Indexed OCR Text

Pages 501-520

(٣٩) - بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْمِ مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ - حديث رقم (٤٩٠٠)
٥٠١
(٣٩) - (بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْم مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٠] (١٨٩٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةٍ أَمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ
رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ في أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلَّا
وُقِفَ (١) لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الْحَضْرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (١٠٥) وله
تسعون سنةً (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٣ - (أَبُوهُ) بريدة بن الحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله، وقيل غيره، الصحابيّ
الشهير، أسلم قبل بدر، ومات تظ له سنة (٦٣) (ع) تقدم في (الإيمان) ٥٣٣/١٠٠.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى علقمة، والباقيان
مروزیّان، وفيه رواية الراوي عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة ◌َظُبه، أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ الهِ وَِّ: ((حُرْمَةُ) - بضم الحاء المهملة، وسكون الراء - مبتدأ، خبره
(كتحريم أمهاتهم))؛ أي: تحريم (نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ)؛ أي: الذين
(١) وفي نسخة: ((وُقِّف)) بتشديد القاف.

٥٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
تخلّفوا عن الجهاد لعذر، أو غيره، (كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ)؛ أي: مثل تحريم أمهاتهم
عليهم، وهذا من باب التشديد، وإلا فحرمة الأمهات مؤبّدة، دون حرمة نساء
المجاهدين .
قال القرطبيّ كَثْتُهُ: يعني أنه يجب على القاعدين من احترامهنّ، والكفّ
عن أذاهنّ، والتعرّض لهنّ ما يجب عليهم في أمهاتهم. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: هذا في شيئين: أحدهما: تحريم التعرّض لهنّ بريبة،
من نَظَر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم، وغير ذلك، والثاني: في برّهنّ،
والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتّب عليها مفسدة، ولا يُتوصّل
بها إلى ريبة، ونحوها. انتهى (٢).
(وَمَا مِنْ رَجُلِ يَخْلُفُ) - بضمّ اللام - من باب قعد: أي يصير يعقبه،
وقال السنديّ: يَحْتُمِل أنه مِن خَلَفه: إذا نابه، أو مِن خَلَفَه: إذا جاء بعده،
وهما من حدّ نصر، وذلك لأن الخائن في الأهل كالنائب للأصل، وقد جاء
بعده في الأهل. انتهى (٣). (رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ في أَهْلِهِ)؛ أي: في امرأته،
(فَيَخُونُهُ فِيهِمْ) قال الطيبيّ كَُّ: الضمير المفعول عائد إلى ((رجلاً))، وفي
((فيهم)) إلى الأهل؛ تعظيماً، وتفخيماً لشأنهنّ، كقول الشاعر:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
فإنهنّ ممن تجب مراعاتهنّ، وتوقيرهنّ، وإلى هذا المعنى أشار واَله
بقوله: ((كحرمة أمهاتهم)). انتهى (٤).
وقال بعضهم: الخيانة تكون بوجهين: إما بالتعرّض بنظر محرّم، وأمثاله،
وإما بعدم دفع احتياجاتهم، والتساهل في تدبير مصالحهم، وهما حرام عليه.
انتھی .
(إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، من الوقوف؛ أي: جُعل الخائن واقفاً، ووقع
في بعض النسخ: ((وُقّف)) بتشديد القاف، من التوقيف. (لَهُ)؛ أي: للرجل، أو
(١) ((المفهم)) ٧٣٢/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٣.
(٣) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٦/ ٥٠ - ٥١.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٠/٨ - ٢٦٣١.

٥٠٣
(٣٩) - بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْمِ مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ - حديث رقم (٤٩٠٠)
لأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي، وقال الطيبيّ نَّثُهُ: الضمير في ((له))
يعود إلى ((رجلاً))، والأظهر أن يكون بمنزلة اسم الإشارة، كما في قول رؤية:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ
يعني: يوقَف الخائن لأجل ما فَعَل من سوء الخلافة للغازي في أهله.
انتھی(١).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية للنسائيّ: ((قيل له يوم القيامة: هذا خانك في
أهلك، فخذ من حسناته ما شئت)). (فَيَأْخُذُ) ذلك الرجل (مِنْ عَمَلِهِ)؛ أي: من
عمل الخائن (مَا شَاءَ)؛ أي: في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل
الغازي، وقوله: (فَمَا ظَنَّكُمْ؟)) فيه تهديد عظيم، وقال القرطبيّ كَُّ: يعني أن
المخُون في أهله إذا مُكّن من أخذ حسنات الخائن، لم يُبق منها شيئاً، ويكون
مصيره إلى النار، وقد اقْتُصِرَ على مفعولي الظنّ. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَخّتُهُ: معناه: فما تظنّون في رغبة المجاهد في أخذ
حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟؛ أي: لا يُبقِي منها شيئاً إن أمكنه.
(٣)
انتھی
وقال المظهر: أي ما ظنّكم بالله مع هذه الخيانة؟، هل تشكّون في هذه
المجازاة، أم لا؟ يعني: فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في
نساء المجاهدين.
وقال التوربشتيّ: أي فما ظنّكم بمن أحلّه الله بهذه المنزلة، وخصّه بهذه
الفضيلة، فربّما يكون وراء ذلك من الكرامة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله التوربشتيّ بعيد عن معنى
الحديث، يردّه ما جاء في الرواية الأخرى من قوله وَله: ((تُرَون يَدَعُ له من
حسناته شيئاً؟))، ولذا قال الطيبيّ ظُبه بعد ذكر قول المظهر، والتوربشتيّ ما
نصّه: الأقرب قول المظهر، فإن سياق الكلام جاء في حرمة نساء المجاهدين،
وتوقير شأنهنّ، وتنزيلهنّ منزلة الأمّهات، وأن الخيانة معهنّ منافية للدِّين
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣١/٨.
(٢) ((المفهم)) ٧٣٢/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٣.

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
والمروءة؛ يعني: ما تظنّون في ارتكابكم هذه الجريمة العظيمة، هل تُتْرَكون مع
تلك الخيانة، أم ينتقم الله تعالى منكم؟ ويلزم من هذا تعظيم شأن المجاهدين.
انتهى(١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ كَُّ: أي إذا كان حالُ من خانه خيانةً واحدةً، فما حال
من زاد على ذلك، وما ظنّكم به؟. أو إذا خُيّر الغازي فما ظنّكم بحسابه؟ هل
يأخذ الكلّ، أو يترك شيئاً؟ وهو الموافق؛ لما سيجيء. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول مما ذكره السنديّ بعيد من
معنى الحديث أيضاً، يردّه ما تقدّم. فالصواب في معنى الحديث ما تقدّم آنفاً في
تحقيق الطيبيّ تَظْثُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الْحُصيب ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف تَخْشُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٠/٣٩ و٤٩٠١ و٤٩٠٢] (١٨٩٧)، و(أبو
داود) في ((الجهاد)) (٢٤٩٦)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٥١/٦) و((الكبرى)) (٣/
٣٣ - ٣٤)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٩٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/
٣٥٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٣٣١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٦٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٨١/٤ - ٤٨٢)، و(ابن أبي عاصم) في
((الجهاد)) (٣١٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٣/٩) و((شعب الإيمان)) (٤/
٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حرمة نساء المجاهدين على القاعدين تحريماً مغلّظاً،
حيث شُبّه بتحريم الأمهات.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣١/٨.
(٢) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٦/ ٥٠ - ٥١.

٥٠٥
(٣٩) - بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْمِ مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ - حديث رقم (٤٩٠١)
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّثهُ: وظهر من هذا الحديث أن خيانة
الغازي في أهله أعظم من كلّ خيانة؛ لأن ما عداها لا يُخيّر في أخذ كلّ
الحسنات، وإنما يأخذ بكلّ خيانة قَدْراً معلوماً من حسنات الخائن.
٣ - (ومنها): إثبات المجازاة بين العباد في المظالم يوم القيامة، فيأخذ
المظلوم من حسنات ظالمه بدل حقّه، وقد أخرج مسلم تَظّتُهُ من حديث أبي
هريرة نظُله: أن رسول الله وَله، قال: ((أتدرون ما المفلس؟))، قالوا: المفلس
فينا، من لا درهم له، ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي، يأتي يوم
القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال
هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من
حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُهُ، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم،
فُطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار))، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ - يَعْنِي:
النَّبِيَّ ◌ِهِ -. بِمَعْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية مِسْعر، عن علقمة بن مرثد هذه ساقها أبو عوانة دَّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٧٤١٩) - حدّثني عمار بن رجاء من كتابي(١)، قال: ثنا يحيى بن آدم،
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه ((من كتابه))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال: ثنا مِسْعَر، عن علقمة بن مَرْثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال
النبيّ وَّ: («نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم، ما أحدٌ من
القاعدين يخالف إلى امرأة رجل منهم، فيخونه في أهله، إلا وُقف له يوم
القيامة، فقيل له: إن هذا خانك في أهلك، فخذ من عمله ما شئت، قال: فما
(١)
ظنكم؟)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَعْنَبِ،
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، ((فَقَالَ(٢): فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ))، فَالْتَفَتَ
إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِّهِ، فَقَالَ: ((فَمَا ظَنَّكُمْ؟»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (قَعْنَبٌ) التميميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن علقمة بن مرثد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود.
وروى عنه يزيد بن عبد العزيز بن سِيَاه، وسفيان بن عيينة.
قال الحميديّ عن سفيان: ثنا قعنبٌ التميميّ، وكان ثقةً خياراً، وقال أبو
داود: كان رجلاً صالحاً، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء، فامتنع، وقال:
أَخِّرني حتى أنظر، فتوارى، فوقع عليه البيت، فقتله، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحدیث.
[تنبيه]: الْقَعْنب كجَعْفر في الأصل هو الشديد الصلب من كل شيء،
ومنه القعنب للأسد، والقعنب للثعلب الذّكر.
[تنبيه] آخر]: وقع لبعض الشرّاح(٣) هنا غلط، وهو أنه ذكر أن قعنباً هذا
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٨٢/٤.
(٢) وفي نسخة: ((وقال)).
(٣) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه لـ((صحيح مسلم) ٢٢١/٢٠.

٥٠٧
(٣٩) - بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْمِ مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ - حديث رقم (٤٩٠٢)
هو قعنب بن عتّاب بن الحارث، وهو الذي عناه جرير الشاعر حيث يقول يفخر
على الفرزدق:
قُلْ لِحَفِيفِ الْقَصَبَاتِ الْجَوْفَانِ
جِيئُوا بِمِثْلٍ فَعْنَبٍ وَالْعلهانِ
وهذا غلطٌ، فإن المترجَم هنا لم ينسبه أحد من أصحاب الرجال،
والأطراف إلى أبيه، فلا يُعرف أبوه، وأما قعنب بن عتاب المذكور، فإنه رجل
آخر، وهو قعنب بن عتّاب بن الحارث الملقّب بالمبير، هكذا بيّنه محمد
مرتضى في ((شرح القاموس))(١)، وليس من رواة الحديث، ولذا لم يُذكره أحد
من أصحاب الرجال فيهم، والظاهر أنه من الشجعان المشهورين، كما يدلّ
عليه وصفه بالمبير، وافتخار جرير على الفرزدق به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية قَعْنب عن علقمة هذه ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال:
(٢٤٩٦) - حدّثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن قعنب، عن علقمة بن
مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((حرمة نساء
المجاهدين على القاعدين، كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يَخْلُف
رجلاً من المجاهدين في أهله، إلا نُصِب له يوم القيامة، فقيل له: هذا قد
خلفك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت))، فالتفت إلينا رسول الله وليه،
فقال: ((ما ظنّكم؟)).
قال أبو داود: كان قعنب رجلاً صالِحاً، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنباً
على القضاء، فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم، فأستعين عليها
برجل، قال: وأيّنا لا يستعين في حاجته، قال: أخرجوني حتى أنظر،
فأُخرج، فتوارى، قال سفيان: بينما هو مُتَوَارٍ إذ وقع عليه البيت، فمات.
ـى(٢).
انتھی
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٣٦/١.
(٢) سنن أبي داود ٨/٣.

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٤٠) - (بَابُ سُقُوطٍ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٣] (١٨٩٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ
لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ
سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سِلِ
اللّهِ﴾، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِوَ زَيْداً، فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا (١)، فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ
ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]،
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ
الآيَةِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي
رِوَايَتِهِ (٢): سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار الْعَبْديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المعروف بغُنْدر البصريّ، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٩] (٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقة ثبت حجة قدوة إمام عابد، أمير المؤمنين في الحديث [v]
(١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
(١) وفي نسخة: ((بكتف، فكتبها)).
(٢) وفي نسخة: ((وقال شعبة في روايته، عن سعد بن إبراهيم)).

(٤٠) - بَابُ سُقُوطٍ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ - حديث رقم (٤٩٠٣)
٥٠٩
٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ
مكثرٌ عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] (ت١٢٩) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١١/٣.
٦ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٧٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما، وهما من مشايخ
الأئمة السّة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي
إسحاق، والبراء، فكوفّان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ) بن
عازب ﴿ه، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية الطبرانيّ من طريق أبي سنان
الشيباني، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه ضِرَار بن مُرّة،
وهو ثقة، إلا أن المحفوظ عن أبي إسحاق، عن البراء، كذا اتَّفَقَ الشيخان
عليه من طريق شعبة، ومن طريق إسرائيل، وأخرجه الترمذيّ، وأحمد من رواية
سفيان الثوريّ، والترمذيّ أيضاً، والنسائيّ، وابن حبان من رواية سليمان
التيميّ، وأحمد أيضاً من رواية زهير، والنسائيّ أيضاً من رواية أبي بكر بن
عياش، وأبو عوانة من طريق زكريا بن أبي زائدة، ومسعر، ثمانيتهم عن أبي
إسحاق. انتهى(١).
(يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ) الإشارة إلى المتلوّ بعده، وهو: (﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِ زَيْداً)؛ أي: ابن ثابت
الأنصاريّ كاتب الوحي للنبيّ وَّر المتوفّى سنة (٥ أو ٤٨) تقدّمت ترجمته في
((الحيض)) ٧٩٣/٢٢. (فَجَاءَ) زيد ◌َُّه (بِكَتِفٍ) بفتح الكاف، وكسر التاء،
ويجوز إسكان التاء مع فتح الكاف، أو كسرها، ففيه وفي نظائره ثلاث لغات،
(١) (الفتح)) ٦٦/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٩٣).

٥١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال المجد: الْكَتِفُ، كفَرِح، ومِثْلٍ، وحَبْلٍ، جمعه كقِرَدَة، وأصحاب.
(١)
.
انتھی
[فائدة]: كلّ ما جاء على فَعِلٍ، وكان وسطه غير حرف حلق، ككَتِفٍ،
يجوز فيه ثلاث لغات، أن يكون كالفَرِح بفتح، فكسر، وكالحَمْلِ، بفتح،
فسكون، وكالْحِمْل، بكسر، فسكون، وأما إذا كان وسطه حرف حلق،
فيجوز فيه أربع لغات، الثلاثة المذكورة، والرابعة كونه بكسرتين؛ إتباعاً لقوّة
حرف الحلق، سواء كان اسماً، كفَخِذٍ، أم فعلاً، كشَهِدَ، وقد نظمت ذلك
بقولي :
بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ فِيهِ نُقِلْ
إذَا ثُلَائِيٍّ أَتَى عَلَى فَعِلْ
بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ فَلْتَقْتَفِ
فِي ضَبْطِهِ ثَلَاثَة كَالْكَتِفِ
ثُمَّ بِفَتْح فَسُكُونٍ وَرَدَا
كَالْحَمْلِ وَالثَّالِثُ کَالرِّجْلِ بَدَا
إِنْ لَمْ يَكُنْ وَسَطُهُ حَلْقاً خُذَا
بِكَسْرَةٍ ثُمُّ سُكُونٍ كُلُّ ذَا
يَزِيدُ رَابِعاً فَخُذْ بَيَانَهُ
فَإِنْ يَكُنْ كَفَخِذٍ فَإِنَّهُ
سْماً وَفِعْلاً مِثْلُ شِهْدَ فَلْتُؤُمْ
بِكَسْرَتِيْنٍ ثُمَّ ذَا الْحُكْمُ يَعُمْ
و ((الْكَتِفِ)): عَظُم عَرِيضٌ، خلف المنكب، وهي مؤنّئةٌ، وتكون للناس،
وغيرهم، كانوا يكتبون فيها لقّة القراطيس عندهم، أفاده في ((اللسان))(٢).
وقوله: (يَكْتُبُهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((كتف))، وفي بعض النسخ:
((فكتبها))، ومعلّقه محذوف، تقديره ((فيه)؛ أي: في ذلك الكتف. (فَشَكًا
إِلَيْهِ) وَِّ (ابْنُ أُمَّ مَكْتُوم) وفي رواية للبخاريّ: ((فجاء ابن أم مكتوم))، وفي
رواية له: ((وخلْفَ النبيّ ◌َّ﴿ ابنُ أمّ مكتوم))، ويُجمع بأن معنى ((جاء)» أنه قام
من مقامه خلف النبيّ بَّ﴿ حتى جاء مواجهه، فخاطبه.
وفي رواية للبخاريّ: ((فجاء عبد الله ابن أم مكتوم))، وعند الترمذيّ من
طريق الثوريّ، وسليمان التيميّ كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء: (جاء
عمرو ابن أم مكتوم))، وقد نَبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد الله، وعمرو،
وأن اسم أبيه زائدة، وأن أم مكتوم أمه، قال الحافظ: واسمها عاتكة. انتهى،
(١) ((القاموس المحيط)) ص١١١٣.
(٢) (لسان العرب)) ٩/ ٢٩٤.

٥١١
(٤٠) - بَابُ سُقُوطٍ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ - حديث رقم (٤٩٠٣)
قاله في ((الفتح))(١).
(ضَرَارَتَهُ)؛ أي: عماه، قال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا هو في جميع نسخ
بلادنا: ((ضرارته)) بفتح الضاد، وحَكَى صاحب ((المشارق))، و((المطالع)) عن
بعض الرواة أنه ضبطه: ((ضَرَراً به))، والصواب الأول. انتهى(٢).
وفي رواية للبخاريّ: ((قال: والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت)) -
أي: لو استطعت، وعَبّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضاراً لصورة
الحال - ((قال: وكان أعمى))، هذا يفسِّر ما في حديث البراء: فشكا ضرارته،
وفي الرواية الأخرى عنه: ((فقال: أنا ضرير))، وفي رواية خارجة: ((فقام حين
سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا
يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك؟))، وفي رواية: ((فقال: إني
أُحبّ الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري))(٣).
(فَتَزَّلَتْ) وفي رواية للبخاريّ: ((فنزلت مكانها))، قال ابن التين: يقال: إن
جبريل هبط، ورجع قبل أن يجفّ القلم.
وقوله: (﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾) فاعل ((نزلت))،
فهو محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
قال ابن الْمُنَيِّر: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذِكر الكلمة
الزائدة، وهي ﴿غَيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: ﴿غيّرُ أُؤْلِ
الضَّرَرِ﴾ فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى
منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حَكَى
الراوي صورة الحال.
قال الحافظ: الأول أظهر؛ فإن في رواية سهل بن سعد: ((فأنزل الله:
﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، وأوضحُ من ذلك رواية خارجة بن زيد، عن أبيه، ففيها:
((ثُمّ سُرِي عنه، فقال: اقرأ، فقرأت عليه: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
(١) ((الفتح)) ٦٦/١٠ - ٦٧، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٩٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١٣.
(٣) ((الفتح)) ٦٦/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٩٣).

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فقال النبيّ وَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، وفي حديث الْفَلَتان - بفتح الفاء، واللام،
وبمثناة فوقانية - ابن عاصم في هذه القصّة: ((قال: فقال الأعمى: ما ذنبنا؟
فأنزل الله، فقلنا له: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل
يقول: أتوب إلى الله، فقال النبيّ ◌َ﴿ للكاتب: اكتُب ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ)))،
أخرجه البزار، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان.
ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيد الثاني، وهو في حديث البراء بن
عازب: ((فأَنزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر)، فقرأناها
ما شاء الله، ثم نزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْقَلَوَاتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾. انتهى (١).
وقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ قُرىء بالنصب، والرفع قراءتان مشهورتان في
السبع، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائيّ بالنصب، والباقون بالرفع، وقرىء في
الشاذّ بالجرّ، فمن نَصَب فعلى الاستثناء، ومن رَفَع، فوصفٌ للقاعدين، أو بدلٌ
منهم، ومن جرّ فوصف للمؤمنين، أو بدل منهم، قاله النوويّ ◌َُّهُ(٢).
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقاً،
فتنبّه. (وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ
المتوفّى سنة (١٢٥) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٣١/٥. (عَنْ
رَجُلٍ) لا يُعرف، (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ) وقوله: (﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ
.
مِنَ أَلْمُؤْمِنِينَ﴾) بدل من ((هذه الآية))، (بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ)
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: محمد بن المثنّى،
ومحمد بن بشار، فقال الأول: ((قال شعبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، عن
رجل، عن زيد بن ثابت))، وقال الثاني: ((قال شعبة: أخبرني سعد بن إبراهيم،
عن أبيه، عن رجل، عن زيد بن ثابت))، فأدخل أبا سعد، بينه وبين الرجل
المبهم .
وقوله: (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) برفع ((سعد)) على أنه فاعل لمقدّر دلّ عليه ما
مضى؛ أي: أخبرني سعد بن إبراهيم (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن
(١) ((الفتح)) ٦٧/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٩٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١٣.

٥١٣
(٤٠) - بَابُ سُقُوطٍ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ - حديث رقم (٤٩٠٣)
عوف الزهريّ المدنيّ المتوفّى سنة (٥ أو ٩٦) تقدّمت ترجمته في ((الجهاد
والسِّيَر)» ٤٥٥٩/١٣. (عَنْ رَجُلٍ) تقدّم أنه لا يُعرف.
[تنبيه]: كتب بعض الشرّاح(١) ما نصّه: وقوله: ((عن رجل)) لعله بدل غلط
عما قبله، أو تحريف من النساخ. انتهى.
وهذا الكلام غلط بلا شكّ؛ لأنه يدلّ على أن الرجل هو نفس إبراهيم والد
سعد، وليس كذلك، بل هو شيخ له مجهول، ولهذا تكلّم الحافظ رشيد الدين
ابن العطّار تَخْلُ على رواية مسلم هذه في بحثه الآتي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
څته.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ)
[تنبيه]: قد تكلّم الحافظ رشيد الدين ابن العطّار ◌َّتُهُ في كتابه ((غرر
الفوائد المجموعة))، وقد أسلفت نصّ الرسالة في مقدّمة ((شرح المقدّمة))،
ودونك خلاصة ما قاله:
قال ◌َتُ - بعد أن ساق نصّ مسلم بتمامه -: هكذا أورده مسلم في
((صحيحه))، وقد اشتمل هذا الحديث على طريقين عن صحابيين ظ﴿ها، فالأول
منهما: حديث البراء بن عازب ◌ًا، وهو صحيح متصل، ثابت متفق عليه،
والثاني: حديث زيد بن ثابت، وفي إسناده اختلاف، ورجل غير مسمى، فهو
داخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، إذا لم يُعرف ذلك الرجل.
والجواب عن ذلك: أن مسلماً كَخذَثُهُ، إنما احتج بحديث البراء وحده،
وإنما أورد الإسناد الثاني؛ لأن شعبة حَدّث به غندراً هكذا، فأورده مسلم كما
سمعه من أصحاب غندر، والظاهر من مذهبه أنه لا يختصر من الحديث شيئاً،
وإن اختصر منه شيئاً لضرورة نَبَّه عليه.
وقد أخرج البخاريّ حديث البراء هذا في ((صحيحه)) في غير موضع من
رواية شعبة، عن أبي إسحاق عنه، ولم يذكر فيه حديث زيد بن ثابت،
فيَحْتَمِل (٢) أن يكون تَرَكه عمداً؛ لِمَا فيه من الاعتلال، ويَحْتَمِل أن يكون إنما
سمعه كذلك من غير زيادة، على ما أورده، لكنه أخرج حديث زيد بن ثابت
(١) هو: الشيخ الهرري، راجع: شرحه لهذا الكتاب ٢٢٣/٢٠.
(٢) النسخة: ((محتمل))، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم.

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
المذكور من طريق آخر، من حديث الزهريّ، عن سهل بن سعد، عن مروان بن
الحكم عنه، وهو إسناد اجتمع فيه ثلاثة من الصحابة ، يروي بعضهم عن
بعض، ويدخل أيضاً في رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سهلا أكبر من مروان،
ومروان وإن لم يثبت سماعه من النبيّ وَّ ر، فهو معدود في الصحابة ﴿ه، وقد
أخرج له البخاريّ في ((صحيحه)) حديثاً عن النبيّ وَّ مقروناً بالمسور بن مخرمة،
والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رشيد الدين ابن العطار تخذثهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما يُجاب به عن مسلم تَّتُهُ: أنه لا اعتراض
عليه في هذا الحديث؛ لأنه أخرجه من حديث البراء ◌ُ متّصلاً، ثم أورده من
حديث زيد بن ثابت ربه، وفيه مجهول متابعةً، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر
في الأصول، على أن حديث زيد هذا ثابت صحيح، فقد أخرجه البخاريّ في
(صحیحه))، فتنبه.
ويَحْتَمِل أن يكون مسلم لم يُرد به الاحتجاج لا أصالةً، ولا متابعةً،
وإنما أورده؛ لأنه سمعه كذلك من أصحاب غندر، وغندر سمعه من شعبة
هكذا، فأورده كما سمعه؛ لكونه لا يرى الاختصار، وهذا هو الذي مشى عليه
الحافظ العطّار في تحقيقه المذكور آنفاً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق ابن جريج، عن
عبد الكريم الجزريّ، أن مِقسماً مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن
عباس ◌ًّا أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى
بدر. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر،
والخارجون إلى بدر)) كذا أورده مختصراً، وظن ابن التين أنه مغاير لحديثي
سهل والبراء، فقال: القرآن ينزل في الشيء، ويشتمل على ما في معناه، وقد
أخرجه الترمذيّ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد:
((لمّا نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم الأعميان: يا
رسول الله هل لنا رخصة، فنزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَدِ
(١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ١١٣/١ - ١١٤.

٥١٥
(٤٠) - بَابُ سُقُوطٍ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ - حديث رقم (٤٩٠٣)
وَالْجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ
دَرَجَةٌ﴾)) - فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر - ﴿وَفَضَّلَ الَهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ
دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] على القاعدين من المؤمنين غير
٩٥
أَجْرًا عَظِيمًا
أولي الضرر، هكذا أورده سياقاً واحداً، ومن قوله: ﴿دَرَجَةً﴾ ... إلخ مدرج في
الخبر من كلام ابن جريج، بيَّنه الطبريّ، فأخرج من طريق حجاج نحو ما
أخرجه الترمذيّ إلى قوله: ﴿دَرَجَةٌ﴾، ووقع عنده: فقال عبد الله ابن أم مكتوم،
وأبو أحمد بن جحش، وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد الله أخوه، وأما
هو فاسمه: عبد، بغير إضافة، وهو مشهور بكنيته، ثم أخرجه بالسند المذكور
دَرَجَاتٍ
عن ابن جريج، قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٥)
مِنْهُ﴾، قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
وحاصل تفسير ابن جريج: أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو
الضرر فمُلحقون في الفضل بأهل الجهاد، إذا صدقت نياتهم، كما تقدم في
((المغازي)) من حديث أنس: ((إن بالمدينة لأقواماً، ما سرتم من مسير، ولا
قطعتم من واد إلا وهم معكم، حبسهم العذر)).
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾؛ أي: من أولي الضرر وغيرهم، وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾؛ أي: على القاعدين من غير أولي الضرر،
اُلْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٥)
ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس، ولا ما دلت عليه الآية من استواء
أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء،
فأفهمت إدخالهم في الاستواء؛ إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن المراد
منه: استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلق بالفعل.
ويَحْتَمِل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٦٨/١٠ - ٦٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٩٥).

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٣/٤٠ و٤٩٠٤] (١٨٩٨)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٢٨٣٢) و((التفسير)) (٤٥٩٤) و((فضائل القرآن)) (٤٩٩٠)، و(الترمذيّ)
في ((فضل الجهاد)) (١٦٧٠)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٠/٦) و((الكبرى)) (٣/
٨ و٣٢٧/٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٠٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٢٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٤/٤ و٢٩٠ و٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠١)،
و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٢٨/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠ و٤١
و٤٢)، و(الدارميّ) في («سننه)) (٢٠٩/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٦٩/٣)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٦٥/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠٤/١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) ٤٨٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) ٢٣/٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون
ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة صالحة، كما
قال ◌َله: ((ولكن جهاد ونيّة)).
٢ - (ومنها): بيان فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى على القاعدين منه.
٣ - (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين.
قال النوويّ تَخَّلهُ: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ وَلـ
فرض عين، وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين
شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللهُ
اُلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]. انتهى (١).
٤ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وهو شكوى ابن أمّ مكتوم
ضرارته إلى النبيّ وَل ـ
٥ - (ومنها): جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازِمُه
جواز الاستثناء المتأخّر، والجمهور على خلافه.
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٣.

٥١٧
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٥)
٦ - (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه.
٧ - (ومنها): جواز تقييد العلم بالكتابة.
٨ - (ومنها): جواز كتابة القرآن في الألواح، والأكتاف.
٩ - (ومنها): طهارة عَظْم المذكّى، وجواز الانتفاع به، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي
أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِّدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كَلَّمَهُ
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُؤْلِ الضَّرَرِ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٣ - (مِسْعَرُ) بن کِدام، تقدّم قبل حدیثین.
والباقیان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَلَّمَهُ ابْنُ أُمَّ مَكْتُوم)؛ أي: كلّم النبيّ ◌َّ عبد الله، أو عمرو ابن
أم مكتوم
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(٤١) - (بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٥] (١٨٩٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ -
وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أَنَا
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ قُتِلْتُ؟، قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ»، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِ يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ،
حَتَّى قُتِلَ. وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ يَوْمَ أُحُدٍ).

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، الهرويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ،
عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ّه، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٣٥٠) من رباعيّات الكتاب، وهو
مسلسل بالمكيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني حدثانيّ، وجابر
سكن مكة، وفيه جابر صحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوة، وهو معمّر،
ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (سَمِعَ جَابِراً) بَّهِ (يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ) وفي
رواية سُويد بن سعيد: ((قال رجلٌ للنبيّ وَّ﴿ يوم أحد)»، قال الحافظ تَخْتُ: لم
أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عُمير بن الْحُمَام - وهو بضمّ المهملة،
وتخفيف الميم - وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتجّ بما أخرجه مسلم من حديث
أنس ظُه: ((أن عُمير بن الْحُمَام أخرج تمراتٍ، فجعل يأكل منهنّ، ثم قال:
لئن حيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قُتِل)).
قال الحافظ: لكن وقع التصريح في حديث أنس به أن ذلك كان يوم
بدر، والقصّة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم
أُحد، فالذي يظهر أنهما قصّتان وقعتا لرجلين، والله أعلم. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ١٢٣/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٤٦).

٥١٩
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٥)
(أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ قُتِلْتُ؟) بالبناء للمفعول؛ أي: إن قتلني العدوّ،
وفي رواية النسائيّ: ((إن قُتلت في سبيل الله))، (قَالَ) وَ ((فِي الْجَنَّةِ)))؛ أي:
أنت في الجنّة حالاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَانًا
بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[آل عمران: ١٦٩].
وقد تقدّم عند مسلم حديث عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا
عبد الله، عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[آل عمران: ١٦٩]، قال: أما إنّا قد سألنا عن ذلك، فقال:
(١٦٩)
((أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة
حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) الحديث، ففيه أن الشهيد إذا
مات تُجعل روحه حال موته في جوف طير تسرح في الجنّة، وهذا هو دخول
الجنّة حالاً، قبل يوم القيامة، والله تعالى أعلم.
(فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ) إنما ألقاها؛ استبطاءً للموت (ثُمَّ قَاتَلَ، حَتَّى
قُتِلَ) بالبناء للمفعول.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ) أشار به إلى اختلاف وقع بين شيخيه،
فسعيد بن عمرو قال: ((قال رجل: أين أنا يا رسول الله؟ إن قُتلتُ))، وقال
سُويد بن سعيد: (قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ نَّهَ يَوْمَ أُحُدٍ) فبيّن مكان السؤال، وعبّر أيضاً
بلفظ النبيّ.
وإنما سأل الرجل هذا السؤال، وإن كان معلوماً عندهم أن مآل من قاتَل
في سبيل الله تعالى في الجنّة؛ لأنه لا يَضْمَن الإنسان من نفسه ذلك؛ إذ ربما
يكون عنده ما يمنعه من ذلك، فأراد أن يتثبّت لنفسه، فأخبره وَ لّ بأنه من أهل
الجنّة، فلذا ألقى ما في يده من التمرات؛ شوقاً إلى الجنّة، فقاتل حتى
استُشهد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظُه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٥/٤١] (١٨٩٩)، و(البخاريّ) في

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(المغازي)) (٤٠٤٦)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٣٣/٦) و((الكبرى)) (٤٣٦٢)،
و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (٦٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٢٦/٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٨/٣)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٥٤/٢)،
و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٦٥/٤/٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٠٩/٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٩/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ثبوت الجنّة للشهيد.
٢ - (ومنها): بيان عِظَم شأن الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث إن جزاءه
الجنة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
والرغبة في الشهادة.
من حبّ نصر الإسلام،
٤ - (ومنها): الحثّ على المبادرة بالخير، وأنه لا ينبغي الاشتغال عنه
بحظوظ النفس.
٥ - (ومنها): الانغماس في صفوف الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو
جائزٌ، لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٦] (١٩٠٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ إِلَى
النَّبِيِّ وَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى - يَعْنِي: ابْنَ
يُونُسَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
الَّبِيتِ - قَبِيلِ مِنَ الأَنْصَارِ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((عَمِلَ هَذَا يَسِيراً، وَأُجِرَ كَثِيراً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُوِ أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ