Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٩)
ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
فبغداديّ، وفيه أنس ظُه تقدّم الكلام عنه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبه أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ) بَيّن الأناس
في رواية قتادة، عن أنس عند البخاريّ فقال: ((إن رِعْلاً، وغيرهم استمدُّوا
رسول الله (8﴿ على عدوّ، فأمدّهم بسبعين من الأنصار))، وفي رواية للبخاريّ
في ((الجهاد) من وجه آخر، عن سعيد، عن قتادة: ((أن النبيّ وَّ أتاه رِعْل،
وذَكْوان، وعُصَيّة، وبنو لِحيان، فزعموا أنهم أسلموا، واستمدّوا على قومهم)).
قال الحافظ: وفي هذا ردّ على من قال: رواية قتادة وَهْم، وأنهم لم
يستمدُّوا رسول الله وَّه، وإنما الذي استمدّهم عامر بن الطُّفيل على أصحاب
رسول الله ◌َ﴾. انتهى.
قال: ولا مانع أن يستمدّوا رسول الله ◌َّر في الظاهر، ويكون قَصْدهم
الغدر بهم.
ويَحْتَمِل أن يكون الذين استمدّوا غير الذين استمدّهم عامر بن الطفيل،
وإن كان الكل من بني سُلیم.
وفي رواية للبخاريّ عن عاصم، عن أنس: ((أن النبيّ ◌َّ بَعَثَ أقواماً إلى
ناس من المشركين، بينهم وبين رسول الله (صل﴿ عهدٌ)).
ويَحْتَمِل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدوّ، وإنما هو للدعاء إلى
الإسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحاق، قال: حدّثني أبي، عن المغيرة بن
عبد الرحمن وغيره، قال: قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بِمُلاعِبٍ
الأسنّة على رسول وَّةِ، فَعَرَض عليه الإسلام، فلم يُسلم، ولم يَبْعُد، وقال: يا
محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نَجْد، رجوت أن يستجيبوا لك،
وأنا جارٌ لهم، فبَعَثَ المنذرَ بنَ عمرو في أربعين رجلاً منهم الحارث بن
٦

٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الصِّمّة، وحرام بن مِلْحان، ورافع بن بُديل بن ورقاء، وعروة بن أسماء،
وعامر بن فُهيرة، وغيرهم، من خيار المسلمين.
وكذلك أخرج هذه القصة موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم نحوه، لكن
لم يسمّ المذكورين، ووصله الطبريّ من وجه آخر عن ابن شهاب، عن ابن
كعب بن مالك، عن كعب، ووصلها أيضاً ابن عائذ من حديث ابن عباس،
لكن بسند ضعيف، وهي عند مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن
أنس مختصراً - يعني: هذا الحديث - ولم يسمّ أبا براء، بل قال: إن ناساً.
ويمكن الجمع بينه وبين الذي في ((الصحيح)) بأن الأربعين كانوا رؤساء،
وبقية العِدّة أتباعاً، ووَهِمَ من قال: كانوا ثلاثين فقط، وذكر البخاريّ في مرسل
عروة أن عامر بن الظُّفيل أَسَرَ عمرو بن أمية يوم بئر معونة، وهو شاهد لمرسل
ابن إسحاق. انتهى(١).
(فَقَالُوا)؛ أي: قال الأناس الذين جاءوا النبيّ وَّهِ (أَنِ ابْعَثْ) الظاهر أنّ
((أن)) زائدة للتوكيد؛ لأنها لا تكون مفسّرة إذا كان قبلها لفظ القول، كما هو
مقرّر في موضعه من كتب النحو (٢)؛ أي: أرسل (مَعَنَا رِجَالاً) من المسلمين
(يُعَلِّمُونَا) بحذف نون الرفع؛ لكونه مجزوماً جواباً للأمر، و((نا)» هو المفعول
الأول، و((القرآن ... إلخ)) هو المفعول الثاني، وفي بعض النسخ: ((يعلّمون))
بنون الرفع، وعليها فالجملة صفة لـ((رجالاً))، والمفعول الأول محذوف، فتنبّه.
(الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ) وَّهِ (إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ:
هؤلاء السبعون هم الذين استُشْهِدوا ببئر مَعُونة، غَدَرَ بهم قبائلُ من سُليم مع
عدوِّ الله عامر بن الطُفيل، فاستصرخوا عليهم، فقتلوهم عن آخرهم غير رجلين،
ولم يُصَب النبيُّ ونَ﴾، ولا المسلمون بمثلهم ﴾(٣).
(يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ) سمّموا بذلك؛ للزومهم القراءة في آناء الليل، وأطراف
(١) ((الفتح)) ١٧٣/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٨٨).
(٢) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) لابن هشام الأنصاريّ تَخْدَثُ ٧٤/١ - ٧٥.
(٣) ((المفهم)) ٧٤٠/٣.

٥٤٣
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٩)
النهار، قال أنس ◌َُّه (فِيهِمْ)؛ أي: جملة السبعين (خَالِي حَرَامٌ) ابن مِلْحان
أخو أم سُليم بن مِلْحان ﴿ّ، ثم بيّن سبب تسميتهم بالقرّاء، فقال: (يَقْرَءُونَ
الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ)؛ أي: يقرءونه، ويتعهّدوه؛ لئلا ينسَوه، يقال: دَرَس يَدْرُسُ
دَرَساً - من بابي نصر، وضرب ـ ودراسةً: قرأه، كأدرسه، ودرّسه، أفاده
المجد (١)، وقال ابن الأثير: ((أصل الدراسة: الرياضة، والتعهّد للشيء)).
انتهى(٢). (بِاللَّيْلِ) متعلّق بما قبله على سبيل التنازع، وقوله: (يَتَعَلَّمُونَ) جملة
في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ
فِي الْمَسْجِدِ) لينتفع به من يجلس فيه، كأهل الصفّة، ونحوهم، وقال
النوويّ تَخْتُهُ: معناه: يضعونه في المسجد مُسَبَّلاً لمن أراد استعماله لطهارة، أو
شرب، أو غيرهما، (وَيَخْتَطِبُونَ)؛ أي: يجمعون الحطب (فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ
بِهِ)؛ أي: بثمنه (الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ) - بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء ـ:
هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى
موضع مظلّل في المسجد النبويّ، يسكنونه(٣).
وقال النوويّ تَخْتُ: أصحاب الصفة هم الفقراء الغرباء الذين كانوا يأوون
إلى مسجد النبيّ وَّ﴾، وكانت لهم في آخره صُفّة، وهو مكان منقطع من
المسجد مُظَلَّل عليه، يبيتون فيه، قاله إبراهيم الحربيّ، والقاضي عياض،
وأصله من صُفّة البيت، وهي شيء، كالظُّلّة قُدّامه. انتهى (٤).
وقوله: (وَلِلْفُقَرَاءِ) وفي بعض النسخ: ((والفقراء)) بدون لام الجرّ، وهو
من عَظْف العامّ على الخاصّ، (فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ بِّه)؛ أي: أرسل وَّ الرجالَ
الذين طلبوهم (إِلَيْهِمْ)؛ أي: إلى أولئك الذين جاءوا النبيّ وَله يطلبون منه بعث
الرجال، (فَعَرَضُوا لَهُمْ) وفي رواية للبخاريّ: ((بعث النبيّ ◌َله سبعين رجلاً
لحاجة، يقال لهم: القرّاء، فعرَضَ لهم حيّان من بني سُليم: رِعْلٌ، وذكوان،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٢٤.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٣٠٣.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص ٥٢٠.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ٤٧.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عند بئر يقال لها: بئر مَعُونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن
مجتازون في حاجة للنبيّ وَّر، فقتلوهم ... )) الحديث، وفي رواية: ((أن
رِعْلاً، وذكوان، وعُصيّة، وبني لحيان استمدّوا رسول الله وَ﴿ على عدوّ،
فأمدّهم بسبعين من الأنصار، نسمّيهم القرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون
بالنهار، ويُصلّون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم، وغدروا بهم .... ))
الحدیث.
(فَقَتَلُوهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ) الذي بُعِثوا إليه (فَقَالُوا)؛ أي: القرّاء
المقتولون لَمّا قتلوهم: (اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا) وَّهِ (أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ،) بفتح همزة
((أَنَّا))؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَهَمْزَ ((إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرٍ
والمصدر المؤوّل مفعول ثان لـ((بَّغ))؛ أي: بلّغه لقاءنا إياك.
(فَرَضِينَا عَنْكَ) بما أعطيتنا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر، (وَرَضِيتَ عَنَّا) بما فعلنا من الجهاد في سبيلك، وطاعة
رسولك ◌َ﴿، حيث بَعَثنا لتعليم القرآن، ونشر السُّنَّة، فقُتلنا في سبيل ذلك.
(قَالَ) أنس (وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً)؛ أي: ابن ملحان، خال أنس ظُهَا، قال
الحافظ: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه، ووقع في السيرة لابن إسحاق ما
ظاهره أنه عامر بن الطفيل؛ لأنه قال: «فلما نزلوا - أي: الصحابة - بئر معونة
بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله وَّلوه إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم
ينظر في كتابه حتى عدا عليه، فقتله))، لكن وقع في الطبرانيّ من طريق ثابت،
عن أنس أن قاتل حرام بن ملحان أَسْلَمَ، وعامر بن الطفيل مات كافراً.
قال: وأما ما أخرجه المستغفريّ في ((الصحابة)) من طريق القاسم، عن
أبي أمامة، عن عامر بن الطفيل أنه قال: يا رسول الله زَوِّدني بكلمات، قال:
((يا عامر أفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من الله، وإذا أسأت فأحسن))،
الحديث، فهو أسلميّ، ووَهِم المستغفريّ في كونه ساق في ترجمته نَسَب
عامر بن الطفيل العامريّ، وقد روى البغويّ في ترجمة أبي براء عامر بن مالك
العامريّ من طريق عبد الله بن بريدة الأسلميّ، قال: حدّثني عمي عامر بن
الطفيل، فذكر حديثاً، فعُرِف أن الصحابيّ أسلميّ، ووافق اسمه واسم أبيه

٥٤٥
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٩)
العامريَّ، فكان ذلك سبب الوهم. انتهى (١).
وقوله: (خَالَ أَنَسٍ) بالنصب على أنه بدلٌ، أو عَظْف بيان لـ((حَرَاماً))،
(مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْح) - بضمّ الراء، وسكون الميم: جمعه رِماحُ، وأَرْماح،
(حَتَّى أَنْفَذَهُ)؛ أي: أخَّرِجه من جانبه الآخر، يقال: نَفَذَ السهمُ نُفُوذاً، من باب
فَعَدَ، ونَفَاذَاً: خرق الرَّمِيّةَ، وخرج منها، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف(٢).
(فَقَالَ حَرَامٌ: فُرْتُ) بضمّ الفاء، من الفوز؛ أي: ظَفِرت بمقصودي، يقال: فاز
فَوْزاً، من باب قول؛ أي: ظَفِرَ، ونَجَا، وقوله: (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) قَسَمٌ أَقسم به
تأكيداً لكونه فاز، وإنما أقسم ظبه لأن فوزه وعدٌ من الله رَكْ وَعَده به، وهو
لا يُخلف الميعاد، وذلك حين قال ◌َالَ: ﴿إِنَّ اللّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَقْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا
فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ
الَّذِى بَايَعْتُم ◌ِدٍ، وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
[التوبة: ١١١].
وقال القرطبيّ تَُّ: وقول حرام عندما طُعن: ((فُزتُ ورب الكعبة))؛ أي:
بما أعدَّ الله للشُهداء، وظاهره أنه عاين منزلته في الجنة في تلك الحالة،
ويَحْتَمِلُ أن يقول ذلك محقِّقاً لوعد الله تعالى ورسوله وَّه الحقّ الصدق، فصار
كأنه عاين، والله تعالى أعلم(٣).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لأَصْحَابِهِ) الذين معه في المدينة، ولم يعلموا بخبر
إخوانهم، وما أصيبوا به: ((إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا
نَبِيَّنَا، أَنَّا قَدْ لَقِينَاَ، فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا))) تقدّم في ((أبواب الوتر)) برقم
[١٥٤٥] أن هذا نزل قرآناً، ثم نُسخ، ولفظه: ((قال أنس: أنزل الله رشَّك في
الذين قُتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نُسخ بعدُ: أن بلّغوا قومنا أن قد لقينا
ربّنا، فرضي عنّا، ورضينا عنه))، وتقدّم البحث فيه مستوفى هناك، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قصّة قتل حرام خال أنس طا ساقها البخاريّ من طريق
(١) ((الفتح)) ١٧٥/٩ - ١٧٦، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩١).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٦/٢.
(٣) («المفهم)) ٧٤١/٣.

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس، أن النبيّ وَ لَهَ بَعَثَ خاله
أخاً لأم سليم في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خَّر بين
ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون
خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف، وألف، فطُعِن عامر في بيت أم
فلان، فقال: غُدّة كغدة البَكْر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي،
فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، هو ورجل أعرج، ورجل
من بني فلان، قال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم
أصحابكم، فقال: أَتُؤمِنوني أبلغ رسالة رسول الله وَليه؟ فجعل يحدّثهم،
وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه، فطعنه، قال همام: أحسبه حتى أنفذه
بالرمح، قال: الله أكبر، فُزْت ورب الكعبة، فلُحِق الرجل، فقُتلوا كلهم، غير
الأعرج كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: ((إنا قد
لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا))، فدعا النبيّ وَّ عليهم ثلاثين صباحاً، على
رِعْل، وذكوان، وبني لِحيان، وعصية الذين عصوا الله ورسوله ◌َّ. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
هذا متّفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٩/٤١] وتقدّم مختصراً في ((أبواب القنوت))
[١٥٤٥] (٦٧٧)، و(البخاريّ) في ((الوتر)) (١٠٠٢) و((الجهاد)) (٢٨٠١)
و(٣٠٦٤ و٣١٧٠) و((المغازي)) ٤٠٨٨ و٤٠٨٩ و٤٠٩٢)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٨٠/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٦٧/٥ و٣٨٣)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٢١٠/٣ و٢٨٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٢/٤ - ٤٦٣)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٣١/٤) و((الصغير)) (٣٢٤/١) و((الكبير)) (٥١/٤ -
٥٢)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (٣٨٠/١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات))
(٥١٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٥/٩) و((شعب الإيمان)) (٢٢١/٧)،
والله تعالى أعلم.

٥٤٧
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ثبوت الجنّة للشهيد، وذلك واضح من قصّة هؤلاء
الصحابة ﴿ه، حيث إنهم لَمّا قُتلوا في سبيل الله لقوا ربّهم، فرضي عنهم،
ورضوا عنه حيث أدخلهم الجنّة، ثم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبيّك ... إلخ.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه فقراء المهاجرين من إعراضهم عن الدنيا،
وتفرّغهم لقراءة القرآن، وعبادة الله تعالى، وخدمة إخوانهم، فبهذا نالوا الدرجة
العليا .
٣ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حرام بن مِلحان رَُّه حيث إنه
ذاق طعم الجهاد، ولذّة القتل في سبيل الله ربك، ولم يتأثّر بالرمح، بل قال
مشتاقاً للقاء ربه: فُزت وربّ الكعبة، فرضي الله تعالى عنه، وأرضاه.
٤ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَّر، حيث بلّغه الله ◌ُعَلَ خَبَرهم
مِنْ قَتْلهم، وما تكلّموا به حين لقاء ربهم.
٥ - (ومنها): فيه فضيلة ظاهرة للشهداء، وثبوت الرضا منهم، ولهم، وهو
موافق لقوله تعالى: ﴿رَضِ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّهُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]؛ أي:
رضي الله عنهم بطاعتهم، ورضوا عنه بما أكرمهم به، وأعطاهم إياه من الخيرات.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الصدقة، وفضيلة الاكتساب من الحلال لها .
٧ - (ومنها): جواز اتّخاذ الصُّفّة في المسجد، وجواز المبيت فيه بلا
كراهة، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. انتهى(١).
٨ - (ومنها): استحباب الاجتماع على قراءة القرآن، ومدارسة العِلم.
٩ - (ومنها): أنَّ المتفرِّغ للعبادة، ولطَلَب العلم لا يُخِلّ بحاله، ولا
ينقص توكلَه اشتغالُه بالنظر في مطعمه، ومشربه، وحاجته؛ كما يذهب إليه
بعضُ جُهَّال المتزهدة(٢).
١٠ - (ومنها) ما قاله القرطبيّ تَخُّْ: فيه دليلٌ على أن أيدي الفقراء غير
المتفرّغين للعبادة فيما يكسبه بعضهم ينبغي أن تكون واحدة، ولا يستأثر بعضهم
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٣.
(٢) («المفهم)) ٧٤١/٣.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
على الآخر بشيءٍ(١).
١١ - (ومنها): إثبات صفة الرضا لله عال، وهو على ظاهره، من غير
تأويل، ولا تحريف، ولا تمثيل، بل على ما يليق بجلاه ◌ُعَلَ، وأما قول
النوويّ، وقال معناه القرطبيّ، من أن الرضا من الله تعالى إفاضة الخير،
والإحسان، والرحمة، فيكون من صفات الأفعال، وهو أيضاً بمعنى إرادته،
فيكون من صفات الذات. انتهى، فمن قبيل التأويل المذموم؛ إذ فيه صَرْف
صفة الرضا عن معناها الحقيقيّ إلى المعنى المجازيّ، وهو المذهب الذي
سلكه النوويّ وغيره من المتأخّرين تبعاً للأشاعرة المتكلّمين، وأهل التأويل،
وقد سبق لنا غير مرّة الردّ عليه، والتحذير منه؛ لأنه مذهب مخالف لظواهر
الكتاب والسُّنَّة، ولِمَا كان عليه السلف الصالح، فعليك أيها العاقل اللبيب أن
تتجنّه، وأن تتّبع مذهب السلف، فإنه الحقّ الواضح، والصراط المستقيم، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
١٢ - (ومنها): جواز وضع الماء المسبّل، ونحوه في المسجد لمن يريد
الانتفاع به، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، قال النوويّ كَّتُهُ ما حاصله: كانوا
يضعون الماء في المسجد مُسَبَّلاً لمن أراد استعماله لطهارة، أو شرب، أو
غيرهما، وقد كانوا يضعون أيضاً أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد، في
زمن النبيّ وَ﴾، ولا خلاف في جواز هذا، وفضله. انتهى(٢)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩١٠] (١٩٠٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسْ عَمِّي أَلَّذِي(٣) سُمِّيتُ بِهِ، لَمْ
يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بَدْراً، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ
رَسُولُ اللهِ إِ غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِي اللّهُ مَشْهَداً فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَيه
(١) ((المفهم)) ٧٤١/٣.
(٣) وفي نسخة بإسقاط لفظة: ((الذي)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٣.

٥٤٩
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩١٠)
لَيَرَانِيَ الله(١) مَا أَصْنَعُ، قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَل
يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرِو أَيْنَ؟ فَقَالَ:
وَاهَاً لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي
جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ، مِنْ بَيْنٍ ضَرْبَةٍ، وَطَعْنَةٍ، وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي
الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّ بِبَنَانِهِ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم مّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَن يَنْنَظِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا
(٢٣)
[الأحزاب]، قال: فَكَانوا يُرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفِي أَصْحَابِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه
ثابت ألزم الناس لأنس به لَزِمه أربعين سنة، وفيه أنس ◌ُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِت) بن أسلم البنانيّ أنه (قَالَ: قَالَ أَنَسٌ)؛ أي: ابن مالك
(عَمِّي الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ) بتشديد الميم، مبنيًّاً للمفعول، يقال: سمّاه فلاناً، وبفلان،
وأسماه إياه، وأسماه به، وسمّاه إياه، وبه؛ أي: جعله له اسماً، وعَلَماً عليه(٢).
والمعنى هنا: أن أنساً سُمّي باسم عمّه أنس بن النضر ◌َظُبه، استُشهد بأُحُد،
وكان من فضلاء الصحابة ﴿ه، وقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن أنس، أن
الرُّبَيِّع بنت النضر عمته لطمت إنساناً، فطلبوا العفو، فأبوا، فطلبوا الأرش، فأبوا،
فقال رسول الله وَله: ((كتابُ الله القصاصُ))، فقال أنس بن النضر: أيكسَر سنّ
الربيّع؟ لا، والذي بعثك بالحقّ لا يُكسر سنها، فَرَضُوا بالأرش، فقال
رسول الله قال: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه، منهم أنس بن النضر)).
(١) وفي نسخة: ((ليرينّ الله)).
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٦٤٣، و((المصباح المنير)) ٢٩١/١.

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ بَدْراً)؛ أي: غزوة بدر الكبرى. (قَالَ)
أنس بن مالك (فَشَقَّ عَلَيْهِ)؛ أي: شقّ على عمّه أنس ◌َُّهُ غَيْبته عن بدر، وفي
رواية: ((فكبُر عليه ذلك)). (قَالَ) أنس بن النضر (أَوَّلُ مَشْهَدٍ)؛ أي: معركة لقتال
المشركين، (شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ وَ﴿)؛ أي: لأن بدراً أول غزوة خرج فيها
النبيّ وَ﴿ بنفسه مقاتلاً، وقد تقدّمها غيرها، لكن ما خرج فيها وَّ بنفسه
مقاتلاً. (غِبْتُ عَنْهُ) - بكسر الغين المعجمة، وسكون الموحّدة -، كذا في
النسخة الهنديّة، ووقع في غيرها بلفظ: ((غُيِّبْتُ عَنْهُ)) بضمّ أوله، وتشديد
التحتانيّة، مبنيًّ للمفعول، والأول أوضح. (وَإِنْ أَرَانِي اللهُ مَشْهَداً)؛ أي: محلّ
شهود لقتال العدوّ؛ أي: معركة من المعارك، (فِيمَا بَعْدُ)؛ أي: في الزمن الذي
بعد بدر، (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ لَيَرَانِيَ اللهُ مَا أَصْنَعُ) - بفتح ياء المتكلّم، وسكونها
- قال النوويّ كَّلُ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((لَيَراني)) بالألف، وهو صحيح،
ويكون ((ما أصنع)) بدلاً من الضمير في (لَيَراني))؛ أي: لَيَرى الله ما أصنع،
ووقع في بعض النسخ: (لَيَرَيَنَّ الله)) بياء، بعد الراء، ثم نون مشدّدة، وهكذا
وقع في ((صحيح البخاريّ))، وعلى هذا ضبطوه بوجهين:
أحدهما: (لَيَرَيَنَّ)) بفتح الياء، والراء؛ أي: يراه الله واقعاً، بارزاً.
والثاني: (لَيُرِيَنَّ)) بضم الياء، وكسر الراء، ومعناه: ليرينّ اللهُ الناسَ ما
أصنعه، ويُبْرِزه الله تعالى لهم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع)) - بتشديد النون -؛ للتأكيد،
واللام جواب القَسَم المقدّر، قال: وفي رواية للبخاريّ في ((المغازي)):
(لَيَرِينّ الله ما أُجِدّ))، وهو بضم الهمزة، وكسر الجيم، وتشديد الدال، أو بفتح
الهمزة، وضم الجيم، مأخوذ من الْجِدّ ضد الهزل. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: كلام أنس بن النضر به هذا تضمَّنَ أنه ألزمَ نفسه
إلزاماً مؤكداً، وهو الإبلاءُ في الجهاد، والانتهاض فيه، والإبلاغُ في بذل ما
يقدر عليه منه، ولم يصرِّح بذلك مخافةَ ما يتوقَّع من التقصير في ذلك، وتبرُئاً
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).

٥٥١
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩١٠)
مِن حوله وقوته؛ ولذلك قال: ((فهاب أن يقول غيرها))، ومع ذلك فَنَوَى بقلبه،
وصمّم على ذلك، بصحيح قصده، ولذلك سمَّاه الله تعالى عهداً في الآية،
حيث قال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]،
فسمَّاه عهداً. انتهى(١).
(قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا) قال النوويّ: معناه: أنه اقتَصَر على هذه
اللفظة المبهمة؛ أي: قوله: ((لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع))؛ مخافةَ أن يُعاهد الله على
غيرها، فيَعْجز عنه، أو تضعُف بُنْيَته عنه، أو نحو ذلك، وليكون إبراءً له من
الحول والقوة. انتهى(٢) .
وقال في ((الفتح)): أي خَشِي أن يلتزم شيئاً، فَيَعْجِزَ عنه، فَأَبْهم، وعُرِف
من السياق أن مراده أنه يبالغ في القتال، وعدم الفرار. (قَالَ) أنس بن مالك
(فَشَهِدَ)؛ أي: عمّه (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ أَحُدٍ) بضمّتين: اسم جبل بقرب
مدينة النبيّ وَّة، من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال
سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم
البُقعة، والأول هو الصحيح(٣). (قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ) أنس بن النضر (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ)
بالنصب على المفعوليّة، ويَحْتَمِل أن يكون سعد مرفوعاً على الفاعليّة،
والمفعول محذوف؛ أي: فاستقبله؛ أي: أنساً سعدُ بنُ معاذ، وهو الذي في
رواية البخاريّ، ولفظه: ((فاستقبله سعدُ بنُ معاذ».
وفي ((مسند الطيالسيّ)): ((فاستقبله سعدُ بنُ معاذ، منهزِماً))، ولفظ
البخاريّ: ((فلمّا كان يوم أُحُد، وانكشف المسلمون قال: اللهمّ إني أعتذر إليك
مما صَنَع هؤلاء؛ يعني: أصحابه، وأبرأ إليك مما صَنَع هؤلاء؛ يعني:
المشركين، ثم تقدّم، فاستقبله سعد بن معاذ ... )). (فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ)؛ أي: قال
أنس بن النضر لسعد بن معاذ (يَا أَبًا عَمْرِو) كنية سعد، (أَيْنَ؟)؛ أي: إلى أي
موضع تفرّ، وذلك لأنه استقبله منهزماً، حينما انهزم الناس، (فَقَالَ) أنس لسعد
حين استقبله متقدّماً إلى المشركين، ففي رواية البخاريّ: ((ثمّ تقدّم، فاستقبله
(١) ((المفهم)) ٧٣٨/٣.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٦/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٣.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنّة، وربّ النضر، إني أجد ريحها
من دون أُحد)). (وَاهاً لِرِيحِ الْجَنَّةِ) ((واهاً)) كلمة تحنّن، وتلهّف، قاله
النوويّ(١)، وقال القرطبيّ: أي عَجَباً منه، فهي هنا كلمة تعجّب، وقد تأتي
للترحّم، والتلهّف، والاستهانة(٢).
وقال في ((اللسان)): واه تلهّفٌ، وتلوّذٌ، وقيل: استطابة، ويُنَوَّنُ، فيقال:
واهاً لفلانٍ، قال أَبو النجم [من الرجز]:
يَا لَيْتَ عَيْنَاهَا(٣) لَنَا وَفَاهَا
وَاهاً لِرَيَّا ثُمَّ وَاهَاً وَاهَا
فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاها
بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أَبَاهَا
هِيَ الْمُنَى لَوْ أَنَّنَا فِلْناها (٤)
(أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ) قال النوويّ تَخْذُ: محمول على ظاهره، وأن الله تعالى
أوجد له ريحها من موضع المعركة، وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من
مسيرة خمسمائة عام. انتهى(٥) .
وقال القرطبيّ تَخُّْ: ظاهره الحملُ على أنه وجده حقيقةً، كما جاء في
الحديث الآخر: ((إن ريح الجنّة يوجد على مسيرة خمسمائة عام)).
ويَحْتَمِل أن يكون قاله على معنى التمثيل؛ أي: إن القتل دون أُحد
موجب لدخول الجنّة، ولإدراك ريحها ونعيمها. انتهى (٦).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الاحتمال الأول هو الحقّ، كما
اقتصر عليه النوويّ؛ لأن نصوص الشرع إذا أمكن حَمْلها على ظاهرها لا يُعدل
إلى غيره إلا لمانع، ولا مانع من ذلك هنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إني أجد ريحها))؛ أي: ريح الجنة، ((من دون
أُحُد))، وفي رواية ثابت: ((واهاً لريح الجنة، أجدها دون أُحد)).
قال ابن بطال، وغيره: يَحْتَمِل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريح
(١) (شرح النوويّ)) ٤٨/١٣.
(٢) ((المفهم)) ٧٣٩/٣.
(٣) قوله: ((عيناها)) هو على لغة من يُلزم المثنى الألف في الأحوال كلّها.
(٤) ((لسان العرب)) ١٣ / ٥٦٢.
(٦) ((المفهم)) ٧٣٩/٣.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٣.

٥٥٣
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩١٠)
الجنة حقيقةً، أو وَجَد ريحاً طيبةً، ذَكَّرِه طيبُها بطِيب ريح الجنة، ويجوز أن
يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أُعدّت للشهيد، فتصوّر أنها في ذلك
الموضع الذي يقاتِل فيه، فيكون المعنى: إني لأعلم أن الجنة تُكتَسب في هذا
الموضع، فأشتاق لها، وقوله: ((واهاً)) قاله إما تعجباً، وإما تشوّقاً إليها، فكأنه
لمّا ارتاح لها، واشتاق إليها، صارت له قُوّةُ من استنشقها حقيقةً. انتهى(١).
قال الجامع: قد عرفت أن الحقّ حمل الحديث على ظاهره، فهو وَجَد
ربح الجنّة حقيقةً، فتنبّه.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: ((قال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله
ما صنع أنس))، وسعد هو ابن معاذ الذي استقبله.
قال ابن بطال: يريد: ما استطعتُ أن أصف ما صنع أنس، من كثرة ما
أغنى، وأبلى في المشركين.
قال الحافظ: وقع عند يزيد بن هارون عن حُميد: ((فقلت: أنا معك،
فلم أستطع أن أصنع ما صنع))، وظاهره أنه نفى استطاعة إقدامه الذي صَدَر
منه، حتى وقع له ما وقع، من الصبر على تلك الأهوال، بحيث وُجِد في
جسده ما يزيد على الثمانين، من طعنة، وضربة، ورَمية، فاعترَفَ سعد بأنه لم
يستطع أن يُقدم إقدامه، ولا يصنع صنيعه، وهذا أولى مما تأوله ابن بطال.
(٢)
انتھی(٢).
(قَالَ) الراوي، وهو أنس بن مالك تَظُه، (فَقَاتَلَهُمْ)؛ أي: قاتل المشركين
أنس بن النضر ظُبه (حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: استُشهِد في تلك
المعركة.
قال القرطبيّ ◌َُّ: ظاهره أنه قاتَلهم وحده، فيكون فيه دليلٌ على جواز
الاستقتال، بل على ندبيّته، كما تقدّم(٣).
(قَالَ) أنس بن مالك (فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: وُجد
(١) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).
(٢) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).
(٣) ((المفهم)) ٧٣٩/٣.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في جسد أنس بن النضر وظُبه، وللبخاريّ: ((فوجدنا به))، وفي رواية: ((قال
أنس: فوجدناه بين القتلى، وبه ... )). (بِضْعُ وَثَمَانُونَ) قال الفيّومِيّ رَّلُهُ:
((البِضْعُ)) في العدد بكسر الموحّدة، وبعضُ العرب يفتحها، واستعماله من الثلاثة
إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث،
فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضاً من ثلاثة عشر إلى تسعة
عشر، لكن تثبت الهاء في بِضْعِ مع المذكر، وتحذف مع المؤنث، كالنّيِّفِ،
ولا يُستعمل فيما زاد على العشّرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَةٌ
وعشرون رجلاً، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا على هذا:
معنى البِضْعِ، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مُبْهَمَةٌ، غير محدودة. انتهى(١).
قال الحافظ تَّهُ: لم أر في شيء من الروايات بيان هذا الْبِضع، وقد
تقدّم أنه ما بين الثلاث والتسع. انتهى(٢).
وقوله: (مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ) بالفتح المرّة من الضرب، (وَطَعْنَةٍ) بالفتح أيضاً:
المرّة من الطعن، (وَرَمْيَةٍ) بالفتح أيضاً: المرّة من الرمي، وفي رواية البخاريّ:
((قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربةً بالسيف، أو طعنةً برمح، أو رَميةً
بسهم))، قال في ((الفتح)): ((أو)) هنا للتقسيم، ويَحْتَمِل أن تكون بمعنى الواو،
وتفصيل مقدار كلّ واحدة من المذكورات غير معيّن. انتهى (٣).
زاد في رواية البخاريّ: ((ووجدناه، قد قُتل، وقد مَثَلَ به المشركون)»:
قوله: وقد مَثل به بفتح الميم، والمثلثة، وتخفيفها، وقد تُشَدّد، وهو من المُثلة
بضم الميم، وسكون المثلثة، وهو قطع الأعضاء، من أنف، وأذن،
ونحوها (٤).
(قَالَ) أنس بن مالك (فَقَالَتْ أُخْتُهُ)؛ أي: أخت أنس بن النضر، وقوله:
((فقالت ... إلخ)) هذا صريح في رواية أنس عن عمته الربيِّع، قال الحافظ تَّتُهُ:
(١) ((المصباح المنير)) ٥٠/١ - ٥١.
(٢) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).
(٣) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).
(٤) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).

٥٥٥
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩١٠)
وقد أخَلّ صاحب ((الأطراف))، فلم يترجم للربَيِّع بنت النضر. انتهى (١).
وقوله: (عَمَّتِي) بدل من ((أُخته))، وقوله: (الرُّبَيِّعُ) بضمّ الراء، وفتح
الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، مصغّراً، (بِنْتُ النَّضْرِ) بن ضَمْضَم بن زيد بن
حرام الأنصاريةٌ، أخت أنس بن النضر، وعمة أنس بن مالك، وهي من بني
عديّ بن النجار، وهي والدة حارثة بن سُراقة الذي استُشهد في بدر، فقالت
للنبيّ وَله: أخبرني عن حارثة، فإن يكن في الجنة صبرت، واحتسبت، وإن كان غير
ذلك اجتهدت في البكاء، فقال لها النبيّ ◌َيقول: ((إنه أصاب الفردوس ... )) الحديث.
(فَمَا عَرَفْتُ أَخِي) أنساً عَظُه (إِلَّا بِبَنَانِهِ) زاد في رواية النسائيّ: ((وكان
حسَنَ البنان))، والبنان: الأصابع، وقيل: طرف الأصابع، قال القرطبيّ: ومنه
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ ◌َُّوِّىَ بَنَنَهُ﴾ [القيامة: ٤]. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: البَنَانُ: الأصابع، وقيل: أطرافها، الواحدة بنانة،
قيل: سُمّيت بنَاناً؛ لأن بها صلاح الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه
يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى(٣).
(وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) وقوله: (﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ﴾) بدل من اسم الإشارة،
و﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، خبره قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قبله. (﴿مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾) ((من)) في موضع رفع بالابتداء، وكذا قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن
يَنْنَظِرٌ﴾ والخبر الجارّ والمجرور قبله، و((النحب)): النذر والعهد، يقال: نحب
ينحُب، من باب نصر: إذا نذر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَحَقُّ بِتَاجِ الْمَاجِدِ الْمُتَكَّرِّمِ
إِذَا نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النَّاسِ إِنَّهُمْ
وقال آخر [من الطويل]:
أَلَا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاولُ
أنحبٌ فيُقضَى أم ضلالٌ وباطلٌ
وقال آخر:
قَدْ نَحَبَ الْمَجْدُ عَلَيْنَا نَحْبًا
وقيل: قضى أجله على ما عاهد عليه، قال ذُو الرمّة [من الطويل]:
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٤٢/٧.
(٢) ((المفهم)) ٧٣٩/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢.

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عَشِيَّةَ فَرَّ الْحَارِثِيُّونَ بَعْدَمَا قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْجَيْشِ هَوْبَرُ(١)
والمعنى هنا: أي منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قُتل،
كأنس بن النضر، وحمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وغيرهم.
(﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرِ﴾)؛ أي: الوفاء بما نذر من الموت على ما عاهد
عليه، فهو منتظر للشهادة في سبيل الله تعالى. (﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾)؛ أي:
استمرّوا على ما التزموا، ولم يقع منهم نقضٌ لِمَا أبرموا(٢).
وقوله: (قَالَ) قال القرطبيّ تَلَقُ: هذا القائل هو ثابتٌ، والله تعالى
أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الظاهر أن القائل هو أنس به، فتأمله والله
تعالى أعلم.
(فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((قال
أنس: كنا نرى أو نظنّ أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه».
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال أنس: كنا نُرَى، أو نَظُنّ)) شك من الراوي،
وهما بمعنى واحد، وفي رواية أحمد، عن يزيد بن هارون، عن حميد: ((فكنا
نقول))، وكذا لعبد الله بن بكر، وفي رواية أحمد بن سنان، عن يزيد: ((وكانوا
يقولون))، أخرجه ابن أبي حاتم عنه، وكأن التردد فيه من حميد، ووقع في
رواية ثابت: ((وأُنزلت هذه الآية)) بالجزم. انتهى(٣).
والمعنى: أن الصَّحابةَ ﴿ه كانوا يظنّون أنَّ هذه الآية الكريمة نزلتْ في
أنس بن النضر، وأصحابِهِ الذين استشهدوا معه، قال القرطبيّ: وقد قيل: نزلت
في السَّبعين الذين بايعوا النبيّ ◌َّ # على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم،
وأبناءهم، فوقَّوا بذلك؛ قاله الكلبيُّ، وقد قيل غير هذا(٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) هو: هوبر بن يزيد الحارثيّ.
(٢) ((المفهم)) ٣/ ٧٤٠.
(٣) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).
(٤) ((المفهم)) ٧٤٠/٣.

٥٥٧
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩١٠)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩١٠/٤١] (١٩٠٣)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٨٠٥) و((المغازي)) (٤٠٤٨) و((التفسير)) (٤٧٨٣)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))
(٣٢٠٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٥ و٤٣١/٦)، و(ابن المبارك) في
((الجهاد)) (٦٧/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٩٥/١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٤/٣ و٢٠١ و٢٥٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٧٢ و٧٠٢٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٥/٤)،
و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٤٦/٢١ - ١٤٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد))
(٥٦٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٩ - ٤٤) و((دلائل النبوّة)) (٢٤٤/٣ -
٢٤٥)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٥٢٠/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز بذل النفس في الجهاد.
٢ - (ومنها): بيان فضل الوفاء بالعهد، ولو شقّ على النفس حتى يَصِل
إلى إهلاكها .
٣ - (ومنها): أن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن إلقاء
النفس إلى التهلكة.
٤ - (ومنها): بيان فضيلةٍ ظاهرةٍ لأنس بن النضر تَُّه، وبيان ما كان عليه
من صحة الإيمان، وكثرة التوقي، والتوزّع، وقوّة اليقين.
٥ - (ومنها): ما قاله الزين ابن الْمُنَيِّر تَخْلِفُهُ: من أبلغ الكلام، وأفصحه
قول أنس بن النضر ره في حقّ المسلمين: ((أعتذر إليك))، وفي حقّ
المشركين: ((أبرأ إليك))، فأشار إلى أنه لم يرض الأمرين جميعاً مع تغايرهما
في المعنى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٥).

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٤٢) - (بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا
فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ رَّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩١١] (١٩٠٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَتَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، أَنَّ رَجُلاً أَعْرَابِيّاً أَتَى
النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ (١)،
وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ قَاتَلَ
لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد الله الأعمى
الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) أو قبلها (ع) تقدّم في
((الإيمان)) ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدّم فيَّ ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَقْلَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه
من مشاهير الصحابة ﴿م، كان حسن الصوت بالقراءة، وأثنى عليه النبيّ
الله
فقال له: ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود لعلَّ*))، متّفقٌ عليه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الْجَمَليّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة
(١) وفي نسخة: ((للذكر)).

٥٥٩
(٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾3 - حديث رقم (٤٩١١)
ـه (الأَشْعَرِيُّ)
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار ـ
- بفتح الهمزة -: نسبة إلى أشعر، وهي قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو
نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل
له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه، قاله في ((اللباب))(١). (أَنَّ رَجُلاً
أَعْرَابِيّاً) وفي رواية منصور الآتية: ((أن رجلاً سأل رسول الله (وٌَّ))، قال في
((الفتح)): قوله: ((أعرابيّاً)) يدلّ على وَهَم ما وقع عند الطبرانيّ من وجه آخر عن
أبي موسى، أنه قال: يا رسول الله، فذكره، فإن أبا موسى وإن جاز أن يُبهم
نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابيّاً، وهذا الأعرابي يصلح أن يُفَسَّر بلاحق بن
ضُميرة، وحديثه عند أبي موسى المديني في ((الصحابة)) من طريق عُفير بن مَعْدان،
سمعت لاحق بن ضميرة الباهليّ قال: وفدت على النبيّ وَّر، فسألته عن الرجل
يلتمس الأجر والذكر، فقال: ((لا شيء له ... )) الحديث، وفي إسناده ضعف.
قال: وروينا في ((فوائد أبي بكر بن أبي الحديد)) بإسناد ضعيف، عن
معاذ بن جبل، أنه قال: يا رسول الله، كلُّ بني سَلِمة يقاتل، فمنهم من يقاتل
رياء ... ))، الحديث فلو صحّ لاحتمل أن يكون معاذ أيضاً سأل عما سأل عنه
الأعرابيّ؛ لأن سؤال معاذ خاصّ، وسؤال الأعرابيّ عامّ، ومعاذ أيضاً لا يقال
له: أعرابيّ، فيُحْمَل على التعدد. انتهى (٢).
(أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَم) - بفتح
الميم -: الغنيمة، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ، أَغْنَمُهُ، من باب تَعِبَ غُنْمَاً: أصبته
غَنِيمَةً، ومَغْنَماً، والجمع: الغَنَائِمُ، والمَغَانِمُ، وقولهم: الغُنْمُ بِالغُرْم: أي
مقابَلٌ به، فكما أن المالك يختصّ بِالغُنْم، ولا يشاركه فيه أحد، فكَذلك
يتحَمّل الغُرْم، ولا يتحمل معه أحد، وهذا معنى قولهم: الغُرْمُ مَجْبُورٌ بِالغُنْمِ،
قال أبو عبيد: الغَنِيمَةُ: ما نِيْلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحرب قائمةَ،
والفيء: ما نِيْلَ منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها، أفاده الفيّوميّ تَذْتُهُ(٣).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٦٤/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٦/٧ - ٧٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨١٠).
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٥٤/٢ - ٤٥٥.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وفي رواية منصور عند البخاريّ: ((أتى رجل النبيّ وَّه، فقال: ما القتال
في سبيل الله؟، فإن أحدنا يقاتل ... )) الحديث.
(وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ) وفي بعض النسخ: ((للذكر))، بكسر الذال؛ أي:
ليَذكُره الناس بالشجاعة، ويشتهر بينهم بها، والذّكر: الشرف، والفخر،
والصيت، قاله الطيبيّ(١).
وفي رواية الأعمش التالية: ((سئل رسول الله صل﴿ عن الرجل يقاتل
شجاعةً))، (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى) بالبناء للمفعول، (مَكَانُهُ)؛ أي: مرتبته في
الشجاعة، وفي رواية الأعمش: ((ويقاتل رياء))، فمرجع الذي قبله إلى السمعة،
ومرجع هذا إلى الرياء، وكلاهما مذموم، وزاد في رواية منصور والأعمش:
((ويُقاتل حَمِيّةً)): أي لمن يقاتِل لأجله من أهل، أو عشيرة، أو صاحب، وزاد
في رواية منصور: ((ويقاتل غَضَباً))؛ أي: لأجل حظ نفسه، ويَحْتَمِل أن يفسّر
القتال للحميّة بدفع المضرّة، والقتال غضباً بجلب المنفعة، فالحاصل من
رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة،
والرياء، والْحَمِيّة، والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل
الجواب بالإثبات، ولا بالنفي، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟) ((من)) استفهاميّة؛ أي: فمن هو المقاتل في سبيل الله
تعالى الذي جاءت النصوص الكثيرة بمدحه، والثناء عليه؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ) قال الطيبيّ تَخْتُهُ: ((كلمة الله عبارة عن دين الحقّ؛
لأن الله تعالى دعا إليه، وأمر الناس بالاعتصام به، كما قيل لعيسى ظلَّلام:
كلمة الله، وقوله: (أَعْلَى) خبر ((تكون))، وإنما ذكّره، وإن كانت الكلمة مؤنّثةً؛
لأن حقّ أفعل التفضيل إذا تجرّد من ((أل)) والإضافة أن يلزم الإفراد والتذكير،
كهندٌ أفضل من عمر، وكذلك إذا أضيف إلى نكرة، كهندٌ أفضل امرأة، وإن
كان مقارناً لـ((أل)) فيلزم مطابقته، فيقال: هند الْفُضْلى، وكما في الرواية
التالية)): ((هي العلياء))، وإذا أضيف إلى معرفة جاز الوجهان، كهند أفضل النساء،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٤٠/٨.
(٢) ((الفتح)) ٧٦/٧ - ٧٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨١٠).