Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) على المسنَد إليه؛ إذ المراد: إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة التاسعة عشرة): في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة: دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة، وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها، وحَكَى أبو الوليد محمد بن أحمد بن رُشْد المالكيّ في كتابه ((بداية المجتهد)» اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات، وحَكَى الاختلاف في الوضوء؛ لاختلافهم في أنه وسيلة، أو مقصود، وحَكَى ابن التين السفاقسيّ أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقِرَة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية . وذكر النوويّ أن الأعمال ضربان: ضَرْب تُشترط النية لصحته، وحصول الثواب فيه، كالأركان الأربعة، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنيّة، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحج والعمرة، والوقوف، مما اشترطَ النيةَ فيه بعضُ العلماء. وضَرْب لا تُشترط النية لصحته، لكن تُشترط لحصول الثواب، كستر العورة، والأذان، والإقامة، وابتداء السلام، وردّه، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإماطة الأذى، وبناء المدارس، والرُّبُط والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، وردّ الأمانات، ونحوها. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة العشرون): في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء: احتَجّ بالحديث مَنْ أَوْجَب النية في الوضوء والغسل، وهو قول الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد -، وإسحاق، وداود، وأبي ثور، وأبي عبيد، وبه يقول الزهريّ، وربيعة الرأي شيخ مالك، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن عليّ بن أبي طالب ◌ُه. (١) راجع: ((الفتح)) ٢٠/١ - ٢١. (٢) ((طرح التثرتيب)) ١١/٢. ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ، والحسن بن صالح، وزفر. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعيّ، ورواية شاذة عن مالك. واحتَجَّ هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصوداً، وأن المقصود به النظافة، فأشبَهَ إزالة النجاسة، واعتُرض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصوداً، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له، وبأن الله ذَكَر النية في التيمم فتيمموا صعيداً طيباً؛ أي: اقصدوا، وهو النية، ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل، واحتَجّوا أيضاً بتعليم النبيّ وَّ الوضوء للأعرابي، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة، فما الفرق؟ وإنما بَيَّنَ النبيّ وَّ لمن علَّمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تَرْكها لو تَرَكها، فأما القصد للعبادة فكان معلوماً عندهم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو الذي ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل؛ لحديث الباب، والله تعالى أعلم. (المسألة الحادية والعشرون): أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث، فاغتسل، أو توضأ، ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالفهم الجمهور في ذلك، فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلِّله بأنه ليس من أهل النية، قاله العراقيّ كَذَتُهُ(٢). (المسألة الثانية والعشرون): فيه حجة على أبي حنيفة أيضاً حيث ذهب (١) ((طرح التثريب)) ١١/١ - ١٢ بزيادة من المجموع. (٢) ((طرح التثريب)) ٢/ ١٢. ٦٢٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء، أو كفارة، أو تطوع وقع عن رمضان، إذ ليس له إلا ما نواه، ولم ينو صوم رمضان، وتعيينه شرعاً لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كُلِّف به، وذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أنه لا بدّ من تعيين رمضان؛ لظاهر الحديث، بخلاف الحجّ، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تُشترط فيه النية للصحيح المقيم؛ لتعيّن الزمان له، قاله العراقيّ ◌َخْتُ(١). (المسألة الثالثة والعشرون): فيه حجة على مالك في اكتفائه بنيّة واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر، وهي رواية عن أحمد أيضاً؛ لأن كل يوم عملٌ بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل، ولا عمل إلا بنيّة(٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة والعشرون): فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد عمرة؛ لأنه لم ينو العمرة، وإنما له ما نواه، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ إلا أن الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة، مالك، أحمد - قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يُكره عندهم الإحرام به قبل أشهره، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة؟ وهو قوله المتقدِّم نَقْلِه عنه، أو ينعقد إحرامه عمرة؟ وهو نصه في ((المختصر))، وهو الذي صححه الرافعيّ، والنوويّ، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى الثاني تسقط عنه، قاله العراقيّ. (المسألة الخامسة والعشرون): أنه احتُجّ به لأبي حنيفة، والثوريّ، ومالك أن الصرورة(٣) يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه. (١) ((طرح التثريب)) ١٦/٢. (٣) ((الصرورة)) هو الذي لم يحجّ. (٢) ((طرح التثريب)) ١٦/١. ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ إلى أنه ينعقد عن غيره، ويقع ذلك عن نفسه؛ لِمَا روى أبو داود، وابن ماجه، من حديث ابن عباس أن رسول الله وَهُ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: ((أحججت قط؟)) قال: لا، قال: ((فاجعل هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة))، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح، وفي رواية أبي داود: ((حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة))، ولك أن تقول: ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه، وإنما أَمَره أن ينشئ الإحرام عن نفسه، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه لَأَمره بالرجوع إلى الميقات، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا كله على تقدير مجاوزته للميقات، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيره: ((هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة))، فقد رواها البيهقيّ، ولكنها ضعيفة، فيها الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف. واستُدِلَ لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبرانيّ، ثم البيهقيّ من طريقه من حديث ابن عباس أيضاً: سمع النبيّ وَّ رجلاً يلبي عن نُبَيْشَة فقال: ((أيها الملبي عن نبيشة، احجج عن نفسك))، وهذا ضعيف، فيه الحسن بن عُمارة، وهو متروك، قال البيهقيّ: يقال: إن الحسن بن عمارة كان يرويه، ثم رجع عنه إلى الصواب، وقد ذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه، وإنما له ما نواه، ويجب عليه أن ینوي ذلك عن نفسه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول هو الصحيح؛ لظاهر حديث الملبي عن شُبْرُمَةَ، وهو حديث صحيح، والله تعالى أعلم (المسألة السادسة والعشرون): قال العراقيّ: إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه، كمن جامع امرأته، أو أمته ظاناً أنها أجنبية، أو شرب شراباً مباحاً ظانّاً أنه خمر، أو أقدم على استعمال مُلكه ظانّاً أنه لأجنبيّ، ونحو (١) ((طرح التثريب)) ٣٨٦/١. ٦٢٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَلَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) ذلك، فإنه يحرم عليه تعاطي ذلك اعتباراً بنيّته، وإن كان مباحاً له في نفس الأمر، غير أن ذلك لا يوجب حدّاً ولا ضماناً؛ لعدم التعدي في نفس الأمر، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء، وهو يعلم أنه ماء، ولكن على صورة استعمال الحرام، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حراماً؛ لتشبّهه بالشَّرَبَة، وإن كانت نيّته لا يُتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحِلِّه، ونحوه، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تَحْرُم عليه وصوَّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يَحْرُم عليه ذلك، وكلّ ذلك لتشبّهه بصورة الحرام. انتهى (١). (المسألة السابعة والعشرون): قال الخطابيّ تَخُّْهُ: فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلَّق بصريح لفظ الطلاق ونوى عدداً من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثاً، كان ما نواه من العدد واقعاً واحدة أو اثنتين، أو ثلاثاً، وإليه ذهب الشافعيّ، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: هي واحدة وهو أحق بها، وكذلك قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة والعشرون): فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق، كقوله: أنت بائن، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة؛ لكونها كلمة واحدة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عدداً فهي واحدة بائنة أيضاً، والحديث حجة عليهم. وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى اثنتين فهو كذلك، وإن لم ينو عدداً فهي واحدة رجعية، قال الخطابيّ: وهذا أشبه بمعنى الحديث، وأَولى به، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة التاسعة والعشرون): فيه ردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان، دون الاعتقاد بالقلب، وقد أورده البخاريّ في آخر ((كتاب الإيمان)) من ((صحيحه)) محتجّاً عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة، والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والله تعالى أعلم. (١) ((طرح التثريب)) ١٨/٢. ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (المسألة الثلاثون): فيه حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَيِّنُون مَن سَبَق لسانه إلى كلمة الكفر إذا اذَّعَى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في (صحيحه)) من حديث أنس بن مالك رؤيته في قصة الرجل الذي ضلّت راحلته، ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبيّ وَّر: ((أخطأ من شدة الفرح))، والذي جرت به عادة الحكام الحُذَّاق منهم اعتبارُ حال الواقع منه ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات، وقلة المبالاة بأمر الدِّين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً، وعُرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسن. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الحادية والثلاثون): فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الْحِيَلِ، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالاً له قبل الحول، أو باعه، أو أتلفه، أو بادل به، فراراً من الزكاة، أو باع بالعِينة المشهورة، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها، وإن لم يشترط ذلك في نفس العقد، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثمنٍ فيه ما تجهل قيمته، كفَصِّ ونحوه، أو زاد في ثمنها وعوَّضه عن عشرة آلاف دينار مثلاً، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق، أو الموقعة في المناهي، وإنما يُخادِعِ بالنيات مَن لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاريّ من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله وَالر: ((لا يُجمع بين متفرق، ولا يفرّق بين مجتمع خشيةَ الصدقة))، وقال في الحديث الصحيح: (يُبعثون على نيّاتهم))، والذي نَصّ عليه الشافعيّ، وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة مُلكه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه، وجعل بعض أصحاب الشافعيّ الكراهة للتحريم، كقول مالك، وعليه كلام الغزالي في قوله: أثم، وكذلك عندهم البيع بالعِينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيّل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا على التحريم، والحديث حجة لمن قال بالتحريم، والله أعلم. (١) ((طرح التثريب)) ٢٠/٢. ٦٢٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) قال العراقي: ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنَّف في الألغاز أن الحِيَل ليس فيها منافاة للشريعة، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل، كقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له، فهو حسن مشروع، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه. انتهى (١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية والثلاثون): أنه استُدِلّ به على أنه لا يجب القَوَد في شِبْه العمد؛ لأنه لم ينو قتله، وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وأحمد، وإسحاق، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعيّ، ومحمد بن الحسن أثلاثاً، وجعلها الباقون أرباعاً، وجعلها أبو ثور أخماساً، وأنكر مالك شِبْه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه . واستَدَلّ الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((ألا إن دية الخطأ شِبْه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ... )) الحديث. قال الجامع: القول الأول أرجح؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة والثلاثون): قوله وَالر: ((فمن كانت هجرته ... )) إلخ، الهجرة بكسر الهاء فِعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأُولى للثانية، قاله صاحب ((النهاية)). وقال ابن دقيق العيد تخذتُهُ: الهجرة تقع على أمور: الهجرة الأولى: إلى أرض الحبشة. الثانية: من مكة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله وَله . الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة. الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، قال: ومعنى الحديث، وحُكمه يتناول (١) ((طرح التثريب)) ٢١/٢. ٦٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الجميع، غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث: الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة؛ ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. انتهى(١). وقال العراقيّ ◌َّلهُ: بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام: وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين، كما هو معروف في السِّيَر، ولا يقال: كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتَفَى بذكر الهجرة إليها مرة، فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لِتعدّدها. والثانية: هجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدِّين، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام. والثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله (ص 18 يقول: ((ستكون هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها)) الحديث، ورواه أحمد في ((مسنده))، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب ((النهاية)): يريد به الشام؛ لأن إبراهيم لمّا خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به. انتهى. وروى أبو داود أيضاً من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صل* قال: ((إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام»، فهذه ثمانية أقسام للهجرة. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب تَّثُهُ: وقوله وَ له: ((فمن كان هجرته ... )) إلخ، لمّا ذكر النبيّ * أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيّته من خير أو شر، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذَكَر بعد ذلك مَثَلاً من الأمثال والأعمال التي صُورَتُها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال . وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك، والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما (١) ((إحكام الأحكام)) ٧٨/١. ٦٢٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِن ◌َّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبيّ وَّطول المدينة المنورة، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشيّ، فأخبر الله أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها . فمن هاجر إلى دار الإسلام حبّاً لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دِينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقّاً، وكفاه شرفاً وفخراً أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب، وليس بواحد منهما مهاجر، وفي قوله: ((إلى ما هاجر إليه)) تحقير لِمَا طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضاً أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحةً تارة، ومحرمةً تارة، وإفراد ما يُقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: ((فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ يعني: كائناً ما كان. وقد رُوي عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَّمَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال: كانت المرأة إذا أتت النبيّ وَّهُ حلّفها بالله ما خرجت من بُغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله، أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في ((مسنده)). وخرّجه الترمذيّ في بعض نُسخ كتابه مختصراً. وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش، عن شقيق - هو أبو وائل - قال: خطب أعرابي من الحيّ امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجته، فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال: فقال عبد الله - يعني: ابن مسعود -: من هاجر يبتغي شيئاً فهو له، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبيّ ◌َّ، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود، قال: كان ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر وتزوجها، وكنا نسميه مهاجِر أم قيس، قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له . وقد اشتَهَر أن قصة مهاجر أم قيس كانت هي سبب قول النبيّ وَّر: ((من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها))، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلاً يصح، والله أعلم. وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما . وقد سئل النبيّ 18َ عن اختلاف الناس في الجهاد، وما يُقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية، ففي ((الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيّاً أتى النبيّ وَله، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله وَر: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله وَل﴿ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟، فذكر الحديث، وفي رواية له أيضاً: الرجل يقاتل غضباً، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّه، فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله وَيقول: ((لا شيء))، ثم قال رسول الله ويلقى: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه)). وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يريد عَرَضاً من عَرَض الدنيا، فقال رسول الله وَّةٍ: ((لا أجر له))، فأعاد عليه ثلاثاً، والنبيّ نَّ ه يقول: لا أجر له)). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبيّ وَطّ قال: ((الغزو غزوان؛ فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسَرَ الشريك، ٦٣١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) واجتنب الفساد، فإن نومه ونَبْهَه أجرٌ كله، وأما من غزا فخراً ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف)). وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: ((إن قاتلت صابراً محتسباً بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً بعثك الله مرائياً مكاثراً، على أيّ حال قاتلت أو قُتِلْت بعثك الله بتلك الحال)). (المسألة الرابعة والثلاثون): في أقسام العمل لغير الله ربيّك . قال الحافظ ابن رجب كَّتُهُ أيضاً: اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضاً بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين، لغرض دنيويّ، كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله رَّ: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ ﴾ [الماعون: ٤]، كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فَرْض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارةً يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً وحُبُوطه، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة نظُّه، عن النبيّ وَ له قال: (يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِل عملاً أشرك معي فيه غيري تَرَكْته وشِرْكه))، وأخرجه ابن ماجه، ولفظه: ((فأنا منه بريء، وهو الذي أشرك))، وأخرج الإمام أحمد، عن شداد بن أوس ظه، عن النبيّ وَلّ قال: ((من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله مك يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئاً، فإن حَشْدَه عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني))، وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فَضَالة، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله وَلّه: ٦٣٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله الله فليطلب ثوابه من عند غير الله رَك، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك))، وأخرج البزار في ((مسنده)) من حديث الضحاك بن قيس، عن النبيّ ◌َل قال: ((إن الله ◌َيَك يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله ربك، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خَلَص له، ولا تقولوا: هذا لله والرحم، فإنها للرحم، وليس الله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيء)). وخرّج النسائيّ بإسناد جيّد عن أبي أمامة الباهليّ ظله: أن رجلاً أتى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذِّكر؟ فقال رسول الله وقال: ((لا شيء له، فأعاد عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله وَ له : ((لا شيء له)) ثم قال: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجه الله)). قال: قال رجل: يا رسول الله، وخرّج الحاکم من حديث ابن عباس إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يَرُدّ عليه رسول الله وَّه شيئاً حتى نزلت: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية [الكهف: ١١٠]. وممن يُرْوَى عنه هذا المعنى - أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلاً - طائفة من السلف منهم: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبيّ وَل قال: ((لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة خردل من رياء))، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافاً، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن خالط نيّةَ الجهاد نيةٌ غير الرياء، مِثْل أخذه أجرة للخدمة، أو أخْذ شيء من الغنيمة، أو التجارة نَقَص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية. وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو طه، عن النبيّ وَّو قال: ((إن الغُزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئاً تمَّ لهم أجرهم))، وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضاً من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا . ٦٣٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري، أجرهم على قَدْر ما يخلص من نيّتهم في غزواتهم، ولا يكون مِثْل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره، وقال أيضاً فيمن يأخذ جُعْلاً على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدِينه، فإن أعطي شيئاً أخذه، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوّضه الله رزقاً فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أُعطي درهماً غزا، وإن مُنع درهماً مكث، فلا خير في ذلك، وكذا قال الأوزاعيّ رَّتُهُ: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأساً، وهكذا يقال فيمن أخذ شيئاً في الحج ليحج به إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال في حج الحمّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تام لا يَنْقُص من أجورهم شيءٌ، وهذا محمول على أن قَصْدهم الأصليّ كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضرّه، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره، بغير خلاف، فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيّته الأُولى، وهو مروي عن الحسن البصريّ، وغيره، ويُستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في ((مراسيله)) عن عطاء الخراسانيّ: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن بني سَلِمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: ((كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا)). وذَكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة، والصيام، والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة، والذِّكر، وإنفاق المال، ونَشْر العلم، فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية . وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشميّ أنه قال: ربما أُحدِّث بحديث ولي فيه نيّة، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيّتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة نّات، ولا يَرِد هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراسانيّ، فإن الجهاد يلزم بحضور الصفّ ولا يجوز تَرْكه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذرّ، عن النبيّ وَلّ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن))، أخرجه مسلم. وأخرجه ابن ماجه وعنده: الرجل يعمل فيحبه الناس عليه، وبهذا المعنى فسّره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبريّ، وغيرهم. وكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضيه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسرّه، فإذا اطلع عليه أعجبه، فقال: ((له أجران أجر السرّ، وأجر العلانية)). ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية . وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشقّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرِّف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي، ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَظّمُ(١)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة والثلاثون): قال الحافظ العراقيّ تَخّْتُهُ: اختلفت الأحاديث الواردة في الهجرة هل انقطعت بفتح مكة، أم هي باقية؟. (١) ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ١١ - ١٦. ٦٣٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ ◌َّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) ففي ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس ها قال: قال رسول الله وَاليه: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنْفِرتم فانفروا)). وروى البخاريّ عن ابن عمر ◌ًا قوله: ((لا هجرة بعد الفتح))، وفي رواية له: ((لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله (وَل))، ورَوَى البخاريّ أيضاً عن عُبيد بن عُمير سأل عائشة ◌َّا عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله ◌َ ﴿ مخافة أن يُفتَن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية. وروى البخاريّ ومسلم أيضاً عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبيّ وَالطّ ليبايعه على الهجرة، قال: ((مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد))، وفي رواية أنه جاء بأخيه مُجالِد. ورَوَى أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ، ورافع بن خَدِیج، وزيد بن ثابت أيضاً: ((لا هجرة بعد الفتح، ولکن جهاد ونية)). فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة. وروى أبو داود، والنسائيّ من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)). وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعاً: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل)). ورَوَى أيضاً من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعاً: ((إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد)). وجمع الخطابيّ في ((المعالم)) بين هذا الاختلاف بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضاً، ثم صارت بعد فتح مكة مندوباً إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب، قال: فهذا وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما، حديث ابن عباس متصل صحیح، وحديث معاوية فيه مقال. انتهى. وقال صاحب ((النهاية)): إن الجمع بينهما أن الهجرة هجرتان: إحداهما: التي وعد الله عليه بالجنة كان الرجل يأتي النبيّ ◌َِّ، ويَدَع ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أهله وماله، ولا يرجع في شيء منه، فلما فُتحت مكة انقطعت هذه الهجرة. والثانية: من هاجر من الأعراب، وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة، وهو المراد بقوله: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة)). انتهى. وفي حديث آخر ما يدلّ على أن المراد بالباقية هجر السيئات، كما رواه أحمد في ((مسنده)) من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﴿، أن النبي وَل قال: ((الهجرة هجرتان؛ إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما فيه، وكُفيَ الناسُ العملَ)). ورَوَى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((جاء رجل أعرابي جَاف جريء، فقال: يا رسول الله أين الهجرة إليك؟ حيث كنتَ، أم إلى أرض معلومة، أو لقوم خاصة، أم إذا مثَّ انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله وَل ساعة ثم قال: ((أين السائل عن الهجرة؟))، قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: ((إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، فأنت مهاجر، وإن مثَّ بالحضرمة))، قال: يعني أرضاً باليمامة، وفي رواية له: ((الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر)). انتهى كلام العراقيّ تَخَذَتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة والثلاثون): قال ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر لا بدّ وأن يتغايرا، وههنا وقع الاتحاد في قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله))، وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)) ما نصه: فإن قيل: الأصل تَغايُر الشرط والجزاء، فلا (١) ((طرح التثريب)) ٢٤/٢. (٢) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٨٠. ٦٣٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَلِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) يقال مثلاً: من أطاع أطاع، وإنما يقال مثلاً: من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين. فالجواب: أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويُفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ [الفرقان: ٧١] وهو مؤوَّل على إرادة المعهود المستقرّ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا في النفس، كقولهم: أنت أنت؛ أي: الصَّديق الخالص، وقولهم: هم هم؛ أي: الذين لا يُقَدَّرُ قَدْرُهم، وقول الشاعر: أَنَا أبُو النَّجْمِ وَشعْري شعْري أو هو مؤوّل على إقامة السبب مقام المسبَّب؛ لاشتهار السبب، وقال ابن مالك: قد يُقْصَد بالخبر الفرد بيانُ الشهرة، وعدم التغير، فيتحد بالمبتدإ لفظاً، كقول الشاعر [من الطويل]: خَليلي خَليلي دُونَ رَيْب وَرُبَّمَا ألانَ امرُؤٌّ قَوْلاً فَظُنَّ خَليلًا وقد يُفْعَل مثل هذا بجواب الشرط، كقولك: من قصدني فقد قصدني؛ أي: فقد قصد مَن عُرف بإنجاح قاصده، وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتد! والخبر، والشرط والجزاء عُلم منهما المبالغة، إما في التعظيم، وإما في (١) التحقير. انتهى(١). (المسألة السابعة والثلاثون): قال الحافظ العراقيّ تكّثهُ: لم يقل في الجزاء فهجرته إليهما، وإن كان أخصر، بل أتى بالظاهر، فقال: ((فهجرته إلى الله ورسوله))، وذلك من آدابه وَ ل﴿ في تعظيم اسم الله أن لا يُجْمَع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب: ((بئس الخطيب أنت)) حين قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وبَيَّن له وجه الإنكار، فقال له: ((قل ومن يعص الله ورسوله))، وهذا يَدْفَع قول مَن قال: إنما أنكر عليه وقوفه على قوله: ومن يعصهما، وقد جمع رسول الله وَّر الضمير في موضع آخر، فقال فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله وسلم كان إذا تشهد .. الحديث، وفيه: ((من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا (١) ((الفتح)) ٢٣/١. ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة يضر الله شيئاً))، وقد ظهر بهذا أن تَرْك جمعهما في ضمير واحد على وجه الأدب، وأنه إنما أنكر على الخطيب ذلك تنبيهاً على دقائق الكلام، ولأنه قد لا يكون عنده من المعرفة بتعظيم الله تعالى، ما يَعْلَمُه ◌َلّ من عظمته وجلاله، والله أعلم، انتهى(١) . (المسألة الثامنة والثلاثون): قال الحافظ العراقي تَّتُهُ أيضاً: الدنيا فُعْلى من الدنوّ، وهو القرب، سُمّيت بذلك؛ لِسَبْقها للآخرة، وفي الدال لغتان: الضم، وهو الأشهر، والكسر، حكاه ابن قتيبة وغيره، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل اللغة، وأهل العربية، وحَكَى بعضُ المتأخرين من شُرّاح البخاريّ أن فيها لغة غريبةً بالتنوين، وليس بجيّد، فإنه لا يُعْرَف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاريّ رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهنيّ، وأُنكر ذلك عليه، ولم يكن ممن يُرجع إليه في ذلك، فأخذ بعضهم يحكي ذلك لغة، كما وقع لهم نحو ذلك في ((خُلوف فم الصائم))، فحَكَوا فيه لغتين، وإنما يَعرف أهل اللغة الضم، وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادَّعَى فيه العراقيّ الغلط من تنوين دنيا ثابت لغة، فقد أثبته في ((اللسان))، و((القاموس))، وعبارة ((اللسان)): والدنيا: نقيض الآخرة، انقلبت الواو فيها ياء؛ لأن فُعْلى إذا كانت اسماً من ذوات الواو أُبدلت واوها ياء، كما أُبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى؛ يعني: بالفتح، فأدخلوها عليها في فُعْلى - يعني بالضم - ليتكافأ في التغيير، قال: وحَكَى ابن الأعرابي: ما له دنياً ولا آخرة، فنوّن دنياً تشبيهاً لها بفُعْلَل، قال: والأصل أن لا تُصْرَف؛ لأنها فُعْلى، والجمع دُنَا مثل الكُبرى والكُبَر، والصغرى والصُّغَر. اهـ. (لسان)) باختصار(٣). وعبارة ((القاموس)): والدنيا نقيض الآخرة: وقد تُنَوَّن، جمعه دُنا. (٤) انتھی . (١) ((طرح التثريب)) ٢٤/٢. (٣) ((لسان العرب)) ٢٧٣/١٤. (٢) ((طرح التثريب)) ٢٥/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٤٥١. ٦٣٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) وقال البدر العينيّ في ((العمدة)) بعدما نقل مثل ما تقدّم عن العراقي ما نصه: جاء التنوين في دنيا في اللغة، قال العجاج [من الرجز]: فِي جَمْعِ دُنْياً طَالَ مَا قَدْ عَنَّتِ وقال المثلم بن رباح بن ظالم المرّيّ [من الكامل]: إِنِّي مُقَسِّمُ مَا مَلَكْتُ فَجَاعِلٌ أجراً لآخرَةٍ ودُنْياً تَنْفَعُ فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دُنْياً، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى. انتهى(١). والحاصل أن التنوين ثابت عند أهل اللغة، إلا أنه قليل، فلا ينبغي أن يُعَدّ غلطاً، فتبصّر، وقال ابن مالك: استعمال دنيا مُنكَراً فيه إشكال؛ لأنها أفعل تفضيل، فكان حقها أن تُستعمل باللام نحو الكبرى والحسنى، إلا أنها خُلعت عنها الوصفية رأساً، وأجري مُجرى ما لم يك وصفاً، ونحوه قول الشاعر [من البسيط]: وإِنْ دَعَوْتٍ إِلَى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ يَوْماً سَرَاةَ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا فإن الجُلَّى مؤنث الأجل، فخُلعت عنها الوصفية، وجُعلت اسماً للحادثة العظيمة. قال البدر العينيّ: قلت: من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء؛ لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفُعْلَى الاسم، وقال التميميّ: الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف، مثل حبلى؛ لاجتماع أمرين فيها: أحدهما الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث. وقال الكرمانيّ: ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها؛ إذ لا وصفية هنا؛ بل امتناع صَرْفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائم مقام العلتين، فهو سهو منه . وتعقّبه العينيّ قائلاً: ليس بسهو منه؛ لأن الدنيا في الأصل صفة؛ لأن التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ (١) ((عمدة القاري)) ٢٦/١. ٦٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة [آل عمران: ١٨٥] وتَرْكُهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية. انتهى(١). (المسألة التاسعة والثلاثون): الجار والمجرور في قوله: ((إلى الله ورسوله))، وفي قوله: ((إلى دنيا)) يتعلق بالهجرة إن كانت ((كان)) تامّة، أو خبر لكان إن كانت ناقصة، قال الكرمانيّ: فإن قلت: لفظ ((كانت)) إن كان باقياً في المضيّ فلا يُعلم أن الحكم بعد صدور هذا الكلام من الرسول ول﴿ أيضاً كذلك أم لا؟ وإن نُقل بسبب تضمين ((مَنْ)) لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس، ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل. قلت: جاز أن يُراد به أصل الكون؛ أي: الوجود مطلقاً من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة، أو يقاس أحد الزمانين على الآخر، أو يُعلم من الإجماع على أن حُكم المكلَّفين على السواء أنه لا تعارُض. انتهى. قال العيني: في الجواب الأول نَظَر لا يخفى؛ لأن الوجود من حيث هو لا يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة. انتهى (٢). (المسألة الأربعون): إن قيل: ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا؟. أجيب من وجوه : الأول: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأن لفظة دنيا نكرة، وهي لا تعمّ في الإثبات، فلا تقتضي دخول المرأة فيها . وتُعقّب بأنها في سياق الشرط، فتعمّ، قاله في ((الفتح)). الثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير، فيكون من باب ذِكر الخاص بعد العام، كما في قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالضَلَّوَةِ الْوُسْطَى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٨]. الثالث: أنه إنما خَصّ المرأة بالذِّكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث؛ لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوِّج المولى العربية، ولا يزوِّجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب، فلما جاء الإسلام سَوَّى بين المسلمين في (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٢٧. (٢) ((عمدة القاري)) ١/ ٢٧.