Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) بَيِّن، وإبطال لِمَا جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في الحديث: ((حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه))؛ يعني: يوم يجيء بجميع الخلق، والله أعلم. انتهى كلام القاضي تَظّفُهُ(١). وقال القرطبيّ ◌َقَّتُهُ: وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في الأرواح ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافاً كثيراً، واضطربوا فيها اضطراباً شديداً؛ الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها؛ وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يَشُكّ في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حَمَل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٨٥]، فليقطع العاقل طمعه من عِلم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدلّ على شيء من صفته؟ وعند تصفّح ذلك، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث أن الروح أمر يُنفخ في الجسد، ويُقبض منه، ويُتوفى بالنوم وبالموت، ويؤمن، ويكفر، ويعلم، ويجهل، ويفرح، ويحزن، ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلاً للعلوم وأضدادها، وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من المعاني، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع أن الروح ليس من قبيل الأعراض؛ لاستحالة كل ما ذُكر عليها، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض. وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز، وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق ◌َُّة الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك؛ لأدلة تُذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر، ثم اختُلِف، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسماً، أو لا يقبله فيكون جوهراً فرداً؟ فذهبت طائفة من جلّة علماء أهل السُنّة إلى أنه جسم لطيف مشابك جميع أجزاء البدن، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيّاً، فإذا أراد الله (١) ((إكمال المعلم)) ٣٠٨/٦ - ٣٠٩، و((شرح النوويّ)) ٣١/١٣ -٣٢. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة تعالى إماتة الحيوان نزعه منه، وأزال اتصافه بالحياة، وأعقبها بالموت، وأطبق معظم المتكلمين من أهل السُّنَّة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب، أو غيره مما يكون في الإنسان، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلاً به، والله تعالى أعلم، وأحكم، والتسليم أولى وأسلم. والذي اتَّفَقَ أهل التحقيق عليه أنه متغيّر مخترَع؛ لأنه متغير، وكل متغير محدَث على ما يُعرف في موضعه، ولا يُلتفت لقول من قال: إن الروح قدیم؛ إذ لا قديم إلا الله تعالى، على ما يُعرف في موضعه، ولا يُلتفت أيضاً لقول التناسخية القائلين أن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر، فأهل السعادة يُنقلون إلى أجساد حسنة مشرفة مرفّهة، فتتنعم بها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأهل الشقاء تُنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة، فتعذّب فيها، حتى إذا استوفت بذلك عقابها رجعت إلى أحسن بُنية، وهكذا أبداً، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو قول مناقض لِمَا جاءت به الشريعة، ولِمَا أجمعت الأمة عليه، ومعتقِده يَكْفُر قطعاً، فإنه أنكر ما عُلِم قطعاً من إخبار الله تعالى، وإخبار نبيّه ◌َي﴿ عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه، وأيضاً فالتناسخ والقول به باطل، محال عقلاً، على ما يُعرف في علم الكلام. انتهى كلام القرطبيّ ◌َذُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكروا الاختلاف في معرفة حقيقة الروح، وصفاتها، وهو مما لا ينبغي الخوض فيه؛ لأنه مما استأثر الله رات به، وسدّ طريق الوصول إليه بقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ ﴾ [الإسراء: ٨٥]، فمن حاول أن يحيط بشيء منها فقد (٨٥) أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّ قَلِلًا حاول المحال، وإنما ذكرته مع كراهتي للخوض فيه؛ ليُعلم ما قالوا، ويفكّر العاقل بقراءة ما كتبوا حتى يتبيّن له أنهم ليسوا على شيء، وأن الحقّ هو الذي أرشد إليه الله رَك في الآية المذكورة، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وليس وراء ذلك مطمح للأنظار، ولا مجال للاعتبار، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، إنك سمع مجيب الدعوات. (١) ((المفهم)) ٧١٧/٣ - ٧١٨. ٤٤٣ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) (المسألة الخامسة): في اختلاف الناس في مستقرّ الأرواح بعد الموت: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، وقد ذكر ابن القيّم تَظُّ في ذلك نحو سبعة عشر قولاً : منها: أن أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنّة، شُهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دَين، أو تلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمر پن. ومنها: أنهم بفناء الجنّة على بابها، يأتيهم من روحها، ونعيمها، ورزقها . ومنها: أن الأرواح مستقرّها أفنية قبورها، ومنها أنها مرسلة، تذهب حيث شاءت، ومنها: أن أرواح الشهداء في الجنّة، وأرواح عامّة المؤمنين على أفنية قبرهم، وقيل غير ذلك. وقد بسط ابن القيّمِ نَُّ في هذه المسألة، وتكلّم على كلّ قول بما له، وما عليه، من الأحاديث، والآثار. والأصحّ أن الأرواح متفاوتةٌ في مستقرّها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبيّ لنَّ في ليلة الإِسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خُضْر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواحُ بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحَبسُ روحُه عن دخول الجنة لدَيْن عليه، أو على غيره، كما تقدّم في حديث أبي قتادة ◌َظُه عند مسلم . ومنهم: من يكون محبوساً على باب الجنة كما في الحديث الآخر: ((رأيتُ صاحِبكم محبوساً على باب الجنة)). ومنهم: من يكون محبوساً في قبره، كحديث صاحب الشَّمْلة التي غلّها ثم استُشهد، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال النبي وَلّ: ((والذي نفسي بيده إن الشَّملة التي غلَّها لَتَشْتَعل عليه ناراً في قبره)). جا : ومنهم: من یکون مَقَرّه باب الجنة، كما في حديث ابن عباس ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ((الشهداءُ على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشية))، رواه أحمد. ومنهم: من يكون محبوساً في الأرض، لم تَعْلُ روحُه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت رُوحاً سفلية أرضية، فإنَّ الأنفسَ الأرضيَّةَ لا تجامعُ الأنفس السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسبْ في الدنيا معرفةً ربِّها، ومحبته وذِكْره والأنس به، والتقرُّب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أنَّ النفسَ العلويَّة التي كانت في الدنيا عاكفةً على محبة الله رَك وذكْره، والتقرب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرءُ مع مَن أحبَّ في البرزخ، ويوم القيامة، والله تعالى يُزوِّجُ النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدَّم في الحديث، ويجعل روحه - يعني: المؤمن - مع النسيم الطيب؛ أي: الأرواح الطَّيبة المشاكلة، فالروحُ بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك. ومنها: أرواح تكونُ في تنّور الزُّناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدها وشقيّها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض. وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب، وكان لك فضل اعتناء، عرفت حُجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضاً، فإنها كلّها حقّ يصدّق بعضها بعضاً، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأناً غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتتّصل بفناء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركةً وانتقالاً، وصعوداً وهبوطاً، وأنها تنقسم إلى مرسلة، ومحبوسة، وعلويّة، وسفليّة، ولها بعد المفارقة صحّة ومرضٌ، ولذّة ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتّصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم، والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذّة والراحة والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال البدن في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار. فلهذه الأنفسِ أربع دُور، كل دار أعظم من التي قبلها : ٤٤٥ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضُّيق، والغمّ، والظلمات الثلاث. والدار الثانية: هي الدار التي نَشَأَتْ فيها، وأَلِفَتْها واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة، والشقاوة. والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نِسْبتها إليه، كنسبة هذه الدار إلى الأُولى. والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار فلا دار بعدها، والله ينقلها في هذه الدور طبقاً بعد طبق، حتى يبلّغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها، ومنشؤها، ومميتها، ومحييها، ومُسعِدها، ومُشْقيها. انتهى كلام ابن القيّم تَّتُهُ مختصراً (١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٤) - (بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ) ((الرِّباط)) - بالكسر -: قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: رَبَظْتُهُ رَبْطاً، من باب ضرب، ومن باب قَتَل لغة: شددته، وَالرِّبَاطُ: ما يُربط به القربة، وغيرها، والجمع: رُبُطُ، مثل كتاب وكُتُب، ويقال للمصاب: رَبَطَ الله على قلبه بالصبر، كما يقال: أفرغ الله عليه الصبر؛ أي: ألهمه، والرِّبَاطُ اسمٌ من رَابَطَ مُرَابَطَةً، من باب قاتل: إذا لازم ثَغْر العدوّ، والرِّبَاطُ: الذي يُبنى للفقراء، مولَّدٌ، ويُجمع في القياس على رُبُطُّ بضمتين، ورِبَاطَاتٌ. انتهى(٢). وقال ابن الأثير تَُّهُ في تفسير حديث: ((إِسْباغُ الوضُوء على المَكاره، وكَثْرةُ الخُطَا إلى المساجد، وانْتِظَار الصلاة بعد الصلاة، فذَلِكم الرِّبَاط)): الرّباط (١) راجع: ((الروح)) لابن القيّم ص١٤٣ - ١٤٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٢١٥/١ - ٢١٦. ٤٤٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة في الأصل: الإقامة على جِهَاد العَدوّ بالحرب، وارتباط الخيل، وإِعْدَادها، فَشَبَّه به ما ذُكِر من الأفعال الصَّالحة والعبادة، قال القُتَبِيّ: أصْل المُرابطة أن يَرْبِطَ الفَرِيقان خيولَهم في ثَغْر، كُلٌّ مِنْهُما مُعدٌّ لصاحبه، فسُمِّي المُقام في الثُّغور رِبَاطاً، ومنه قوله: ((فَذَلِكم الرِّبَاط))؛ أي: أنّ الموَاظَبة على الطّهارة، والصلاة، والعبادة؛ كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرِّبَاط مَصْدَرَ رَابَطت؛ أي: لازَمْت، وقيل: الرِّباط ها هنا اسْم لِمَا يُرْبَطُ بهِ الشيءُ؛ أي: يُشَدُّ؛ يعني: أن هذه الخِلال تَرْبُط صاحبها عن المعاصي، وتكُفُّه عن المَحَارم. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٨] (١٨٨٨) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَّطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَهِ، فَقَالَ: أَي النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: (رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٥) وهو ابن (٨٠) سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الْحَضْرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٨] (ت١٨٣) على الصحيح، وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٥/ ١١٧٤. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم قريباً. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ) الجنديّ المدنيّ، ثم الشاميّ، تقدّم أيضاً قريباً. (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢/ ٤٦١. ٤٤٧ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٧٨) ـها، تقدّم قبل باب. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالشاميين غير شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وأما الزهريّ، فقد دخل الشام، وسَكَنها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد رُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان ◌ًَّا، وفي رواية البخاريّ: ((عن الزهريّ، قال: حدّثني عطاء بن يزيد الليثيّ، أن أبا سعيد الخدريّ ◌َّهِ حدّثه)) (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف اسمه(١)، وفي رواية البخاريّ: ((قيل: يا رسول الله ... إلخ))، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد تقدّم أن أبا ذرّ سأله عن نحوه. انتهى(٢). (أَتَى النَّبِيَّ ◌ََّ، فَقَالَ: أَي النَّاسِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية النسائيّ: ((أن رجلاً أَتَّى رَسُولَ اللهِ وَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أي النَّاسِ أَفْضَلُ؟))، وفي رواية مالك، من طريق عطاء بن يسار، مرسلاً، ووصله الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: ((خير الناس منزلاً)). وفي رواية للحاكم: ((أيّ الناس أكمل إيماناً))(٣). وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((أيّ الناس أفضل؟))؛ أي: أي الناس المجاهدين؟؛ بدليل أنه أجابه بقوله: ((رجل مجاهِد بنفسه وماله))، ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزْلة عن الناس؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد، فالأول للعدوِّ الخارجيّ، والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهَدَهما بقطع المألوفات، والمستحسَنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات، وكلّ ذلك فراراً بدينه، وخوفاً عليه، وهذا (١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٨. (٢) ((الفتح)) ٤٣/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٦). (٣) ((الفتح)) ٧/ ٤٣، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٦). ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظَفِر بالكبريت الأحمر، غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كَفَى المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضهم، فأما مع تعيّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمراد، ولذلك بدأ النبي ◌َّ في هذا الحديث ببيان أفضلية الجهاد على العزلة؛ لِمَا قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا. (١) انتھی(١). (فَقَالَ) بَّهِ جواباً عن سؤاله ((رَجُلٌ)، وفي رواية معمر التالية: ((مؤمن))، وهو خبر لمبتدإ محذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أفضل الناس رجلٌ ... إلخ، والمراد بالمؤمن: من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصّل هذه الفضيلة، وليس المراد: من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لِمَا فيه مِنْ بَذْل نفسه، وماله لله تعالى، ولِمَا فيه من النفع المتعدّي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن من يخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن(٢). وقال القاضي عياض تظلّثُ: هذا عامّ مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث. انتهى. (يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ)))؛ أي: يبذل ماله ونفسه لإعلاء كلمة الله تعالى. (قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَنْ؟)؛ أي: ثم من هو أفضل الناس بعد هذا؟ (قَالَ) وَِّ (مُؤْمِنٌ) وفي رواية معمر الآتية: ((ثم رجلٌ معتزلٌ))، (فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) - ((الشِّعْبُ)) - بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: هو ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشّعب خصوصاً، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذَكَر الشِّعب مثالاً؛ لأنه خالٍ عن الناس غالباً، وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل وَ الل عن النجاة، فقال: ((امْلِك عليك لسانك، وَلْيَسَعُك بيتك، وابْكِ على خطيئتك))(٣)، قاله النوويّ(٤). (١) («المفهم)) ٧٢٣/٣ - ٧٢٤. (٢) ((الفتح)) ٤٣/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٦). (٣) حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، من حديث عقبة بن عامر (٤) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٣. ٤٤٩ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٧٨) (يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ) وفي رواية البخاريّ: ((يَتَّقِي اللّهَ))، وفي حديث ابن عبّاس ها: ((معتزل في شِعب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس))، وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي هريرة ربه: أن رجلاً مرّ بشِعْب فيه عينٌ عَذْبة، فأعجبه، فقال: لو اعتزلتُ، ثم استأذن النبيّ وَّه، فقال: ((لا تفعل، فإن مُقام أحدهم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً)). (وَيَدَعُ) - بفتح الياء، والدال -؛ أي: يترك (النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ))؛ يعني: أنه يُبعد عنهم شرّه، وفيه إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شرّه، لا إلى خلاصه عن شرّهم، ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم، قاله السنديّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٧٨/٣٤ و٤٨٧٩ و٤٨٨٠] (١٨٨٨)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٧٨٦) و((الرقاق)) (٦٤٩٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٤٨٥)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٦٦٠)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١١١/٦) و((الكبرى)) (٨/٣)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٦٨/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/٣ و٣٧ و٥٦ و٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٦ و٤٥٩٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٧١/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٥/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٠١/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠٣/١ و٥٣٧ و ٥٣٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٩/٩) و((شعب الإيمان)) (٨/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٢٢)، والله تعالى أعلم. (١) (شرح السنديّ على النسائيّ)) ١١/٦ - ١٢. ٤٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. ٢ - (ومنها): بيان تفضيل العزلة على الاجتماع؛ لِمَا فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلاً، فقال الجمهور: محلّ ذلك عند وقوع الفتن، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان فائدة العزلة، وهو السلامة من الشرور التي تشمل الدينية، والدنيويّة. ٤ - (ومنها): بيان أن مِن أَدَب من يريد العزلة أن يقصد إبعاد شره عن المسلمين، لا إبعاد شرورهم عنه، وإن كان حاصلاً ضمناً، وذلك هضماً لنفسه؛ كيلا يرى الفضل له عليهم، وامتثالاً للأمر بالتواضع الذي أمر الله تعالى به، كما قال النبيّ وَّلفيه: ((أوحى الله إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد)»، أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في العزلة، والْخُلْطة(١) أيهما أفضل؟ (اعلم): أنه اختَلَف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أَولى؛ لِمَا فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقّق السلامة، بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال الخطابيّ في ((كتاب العزلة)): إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلّقهما، فتُحمل الأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدِّين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عَرَف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دِينه، فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والردّ، وحقوق (١) ((الْخُلْطة)) بالضمّ: اسم من الاختلاط، مثلُ الفُرقة من الافتراق، وهو المناسب هنا، وأما الْخِلطة بالكسر، فهو مثل الْعِشرة وزناً ومعنّى. ٤٥١ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٧٨) المسلمين، من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لِمَا في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويُجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيُقتصر منه على ما لا بدّ له منه، فهو أروح للبدن والقلب، والله أعلم. انتهى. وقال النوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أَشْكَل الأمر فالعزلة أَولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتّم عليه أحد الأمرين، ومنهم: من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة: من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عيناً، وإما كفايةً، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجّح عليه: من يغلب على ظنّه أنه يَسْلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وممن يستوي: من يأمن على نفسه، ولكن لا يتحقّق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة؛ لِمَا ينشأ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥](١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التفصيل المذكور هو الأرجح؛ لأنه يؤيّده حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُّه المذكور في الباب، وحديث أبي هريرة به، وفيه: ((أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفَة، من هذه الشَّعَفِ، أو بطن وادٍ، من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير)). والحاصل أن العزلة، والْخُلْطة من الأمور النسبيّة التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما بُيِّن في التفصيل المذكور، فتأمله، وبالله تعالى التوفيق. (١) راجع: ((الفتح)) ٤٩٦/١٦ - ٤٩٧، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٨). ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أي النَّاسِ أَفْضَلُ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الكسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فَقَالَ (١): ((وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ))، وَلَمْ يَقُلْ: (ثُمَّ رَجُلٌ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، صاحب ((المسند))، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم، الفريابيّ، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت٢١٢) (ع) تقدم في ((القسامة)) ٤٣٤٩/٢. (١) وفي نسخة: ((قال)). ٤٥٣ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٨١) ٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. و((ابن شهاب)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو يعلى تَُّهُ في ((مسنده))، فقال: (١٢٢٥) - حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا محمد بن يوسف، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّو، فقال: أي الناس خير؟ قال: ((رجل جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ورجل - يعني - في شعب من الشعاب، يعبد ربه، ويَدَعُ الناسَ من شرّه)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٨١] (١٨٨٩) - (حَدَّثَنَا يَخْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْجَةَ(٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: (مِنْ خَيْرِّ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكَ عِنَانَ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَنْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَرْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ، فِي رَأْسٍ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنٍ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّ فِي خَيْرٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار، تقَّدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (بَعْجَةُ) بن عبد الله بن بدر الْجُهنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٤٢٥/٢. (٢) وفي نسخة: ((عن بعجة بن عبد الله بن بدر)). ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رَوَى عن أبيه، وله صحبة، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة. ورَوى عنه أسامة بن زيد الليثيّ، وأبو حازم المدنيّ، وعبد الله، ومعاوية ابنا بعجة، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ: مات قبل القاسم بن محمد، ومات القاسم سنة (١٠١)، وأَرَّخ ابن حبان في ((الثقات)) وفاته سنة (١٠٠)، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ونقل أبو موسى المدينيّ عن عبدان أن بعجة رَوَى أيضاً عن عليّ، وعثمان أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٨٩)، وحديث (١٩٦٥): ((ضَحِّ به)). ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه، تقدّم قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ بَعْجَةَ) - بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة - وفي الرواية التالية: ((عن بَعْجة بن عبد الله بن بدر))، وفي الثالثة: ((عن بعجة بن عبد الله الْجُهنيّ))، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ خَيْرِ مَعَاشٍ النَّاسِ لَهُمْ) قال النوويّ كَخْفُ: المعاش: هو العيش، وهو الحياة، وتقديره - والله أعلم -: مِنْ خير أحوال عيشهم رجلٌ ممسكٌ. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة، أو العيش؛ أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهادُ، ففيه دليلٌ على جواز نية أخذ المغانم، والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النية في الجهاد أن يجاهدَ؛ لتكون (١) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٣. ٤٥٥ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٨١) كلمةُ الله هي العليا، ولهذا أشار في هذا الحديث بقوله: ((رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله))، وبقوله: ((يبتغي القتلَ مظانَّه)). فقوله: ((من خير معاش الناس)) جارّ ومجرور خبر مقدّم، على المبتدإ، وهو ((رجل ... إلخ))، وقوله: (لهم)) متعلّق بـ(خير)). وقال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: ((من خير معاش الناس)): المعاش: التعيّش، يقال: عاش الرجل معاشاً، ومعيشاً، وما يُعاش به، فيقال له: معاشٌ، ومعيشٌ؛ كمَعَابٍ، ومَعِيبٍ، ومَحَالٍ، ومَحِيل، وفي الحديث يصحّ تفسيره بهما . (رَجُلٌ مُمْسِك) بكسر السين، اسم فاعل من الإمساك؛ أي: آخذ (عِنَانَ فَرَسِهِ) - بكسر العين المهملة، وتخفيف النون -؛ أي: بلجامه، قال المجد كَّلُهُ: ((العِنَانُ ككِتاب: سَيْرُ اللجام الذي تُمسك به الدابّة، جمعه أَعِنّةٌ، وعُنُنٌ))(١). (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله ثَاكَ . وقال الطيبيّ: قوله: ((رجلٌ)) رُفع بالابتداء على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: معاشُ رجلٍ هذا شأنه: من خير معاش الناس لهم. (يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ)؛ أي: ظهره؛ أي: يسارع حال كونه راكباً على ظهر فرسه، وهو مستعارٌ من طيران الطائر. وقال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: (يطير)) إما صفة بعد صفة، أو حال من الضمير في ((ممسِكٌ))، وقوله: ((طار)) جواب ((كلّما))، وهو مع جوابه حال من ضمير ((يطير))، وفيه تصوير حالة هذا الرجل، وشدّة اهتمامه بما هو فيه من المجاهدة في سبيل الله تعالى، وهو أنه عادتُه، ودأبُهُ، ولا يهتمّ، ولا يلتفت إلى غير (٢) ذلك. انتهى(٢). (كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً) - بفتح الهاء، وإسكان الياء -: الصيحة التي يُفزَع منها، ويُجْبَنُ، يقال: هاع، يهيع، هُيُوعاً وهَيَعاناً: إذا جَبُن، وهاع، يهاع: إذا جاع، وأكثر ما تُستعمل الهيعة في الصوت عند حضور العدوّ. (أو) للتقسيم، (١) ((القاموس المحيط)) ص٩٢١. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٨/٨. ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة لا للشكّ؛ أي: أوْ كلما سمِعِ (فَزْعَةً) - بإسكان الزاي -، وهي المرّة من فَزِعَ: إذا خاف، أو نَهَضَ للإغاثة، وملاقاة العدوّ. وقال الطيبيّ: ((الفَزْعة)) هنا فُسّرت بإغاثةٍ مَن فَزِعَ، إذا استغاث، وأصل الْفَزَعِ: شدّة الخوف(١). (طَارَ عَلَيْهِ)؛ أي: على متن فرسه، والطيران هنا، وفيما قبله كناية عن المسارعة إلى العدوّ، والمعنى: أنه يبادر فرسَه بسرعة، كلما سمِعَ صوت العدوّ، أو رأى النهضة إلى لقاء العدوّ (يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ) قال الطيبيّ: عَطَف الموت على القتل؛ لِمَا أريدَ به الأهوال والأفزاع في مواطن الحرب، كقول الحماسيّ [من الطويل]: وَلَا يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلَّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُوْرُهَا فیکون ((مظانّه)) بدل اشتمال من ((الموت))؛ کقوله تعالى: ﴿وَآذگُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ الآية [مريم: ١٦]؛ أي: اذكر وقت انتباذها، فيكون مفعولاً به على الاتّساع، ومظانّ الموت في الحديث بمنزلة ((غمرات الموت)) في البيت، وذهب الشارحون إلى أنه منصوب على الظرفيّة لقوله: ((يبتغي)). انتھی . وقوله: (مَظَانَّهُ) جمع مَظِنّة، بكسر الظاء؛ أي: في الأوقات التي يُظَنّ القتل فيها، وهو منصوب هنا على الظرف، قاله القرطبيّ، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ أي: في مظانّه، ويَحتمل أن يكون منصوباً بدلاً من ((القتلَ))، والمعنى: أنه يطلب الشهادة في المواضع التي يُرجى فيها الموت؛ رغبة في أن یجود بنفسه لله ﴾﴾ . وقال النوويّ: معنى ((يبتغي القتل مظانّه)): يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة، وفي هذا الحديث فضيلة الجهاد، والرباط، والحرص على الشهادة. انتهى (٢). وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((يبتغي القتل والموت مظانّه))؛ أي: لا يبالي، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٩/٨. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٣. ٤٥٧ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٨١) ولا يحترز منه، بل يطلبه حيث يظنّ أنه يكون، و((مظانّه)): جمع مظِنّة، وهي الموضع الذي يُعهَد فيه الشيء، ويُظَنّ أنه فيه، ووحّد الضمير في ((مظانّه)) إما لأن الحاصل، والمقصود منهما واحد، أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب، كما اكتَفى بها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤](١). (أَوْ) للتقسيم أيضاً، لا للشكّ، (رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ) تصغير غنم؛ أي: قطعة من الغنم؛ يعني: أنه قد أقنع نفسه بعدد يسير من الغنم، يعيش بها . وقال الطيبيّ: قوله: ((أو رجلٌ في غُنيمة))؛ أي: معاشُ رجلٍ، والظرف متعلّق به إن جُعل مصدراً، أو بمحذوف هو صفة لـ((رجل))، و((غُنيمة)) تصغير غنم، وهو مؤنّث سماعيّ، ولذلك صُغّر بالتاء(٢). (فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ) - بفتح الشين المعجمة، والعين المهملة - واحد الشَّعَف، وهي رؤوس الجبال. (مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ) يريد به الجنس لا العهد، قاله الطيبيّ(٣). (أوْ) للتقسيم أيضاً، (بَطْنِ وَادٍ) بجرّ ((بطن)) عطفاً على قوله: ((رأس شعفة))، (مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ) جمع وادٍ، قال الطيبيّ: قوله: ((من هذه الشعَف))، و((هذه الأودية)) للتحقير، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤]، و﴿مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١]، ومن ثمّ صغّر ((غُنيمة)) وصفاً لقناعة هذا الرجل بأنه سكن في أحقر مكان، ويجتزىء بأدنى قُوت، واعتزل الناس يكفّ شرّه عنهم، ويستكفي شرّهم عنه، ويشتغل بعبادة ربّه حتى يجيئه الموت، وعبّر عن الموت باليقين؛ ليكون نُصب عينيه مزيداً للتسلّي، فإن في ذِكْر هاذم اللذّات ما يصرفه عن أعراض الدنيا، ويشغله عن ملاذّها بعبادة ربّه، ألا ترى كيف سَلَّى حبيبه وَّل حين لقي ما لقي من أذى ﴾، إلى أن قال: ٩٧ الكفّار بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٩ [الحجر: ٩٩]؟ ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِيْنُ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٨/٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٨/٨. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٨/٨. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقوله: (يُقِيمُ الصَّلَاةَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا المعطوفات، (وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ)؛ أي: يعطيها مستحقّها، (وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ) المتيقّن، وهو الموت، سُمّي به؛ لتحقّق وقوعه. (لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرِ)))؛ أي: ليس له اجتماع مع الناس، ولا اختلاط بهم إلا فيما كان خيراً؛ كالجماعة، والجمعة، والعيدين، وصلاة الجنازة، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، ونحو ذلك من أنواع الخيرات. والحاصل أنه معتزل عن الناس إلا فيما هو خير محض؛ كالأشياء المذكورة، ونحوها . ثم إن هذه العزلة المحمودة في هذا الحديث ليست الرهبانية المذمومة في القرآن؛ لأن الرهبانية تتضمّن إهمال الحقوق الواجبة للنفس، والأهل، والعباد، بخلاف هذه العزلة، فإن المقصود منها ترك الاختلاط مع الناس، مع أداء حقوق النفس، والأهل في العزلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٨١/٣٤ و٤٨٨٢ و٤٨٨٣] (١٨٨٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٥/٦)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٧٧)، و(ابن المبارك) في («الزهد)» (١٤٦/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٦/٢ و٤٤٣ و٥٢٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢/ ٢٠٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٧٢/٤ و٤٧٤)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (١٥٩/٩) و((شُعَب الإيمان)) (٤١/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله، وفضل الرباط، والحرص على الشهادة . ٢ - (ومنها): بيان فضل العزلة عن الناس؛ فراراً بدينه، وهذا محمول ٤٥٩ (٣٤) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ - حديث رقم (٤٨٨٢) على زمان الفتنة، كما تقدّم تفصيله في المسألة الرابعة من الحديث الماضي. ٣ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ تَخْذَثُ: وفي تخصيص ذكر المعاش في الحديث تلميح، فإن العيش المتعارف بين أبناء الدهر هو استيفاء اللذّات، والانهماك في الشهوات، كما سُمّيت البيداء المهلكة بالمفازة والمنجاة، واللديغ بالسليم، وتلميح إلى قوله ◌َلفيه: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة))، متّفقٌ عليه، وفيه أن لا عيش ألذّ، وأمرأ، وأشهى، وأهنا مما يجد العبد من طاعة ربّه، ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها، ومشاقّها عنه، بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا وُتر أهله وماله، وإليه ينظر قوله وَله: ((أرحنا بالصلاة يا بلال)) (١)، وقوله: ((وجُعلت قرّة عيني في الصلاة)) (٢)، وتعريضٌ بذمّ عيش الدنيا؛ لِمَا ورد: ((تَعِس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة)) إلى قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ... ))(٣). وجِمَاعُ معنى الحديث: الحثّ على مجاهدة أعداء الدين، وعلى مجاهدة النفس، والشيطان، والإعراض عن استيفاء اللذّات العاجلة. انتهى كلام الطيبيّ ◌َّفُ(٤)، وهو تحقيق مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٨٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، وَيَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، (١) حدیث صحیح، أخرجه أحمد، وأبو داود. (٢) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ. (٣) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)): عن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((تَعِس ٹّه عن أبي هريرة عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعط سَخِط، تَعِسَ، وانتُكِس، وإذا شِيك فلا انتُقِش، طوبى لعبد آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرّة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذَّن له، وإن شفع لم يشفَّع)). انتهى. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٠/٨. ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ، وَقَالَ: ((فِي شِعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ))، خِلَافَ رِوَايَةٍ بَحْبَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) - بتشديد التحتانيّة - المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (الْقَارِيَّ) بتشديد الياء التحتانيّة: نسبة إلى قارة قبيلة مشهورة بجودة الرمي، وليس نسبة إلى القارئ، من القراءة، كما يوجد في بعض النسخ غلطاً . وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن. وقوله: (وَقَالَ: عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ) فاعل ((قال)) في الموضعين ضمير قُتيبة. وقوله: (خِلَافَ رِوَايَةٍ يَحْيَى) بنصب خلاف على الحال؛ أي: حال كون قتيبة مخالفاً في روايته لرواية يحيى بن يحيى التميميّ، حيث قال قتيبة: ((في شِعْبة من هذه الشعاب))، بدل قول يحيى: ((في رأس شَعَفَة من هذه الشِّعاف))، و(يحيى)) هو التميميّ، شيخ المصنّف في السند السابق. [تنبيه]: رواية قتيبة بن سعيد عن عبد العزيز، ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم، أخرجها الحافظ أبو طاهر الذهليّ، في ((جزئه))، فقال: (١٤٥) - حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهنيّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَلايه قال: ((خير ما عاش الناس له رجل ممسك بعِنان فرسه، في سبيل الله رحمة، كلما سَمِع هَيْعةً، أو فَزْعة طار عن متن فرسه، فالتمس القتل، أو الموت في مظانّه، أو رجل في شِعْبة من هذه الشِّعاب، أو في بطن وادٍ من هذه الأودية،