Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٢٦) - بَابُ الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٤٨٤٦) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي التَّيَّحِ) بمثّاة تحتانيّة ثقيلة، وآخره حاء مهملة، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ))) قال في ((الفتح)): كذا وقع، ولا بدّ فيه من شيء محذوف، يتعلق به المجرور، وأَولى ما يُقَدَّر ما ثبت في رواية أخرى، فقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليّ، عن شعبة، بلفظ: ((البركة تَنزل في نواصي الخيل))، وأخرجه من طريق ابن مهديّ، عن شعبة، بلفظ: ((الخير معقود في نواصي الخيل)) ووقع عند البخاريّ في ((علامات النبوة)) من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة، بلفظ حديث عروة البارقيّ، إلا أنه ليس فيه إلى يوم القيامة. قال القاضي عياض (١): إذا كان في نواصيها البركة، فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيَحْتَمِل أن يكون الشؤم المذكور في الحديث الآخر في غير الخيل التي ارتُبطت للجهاد، وأن الخيل التي أُعِدّت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال: الخير والشرّ يمكن اجتماعهما في ذات واحدة، فإنه فُسِّر الخير بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون ذلك الفرس مما يتشاءم به. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك يته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٤٦/٢٦ و٤٨٤٧] (١٨٧٤)، و(البخاري) في ((الجهاد)) (٢٦٩٦)، و(النسائيّ) في ((الخيل)) (٢٢١/٦) و((الكبرى)) (٣٨/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٢٠/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٤/٣ و١٢٧ و١٧١)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٤٢٧)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٦٧٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٨/٧ و١٩٢)، (١) ((إكمال المعلم)) ٢٨٨/٦ - ٢٨٩. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٢٠/٧ - ١٢١، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٥١). ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢١٢/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٤٤/٤ - ٤٤٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٩/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٤٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، سَمِعَ أَنَسأَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ وَِّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربي البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدّم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٦) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد الحميد القرشيّ البصريّ الملقّب حمدان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٦٨/٤٠. والباقون ذُكروا في الباب، و((محمد بن جعفر)) هو المعروف بغندر. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر غُندر عن شعبة، ساقها الإمام أحمد تَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٢٧٧٤) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال: سمعت أبا التّاح يزيد بن حميد، يُحَدِّث أنه سمع أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَّم: ((البركة في نواصي الخيل)). انتهى (١). وأما رواية خالد بن الحارث الْهُجَيميّ، عن شعبة فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٧١/٣. ٣٤٣ (٢٧) - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْلِ - حديث رقم (٤٨٤٨) (٢٧) - (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٤٨] (١٨٧٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء أحد شيوخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً . ٢ - (سَلْمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النخعيّ الكوفيّ، أخو حُصين، قيل: يُكنى أبا عبد الرحيم، صدوق [٥]. رَوَى عن إبراهيم النخعيّ، وزاذان أبي عُمر، وورّاد مولى المغيرة بن شعبة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير. وروى عنه الثوريّ، وشريك، وعيسى بن المسيّب البجليّ. قال عبد الله بن أحمد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال حماد بن زيد، عن ابن عون: قال لنا إبراهيم: إياكم وأبا عبد الرحيم، والمغيرة بن سعيد، فإنهما كذّابان، قال أبو حاتم: قال مسدّد: زعم عليّ أن أبا عبد الرحيم: سَلْم بن عبد الرحمن النخعيّ. قال الحافظ: ما زِلْتُ أستبعد قول عليّ هذا؛ لأن سَلْماً يصغر عن أن يقول فيه إبراهيم هذا القول، ويقرنه بالمغيرة بن سعيد إلى أن وجدت أبا بشر الُّولابيّ جزم في ((الكنى)) بأن مراد إبراهيم النخعيّ بأبي عبد الرحيم: شقيقٌ الضبيّ، وهو من كبار الخوارج، وكان يقصّ على الناس، وقد ذمّه أيضاً أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وغيره من الكبار، ونقل ابن شاهين في ((الثقات)) عن أحمد بن حنبل أنه قال: سَلْم بن عبد الرحمن النخعيّ ثقةٌ، وقال العجليّ، والدار قطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٣٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُْبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، و((أبو زرعة)) هو: ابن عمرو بن جرير البجليّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُهُ، وهو مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، ويحيى بن يحيى، فنيسابوريّ، وزهير، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: كَرِهْتُ الأمرَ أكْرَهُه، من باب تَعِبَ كُرْهاً، بضمّ الكاف، وفتحها: ضِدُّ أحببته، فهو مكروه، وكَرُهَ الأمرُ والمنظر كَرَاهَةً، فهو كَرِيةٌ، مثلُ قَبْحِ قَبَاحةً، فهو قَبِيحٌ وزناً ومعنّى، وكَرَاهِيَةً بالتخفيف أيضاً، والكَرْهُ بالفتح: المشقة، وبالضم: القهرُ، وقيل: بالفتح: الإكراه، وبالضم المشقة، وأَكْرَهْتُهُ على الأمر إكْرَاهَاً: حملته عليه قهراً، يقال: فعلته كَرْهاً، بالفتح؛ أي: إِكْرَاهَاً، وعليه قوله تعالى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣]، فقابل بين الضدّين، قال الزجاج: كلّ ما في القرآن من الكُرْوِ بالضم، فالفتح فيه جائز، إلا قوله في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، والكَرِيهَةُ: الشدة في الحرب، أفاده الفيّوميّ(١). (الشِّكَالَ) منصوب على المفعوليّة لِمَا قبله، وقوله: (مِنَ الْخَيْلِ) بيان لـ ((الشكال))، و((الشِّكال)) بكسر الشين المعجمة فسّره في الرواية التالية بأن يكون في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى، ورجله اليسرى، قال النوويّ رَّتُهُ: وهذا التفسير أحد الأقوال في الشِّكال، وقال أبو عبيد، وجمهور أهل اللغة، والغريب: هو أن يكون منه ثلاث قوائم مُحَجَّلةً، وواحدة مطلَقَة؛ (١) ((المصباح المنير)) ٥٣١/٢ - ٥٣٢. ٣٤٥ (٢٧) - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْلِ - حديث رقم (٤٨٤٨) تشبيهاً بالشِّكال الذي تُشْكَل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالباً، قال أبو عبيد: وقد يكون الشِّكال ثلاث قوائم مطلقةً، وواحدة مُحَجَّلة، قال: ولا تكون المطلقة من الأرجل، أو المحجلة إلا الرِّجل، وقال ابن دريد: الشِّكال أن يكون محجَّلاً من شقّ واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفاً قيل: شِكالٌ مخالف . وقال ابن الأثير تَُّهُ: الشِّكال في الخَيل هو أن تكون ثلاث قَوَائم منه مُحَجَّةً، وواحدة مُطْلَقة؛ تشبيهاً بالشِّكال الذي تُشْكل به الخَيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائم غالباً، وقيل: هو أن تكون الواحدة مُحجَّلة، والثلاث مُطلقة، وقيل: هو أن تكون إِحْدَى يَدَيه، وإحْدَى رِجْليه من خلافٍ مُحجَّلَتين، وإنما كَرِهه؛ لأنه كالمشكول صُورة تفاؤلاً، ويمكن أن يكون جَرَّب ذلك الجنْس، فلم يكن فيه نَجابةٌ، وقيل: إذا كانَ مع ذلك أغَرَّ زالَتِ الكراهة؛ لِزَوال شِبْه الشِّكال، والله أعلم. انتهى(١). وقال الشيخ وليّ الدين العراقيّ كَُّ: اختُلِف في تفسير الشكال المنهيّ عنه على عشرة أقوال، فذكر الثلاثة المتقدّمة. [والرابع]: أن يكون التحجيل في يد ورجل من شقّ واحد، فإن كان مخالفاً قيل: شِكال مخالف. [والخامس]: أن الشِّكال بياض الرجل اليمنى. [والسادس]: أنه بياض اليسرى. [والسابع]: أنه بياض الرجلين. [و الثامن]: أنه بياض اليدين. [والتاسع]: بياض اليدين، ورجل واحدة. [والعاشر]: بياض الرجلين، ويد واحدة، حَكَى هذه الأقوال السبعة المنذريّ في ((حواشيه))، والثلاثة الأُوَل مشهورة، والثالث منها هو الذي فَسَّر به الشِّكال في حديث أبي داود، فالأخذ به أولى؛ لأنه إما من كلام النبيّ وَّ، أو (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٢٠٤/٢. ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة من كلام الراوي، وهو أعرف بتفسير الحديث. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ بعد ذكر الأقوال ما نصّه: وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دُريد من الشِّكال المخالف، فإن صحّ أن ذلك من قول النبيّ وَّ فهو حقّ - والله تعالى أعلم - وإن كان ذلك من قول بعض الرواة، فالمعروف عند اللغويين ما قدّمته من قول أبي عُبید. قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله أبو عبيد هو الذي ذكره النسائيّ في كتابه، حيث قال: قال أبو عبد الرحمن: الشِّكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم محجّلةً، وواحدةٌ مطلقةً، أو تكون الثلاث مطلقةً، ورِجْلٌ محجّلةً، وليس یکون الشِّکال إلا في رجل، ولا یکون في يدٍ. انتھی. قال القرطبيّ: ويَحْتَمل كَرِه اسم الشكال من جهة اللفظ؛ لأنه يُشعر بنقيض ما تراد به الخيل له، وهذا كما قال: ((لا أُحبّ العقوق)). ويَحْتَمِل أن يكرهه لِمَا يقال: إن حوافر المشكل، وأعضاءه ليس فيها من القوّة ما فيما ليس كذلك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٤٨/٢٧ و٤٨٤٩ و٤٨٥٠] (١٨٧٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٤٧)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٩٨)، و(النسائيّ) في ((الخيل)) (٢١٩/٦) و((الكبرى)) (٣٧/٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٩٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٢٨/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٢/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٠/٢ و٤٣٦ و٤٦١ و٤٧٦ و٤٥٧)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٢٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦٧٧)، (١) ((شرح السيوطيّ لسنن النسائيّ)) ٦/ ٢٢٠ - ٢٢١. (٢) ((المفهم)) ٧٠٤/٣. ٣٤٧ (٢٧) - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْلِ - حديث رقم (٤٨٤٩ - ٤٨٥٠) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٤٩/٤ و٤٥٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٠/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَالشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (١)، وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الْحَكَم الْعَبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و((سفيان)) هو: الثوريّ. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ) بيّن به أن كلّاً من عبد الله بن نُمير، وعبد الرزّاق رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، وعبد الرزّاق كليهما عن سفيان الثوريّ لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٥٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةً، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخَعِيَّ). (١) وفي نسخة: ((أو يده اليمنى)). ٣٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و((عبد الله بن يزيد النخعيّ)) هو سلم بن عبد الرحمن، أخطأ فيه شعبة، كما يأتي تحقيقه في التنبيه الثاني - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة ساقها النسائيّ كَّثُ في ((سننه)(١)، فقال: (٣٥٦٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة (ح) وأنبأنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا بشر، قال: حدّثنا شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: ((كان النبيّ وَل ◌َهِ يَكْرَه الشِّكال من الخيل)). انتهى. ورواية وهب بن جرير، عن شعبة ساقها أبو عوانة دَّثُ في ((مسنده))، فقال : (٧٢٩٧) - وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَل ◌ٍ كان يَكره الشِّكال من الخيل. انتهى(٢). [تنبيه آخر]: قوله في رواية شعبة هذه: ((عبد الله بن يزيد)) خطأ من شعبة، والصواب كما في رواية الثوريّ: سلم بن عبد الرحمن، قال الحافظ المزيّ في ((تهذيب الكمال)): وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: في حديث شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، شعبة يُخطئ في هذا، يقول: عبد الله بن يزيد، وإنما هو سَلْم بن عبد الرحمن النخعيّ. (٣) انتھی . ( وقال في ((تهذيب التهذيب)): فممن زعم أن مسلماً أخرج للصهبانيّ (١) ((المجتبى)) ٢١٩/٦، و((الكبرى)) ٣٧/٣. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٤٥٠. (٣) ((تهذيب الكمال)) ٣١٣/١٦. ٣٤٩ (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) - يعني: عبد الله بن يزيد النخعي الصهبانيّ - الحاكم، وأبو القاسم اللالكائيّ، ومحمد بن إسماعيل بن عبد الله بن يزيد الأزديّ، والصواب أنه لم يُخرج له، بل في حكاية عبد الله بن أحمد، عن أبيه ما يُصرّح بأن الحديث ليس هو عن عبد الله بن يزيد بحال، بل هو من حديث سَلْم بن عبد الرحمن، والله أعلم. (١) . انتھی قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد من مجموع ما ذُكر أن شعبة أخطأ في اسم شيخه، فقال: عبد الله بن يزيد النخعيّ الصهبانيّ(٢)، وإنما صوابه سَلْم بن عبد الرحمن كما قال الثوريّ، وهذا من أغرب ما يُسمع عن مثل شعبة، يُخطىء في اسم شيخه مثل هذا الخطأ البعيد، إن هذا لهو العجب العُجاب. وبالجملة فالمحلّ عندي محلّ توقّف ونظر؛ لأن مسلماً لم يُشر إلى هذا الغلط، ولا النسائيّ في ((سننه))، مع أنهما كثيراً ينبّهان على مثل هذا الخطأ، وأيضاً فقد ذكر الأئمة الذين ذكرهم في ((تهذيب التهذيب)) آنفاً أن مسلماً أخرج لعبد الله بن يزيد النخعيّ المذكور، فدعوى الغلط لمجرّد ما حُكي عن أحمد في كلامه السابق، غير واضح؛ إذ لم يتبيّن لنا صحّة ما حُكي عنه حيث لم يُذكر سنده. والحاصل أن تصويب الحافظ دعوى التغليط المذكور - كما مشى عليه، في ((التقريب»، وأصله ــ دون حجة واضحة عجيب منه، فليُتنبّه، والله تعالى علم بالصواب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ ◌ِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٨) - (بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٥١] (١٨٧٦) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: (١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٥٨/٢. (٢) قال في ((التقريب)): ((عبد الله بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الصُّهبانيّ - بضمّ المهملة - ثقةٌ من السادسة)». انتهى. ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَاداً فِي سَبِيلِي، وَإِيمَاناً بِي، وَتَصْدِيقاً بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ، أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْم يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِّمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَم (١))، وَرِيحُهُ مِسْكَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مَا قَعَّدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَداً، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً، فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو، فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو، فَأُقْتَلُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٨/١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وشیخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أبو هريرة قُله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ظُبه روى هذا الحديث عن أبي هريرة ◌َظُه جماعة من التابعين: منهم: أبو زرعة البجليّ، والأعرج، وأبو صالح السمّان، كلهم عند الشيخين، وهمّام بن منبّه عند مسلم، وسعيد المسيّب عند البخاريّ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِ: ((تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله تعالى، وفي الرواية التالية: ((تكفّل الله))، وفي رواية عند البخاريّ: (انتدب الله))، (١) وفي نسخة: ((لونه دمٌ)). (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) ٣٥١ وكلها متقاربة المعنى، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْغَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه ◌ُعَل، وقد عبّر الله ربك بتفضّله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه مما جرت به عادة المتخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم. وقال القاضي عياض: قوله: ((تضمّن الله))، معناه: أوجب له بفضله، قيل: وهذا الضمان والكفالة بما سبق في أول علمه، وما صرّح به في كتابه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]، قال بعض العلماء: وليس في الآية شرط أنهم يُقتلون بكلّ حال، بل ذكر الحالين، فقال: ﴿فَيَقْنُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ﴾، ولهذا قال بعض الصحابة: ما أبالي قُتلت في سبيل الله، أو قَتَلت، ثم تلا الآية. انتهى(١). وقوله: (لَا يُخْرِجُهُ) بضمّ أوله، من الإخراج رباعيّاً، (إِلَّا جِهَاداً فِي سَبِيلِي) قال النوويّ تَّثُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((جهاداً)) بالنصب، وكذا قال بعده: ((وإيماناً بي، وتصديقاً))، وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجه المخرجُ، ويحرِّكه المحرِّك إلا للجهاد، والإيمان، والتصديق. (٢) . ٠ انتھی وقوله: (وَإِيمَاناً بِي، وَتَصْدِيقاً بِرُسُلِي) معناه: إلا محض الإيمان والإخلاص، وهو نصّ على اشتراط خلوص النيّة في الجهاد، وقوله في الرواية التالية: ((وتصديق كلمته))؛ أي: كلمة الشهادتين، وقيل: تصديق كلام الله تعالى في الإخبار بما للمجاهدين من عظيم ثوابه. وقوله: ((لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي ... إلخ)) فيه التفات؛ لأن فيه انتقالاً من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلّم، وقال ابن مالك: فيه حَذْف القول، والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ، شائع، سواء كان حالاً، أو غير حال، فمن الحال: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ الآية [غافر: ٧]؛ أي: قائلين: ربنا، وهذا مثله؛ أي: قائلاً: لا يخرجه ... إلخ. قال في ((الفتح)): وقد اختَلَفت الطرُق عن أبي هريرة رَظُه في سياقه، (١) ((إكمال المعلم)) ٢٩٤/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٣. : ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ: ((تكفّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته))، وكذا هو عند البخاريّ من طريق أبي الزناد في ((كتاب الخمس))، وكذلك أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن أبي الزناد في ((كتاب الخمس))، وأخرجه الدارميّ من وجه آخر، عن أبي الزناد، بلفظ: ((لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، وتصديق كلماته))، نعم أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عمر ◌ًا، فوقع في روايته التصريح بأنه من الأحاديث الإلهية، ولفظه: ((عن رسول الله وَلقر فيما يَحْكِي عن ربه، قال: أيُّما عبد من عبادي، خرج مجاهداً في سبيل ابتغاء مرضاتي، ضَمِنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر، أو غنيمة ... )) الحديث، ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ من حديث عبادة به بلفظ: ((يقول الله ريات: المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامنٌ، إن رجعته رجعته بأجر، أو غنيمة ... )) الحديث، وصححه الترمذيّ(١). (فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ) قال النوويّ تَخْتُهُ: ذكروا في ((ضامن)) هنا وجهين: أحدهما أنه بمعنى مضمون، كماء دافقٍ؛ أي: مدفوق، والثاني: أنه بمعنى ذو ضمان. انتهى. قال المازريّ: يجيء فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: ﴿مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، بمعنى مدفوق، و﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]: بمعنى مرضيّة، فعلى هذا يكون ((ضامن)) بمعنى مضمون، وقيل: معناه: ذو ضمان على الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٠]، ذكره القاضي عياض (٢). وقال القرطبيّ كَثْتُهُ: قوله: ((فهو عليّ ضامنٌ)) قيل فيه: هو بمعنى مضمون، كما قالوا: ماء دافق؛ أي: مدفوق، و: لا عاصم اليوم؛ أي: معصوم، وقيل: معناه ذو ضمان، كما قال في الحديث الآخر: ((تكفل الله))؛ أي: ضَمِنَ، وهذا كله عبارة عن أن هذا الجزاء لا بدّ منه؛ إذ قد سبق هذا في (١) ((الفتح)) ٤٥/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٧). (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩٤/٦. ٣٥٣ (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) علمه، ونافذ حكمه، وعن هذا المعنى عبَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]؛ لأن من اشترى شيئاً تعيّن عليه ثَمَنه، وكذلك مَنْ ضَمِنه. انتهى(١). (أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)؛ أي: بغير حساب، ولا عذاب، أو المراد: أن يدخله الجنة ساعةً موته، كما ورد: ((أن أرواح الشهداء تَسْرَح في الجنة))، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالِماً؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنة، ومحصّل الجواب: أن المراد بدخول الجنة دخول خاصّ، قاله في ((الفتح))(٢). وقال القاضي عياض كَثْتُ: يَحْتَمِل أن يَدخُل الجنة عند موته، كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي الحديث: ((أرواح الشهداء في الجنة))، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين، بلا حساب، ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفِّرةً لذنوبه، كما صُرِّح به في الحديث الصحيح. انتهى (٣). (أَوْ أَرْجِعَهُ) بفتح حرف المضارعة؛ أي: أرُدّه، يقال: رَجَعَ من سفره، وعن الأمر يَرْجِعُ رَجْعاً، ورُجُوعاً، ورُجْعَى، ومَرْجِعاً، قال ابن السِّكِّيت: هو نقيض الذَّهَاب، ويتعدّى بنفسه، في اللغة الفصحى، فيقال: رَجَعْتُهُ عن الشيء، وإليه، ورَجَعْتُ الكلامَ وغيرَه؛ أي: رددته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وهذيل تُعدِّيه بالألف، قاله الفيّوميّ (٤). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا هو المتعدّي؛ لِعَمَله في ضمير من خرج، وهو منصوب على ((أُدخله))، والله تعالى أعلم. (إِلَى مَسْکَنِهِ) بفتح الكاف، وکسرها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغیرہ، معناه: البيت، وجمعه مساكن، وقوله: (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ) تأكيد؛ لِمَا جُبل عليه الإنسان من محبّة الوطن. (نَائِلاً) منصوب على الحال، وقوله: (مَا نَالَ) ((ما)) (١) «المفهم)) ٧٠٥/٣. (٢) ((الفتح)) ٤٥/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٧). (٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٢٩٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١. ٣٥٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة موصولة مفعول ((نائلاً))، وقوله: (مِنْ أَجْرٍ) بيان لـ((ما))، (أَوْ غَنِيمَةٍ) قالوا : معناه: ما حصل له من الأجر بلا غنيمة، إن لم يَغْنَم، أو من الأجر والغنيمة معاً، إن غَنِموا، وقيل: إن ((أو)) هنا بمعنى الواو؛ أي: من أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في رواية أبي داود، وكذا وقع في مسلم في رواية يحيى بن يحيى التي بعد هذه بالواو. ومعنى الحديث: أن الله تعالى ضَمِن أن الخارج للجهاد ينال خيراً بكل حال، فإما أن يُسْتَشْهَد، فيدخلَ الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما أن يرجع بأجر وغنيمة، والله تعالى أعلم. وقال عياض تَخَّتُهُ: قوله: ((أو يرجعه إلى مسكنه مع ما نال من أجر أو غنيمة)) فيه وجهان، أحدهما: مع ما نال من أجر مجرّد إن لم تكن غنيمة، أو أجر وغنيمة إن كانت، فاكتفى بذكر الأجر أوّلاً عن تكراره، وقيل: ((أو)) هنا بمعنى الواو، وقد روى أبو داود: ((من أجر وغنيمة))، وكذا وقع عند مسلم في رواية يحيى بن يحيى، وقيل: فيه أن الغنيمة لا تُنقص من الأجر؛ خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ للأثر الذي ذكره بعد هذا، وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: فيه أن المجاهدين لَمّا وجدناهم غير متساوين في الأجر، متساوين في القسمة في الغنيمة دلّ أن أجورهم استحقّوها بالقتال، والغنيمة بفضل الله تعالى عليهم. انتھی(١). وقال القرطبيّ كَخّتُهُ: قوله: ((أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه))؛ يعني: أن الله تعالى ضَمِن له إحدى الحسنيين: إما الشهادة، فيصير إلى الجنة حيّاً يُرزق فيها، وإما الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة. وقوله: ((نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة)) كذا لأكثر الرواة: ((أو))، وهي هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وأنشدوا [من البسيط]: نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وقد دلَّ على هذا المعنى رواية أبي داود لهذه اللفظة، فإنه قال فيها: ((من أجر وغنيمة)) بالواو الجامعة، وقد رواه بعض رواة كتاب مسلم بالواو، وذهب (١) ((إكمال المعلم)) ٢٩٤/٦. ٣٥٥ (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) بعض العلماء إلى أنها ((أو)) على بابها لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو، وقال: إن الحاصل لمن لم يُسْتَشْهَد من الجهاد أحد الأمرين: إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، وهذا ليس بصحيح؛ لِمَا يأتي من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من غازية تغزو، فيصيبوا، ويَغْنَموا، إلا تعجّلوا ثلثي أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث))، وهذا نصّ في أنَّه يحصل له مجموع الأجر والغنيمة، فالوجة التأويل الأول، والله تعالى أعلم. انتھی(١). (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْم) - بفتح الكاف، وسكون اللام -؛ أي: ما من جَرْحِ (يُكْلَمُ) بالبناء للمجهولِ؛ أي: يُجرح (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله، وهو الجهاد الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى، (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَهَيْئَتِهِ)؛ أي: مثل صفته (حِينَ كُلِمَ) بالبناء للمجهول؛ أي: وقت جرحه؛ يعني: أن صفة دم الشهيد يوم القيامة؛ كصفته وقت جرحه، إلا أن هذا التشبيه ليس من جميع الوجوه، فإنه يوم جُرح كان دماً لوناً وريحاً، وأما في القيامة فإن لونه لونُ دم، وأما ريحه فريحُ مسك، كما بيّن ذلك بقوله: (لَوْنُهُ لَوْنُ دَم) وفي بعض النسخ: (لونُهُ دٌ))، (وَرِيحُهُ مِسْك) بكسر الميم، وسكون السينَّ المهملة: طِيْب معروف، قال الفيّوميّ تَخّْثُ: وهو مُعَرَّب، والعرب تسمّيه: المشموم، وهو عندهم أفضل الطيب، ولهذا ورد: ((لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِم عِنْدَ اللهِ أَظْيَبُ مِنْ رِيحِ المِسْكِ))؛ ترغيباً في إبقاء أثر الصوم، قالَ الفراء: المِسْكُ مُذَكَّرٌ، وقال غيره: يُذَكَّر، ويُؤَنَّث، فيقال: هو المِسْكُ، وهي المِسْكُ، وأنشد أبو عبيدة على التأنيث قول الشاعر [من الرجز]: أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيبِ وَالمِسْكُ وَالعَنْبَرُ خَيْرُ طِيبٍ وقال السجستانيّ: من أنّث المِسْكَ جعله جمعاً، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذهب، والعسل، قال: وواحدته مِسْكَةٌ مِثْلُ ذهب، وذهبة، قال ابن السكيت: وأصله: مِسِكٌ بكسرتين، قال رؤبة [من الرجز]: ◌ِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الحَسَكِ أَحْرِ بِهَا أَظْيَبَ مِنْ رِيحِ المِسِكِ (١) ((المفهم)) ٧٠٥/٣ - ٧٠٦. ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وهكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ، وقال ابن الأنباريّ: قال السجستانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار؛ لإقامة الوزن، وكان الأصمعيّ يُنشد البيت بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَةٍ، مثل خِرْقَة وخِرَقٍ، وقِرْبَة وقِرَب، ويؤيد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِلٌ بكسرتين إلا إِيلٌ، وما ذُكِر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قال: عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالاً بِالرِّجِلْ والأصل هنا السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركةَ الكاف نُقِلت إلى السين؛ لأجل الوقف، وذلك سائغ. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال الجاحظ: المسك من دويبة تكون في الصين، تصاد لنوافجها، وسُرُرها، فإذا صيدت شُدّت بعصائب، وهي مدلية يجتمع فيها دمها، فإذا ذُبحت قُوِّرت السرّة التي عُصبت، ودُفنت في الشعر حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكاً ذكيّاً، بعد أن كان لا يرام من النتن. ومن ثَمّ قال القفال: إنها تندبغ بما فيها من المسك، فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات. والمشهور أن غزال المسك كالظبي، لكن لونه أسود، وله نابان لطيفان أبيضان في فكّه الأسفل، وأن المسك دم يجتمع في سُرّته في وقت معلوم من السَّنة، فإذا اجتمع وَرِمَ الموضع، فمَرِض الغزال إلى أن يسقط منه، ويقال: إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتاداً في البرية تحتك بها ليسقط . ونَقَل ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)» أن النافجة في جوف الظبية؛ كالإنفحة في جوف الجدي، وعن عليّ بن مهديّ الطبريّ الشافعيّ أنها تُلقيها من جوفها، كما تلقي الدجاجة البيضة. ويمكن الجمع بأنها تُلقيها من سُرّتها، فتتعلق بها إلى أن تحتكّ. (٢) . انتھی (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلًا أَنْ يَشُقَّ) من باب نصر، (عَلَى الْمُسْلِمِينَ)؛ (١) ((المصباح)) ٢/ ٥٧٣. (٢) ((الفتح)) ٥١٨/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٣). ٣٥٧ (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) أي: بسبب تكلّفهم الخروج إذا خرج النبيّ بَّر، وإن كان لهم عذر، (مَا) نافية (قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ)؛ يعني: بعد خروج سريّة إلى الغزو، و((الخلاف)) بالكسر مصدر خالف؛ كالمخالفة، كما قال في ((الخلاصة)): لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ و((السّريّة)): قِطعة من الجيش، فَعِيلة بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسْري في خفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطّات(١). وقال في ((العمدة)): قوله: ((عن سريّة))؛ أي: قطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبْعث إلى العدوّ، وجَمْعه السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر، وخيارهم، من الشيء السَّريّ؛ أي: النفيس. انتھی(٢). ونصب ((خلاف)) على الحال؛ أي: حال كوني مخالفاً للسريّة. وقوله: (تَغْزُو) صفة لـ((سريّة))، (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله ◌َ، (أَبَداً) ظرف مستغرقٌ ما يُستقبل من الزمان، متعلّق بـ(قَعَدتُ))، (وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً) بفتح السين، وكسرها، والهاء عوض عن الواو، كعِدة، إذ أصله: وسع، مثلّث الواو؛ أي: غِنَّى، وطاقةً، (فَأَحْمِلَهُمْ) من باب ضرب؛ يعني: أنه يشتري للفقراء ما يركبوه، حتى يغزوا معه، (وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً)؛ يعني: أنهم لا يجدون مالاً يشترون به ما يركبونه، (وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي)؛ أي: يتأخّروا عن الغزو معه ێ . (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال، يقال: وددت لو كان كذا أوَدّ وُدّاً، ووَدَادةً بالفتح: تمنّيتُه، وحَكَى الكسائيّ: وَدَدَت أَوَدّ بالفتح فيهما، وغلّطه البصريون، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ: إلا ما سمع، ولكن سمعه ممن لا يوثق بفصاحته(٣). (أَنِّي أَغْزُو) بفتح همزة ((أَنّ))؛ لأنها في تأويل المصدر مفعول ((ودِدتُ))؛ أي: ودِدتُ غزوي (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمته رَ، (فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو) معطوف على مقدّر؛ أي: ثم أُحيا (١) ((المصباح المنير)) ٢٧٥/١. (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤/ ٩٥. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة بعد قتلي، فأغزو (فَأَقْتَلُ) مرّةً ثانيةً (ثُمَّ) أحيا، (أَغْزُو) مرّة أخرى (فَأَقْتَلُ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة ظه قال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم، أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل)). قال الطيبيّ كَّتُهُ: ((ثُمّ) وإن دلّ على التراخي في الزمان هنا، لكن الحمل على التراخي في الرتبة هو الوجه؛ لأن المتمنَّى حصول درجات بعد القتل، والإحياء لم يحصل قبلُ، ومن ثمّة كرّرها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى. [تنبيه]: قوله وله: ((أُقتل في سبيل الله ... إلخ)) استَشْكَل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبيّ وَّ مع علمه بأنه لا يُقْتَل. وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وهو متعقّب، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينة، وهذا الحديث صَرَّح أبو هريرة بأنه سمعه من النبيّ وَّ، وإنما قَدِم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة. قال الحافظ: والذي يظهر في الجواب أن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال وَلّ: ((لودَدِنا لو صَبَر موسى حتى يقصّ علينا من أمرهما))، وكأنه سير أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه، قال ابن التين: وهذا أشبه. قال: وحَكَى شيخنا ابن الملقِّن أن بعض الناس زعم أن قوله: ((ولوددت)) مُذْرَج من كلام أبي هريرة، قال: وهو بعيد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (١) ((الفتح)) ٥٩/٧ - ٦٠. ٣٥٩ (٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٥١/٢٨ و٤٨٥٢ و٤٨٥٣ و٤٨٥٤ و ٤٨٥٥ و٤٨٥٦ و٤٨٥٧ و٤٨٥٨] (١٨٧٦)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٣٦) و((الوضوء)) (٢٣٧) و((الجهاد)) (٢٧٨٧) و((فرض الخمس)) (٣١٢٣) و((التوحيد)) (٧٤٥٧ و٧٤٦٣)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٦/٦) و((الأيمان)) (١١٩/٨) و(«الكبرى» (١٢/٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٥٣)، و(مالك) في ((الموطأ)» (٤٤٣/٢ - ٤٤٤)، و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (٤٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٩/٢ و٤٢٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٦٣/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥٣/٤ و٤٥٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٣١١ و٢٣١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ١٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الجهاد، والخروج في سبيل الله ربك . ٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل، ولا غيره، والحكمة في مجيئة يوم القيامة على هيئته، أن يكون معه شاهدُ فضيلته، وبَذْله نفسه في طاعة الله تعالى. ٣ - (ومنها): جواز اليمين، وانعقادها بقوله: ((والذي نفسي بيده))، ونحو هذه الصيغة، من الحَلِف بما يدلّ على الذات، قال النوويّ: ولا خلاف في هذا، قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى، وصفاته، أو ما دلّ على ذاته. [تنبيه]: قال القاضي عياض: واليد هنا بمعنى القدرة، والملك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن هذا التأويل غير صحيح، وأن الحقّ، هو ما كان عليه السلف أن اليد صفة من صفات الله ◌ُعَل، أثبتها النصّ، فنحن نُثبتها على مراد الله تعالى، وننزّهه تعالى عن مشابهة خلقه، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلّ من الشفقة على المسلمين، والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها . ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٥ - (ومنها): مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم. ٦ - (ومنها): بيان فضيلة الغزو والشهادة. ٧ - (ومنها): مشروعيّة تمني الشهادة، والخير، وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات، قال في ((الفتح)) ما حاصله: تمنّي الشهادة، والقصد لها مُرَغَّب فيه، مطلوب، وقد وردت أحاديث صريحة في ذلك، منها عن أنس مرفوعاً: ((من طلب الشهادة صادقاً أعطيها، ولو لم يصبها))؛ أي: أعطي ثوابها، ولو لم يُقتل، أخرجه مسلم، وأصرح منه في المراد: ما أخرجه الحاكم بلفظ: ((من سأل القتل في سبيل الله صادقاً، ثم مات، أعطاه الله أجر شهيد))، پە، وللنسائي من حديث معاذ څه مثله، وللحاکم من حديث سهل بن حنيف مرفوعاً: ((من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)). انتهى(١). ٨ - (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين. ٩ - (ومنها): أن في قوله وَلجر: (والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله))، في الحديث الآتي تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتَل لتكون كلمة الله هي العليا. قال النوويّ كَُّ: ظاهر قوله: ((في سبيل الله)) اختصاصه بمن وقع له ذلك في قتال الكفار، لكن يلتحق به من قُتل في حرب البغاة، وقطاع الطريق، وإقامة المعروف؛ لاشتراك الجميع في كونهم شهداء. وقال ابن عبد البرّ تَخُّ: أصل الحديث في الكفار، ويُلْحَق هؤلاء بهم بالمعنى؛ لقوله وَ له: ((من قُتل دون ماله، فهو شهيد))، وتوقّف بعض المتأخرين في دخول من قاتل دون ماله؛ لأنه يقصد صون ماله بداعية الطبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص، حيث قال: ((والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله)) . والجواب أنه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال؛ كأن يقصد بقتال (١) ((الفتح)) ٥٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٩٨).