
يؤذي الناس، فعزله، فغُفر له))، وفي رواية له: ((غُفر لرجل أخذ غُصن شوك
عن طريق الناس ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر)).
قال النوويّ ◌َُّهُ: وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهو كلُّ مُؤْذٍ،
وهذه الإماطة أدنى شُعَب الإيمان، كما سبق الحديث في ذلك في ((كتاب
الإيمان)).
وقوله: (وَقَالَ رَِّ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) هكذا بالهاء، وهو الأصل، لكن
هذا إذا كان المميّز مذكوراً بعد العدد، وأما إذا لم يكن مذكوراً كما هنا جاز
الأمران، ووقع في رواية أبي ذرّ، عن الحمويّ عند البخاريّ بلفظ: ((خمس))،
وفي رواية الباقين: ((خمسة)).
وقال الطيبيّ تَخْتُ: فإن قلت: ((خمسة)) خبر المبتدأ، والمعدود هذا بيان
له، فكيف يصحّ قوله في الخامس: ((والشهيد في سبيل الله رَّت))، فإن فيه حمل
الشيء على نفسه، فكأنه قال: الشهيد هو الشهيد؟.
أجيب بأنه من باب:
أَنَا أَبُو النَّجْم وَشِعْرِي شِعْرِي
وقال الكرمانيّ: الأَولى أن يقالَ: المراد بالشهيد: القتيل، فكأنه قال:
الشهداء كذا، وكذا، والقتيل في سبيل الله. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويَحْتَمل أن يكون المراد بالشهيد
في سبيل الله: المقتول، فكأنه قال: والمقتولُ، فعبّر عنه بالشهيد، ويؤيده قوله
في رواية جابر بن عَتِيك: ((الشهداء سبعة، سوى القتيل في سبيل الله))، ويجوز أن
يكون لفظ ((الشهيد)) مكرّراً في كل واحد منها، فيكون من التفصيل بعد الإجمال،
والتقدير: الشهداء خمسة: الشهيد كذا، والشهيد كذا إلى آخره. انتهى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٢٠/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧١/٥.
(٣) ((الفتح)) ١٠٣/٧، كتاب ((الجهاد)) (٢٨٢٩).

٧٠٣
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
[تنبيه]: قوله: ((الشهداء خمسة)) هذا الجزء من الحديث لا مناسبة له لِمَا
قبله، وإنما ساقه المصنّف تَذَتُهُ مساقاً واحداً؛ لأنه سمعه من شيخه كذلك،
فلم ير أن يتصرّف فيه، والله تعالى أعلم.
(الْمَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطاعون، وهو الوباء، كما فُسّر في
الرواية الآتية: ((الطاعون شهادة لكلّ مسلم))، ولم يُرِد المطعون بالسِّنان؛ لأنه
المقتول في سبيل الله المذكور من جملة الخمسة (١)، وسيأتي بيان اختلاف
العلماء في معنى الطاعون في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَالْمَبْطُونُ) هو صاحب داء البطن، وهو الإسهال، قال القاضي عياض:
وقيل: هو الذي به الاستسقاء، وانتفاخ البطن، وقيل: هو الذي تشتكي بطنه،
وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقاً. (وَالْغَرِقُ) - بفتح الغين المعجمة،
وكسر الراء بغير ياء -، كحَذِرٍ: هو الذي يموت غَرَقاً في الماء، قال القرطبيّ:
ويُروَى غَرِيق بالياء، وهو للمبالغة، كعليم. (وَصَاحِبُ الْهَدْم) - بفتح، فسكون -
أي: الذي ينهدم عليه البيت، أو نحوه، فيموت تحت الَهدم. (وَالشَّهِيدُ فِي
سَبِيلِ اللهِ رَ)))؛ أي: الذي مات في الجهاد، وقتله الكفّار.
وقال النوويّ كَّلُهُ: وفي رواية مالك في ((الموطأ)) من حديث جابر بن
عَتِيك: ((الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله - فذكر - المطعون،
والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، وصاحب ذات الجَنْب، والحَرِق،
والمرأة تموت بجُمع))، وفي رواية لمسلم: ((مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد،
ومن مات في سبيل الله فهو شهيد))، وهذا الحديث الذي رواه مالك صحيح بلا
خلاف، وإن كان البخاريّ ومسلم لم يُخْرجاه.
ثم ذكر معاني الخمسة التي تقدّمت، ثم قال: وصاحب ذات الجنب
معروف، وهي قُرْحة تكون في الجنب باطناً، والحريق الذي يموت بحريق
النار، وأما المرأة تموت بِجُمْع، فهو بضم الجيم، وفتحها، وكسرها، والضم
أشهر، قيل: التي تموت حاملاً جامعةً ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر،
والصحيح الأول.
(١) ((المفهم)) ٣/ ٧٥٧.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وأما قوله وَّله: ((ومن مات في سبيل الله فهو شهيد)) فمعناه بأيّ صفة
مات، وقد سبق بيانه، قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضّل الله
تعالى بسبب شدتها، وكثرة ألمها .
وقد جاء في حديث آخر في ((الصحيح)): ((مَن قُتل دون ماله فهو شهيد،
ومن قُتل دون أهله فهو شهيد))، وسَبَق بيانه في ((كتاب الإيمان)).
وفي حديث آخر صحيح: ((مَن قُتل دون سيفه فهو شهيد)).
قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيلِ الله: أنهم
يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغْسَلون، ويُصَلَّى عليهم،
وقد سبق في ((كتاب الإيمان)) بيان هذا، وأن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في
الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام
الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو مَن
غَلَّ في الغنيمة، أو قُتل مُذْبِراً. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ بعد ذكر الغَرِق، وصاحب الهدم، والحريق ما نصّه:
وهؤلاء الثلاثة إنما حَصَلت لهم مرتبة الشهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم لم
يُغَرِّروا بنفوسهم، وفرَّطوا في التحرّز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله
تعالى وقَدَره، فأما من غرّر، أو فَرّط في التحرّز حتى أصابه شيء من ذلك،
فمات فهو عاصّ، وأمْره إلى الله تعالى، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٣٢/٥١] (١٩١٤)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٦٥٣) و((الجهاد)) (٢٨٢٩) و((الطبّ)) (٥٧٣٣)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز))
(١٠٦٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٣١/١)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٢/١٣ - ٦٣.
(٢) ((المفهم)) ٧٥٧/٣.

٧٠٥
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٤/٢ و٣٢٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣١٨٨)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (١٦٩/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام البخاريّ تَّتُهُ: (بابٌ الشهادةُ سبعٌ سوى
القتل))، فقال في ((الفتح)): وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية
جابر بن عَتِيك - بفتح المهملة، وكسر المثناة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم كاف -
((أن النبيّ وَّ ر جاء يعود عبد الله بن ثابت ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((ما
تَعُدُّون الشهيد فيكم؟» قالوا: مَن يُقْتَل في سبيل الله، وفيه: ((الشهداء سبعةٌ،
سوى القتل في سبيل الله ... ))، فذكر زيادة على حديث أبي هريرة: الحريق،
وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بِجُمْع، وتوارد مع أبي هريرة في
المبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم.
فأما صاحب ذات الجنب: فهو مرض معروف، ويقال له الشوصة، وأما
المرأة تموت بِجُمع، فهو بضم الجيم، وسكون الميم، وقد تُفتح الجيم،
وتُكسر أيضاً، وهي النُّفَساء، وقيل: التي يموت ولدها في بطنها، ثم تموت
بسبب ذلك، وقيل: التي تموت بمزدلفة، وهو خطأ ظاهر، وقيل: التي تموت
عَذْراء، والأول أشهر.
قال: حديث جابر بن عَتِيك أخرجه أيضاً أبو داود، والنسائيّ، وابن
حبان، وقد رَوَى مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة - يعني: حديث
الباب - شاهداً لحديث جابر بن عَتيك، ولفظه: ((ما تَعُدُّون الشهداء فيكم؟»،
وزاد فيه، ونقص، فمِن زيادته: ((ومن مات في سبيل الله فهو شهيد)»، ولأحمد
من حديث عُبادة بن الصامت نحو حديث جابر بن عَتيك، ولفظه: ((وفي النفساء
يقتلها ولدها جمعاً شهادة))، وله من حديث راشد بن حبيش نحوه، وفيه:
((والسِّلّ))، وهو بكسر المهملة، وتشديد اللام.
وللنسائيّ من حديث عقبة بن عامر: ((خمس مَن قُبض فيهنّ فهو شهيد،
فذكر فيهم النفساء)).
ورَوَى أصحاب ((السنن))، وصححه الترمذيّ من حديث سعيد بن زيد،
مرفوعاً: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد))، وقال في الدِّين، والدَّم، والأهل مثل
ذلك.

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وللنسائيّ من حديث سُويد بن مقرِّن مرفوعاً: ((مَن قُتل دون مظلمته فهو
شهید» .
وفي رواية لأحمد: ((والمجنوب شهيد))؛ يعني: صاحب ذات الجنب.
قال الحافظ ◌َّتُهُ: والذي يظهر أنه وَ﴿ أُعْلِم بالأقلّ، ثم أُعلم زيادة على
ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك.
قال: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيِّدة أكثر من عشرين خصلة، فإن
مجموع ما قدّمْتُه مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتُها أربع عشرة خصلة،
وتقدم في ((باب من يُنكب في سبيل الله)) حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعاً:
((من وَقَصه فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامّة، أو مات على فراشه على أيّ
حتف شاء الله تعالى فهو شهيد)).
وصَحَّح الدارقطنيّ من حديث ابن عمر: ((موت الغريب شهادة))، ولابن
حبان من حديث أبي هريرة: ((من مات مرابطاً مات شهيداً)) الحديث،
وللطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((المرء يموت على فراشه في
سبيل الله شهيد))، وقال ذلك أيضاً في المبطون، واللَّدِيغ، والغريق،
والشَّرِيق، والذي يفترسه السبع، والخارّ عن دابته، وصاحب الهدم، وذات
الجنب.
ولأبي داود من حديث أم حرام: ((المائد في البحر الذي يصيبه القيء له
أجر شهيد))، وقد تقدمت أحاديث فيمن طلب الشهادة بنيّة صادقة أنه يُكتب
شهيداً، وصحّ حديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيدٌ، وفي حديث عقبة بن
عامر فيمن صرعته دابته، وهو عند الطبرانيّ، وعنده من حديث ابن مسعود
بإسناد صحيح: ((أن من يتردَّى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في
البحار لشهيد عند الله)).
ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أُعَرِّج عليها؛ لِضَعفها .
قال ابن التين تَخّلُ: هذه كلها مِيتات فيها شدّة تفضّل الله على أمة
محمد ◌َّ بأن جعلها تمحيصاً لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلّغهم بها مراتب
الشهداء .

٧٠٧
(٥١) - بَابُ بَيَّانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
قال الحافظ: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ
عليه ما روى أحمد، وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث جابر، والدارميّ،
وأحمد، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث
عمرو بن عَبسة: أن النبيّ وَّهِ سئل أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((مَن ◌ُقِر جواده،
وأهریق دمه)).
ورَوَى الحسن بن عليّ الحلوانيّ في ((كتاب المعرفة)) له بإسناد حسن من
حديث ابن أبي طالب مظانه قال: ((كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير
أن الشهادة تتفاضل)).
قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد
الدنيا، وشهيد الآخرة، وهو من يُقتَل في حرب الكفار، مُقْبِلاً غير مُذْبِر،
مخلصاً، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر بمعنى أنهم يُعطون من جنس أجر
الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا .
وفي حديث العِرْباض بن سارية عند النسائيّ، وأحمد، ولأحمد من
حديث عتبة بن عبد نحوه، مرفوعاً: ((يختصم الشهداء، والمتوفون على
الفُرش في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول: انظروا إلى جراحهم، فإن
أشبهت جراح المقتولين، فإنهم معهم، ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت
جراحهم)) .
وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله
مجازاً، فيحتج به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب
بأنه من عموم المجاز، فقد يُطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفار، لكن
لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه؛ كالانهزام، وفساد النية، والله
أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، وقد ألّف
السيوطيّ تَظْلُ رسالة جمع فيها ما ورد في أسباب الشهادة، من الأخبار، وقد
نظمت تلك الرسالة، ودونك نظمي المذكور:
(١) ((الفتح)) ١٠٠/٧ - ١٠٣، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٢٩).

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
بسم الله الرحمن الرحيم
مُحَمَّدٌ مُسْتَمْنِحاً غُفْرَانَهُ
يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ
حَمْداً لِمْنَ قَدْ مَنَحَ الشَّهَادَهْ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرْمَدَا
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ
وَبَعْدَهُ فَهَذِهِ إِفَادَهْ
نَظَمْتُهَا مِمَّا السُّيُوطِي جَمَعَهْ
سَمَّيْتُهَا إِتْحَافَ ذِي السَّعَادَهْ
وَأَسْأَلُ اللهَ الْقَبُولَ وَالرِّضَا
(مِنْهَا) الشَّهَادَةُ لِمَبْطُونٍ تُرَى
وَالْحَرْقُ وَالْحُمَّى وَذَا قَدْ ضُعِّفَا
وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَةٍ لِيُونِسٍ
وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامِ
وَالسِّلُّ وَالشَّرِيقُ وَالشَّهِيدُ
صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ أَوْ ذُو الْهَدْمِ
كَذَا الْغَرِيبُ وَالْحَدِيثُ ضُعِّفَاً
وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ ذَالَهُ
وَمَنْ يُزَكِّي طَيِّبَ النَّفْسِ إِذَا
وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جِبَالٍ أَوْ عَدَا
وَمَنْ إِلَى مِصْرٍ طَعَاماً جَلَبًا
وَمَنْ لَهُ السُّلْطَانُ ظُلْماً حَبَسَا
وَمَنْ بِصِدْقٍ طَلَبَ الشَّهَادَةْ
كَذَاكَ مَنْ سَعَى عَلَى الْعِيَالِ
وَامْرَأَةٌ غَيْرَى صَبُورٌ وَطَعَنْ
لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ ذَوِي السَّعَادَهْ
عَلَى النَّبِيِّ الْمُضْطَفَى مُحَمَّدَا
وَالتَّابِعِينَ سُبُلَ السَّلَامِ
لِمَنْ أَرَادَ طُرُقَ الشَّهَادَهْ
لِيَسْهُلَ الْحِفْظُ لِمَنْ لَهُ سَعَهْ
بِذِكْرٍ مَا يُوصِلُ لِلشَّهَادَةْ
وَالْخَتْمَ بِالْحُسْنَى إِذَا الْعُمْرُ انْقَضَى
وَالتَّاجِرِ الصَّدُوقِ نِعْمَ مَتْجَرَا
وَمَنْ مِنَ الْمَرْكُوبِ صَرْعُهُ وَفَا
لَكِنَّهُ وَاءٍ فَلَا تَسْتَأْنِسِ
ذِي الْجَوْرِ آمِراً بِأَمْرٍ سَامِي
أَيْ فِي سَبِيلِ اللهِ نِعْمَ الْعِيدُ
وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ خُذْ بِالْفَهْمِ
وَلِلْغَرِيقِ ثَابِتٌ فَلْتَعْرِفَا
إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مَا أَجْمَلَهُ
قُتِلَ مَظُلُوماً شَهِيدٌ حَبَّذَا
عَلَيْهِ سَبْعٌ فَرَمَاهُ بِالرَّدَى
لَكِنْ حَدِيثُهُ لِضَعْفٍ نُسِبًا
أَوْ مَاتَ بِالضَّرْبِ فَمَا بِهِ أَسَی
يُعْطَى وَإِنْ يَمُتْ عَلَى الْوِسَادَهْ
بِسَنَدٍ وَاهٍ فَلَا تُبَالِي
فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ فَطَنْ

٧٠٩
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
وَامْرَأَةٌ مَاتَتْ بِجُمْعِ أَيْ وَلَدْ
كَذَاكَ مَنْ صَلَّى الضُّحَى وَصَامَا
لَكِنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَيُّوبُ
كَذَاكَ مَنْ عَاشَ مُدَارِياً فَلَمْ
وَمَنْ يَمُتْ بِعِشْقِهِ إِذَا كَتَمْ
كَذَاكَ مَنْ يَقُلْ صَبَاحاً وَمَسَا
مَعَ قِرَاءَةِ انْتِهَاءِ ((الْحَشْرِ))
كَذَاكَ مَا أَخْرَجَ الاصْبَهَانِي
وَمَنْ يَقُلْ بَارِكْ لِيَ الْمَوْتَ وَمَا
فَمَاتَ فِي الْفِرَاشِ لَكِنِ الْخَبَرْ
كَذَاكَ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي مِائَهْ
كَذَاكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ
أَوْ دُونَ مَظْلِمَتِهِ أَوْ لَدَغَتْ
وَمَنْ تَلَا الْحَشْرَ لَدَى الْمَنَامِ قَدْ
كَذَلِكَ الْمَلْدُوغُ فِيهِ وَرَدَا
وَمَنْ عَلَى فِرَاشِهِ يَمُوتُ
وَمَنْ يَمُتْ بِمَرَضٍ وَعُلِّلَا
مِنْ قَوْلِهِ ((مُرَابِطاً)) وَإِنْ يَمَتْ
وَمَوْتُ جُمْعَةٍ إِذَا صَحَّ كَذَا
مَوْتُ الْمُسَافِرٍ إِذَا صَحَّ الْخَبَرْ
وَالْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبِي
وَحَامِلٌ لِلْوَضْعِ وَالْفِصَالِ
فَإِنْ تَمُتْ أَجْرُ الشَّهِيدِ نَالَهَا
فِي بَظْنِهَا وَقِيلَ بِكْرٌ يَا سَنَدْ
ثَلَاثَةً وَالْوِتْرَ قَدْ أَدَامَا
إِبْنُ نَهِيكٍ عِنْدَهُمْ مَعْيُوبُ
أَعْرِفْ حَدِيثَهُ بِصِحَّةٍ تُؤَمُ
وَعَفَّ وَالْحَدِيثُ بِالضَّعْفِ اَّسَمْ
أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ ذَا انْتِسَا
لَكِنْ حَدِيثُهُ ضَعِيفُ الْقَدْرِ
لَكِنَّهُ وَاءٍ فَلَا تُعَانِي
مِنْ بَعْدِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ نَمَا
مَا صَحَّ فِي هَذَا فَلَا تُلْقِ النَّظَرْ
وَفِيهِ مَجْهُولٌ فَكُنْ خَيْرَ فِئَهْ
أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ مَالِهِ
أَفْعَى وَلَكِنِ الْحَدِيثُ مَا ثَبَتْ
نَالَ وَمَا فِيهِ أَتَّى لَا يُعْتَمَدْ
مَا ضَعْفُهُ لَدَى الْوُعَاةِ قَدْ بَدَا
فِي حَالَةِ الْغَزْوِ وَنِعْمَ الْمَوْتُ
بِكَوْنِهِ مُصَحَّفاً قَدْ بُدِّلَا
فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ
مَوْقُوصُ مَرْكُوبٍ إِذَا مَاتَ بِذَا
وَمَائِدُ الْبَحْرِ لَهُ جَاءَ الأَثَرْ
عِنْدَ الْفَسَادِ وَالْحَدِيثُ مَا اجْتُبِي
فَكَالْمُرَابِطِ لِحُسْنِ الْحَالِ
إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مَا أَجَلَّهَا

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ومَّنْ يَمُتْ مُرَابِطاً وَالْخَبَرُ
مُؤَذِّنُ مُخْتَسِبٌ مِثْلُ الشَّهِيدْ
وَالنُّفَسَاءُ ذَا لَهَا قَدْ وَرَدَا
وَيَجْعَلَ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَى الْجَنَّهْ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبَدَا
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَّارِمِ
مَا اشْتَاقَ مُؤْمِنٌ إِلَى الْجِهَادِ
أَبْيَاتُهَا خَمْسُونَ مَعْ زِيَادَهْ
وَاخْتِمْ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَهْ
بِذِكْرِهِ شَهَادَةً قُلْ مُنْكَرُ
لَكِنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرُ سَدِيدْ
وَنَسْأَلُ الإِلَهَ حَظّ الشُّهَدَا
مَنْزِلَنَا فَضْلاً لَهُ وَمِنَّهْ
يُعْطِي الشَّهَادَةَ بِيُسْرٍ عَبْدَهُ
عَلَى رَسُولِ اللهِ خَيْرٍ مَنْ هَدَى
أَهْلِ النُّقَى وَالْفَضْلِ وَالْمَرَاحِمِ
وَفَازَ بِالْفِرْدَوْسِ بِاسْتِشْهَادِ
نَظَمْتُهَا أَرْجُو بِهَا الإِفَادَةْ
وَاكْتُبْ لَنَا الْحُسْنَى مَعَ الزِّيَادَهْ
انتهت المنظومة الميمونة بعد صلاة العشاء ليلة السبت المبارك
١٤٢٦/٢/٢٣ هـ.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الطاعون:
قال في ((الفتح)): الطاعون بوزن فاعول، من الطعن، عَدَلوا به عن أصله،
ووضعوه دالّاً على الموت العامّ؛ كالوباء، ويقال: طُعِن فهو مطعون، وطَعِين:
إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام
الجوهري .
وقال الخليل: الطاعون الوباء.
وقال صاحب ((النهاية)): الطاعون: المرض العامّ الذي يفسد له الهواء،
وتفسد به الأمزجة، والأبدان.
وقال أبو بكر ابن العربيّ: الطاعون: الوجع الغالب الذي يُطفئ الروح؛
كالذبحة، سُمِّ بذلك؛ لعموم مصابه، وسرعة قتله.
وقال أبو الوليد الباجيّ: هو مرض يعمّ الكثير من الناس، في جهة من
٠

٧١١
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحداً، بخلاف
بقية الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة.
وقال الداوديّ: الطاعون: حَبّة تخرج من الأرقاع، وفي كل طيّ من
الجسد، والصحيح أنه الوباء.
وقال عياض: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء
عموم الأمراض، فسُمّت طاعوناً؛ لِشَبَهِها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون
وباء، وليس كل وباء طاعوناً، قال: ويدلّ على ذلك أن وباء الشام الذي
وقع في عَمَوَاس إنما كان طاعوناً، وما ورد في الحديث أن الطاعون وَخْز
الجنّ.
وقال ابن عبد البرّ: الطاعون: غُدَّة تخرج في الْمَرَاقّ، والآباط، وقد
تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث شاء الله.
وقال النوويّ في ((الروضة)): قيل: الطاعون: انصباب الدم إلى عضو،
وقال آخرون: هو هَيَجان الدم، وانتفاخه، قال المتولي: وهو قريب من
الجذام، مَن أصابه تأكّلت أعضاؤه، وتساقط لحمه.
وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم، مع الحمى، أو انصباب
الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ، ويحمرّ، وقد يذهب ذلك العضو.
وقال النووي أيضاً في ((تهذيبه)): هو بَثْرٌ، ووَرَمٌ مؤلم جدّاً يخرج مع
لهب، ويسوَدّ ما حواليه، أو يخضرّ، أو يحمرّ حمرة شديدة بنفسجية، گَدِرةً،
ويحصل معه خفقان، وقيء، ويخرج غالباً في المراقّ والآباط، وقد يخرج في
الأيدي، والأصابع، وسائر الجسد.
وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو عليّ بن سينا: الطاعون مادّة
سُمّيّة تُحْدِثُ وَرَماً قتّالاً، يَحْدُث في المواضع الرِّخْوة، والمغابن من
البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة،

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال: وسببه دم رديءٌ مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر
سُمّيٍّ يُفسد العضو، ويغيِّر ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة،
فيحدث القيء، والغثيان، والغشي، والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من
الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء
الرئيسية، والأسود منه قَلَّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر،
والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثَمّ أُطلق على الطاعون
وباء، وبالعكس.
وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادّة الروح، ومدده.
قال الحافظ: فهذا ما بلَغَنا من كلام أهل اللغة، وأهل الفقه، والأطباء
في تعريفه.
والحاصل أن حقيقته: وَرَمُ ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصباب الدم
إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامّة الناشئة عن فساد
الهواء يُسَمّى طاعوناً بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به، أو
كثرة الموت.
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء ما جاء في ((الصحيح)): ((أن
الطاعون لا يدخل المدينة))، وما في حديث عائشة: ((قَدِمنا المدينة، وهي
أوبأ أرض الله))، وفيه قول بلال: ((أخرجونا إلى أرض الوباء))، وما في
حديث أبي الأسود: ((قدِمت المدينة في خلافة عمر، وهم يموتون موتاً
ذريعاً))، وما في حديث العرنيين: ((أنهم استوخموا المدينة))، وفي لفظ:
((أنهم قالوا: إنها أرض وبئة))، فكل ذلك يدلّ على أن الوباء كان
موجوداً بالمدينة، وقد صرح الحديث الأول بأن الطاعون لا يدخلها،
فدلّ على أن الوباء غير الطاعون، وأن من أطلق على كل وباء طاعوناً
فبطريق المجاز.
قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العامّ، يقال: أوبأت الأرض فهي
موبئة، ووَبئت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة، والذي يفترق به

٧١٣
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٢)
الطاعون من الوباء: أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء، ولا أكثر
من تكلم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طَعْن الجنّ، ولا يخالف ذلك
ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصبابه؛ لأنه
يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادّة السُّمّيّة،
ويهيج الدم بسببها، أو ينصبّ، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن
الجنّ؛ لأنه أمْر لا يُدرك بالعقل، وإنما يُعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك
على ما اقتضته قواعدهم.
وقال الكلاباذيّ في ((معاني الأخبار)): يَحْتَمِل أن يكون الطاعون على
قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم، أو صفراء محترقة،
أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجنّ، وقسم يكون من وخز الجنّ
كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض
الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضاً من طعن الإنس.
انتھی.
ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجنّ: وقوعه غالباً في
أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواءً، وأطيبها ماءً، ولأنه لو كان بسبب
فساد الهواء لدام في الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارةً، ويصح أخرى، وهذا
يذهب أحياناً، ويجيء أحياناً على غير قياس، ولا تجربة، فربما جاء سَنة
على سَنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعمّ الناس، والحيوان،
والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم، مما
هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعمّ جميع البدن، وهذا يختص
بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغيّر الأخلاط،
وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدلّ على أنه مِن طَعْن
الجنّ، كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها: حديث أبي موسى رفعه: ((فناء أمتي بالطعن والطاعون))، قيل:

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: ((وخز أعدائكم من
الجنّ، وفي كلِّ شهادة))، أخرجه أحمد من رواية زياد بن عِلاقة، عن رجل،
عن أبي موسى، وفي رواية له عن زياد، حدّثني رجل من قومي، قال: كنا على
باب عثمان ننتظر الإذن، فسمعت أبا موسى، قال زياد: فلم أرْضَ بقوله،
فسألت سيد الحيّ، فقال: صدق، وأخرجه البزار، والطبرانيّ من وجهين
آخرين، عن زياد، فسمّيا المبهَم يزيد بن الحارث، وسمّاه أحمد في رواية
أخرى: أسامة بن شريك، فأخرجه من طريق أبي بكر النَّهْشليّ، عن زياد بن
عِلاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة نفساً من بني ثعلبة،
فإذا نحن بأبي موسى.
ولا معارضة بينه وبين من سمّاه: يزيد بن الحارث؛ لأنه يُحمل على أن
أسامة هو سيد الحيّ الذي أشار إليه في الرواية الأخرى، واستثبته فيما حدّثه به
الأول، وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال ((الصحيحين))، إلا المبهَم،
وأسامة بن شريك صحابيّ مشهور، والذي سمّاه، وهو أبو بكر النهشليّ من
رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة،
والحاكم، وأخرجاه، وأحمد، والطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر بن أبي
موسى الأشعريّ، قال: سألت أبا موسى مظلته عن الطاعون، فقال: سئل
رسول الله 18َ، فقال: ((هو وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة))،
ورجاله رجال ((الصحيح)) إلا أبا بلج - بفتح الموحدة، وسكون اللام، بعدها
جيم - واسمه يحيى، وثّقه ابن معين، والنسائيّ، وجماعة، وضعّفه جماعة
بسبب التشيّع، وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور.
وللحديث طريق ثالثة: أخرجها الطبرانيّ من رواية عبد الله بن المختار،
عن كريب بن الحارث بن أبي موسى، عن أبيه، عن جدّه، ورجاله رجال
((الصحيح)) إلا كريباً، وأباه، وكريب وثّقه ابن حبان، وله حديث آخر في
الطاعون، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم، من رواية عاصم الأحول، عن
كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس، أخي أبي موسى الأشعريّ، رفعه:
((اللهم اجعل فناء أمتي قتلاً في سبيلك بالطعن، والطاعون)).

٧١٥
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٣)
قال العلماء: أراد * أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة، وهو القتل
في سبيل الله بأيدي أعدائهم، إما من الإنس، وإما من الجن.
ولحديث أبي موسى شاهد من حديث عائشة، أخرجه أبو يعلى، من
رواية ليث بن أبي سُليم، عن رجل، عن عطاء، عنها، وهذا سند
ضعيف، وآخر من حديث ابن عمر، سنده أضعف منه، والعمدة في هذا
الباب على حديث أبي موسى رضيُته، فإنه يُحكم له بالصحة؛ لتعدُّد طرقه
إليه .
وقوله: ((وخز)) - بفتح أوله، وسكون المعجمة، بعدها زاي ـ قال أهل
اللغة: هو الطعن، إذا كان غير نافذ، ووصَفَ طعن الجنّ بأنه وخز؛ لأنه يقع
من الباطن إلى الظاهر، فيؤثّر بالباطن أوّلاً، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ،
وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر
أوّلاً، ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ.
[تنبيه]: يقع في الألسنة، وهو في ((النهاية)) لابن الأثير تبعاً لغريبي
الهرويّ بلفظ: ((وخز إخوانكم))، قال الحافظ: ولم أره بلفظ ((إخوانكم)) بعد
التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب
المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لـ((مسند أحمد))، أو
الطبرانيّ، أو ((كتاب الطواعين)) لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد
منها. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ وتحقيقُ أنيس، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٣] (١٩١٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟))،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذاً
(١) ((الفتح)) ١٣٠/١٣ - ١٣٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٨).

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
لَقَلِيلٌ)»، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،
وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ
فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيَكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ
قَالَ: ((وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السّمّان، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا) استفهاميّة؛
أي: أيَّ شيء (تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟)؛ أي: تحسبونه، وتظنّونه، (قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ مَنْ) شرطيّة، وجوابها ((فهو شهيد))، (قُتِلَ) بالبناء للمجهول، (فِي
سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله ﴿، لا لغرض آخر دنيويّ، (فَهُوَ
شَهِيدٌ، قَالَ) بَرِ ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذاً) بتنوين العوض؛ أي: إذا كان الشهيد هو
من قُتل في سبيل الله فقط، فشهداء أمتي (لَقَلِيلٌ))) أفرد الخبر؛ لأن قليلاً
يُستعمل للواحد، وللجماعة، قال الجوهريّ رَّتُهُ: وقوم قليلون، وقليلٌ أيضاً،
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، ومثله
((الكثير))، فقال الجوهريّ أيضاً: وقومٌ كثيرٌ، وهم كثيرون. انتهى(١). وقال
الفيّوميّ: قال يونس: ويقال: رجالٌ كثيرٌ، وكثيرةٌ، ونساء كثيرٌ، وكثيرة.
انتهى (٢). (قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) وَِّ (مَنْ قُتِلَ)؛ أي: قتله الكفّار مقبلاً
غير مدبر، وصابراً محتسباً، كما جاء في الحديث الآخر، فمن قُتل مدبراً، فلا حظّ
له من ذلك، وكذا من قُتل مرائياً، لا حظّ له. (فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ)؛
(١) ((الصحاح)) للجوهريّ (٨٨٢ و٩٠٢).
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٢٦/٢.

٧١٧
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٤)
أي: حتف أنفه، دون سبب (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: في طريق الجهاد، أو في طريق
أيٍ خير؛ كالحجّ، أو طلب العلم، أو نحو ذلك، (فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي
الطَّاعُونِ) تقدّم أقوال العلماء في بيان معناه، في المسألة الرابعة من الحديث
الماضي، (فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ)؛ أي: بسبب داء البطن؛ كالإسهال،
أو نحوه، (فَهُوَ شَهِيدٌ))، قَالَ: ابْنُ مِقْسَم) هو: عبيد الله بن مقسم المدنيّ، ثقة
مشهور، من الطبقة الرابعة، تقدّمت ترجمَّته في ((الجنائز)) ٢٢٢٢/٢٣. (أَشْهَدُ عَلَى
أَبِيَكَ) أبي صالح ذكوان السمّان، (فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ) زيادة على ما سبق
((وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ)))؛ أي: زاد هذا على الأربعة المذكورة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٣٣/٥١ و٤٩٣٤ و٤٩٣٥] (١٩١٥)، و(ابن
ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٠٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٥٧٤)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤١/٢ و٥٢٢ و٥/
٣١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٨٦ و٣١٨٧ و٣١٨٨)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (٤٩٧/٤)، و(البيهقيّ) في («شعب الإيمان)) (٧/ ١٧٠)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ،
عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُهَيْلٌ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيَكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) أبو الحسن السُّكّريّ، صدوقٌ [١٠]
(م د ق) تقدّم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدٌ) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان، أبو الْهَيثم الواسطيّ
المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
و((سهیلٌ)) ذُكر قبله.
وقوله: (أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ أَنَّهُ زَادَ ... إلخ) هكذا وقع في بعض النُّسخ
بلفظ: ((أبيك))، وهو الصواب، ووقع في معظمها: ((أشهد على أخيك ...
إلخ))، وهو غلط، قال النوويّ تَخّتُهُ: هكذا وقع في أكثر نُسخ بلادنا: ((على
أخيك)) بالخاء، وفي بعضها: ((على أبيك)) بالباء، وهذا هو الصواب، قال
القاضي عياض: وقع في رواية ابن ماهان: ((على أبيك))، وهو الصواب، وفي
رواية الْجُلُوديّ: ((على أخيك))، وهو خطأ، والصواب: ((على أبيك)) كما سبق
في رواية زُهير، وكذا في الرواية التي بعد هذا. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية خالد الطخّان، عن سُهيل بن أبي صالح هذه ساقها ابن
حبّان نَظُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٣١٨٦) - أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، قال: حدّثنا وهب بن
بقيّة، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وص له: ((من تَعُدّون الشهداء فیکم؟))، قالوا: يا
رسول الله مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل))،
قالوا: من يا رسول الله؟ قال: ((مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في
سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في بطن فهو
شهيد))، قال سهيل: وأخبرني عبيد الله بن مِقْسَم قال: أشهد على أبيك أنه زاد
في الحديث الخامس: ((ومن غَرِقَ فهو شهيد)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ،
حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمِ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريباً.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٣/١٣ - ٦٤.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٤٥٨/٧.

٧١٩
(٥١) - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ - حديث رقم (٤٩٣٦)
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ لكنه تغيّر قليلاً في الآخر [٧] (ت١٦٥)، أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٣.
و ((سُهيل)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية وُهيب، عن سُهيل هذه ساقها أبو عوانة تَظُّ في ((مسنده))،
فقال :
(٧٤٧٢) - حدّثنا يونس بن حبيب، قثنا (١) أبو داود، قثنا وهيب، قال:
ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َبه قال: قال رسول الله وَّه:
((ما تَعُدّون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد،
قال رسول الله وَحجر: ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل))، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟
قال: ((مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد،
والمطعون فهو شهيد، والمبطون فهو شهيد))، قال سهيل: وحدّثني عبيد الله بن
مِقْسَم، عن أبي، ولم أسمعه منه، أنه زاد في هذا الحديث: ((والغريق)).
(٢)
انتھی(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٦] (١٩١٦) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ
- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، قَالَتْ: قَالَ لِي
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: بِمَ مَاتَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ، قَالَتْ:
فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِم))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (ح م) تقدّم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦.
(١) قوله: ((قثنا)) في الموضعين مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤٩٨/٤ - ٤٩٩.

٧٢٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٧٦)، أو بعدها (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ) أم الهذيل الأنصاريّة البصرية ثقةٌ [٣] ماتت بعد
المائة (ع) تقدّمت في ((العيدين)) ٢٠٥٥/٢.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) ◌ُه تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّة، وفيه أنس ◌ُ تقدّم الكلام عليه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رُْه (بِمَ
مَاتَ) ((ما)) استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها، كما هو الغالب فيها، كما قال في
(الخلاصة)»:
أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَ((مَا)) فِ الاسْتِفْهَامِ إِنْ حُرَّتْ خُذِفْ
بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى
وَلَيْسَ حَتْمَا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا
ووقع في رواية عند البخاريّ: ((بما مات)) بإثبات الألف، وهي رواية
للأصيليّ، كما قال في ((الفتح)).
أي: بأيّ شيء مات (يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟) هو ابن سيرين، أخو
حفصة، وأبو عمرة: كنية سيرين، قال في ((التقريب)): يحيى بن سيرين
الأنصاريّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ من الثالثة، مات قبل أخيه
محمد. انتهى (١)
وقال في ((التهذيب)): النسائي في مسند علي: يحيى بن سيرين الأنصاريّ
مولاهم، أبو عمرو البصريّ، رَوَى عن أنس بن مالك، وعَبيدة بن عمرو
(١) ((تقريب التهذيب)) ص٣٧٦.