Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفْرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٢) فلا يجوز التأخير، ويدل على ذلك أن الاستثناء، والتخصيص، وغيرهما الصادرة عنه وَ ﴿ كلّ من عند الله، لا من عند النبيّ وَّ بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل. انتهى(١). ٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْلُ: فيه أن الخطايا تكفَّر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب، والنيّة في العمل، وأن أعمال البرّ المقبولة لا تُكفِّرُ من الذنوب إلا ما بين العبد، وبين ربّه، فأما التبعات فلا بدّ فيها من القصاص. قال: وهذا في دَين تَرك له وفاءً، ولم يوصٍ به، أو قَدَر على الأداء، فلم يؤدّ، أو أدّاه في غير حقّ، أو أسرف، ومات، ولم يوفّه، أما من ادّانَ في حقّ واجب؛ لِفَاقة، وعُسر، ومات، ولم يترك وفاءً، فلا يُحبس عن الجنّة؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدّي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء. وقد قيل: إن تشديده ◌ّ﴿ في الدَّين كان قبل الفتوح. انتھی . وقال الحافظ نَُّ: يستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تُثبت لمن حصلت له ثواباً مخصوصاً، وتُكرِمه كرامة زائدةً، وقد بيّن في الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عملٌ صالحٌ كفّرت الشهادة سيّئاته، غير التبعات، ونَفَعه عمله الصالح في مُوازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصةً، فإن لم يكن له عملٌ صالحٌ فهو تحت المشيئة. انتهى. وقال ابن الزملكانيّ كَّتُهُ: فيه تنبيهٌ على أن حقوق الآدميين لا تكفَّر؛ لكونها مبنيّة على المشاحّة والتضييق، ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدَّين الذي هو خطيئةٌ، وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فِعله، بأن أخَذَه بحيلة، أو غَصَبَه، فثبت في ذمّته البدلُ، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدَّين المأذون فيه مسكوتاً عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لِمَا يلطف الله بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل الله. (١) «المفهم)) ٧١٥/٣. ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة [فإن قيل]: ما تقول فيمن مات، وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاءً وفَى؟. [قلت]: إن كان المال الذي لَزِم ذمّته إنما لَزِمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب، وإتلافٍ مقصودٍ، فلا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه، ولا تُسقِطه التوبةُ، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخرويّة فيما يختصّ بحقّ الله تعالى؛ لمخالفته لِمَا نهى الله عنه، وإن كان المال لَزِمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يَقْدِر، فهذا ليس بصاحب ذنب، حتى يتوب عنه، ويُرجى له الخير في العقبى، ما دام على هذا الحال. انتهى. قال الزرقانيّ كَّثُ: وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر، كما رأيته. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقرير حسنٌ جدّاً، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة مظلته، عن النبيّ وَّ، قال: ((من أخذ أموال الناس، يريد أداءها، أَذَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله)). فقد بيّن ◌َالل أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيّته أن يؤدّيها إليهم، أدّى الله تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيّته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخَذ بجريمته، ومثله من كان أخَذَه على وجه غير مشروع؛ كالغصب، والسرقة، ونحوهما. فيستفاد منه أن الشهيد الذي يُمنع من تكفير الشهادة الدَّين عنه هو القسم الثاني، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه] إن قلت: يعارض حديث الباب ما أخرجه الطبرانيّ برجالٍ ثقات، عن ابن مسعود رضي الله، رفعه: ((القتل في سبيل الله، يكفّر الذنوب كلّها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع». (١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٣٦/٣ - ٣٧. ٤٢٣ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفْرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٣) فإنه يدلّ على أن الشهادة لا تُكَفِّرُ الأمانة بمعناها المذكور، وحديث الباب ظاهرٌ في أنه يكفّر جميع حقوق الله، ومنها الصلاة، والصوم، فكيف يُجمع بينهما؟. [قلت]: حديث الطبرانيّ ضعيف(١)، فلا يُعارض ما في ((الصحيح))، وعلى تقدير صحّته يُحمَل على مطلق القتل، وحديث الباب مقيّدٌ بأنه صابرٌ، محتسبٌ، مقبلٌ غيرُ مُذْبِر، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده))، فقال: (٧٣٦٤) - حدّثنا محمد بن يحيى، وعمار بن رجاء، والصغانيّ، قالوا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأ يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه كان يحدّث أن رجلاً أتى (١) راجع: ((ضعيف الجامع)) للشيخ الألبانيّ كَُّ ص ٦٠٢ رقم (٤١٣٠). ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله، إن قُتلتُ في سبيل الله كَفَّر الله به خطاياي؟ فقال رسول الله وَله: ((إن قُتلتَ في سبيل الله، صابراً، محتسباً، مقبلاً، غير مُذْبِر، كفَّر الله به خطاياك))، ثم مَكَث ساعةً، ثم قال رسول الله وَله: ((إن قُتلت في سبيل الله صابراً، محتسباً، مقبلاً، غيرَ مدبر كَفَّر الله به خطاياك، إلا الدَّين، قال لي جبريل عليه))، هذا لفظ الصغانيّ، وعمار. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ - أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ(٢)، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ، إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي(٣). بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) المدنيّ، قاصّ عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، مولى يعقوب القبطيّ، ويقال: مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، يقال: مرسلٌ، وأبي صرمة الأنصاريّ، وعن أبيه، وأمه، وعبد الله بن أبي قتادة، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أمية، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، وأسامة بن (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٦٨/٤. (٣) وفي نسخة: ((بسيفي هذا)). (٢) وفي نسخة: ((على المنبر يخطب)). ٤٢٥ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٤) زيد الليثيّ، وعمرو بن دينار، وسليمان بن طرخان، وأبو معشر، وعبد العزيز بن عیاض، وغيرهم. قال ابن سعد: كان كثير الحديث، عالِماً، وقال يعقوب بن سفيان، وأبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال خليفة: تُوُفّي أيام الوليد بن یزید . أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان فقط، هذا برقم (١٨٨٥)، وحديث (٢٧٤٨): ((لولا أنكم تُذنبون لَخَلَق الله خلقاً يُذنبون ... )) الحديث. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) المدنيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله، صدوقٌ [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدّم في ((الإيمان) ١٥٠/١٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) فاعل ((قال)) ضمير سفيان بن عيينة، فلسفيان في هذا الحديث طريقان: طريق عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس ... إلخ، وطريق محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس ... إلخ. وقوله: (يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: كون كلّ واحد من عمرو بن دينار، ومحمد بن عجلان يزيد في لفظ الحديث على صاحبه، وزيادة أحدهما على الآخر تتبيّن في التنبيه الثاني. وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) زاد في نسخة: ((يخطب))، والجملة في محلّ نصب على الحال. [تنبيه]: تقدّم في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) أن أبا الفضل بن عمار الحافظ انتقد هذا الحديث، ودونك نصّه: وهذا حديث رواه بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن رجل من أهل نجران، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواه عمرو بن الحارث، فأفسده بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وهو أحد علماء مصر، ورواه عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس مرسلاً، وقال محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، وعمرو بن دینار أثبت من ابن عجلان، وقد أرسله. انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل الطعن في رواية ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس بأنها مرسلة، وذلك فيما رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) (٢٥٥٣)، فقال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس، عن النبيّ وَّ، وابن عجلان عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، يزيد أحدهما على صاحبه ... الحدیث. والجواب عن مسلم أنه لم ير إرسال عمرو بن دينار علّةً؛ لأن ابن عجلان وَصَله، ولا يقال: إن عمراً أحفظ منه؛ لأن عمراً رواه أيضاً متّصلاً، فقد أخرجه النسائيّ من طريقه متّصلاً، كما سيأتي في التنبيه التالي، فلعل عمراً كان يرويه تارةً متّصلاً، وتارةً مرسلاً، فرجّح مسلم وَصْله؛ لمتابعة ابن عجلان له فيه. وعلى تقدير تأثير العلّة المذكورة، فالحديث صحيح متّصل من رواية سعيد المقبريّ، كما أخرجه مسلم قبل هذا، فرواية محمد بن قيس من باب المتابعة، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس ساقها النسائيّ كَّتُهُ في ((المجتبى))، فقال: (٣١٥٨) - أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو، سمع محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّة، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن ضربت بسيفي في سبيل الله، صابراً، محتسباً، مقبلاً، غيرَ مدبر، حتى أُقتل، أيكفِّر الله عني خطاياي؟ قال: ((نعم))، فلما أدبر دعاه، فقال: ((هذا جبريل يقول: إلا أن يكون علیك دَیْن)). انتهى(١) . ورواية سفيان عن محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس، ساقها الشافعيّ نَظُّ في ((سننه))، فقال: (٦٨١) - حدّثنا المزنيّ(٢)، قال: حدّثنا الشافعيّ نَُّ، قال: حدّثنا (١) ((سنن النسائيّ)) ((المجتبى)) ٣٥/٦. (٢) قائل: ((حدّثني المزنيّ)) هو الراوي عن المزنيّ، وهو أبو جعفر الطحاويّ، والمزنيّ تلميذ الشافعيّ، وهو خال الطحاويّ، فتنبّه. ٤٢٧ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٥) سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رجلاً أتى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن ضَربت بسيفي هذا في سبيل الله، صابراً، محتسباً، مقبلاً، غير مُدبِر، أيكفّر عني خطاياي؟ فقال: ((نعم))، فلمّا أدبر، قال: ((هذا جبريلنِالَّ يقول: إلا أن یکون علیك دیْن)). انتهى(١). وقد ساق أبو عوانة الروايتين مساقاً واحداً في ((مسنده))، فقال: (٧٣٦٣) - حدّثنا شعيب بن عمرو الدمشقيّ، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس، وابنٍ عجلان، عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَل﴾، فقال: أرأيت إن ضَربت بسيفي في سبيل الله، صابراً، محتسباً، مقبلاً، غير مُذْبر، يكفّر عني خطاياي؟ قال: ((نعم))، فلمّا أدبر قال: ((تعالَ، هذا جبريلُ يقول: إلا أن يكون عليك دَيْن)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٥] (١٨٨٦) - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ - عَنْ عَيَّاشٍ - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسَِّ الْقِتْبَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلَّ ذَنْبٍ إِلَّ الدَّيْنَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ) الحَرَسيّ، كاتب العمريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م) من أفراد المصنّفَّ تقدّم في ((النذر)) ٤٢٤٢/٤. ٢ - (الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ) بن عُبيد الْقِتْبانيّ، أبو معاوية القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، أخطأ ابن سعد في تضعيفه [٨] (ت١٨١) تقدّم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٢٥/٦. (١) ((السنن المأثورة)) ٤٤٤/١. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤٦٨/٤. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٣ - (عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيُّ(١)) المصريّ، ثقةٌ (٢) [٥] (١٣٢) (زم ٤) تقدّم في ((النكاح)) ٣٥٦٧/٢٥. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السَّهْمَيّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة سنة (٦٣) على الأصحّ بالطائف (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٨/٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ ◌َ﴿ًا، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما قبله، وفيه مسألتان: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص . المصنّف رَآتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٧٥/٣٢ و٤٨٧٦] (١٨٨٦)، و(الحاكم) في (المستدرك)) (١٢٩/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٠/٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٤٦٩/٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥/٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٣٦/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٢٥/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيُّ، عَنْ (١) قوله: ((عيّاش بن عبّاس)) الأول بالشين المعجمة، والثانى بالسين المهملة، و((القتبانيّ)): بقاف مكسورة، ثم مثناة فوقيّة ساكنة، ثم موحّدة: منسوب إلى قتبان بطن من رعين، قاله النوويّ. (٢) قال في ((التقريب)): من السادسة، وما هنا أولى؛ لأنه رأى عبد الله بن الحارث بن جزء الصحابيّ، فيكون مثل الأعمش رأى أنساً، فكان من الخامسة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤٢٩ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَخْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ الدَّيْنَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في هذا الباب، وقبل باب، وقد تقدّم تمام البحث في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٣) - (بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٧] (١٨٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ(١)، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ بُرْزَقُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفٍ طَيْرِ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَّى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ الطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟ قَالُوا أَي شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِك مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا))). (١) وفي نسخة: ((سألت عبد الله)). ٤٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٧ - (أَسْبَاطُ) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ضُعّف في الثوريّ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٥٤/٢٦. ٨ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٩ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورِعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. ١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) أو قبلها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ١١ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ١٢ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات ظُه سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. [تنبيه]: عبد الله هنا هو ابن مسعود ﴿ه، وذكر بعضهم أنه ابن عمرو بن العاص، والصواب الأول، قال المازريّ: كذا جاء عبد الله غير منسوب، قال أبو عليّ الجيّانيّ في ((التقييد)): قال أبو مسعود الدمشقيّ: ومن الناس من ينسبه، فيقول: عن عبد الله بن عمرو، والله أعلم، وذكره أبو مسعود الدمشقي في مسند ابن مسعود (١). (١) ((تقييد المهمل)) ٨٨٨/٣. ٤٣١ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) وقال القاضي عياض في ((الإكمال)): كذا هو ابن مسعود عندنا في الأصل من رواية أبي بحر، وسَقَط لغيره من شيوخنا، وأُراه من إلحاق شيخه الكنانيّ(١). وقال النوويّ: وكذا وقع في بعض نسخ بلادنا المعتمدة، ولكن لم يقع منسوباً في معظمها، وذَكَره خَلَف الواسطيّ، والحميديّ، وغيرهما في مسند ابن مسعود، وهو الصواب. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخَّهُ: عبد الله هو ابن مسعود، وهكذا في رواية أبي بحر: ((سألنا عبد الله بن مسعود))، ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو، فقد أخطأ. انتھی (٣). [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَظْلَتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وإسحاق فمروزيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه من كبار فقهاء الصحابة شرح الحديث: جمّ المناقب. (عَنْ مَسْرُوقٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ) وفي بعض النسخ: ((سألت عبد الله))، (عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) قال أبو السعود المفسّر دَخَذْتُ: هذا كلام مستأنف، مسوقٌ لبيان أن القتل الذي يَحْذَرونه، ويُحَذِّرون الناس منه، ليس مما يُحذر، بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، إثر بيان أن الحذر لا يُجدي، ولا يغني، وقُرئ: ((ولا تحسِبَنَّ)) بكسر السين، والمراد بهم: شهداء أحد، وكانوا سبعين رجلاً، أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شهاب، وعبد الله بن جحش، وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قال: والخطاب للنبيّ وَّ، أو لكلّ من له حظّ من الخطاب، وقرىء (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٣٠٦. (٣) ((المفهم)) ٧١٥/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٣. ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة بالياء على الإسناد إلى ضميره بَّر، أو ضمير من يحسَب، وقيل: إلى الذين قُتلوا، والمفعول الأول محذوف؛ لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة، والتقدير: ولا يحسبنهم الذين قُتلوا أمواتاً؛ أي: لا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتاً، على أن المراد من توجيه النهي إليهم: تنبيه السامعين على أنهم أحقّاء بأن يُسَلَّوا بذلك، ويَبْشُروا بالحياة الأبدية، والكرامة السنية، والنعيم المقيم، لكن لا في جميع أوقاتهم، بل عند ابتداء القتل؛ إذ بعد تبيّن حالهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتهم، وتبشيرهم فائدة، ولا لتنبيه السامعين، وتذكيرهم وجه(١). (﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾) بالتخفيف، وقرىء بالتشديد؛ لكثرة المقتولین، (﴿فی سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَآءُ﴾) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصب؛ أي: بل أحسبهم أحياءً، على أن الحسبان بمعنى اليقين، كما في قوله [من الطويل]: حَسِبْتُ التُّقَى وَالْمَجْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ رَبَاحاً إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا أو على أنه وارد على طريق المشاكلة(٢). وقوله: (﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾) في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدَّر، أو صفة لـ((أحياءٌ))، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في ((أحياء))، وقيل: هو ظرف لـ((أحياء))، أو للفعل بعده، والمراد بالعندية: التقرب، والزلفى، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية، والتبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة لهم(٣) . وقوله: (﴿يُرْزَقُونَ﴾)؛ أي: من الجنة، وفيه تأكيد لكونهم أحياءً، وتحقيق لمعنى حياتهم، قال الإمام الواحديّ: الأصحّ في حياة الشهداء ما رُوي عن النبيّ ◌َ﴿ من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم يُرزقون، ويأكلون، ويتنعمون، وفيه دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف، لا يفنى بخراب البَدَن، ولا يتوقف عليه إدراكه، وتألمه، والتذاذه(٤). (١) ((تفسير أبي السعود)) ١١١/٢ - ١١٢. (٣) ((تفسير أبي السعود)) ١١٢/٢. (٢) ((تفسير أبي السعود)) ١١٢/٢. (٤) ((تفسير أبي السعود)) ١١٢/٢. ٤٣٣ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) (قَالَ) عبد الله (أَمَا) بالتخفيف: أداة استفتاح، وتنبيه، كـ((ألا))، (إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا)؛ أي: سألنا النبيّ وَّه، فالمفعول محذوف، قال النوويّ كَُّهُ: وهذا الحديث مرفوع؛ لقوله: ((إنا قد سألنا عن ذلك، فقال؛ يعني: النبيّ ◌َّ)). انتهى (١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قول عبد الله: ((أما إنا سألنا عن ذلك فقال)): كذا صحَّت الرواية، ولم يُذكر فيها ((رسول الله وَ ﴿)، وهو المراد منها قطعاً، ألا ترى قوله: ((فقال))، وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يُتَوَصّل إليه بعقل، ولا قياس، وإنما يُتوصل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود. انتهى (٢). وقال ابن القيّم تَخْتُ: والظاهر - والله أعلم - أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله وَله، وحَذَفه لظهور العلم به، وأن الوَهْم لا يذهب إلى سواه، وقد كان ابن مسعود يشتدّ عليه أن يقول: قال رسول الله ◌َ، وكان إذا سمّاه أرعد، وتغيّر لونه، وكان كثيراً ما يقول ألفاظَ الحديث موقوفةً، وإذا رَفَع منها شيئاً تحرَّى فيه، وقال: أو شبه هذا، أو قريباً من هذا، فكأنه - والله أعلم - جرى على عادته في هذا الحديث، وخاف أن لا يؤديه بلفظه، فلم يَذكر رسول الله وَّر، والصحابة ﴿ه إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسول الله صلفيه. انتهى (٣). وقوله: (عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن معنى هذه الآية، وتأويلها . (فَقَالَ) وَِّ ((أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفٍ طَيْرٍ) بفتح، فسكون: جمع طائر، مثلُ صاحب وصَحْبٍ، وراكبٍ ورَكْب، وجَمْعَ الطير طُيُورٌ، وأطيار، وقال أبو عبيدة، وقُظْرُبٌ: يقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباريّ: الطيرُ جماعة، وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد: طيرٌ، بل طائرٌ، وقلّما يقال للأنثى: طائرة، قاله الفيّوميّ(٤). (١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٣. (٢) «المفهم)) ٧١٥/٣. (٣) ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) ٧/ ١٤١. (٤) ((المصباح المنير)) ٣٨٢/٢. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقوله في هذا الحديث: ((في جوف طير خُضْر))، وفي غير مسلم: ((كطير خُضر))، وفي حديث آخر: ((بحواصل طير))، وفي ((الموطأ)): ((إنما نَسَمة المؤمن طير))، وفي حديث آخر عن قتادة: ((في صورة طير أبيض))، قال القاضي عياض: قال بعض المتكلمين على هذا: الأشبه صحّة قول من قال: ((طير، أو صورة طير))، وهو أكثر ما جاءت به الرواية، لا سيما مع قوله: ((تأوي إلى قناديل تحت العرش))، قال القاضي: واستَبْعَد بعضهم هذا، ولم ينكره آخرون، وليس فيه ما يُنكَر، ولا فرق بين الأمرين، بل رواية ((طير))، أو ((أجواف طير)) أصحّ معنًى، وأبْيَن وجهاً، وليس بالأقيسة والعقول في هذا حكم، فكلٌّ من المجوّزات، فإذا أراد الله أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن، أو الشهيد في قناديل، أو أجواف طير، أو حيث يشاء كان ذلك ووقع، ولم يَنْعُد، لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام، كما سنذكره، ونذكر الخلاف في ذلك، ولَمَا أَبْعَدْنا أن تكون رواية أنها طير على ظاهره؛ إذ لو غُيّرت الأرواح عن حالها وصفاتها إلى صفات طير خُضر لم تكن حينئذ أرواحاً، وأمّا على القول: إن الروح معنى، وهي الحياة، فبعيد أيضاً أن ترجع صورة طير؛ لأن المعاني لا تتجسّم، ولا تقوم بنفسها، وإنما تقوم بغيرها من أجسام يخلقها الله تعالى لذلك. قال الجامع عفا الله عنه: كان على القاضي عياض أن لا يورد هذه الاستبعادات؛ لأنها من الظنون والخيالات الفاسدة التي يتبنّاها الفلاسفة وأذنابهم من المتكلّمين الذين لا يرون للنصوص قيمة، ولا يعتمدون إلا عقولهم، فإذا أخبر الله تعالى بأنه يجعل روح الشهيد طيراً، أو كالطير، أو في أجواف طير، فما المانع من ذلك، وما الذي يمنع الله تعالى أن يجعل المعاني أجساماً، وبالعكس؟ والله المستعان. قال: وقيل: إن هذا المنعَّم، أو المعذَّب من الأرواح جزء من الجسد، تبقى فيه الروح، وهو الذي يتألم، ويعذَّب، ويلتذّ، وينعّم، وهو الذي يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وهو الذي يَسْرَح في شجر الجنة، فغير مستحيل أن يُصَوَّر هذا الجزء طائراً، أو يُجعل في جوف طائر، وفي قناديل تحت العرش، وغير ذلك مما يريد الله رم على المعاني التي تقدّمت، ٤٣٥ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) والله تعالى أعلم بمراد نبيّهَ وَّه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((جزء من الجسد)) هذا مما لا يخفى بطلانه، فأين النصّ الذي يدلّ على أن الجسد أو جزءاً منه يبقى مع روح الشهيد، فيُجعل في جوف طير؟ . وبالجملة فآخر كلام القاضي هو مناط البحث، وهو قوله: ((والله تعالى أعلم بمراد نبيّهُ وَّ))، فالواجب على العاقل أن يسلّم ما صحّ عنه وَلّ، ولا يحرّف، ولا يخوض في تأويله بلا دليل، فإنه من القول بلا علم، وقد قال الله رَت: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلٌَّ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرََّ رَنِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (خُضْرٍ) صفة لـ((طيرٍ))، وهو بضم الخاء، وسكون الضاد المعجمتين: جمع أخضر؛ كأحمر، وحُمْر، كما قال في ((الخلاصة)): ((فُعْلٌ)) لِـ انَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرًا)) و((فِعْلَةٌ)) جَمْعاً بِنَقْلٍ يُدْرَى أي: جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طيور خُضْر خالية من الأرواح، على أشباح مصوّرة بصور الطيور، حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح، وفيه ردّ على من يقول: إن عذاب البرزخ ونعيمه إنما هو روحاني فقط(٢) . (لَهَا قَنَادِيلُ) بالفتح: جمع قِنديل بكسرها، (مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ) بفتح حرف المضارعة، والراء؛ أي: تأكل، وتشرب، وتتمتّع، وتتنعّم بأنواع نعيم الجنّة، يقال: سَرَحتِ الإبلُ سَرْحاً، من باب نَفَعَ، وسُرُوحاً أيضاً: رَعَتْ بنفسها، وسَرَحتها، يتعدَّى، ولا يتعدّى، وسرّحتها بالتثقيل مبالغة، وتكثير(٣). (حَيْثُ شَاءَتْ)؛ أي: في أي مكان شاءت، (ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ (١) ((إكمال المعلم)) ٣٠٦/٦ - ٣٠٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١/١٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٧٣/١. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الْقَنَادِيلِ)؛ أي: ترجع إليها، تنزل فيها، ومأوى كلّ حيّ مسكنه الذي يقيم فيه؛ أي: تكون تلك القناديل بمنزلة الأوكار لها، وقوله: (فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ) عدّاه بـ((إلى)) لتضمّنه معنى: فظهر. (رَبُّهُمُ الطَّلَاعَةً) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ((اطّلع))؛ أي: تجلى لهم برفع الحُجُب عنهم، وكلّمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغةً في الإكرام، وتتميماً للإنعام، (فَقَالَ) ربهم رَ (هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟) وهذا السؤال مبالغة في إكرامهم، وتنعيمهم؛ إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغّبهم في سؤال الزيادة، فلم يجدوا وراء ما أعطاهم من مزيد، لكن تلقّوا ذلك بالشكر بأن سألوه، يردّ أرواحَهم إلى أجسادهم؛ ليجاهدوا في سبيله، ويبذلوا أنفسهم في مرضاته، ويُقتلوا في شكر إحسانه، ويستلذّوا ألم القتل والموت لمكافأة بِّه، ويجودوا بذواتهم له؛ إذ لم يقدروا على غاية فوق ذلك، والجُود بالنفس أقصى غاية الجود(١)، والله تعالى أعلم. (قَالُوا: أي شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا) بالبناء للمفعول، وكذا في قوله: (مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ) تقدّم أنه يجوز فيه ستّ لغات، وهي التي في قول ابن مالك تَّثُ في ((الخلاصة)): وَاجْعَلْ مُضَافًاً صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا والسادس ((يا ربُّ)) بالبناء على الضمّ تشبيهاً له بالمفرد. (نُرِيدُ أَنْ تَرُدّ) بالبناء للفاعل، (أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، حَتَّى نُقْتَلَ) بالبناء للمفعول، (فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ)؛ أي: مما في دار الجزاء، وأما ما ذكروه من الرجوع إلى الدنيا، والقتل مرّةً أخرى، فليس مما سُئلوا عنه؛ لأنه لا يتعلّق بدار العمل التي انقضى أجلها. (تُرِكُوا))) بالبناء للمفعول، وهذا السؤال إكرام من الله وَلَ لهم، وزيادة في الإنعام عليهم حتى يُعطّوا ما يشتهونه في هذا العالم، لا في العالم الماضي، وجوابهم بقولهم: أي شيء نشتهي؟ اعتراف منهم بنهاية الإكرام، وشُكْر عليه، وأنهم ليست لهم حاجة ممكنة إلا وقد قضاها الله تعالى لهم، فأدركوها، فلم يَبق لهم شيء يحتاجون (١) ((إكمال المعلم)) ٣٠٩/٦. ٤٣٧ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَخْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) إليه في تلك الدار، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدَهُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيته هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذْشُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٧٧/٣٣] (١٨٨٧)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠١١)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٠١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦٣/٥)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٥٦/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٤٧٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠٩/٩ - ٢١٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٣/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة قبل يوم القيامة، وأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون. ٢ - (ومنها): بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وهي التي أُهبط منها آدم عظّ، وهي التي يُنَغَّم فيها المؤمنون في الآخرة، وهذا إجماع أهل السُّنَّة، وقالت المعتزلة، وطائفة من المبتدعة أيضاً، وغيرهم: إنها ليست موجودةً، وإنما توجد بعد البعث في القيامة، قالوا: والجنة التي أُخرج منها آدم علَّ غيرها، وظواهر القرآن والسُّنَّة تدلّ لمذهب أهل الحقّ، قاله النوويّ كَّتُهُ(١). ٣ - (ومنها): بيان إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة. ٤ - (ومنها): بيان أن الأرواح باقية، لا تفنى، فينغَّم المحسن، ويعذّب المسيء، وقد جاء به القرآن، والآثار الصحيحة، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافاً لطائفة من المبتدعة، قالت: تفنى، وهو قول باطلٌ، قال النوويّ. (١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٣. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقال القرطبيّ نَّهُ: وقد حصل من مجموع الكتاب والسُّنَّة، أن الأرواح باقية بعد الموت، وأنها منعَّمة، أو معذَّبة إلى يوم القيامة بعد الموت. (١) انتھی ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: قد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جُعلت في أجواف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خُضْر، كما في الحديث الآخر؛ صيانةً لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها؛ لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنِّعم، كما يطّلع الراكب المظَلَّل عليه بالهودج الشفّاف الذي لا يَحجب عما وراءه، ثم يُدْرِكون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة، وطيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به، وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سَرْحها في الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضعَ مكرَّمة مشرّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدّتها، والله تعالى أعلم. هذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية، وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: ((إنما نسمة المؤمن طائر تَعلق في ثمر الجنة))، فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد، والحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حَمْلِ المطلَق على المقيَّد، وقد دلّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: ((إذا مات الإنسان عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة))، فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ من الجنة، وهو في موضعه من القبر، أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك، ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند (١) ((المفهم)) ٧١٧/٣. ٤٣٩ (٣٣) - بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَخْيَاءٌ ... إلخ - حديث رقم (٤٨٧٧) عَرْضِ ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا (®)﴾ [غافر: ٤٦]، وعند وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ هذا العرض تُدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عَرْض عليه الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له، وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق، والله تعالى وليّ التوفيق(١). ٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض تَخّتُهُ: قال هنا: ((أرواح الشهداء))، وقال في حديث مالك: ((إنما نسمة المؤمن))، والنسمة تُطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً، وتُطلق على الروح مفردةً، وهو المراد بها؛ لتفسيرها في هذا الحديث بالروح، ولِعِلْمنا بأن الجسم يفنى، ويأكله التراب، ولقوله في الحديث: ((حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه))، قال القاضي: وذكر في حديث مالك: نسمة المؤمن، وقال هنا: الشهداء، فقيل: المراد هناك الشهداء؛ لأن هذه صفتهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]، حسبما فسّره في الحديث، وخصّه بهم، وأما غيرهم فإنما يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، كما جاء في حديث ابن عمر طيها، وكما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلونها الآن؛ بدليل عموم الحديث، وقيل: بل أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، والله أعلم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن في قولهم: ((نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا)) دليلاً على أن مُجرَّد الأرواح هي المتكلِّمة، ويدلُ على أن الروحَ ليس بِعَرَض، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، وفيه ردِّ أيضاً على التناسخية، وأن أجوافَ الطير ليس أجساداً لها، وإنما هي مُودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام، وهذا (١) ((المفهم)) ٧١٥/٣ - ٧١٦. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٠٦/٦ - ٣٠٧. ٤٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة كلُه يدلُّ على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرّ، كما قال في الحديث الآخر: ((ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشهيد؛ لِمَا يرى من فضل الشهادة))(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف الناس في حقيقة الروح: قال القاضي عياض نكَّتُهُ: قد اختلف الناس في الروح، ما هي؟ اختلافاً لا يكاد ينحصر، فقال كثير من أرباب المعاني، وعلم الباطن المتكلمين: لا تُعرف حقيقتها، ولا يصحّ وصفها، وهو مما جَهِل العباد عِلْمه، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا ٨٥) [الإسراء: ٨٥]، قالوا: وهو أمر ربّانيّ إلهيّ. وغَلَت الفلاسفة، فقالت بقِدم الروح، وقال جمهور الأطباء: هو البُخَار اللطيف الساري في البدن، وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال آخرون: هي أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيى لحياته، أجرى الله تعالى العادة بموت الجسم عند فراقه، وقيل: هو بعض الجسم، ولهذا وُصف بالخروج، والقبض، وبلوغ الحلقوم، وهذه صفة الأجسام، لا المعاني، وقال بعض مقدَّمي أئمتنا: هو جسم لطيف متصوَّر على صورة الإنسان، داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النَّفَس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم. وقال النوويّ كَُّ بعد نقل كلام عياض هذا: والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخلّلة في البَدَن، فإذا فارقته مات. وقال القاضي: واختلفوا في النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، وهما لفظان لمسمى واحد، وقيل: إن النَّفْس هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: هي الدم، وقيل: هي الحياة، والله أعلم. قال القاضي: وقد تعلّق بحديثنا هذا، وشِبْهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ، وانتقال الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفّهة، وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا ضلال (١) ((المفهم)) ٧١٩/٣.