Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٤)
قال الأبيّ ◌َُّهُ: [فإن قلت]: مفهومه أنه لو لم يؤدّ صدقتها لكان يَتِرَه من
عمله، والسيّئات عندكم لا تُحبط الحسنات.
[قلت]: المفهوم حقّ، لكن النقص إنما هو أجر الصدقة، لا أنه ينقص
من أجر غيرها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعد الخدريّ ◌َرُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٢٤/٢٠ و٤٨٢٥] (١٨٦٥)، و(البخاريّ) في
(الزكاة)) (١٤٥٢) و((الهبة)) (٢٦٣٣ و٣٩٢٣) و((المناقب)) (٣٩٢٣) و((الأدب))
(٦١٦٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٤٧٧)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (٤١٦٦)
و((الكبرى)) (٧٧٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤/٣ و٦٤)، و(ابن الجارود) في
(المنتقى)) (٢٥٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٤٩)، و(أبو يعلى) في
(«مسنده)) (٤٥٧/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٢/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٥/٩)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٦٥/٣٤)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة شأن الهجرة، وأنها لا تصلح لكلّ أحد، فربّما يقع
الشخص في صعوبة أمر، فيندم على هجرته، كما وقع أن أعرابيّاً بايع
النبيّ وَّةِ، ثم وُعِكَ - أي: حُمَّ - فقال: ((يا رسول الله أقلني بيعتي)) الحديث.
٢ - (ومنها): التنويه بشأن الهجرة، وأنها من أفضل الأعمال، ولذا كانت
واجبة في أول الإسلام، وقد أخرج النسائيّ عن أبي فاطمة أنه قال: يا
رسول الله حدّثني بعمل أستقيم عليه، وأعمله، قال له رسول الله وَكليه: (عليك
بالهجرة، فإنه لا مِثْل لها)).
٣ - (ومنها): فضل أداء زكاة الإبل، ومعادلة إخراج حقّ الله تعالى منها
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢١٢/٥ - ٢١٣.
٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه، إذا أدّى زكاة
إبله يقوم مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة. قاله في ((الفتح))(١).
٤ - (ومنها): أنه إذا قام الإنسان بما يتعيّن عليه من الحقوق، وبما يفعله
من الخير، فإن الله تعالى يُثيبه على ذلك، ولا يضيّع شيئاً من عمله أينما كان
من الأرض، ولا بُعد في أن يحصل له ثواب من هاجر بحسن نيّته، وفعله
الخير (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ
شَيْئًا))، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: ((فَهَلْ تَحْلُبُهَا (٣) يَوْمَ وِرْدِهَا؟))، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ الشهير، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم الْفِریابيّ، نزيل
قيسارية، من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت٢١٢) (ع) تقدّم في ((القسامة))
٤٣٤٩/٢.
و((الأوزاعيّ)) ذُكر قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمحمد بن يوسف، وكذا في قوله: ((وزاد)).
وقوله أيضاً: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً) فيه إشارة
إلى اختلاف روايتي الوليد بن مسلم، ومحمد بن يوسف في لفظ: ((لن يترك»،
فأحدهما رواه بلفظ: ((لن يَتِرَك)) بفتح الياء، وكسر التاء، مِنْ وَتَر يَتِر وَتْراً،
كوَعَد يَعِد وَعْداً: بمعنى نقصه، والآخر رواه بلفظ: ((لن يَتْرُك)) بفتح أوله،
وسكون ثانيه، من الترك، لكن لم يتبيّن لي الجزم بتعيين أحد الضبطين
لأحدهما، والآخر للآخر، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٨٦/٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٥٢).
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٧٢.
(٣) وفي نسخة: ((فهل تحتلبها)).
٢٨٣
(٢١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ - حديث رقم (٤٨٢٦)
وأما قول بعض الشرّاح: إنه ترك قوله: ((فاعمل من وراء البحار))، ففيه
نظر، ويردّه ما يأتي في التنبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَهَلْ تَحْلُبُهَا) بضمّ اللام، من باب نصر، وفي بعض النسخ:
«تحتلبها)) .
وقوله: (يَوْمَ وِرْدِهَا؟) بكسر الواو، وسكون الراء، قال القرطبيّ دَخَذْتُهُ:
يعني: أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند وُرُود المياه حلبوا مواشيهم، فسَقَوا
المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية محمد بن يوسف الفريابي عن الأوزاعيّ هذه ساقها ابن
الجارود في ((المنتقى))، فقال:
(١٠٢٩) - حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ((ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا
الأوزاعيّ، قال: ثني الزهريّ، قال: ثنا عطاء بن يزيد الليثيّ، قال: ثني أبو
سعيد الخدريّ رَضُه، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَلَّ، فسأله عن الهجرة،
فقال: ((ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، هل لك من إبل؟)) قال: نعم، قال:
((فتعطي صدقتها؟)) قال: نعم، قال: ((تمنح منها؟)) قال: نعم، قال: ((فتحلبها
يوم وردها؟)) قال: نعم، قال: ((فاعْمَل من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَكَ من
عملك شيئاً)). انتهى(٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢١) - (بَابُ كَيْفِيَّةٍ بَيْعَةِ النِّسَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخَذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٦] (١٨٦٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ نَّهِ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ(٣)، إِذَا هَاجَرْنَ
(١) ((المفهم)) ٤/ ٧٢.
(٣) وفي نسخة: ((كان المؤمنات)).
(٢) ((المنتقى لابن الجارود)) ٢٥٧/١.
٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ وَى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ
عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِالَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الممتحنة: ١٢]
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ
إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ))،
وَلَا، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَابِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ
- قَالَتْ عَائِشَةُ -: وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ
تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَقُّ رَسُولِ اللهِهِ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ
عَلَيْهِنَّ: (قَدْ بَايَعْتُكُنَّ)) كَلَاماً).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، ومسلسلٌ أيضاً بالإخبار والقول، وفيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ظيّا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ)،
وفي بعض النسخ: ((كان المؤمنات)) بحذف تاء التأنيث، وهو جائز، وإن كان
الأَولى ذِكْرها، قال في ((الخلاصة)):
مُذَكَّرٍ كَالثَاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعِ سِوَى السَّالِمِ مِنْ
وفي التنزيل قال الله مت: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ﴾، وإن قيل: إن ذلك
للفصل.
٢٨٥
(٢١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ - حديث رقم (٤٨٢٦)
(إِذَا هَاجَرْنَ)؛ أي: من مكة إلى المدينة قبل عام الفتح (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَله
يُمْتَحَنَّ) بالبناء للمجهول؛ أي: يُختبرن، والامتحان الاختبار، وفي رواية
للبخاريّ: ((يَمْتحنُهُنّ))، قال في ((الفتح))؛ أي: يختبرهنّ النبيّ وَّ فيما يتعلّق
بالإيمان، فيما يرجع إلى ظاهر الحال دون الاطلاع على ما في القلوب، وإلى
ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنَّ﴾. (بِقَوْلِ اللهِ رَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا
جَكَ الْمُؤْمِنَتُ﴾) رواية مسلم هذه صريحة في أن هذه الآية وحدها هي التي
نزلت في هذا، والذي في رواية البخاريّ أنها الآية قبلها، ولفظه: ((كان
المؤمنات إذا هاجرن إلى النبيّ وَّه يمتحنهنّ بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية))، ويُمكن أن يُجمع بأنهما
نزلتا معاً، وإليه مال في ((الفتح))، حيث قال عند قوله: (إلى آخر الآية) ما
نصّه: يَحْتَمِل الآية بعينها، وآخرها ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ويَحْتَمِل أن يريد
بالآية القصّة، وآخرها ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وهذا هو المعتمَد، فقد تقدّم في أوائل
((الشروط)) من طريق عُقيل وحده، عن ابن شهاب، عَقِب حديثه عن عروة، عن
المسور، ومروان: ((قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله وَلقد كان يمتحنهن
بهذه الآية: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَلَمْتَحِتُوهُنَّ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾، وكذا وقع في رواية ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، في ((تفسير
الممتحنة)). انتهى.
والحاصل أن الآيتين نزلتا معاً، والله تعالى أعلم.
(﴿يُبَايِعْنَكَ﴾)؛ أي: من جاءك منهنّ تبايع على هذا الشرط، فبايعها (﴿عَّ
أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَتَرِقْنَ﴾)؛ أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان
الزوج مقصِّراً في نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة
أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملاً بحديث هند بنت عتبة أنها قالت:
يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي
بَنِيَّ، فهل عليَّ جُناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله وَاليه:
((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بَنِيك))، متّفقٌ عليه.
(﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآية [الممتحنة: ١٢])؛ أي: إلى آخر القصّة، وهو
٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
آخر الآية الثانية، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؛ فالمراد الآيتان، كما أسلفت
تحقيقه آنفاً، فتنبّه.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين:
بالوأُد، والإزلاق.
قلت(١): واللفظ أعم مما ذكره؛ إذ يتناوله وغيره.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتِيَنَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِينَهُ﴾؛ أي: يفترينه، قيل في البهتان هذا:
إنه السِّحْرُ، وقيل: النميمة، وقيل: الولد من غير الزوج بالالتقاط، أو الزنى،
فتنسبه إلى الزوج، وقيل: النياحة، وخَمْش الوجه، وشَقّ الجيب، والدعاء
بالويل، قال الكلبي: هو عامّ في كل أمرٍ. قال القرطبيّ: وهو الصحيح؛ لعموم
لفظ البهتان فإنَّه نكرة في سياق النهي، ونِسْبَته إلى ما بين الأيدي والأرجل
كناية عما يُفْعَل بجميع الأعضاء والجوارح من البهتان بين الأيدي والأرجل؛
لأنهما الأصل في أعمال الجوارح.
وقوله: ﴿بَيْنَ أَيَدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: من قِبَل أنفسهنّ فكنى بالأيدي
والأرجل عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما، أو أن البهتان ناشىء عما
يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثم يُبرزه بلسانه، أو المعنى: لا
تبهتن الناس بالمعايب كِفاحاً مواجهةٌ(٢).
وحَكَى أهل التفسير: أنّ النبيّ ◌َّه لمّا فتح مكة جلس على الصَّفا، وبايع
النساء، فتلا عليهنَّ الآية، فجاءت هند - امرأة أبي سفيان - متنكرةً، فلمَّا
سمعت: ﴿وَلَا يَشَرِقْنَ﴾ قالت: قد سرقت من مال هذا الشيخ، قال أبو سفيان:
ما أصبتِ فهو لك، ولَمَّا سمعت: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرَّة؟ فقال
عمر: لو كانت قلوب نساء العرب على قلب هند ما زنت امرأة منهنَّ، ولَمَّا
سمعت: ﴿وَلَا يَقْئُْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾، قالت: ربّيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، ولَمَّا
سمعت: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنْ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، قالت: والله إن البهتان
لأمرٍ قبيح، ما تأمر إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق، ولمّا سمعت: ﴿
يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ قالت: ما جلسنا هنا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
(١) القائل هو القرطبيّ.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٥١٢/٤.
٢٨٧
(٢١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ - حديث رقم (٤٨٢٦)
و((المعروف)) هنا: الواجبات الشرعية التي يُعَصَّى من تركها، وقال
الزرقانيّ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ كما أمر الله به، والتقييد به تطبيباً
لقلوبهنّ؛ إذ لا يأمر إلا به، أو تنبيهاً على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية
الخالق، وقيل: ((المعروف)) هنا: أن لا يَنُحْنَ على موتاهنّ، ولا يخلُوْنَ بالرجال
في البيوت، قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما، أسنده أبو عمر. انتهى(١).
وقوله تعالى: ﴿فَايِعْهُنَّ﴾؛ أي: بالكلام، كما فعل نٍَّ ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ
اللَّهُ﴾؛ أي: سل الله لهنّ المغفرة، فإنه غفور بتمحيق ما سلف، رحيم بتوفيق ما
ائتُنِفَ. انتهى(٢).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّنَا (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا)؛ أي: بالشرط الذي ذُكر في الآية،
وقوله: (مِنَ الْمُؤْمِنَات) بيان لـ((منْ))، (فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ) بكسر الميم، وسكون
الحاء المهملة: اسم من الامتحان، قال الفيّوميّ تَُّهُ: مَحَنْتُهُ مَحْناً، من باب
نَفَعَ: اختبرتُهُ، وامتحنته كذلك، والاسم: الْمِحْنةُ، والجمع: مِحَنٌّ، مثلُ سِدْرَة
وسِدَرٍ. انتهى(٣).
وقال في (الفتح)): قوله: ((فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر
بالمحنة)) يشير إلى شرط الإيمان، وأوضحُ من هذا ما أخرجه الطبريّ من طريق
العوفيّ، عن ابن عباس قال: ((كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله)).
وأما ما أخرجه الطبريّ أيضاً، والبزار، من طريق أبي نصر، عن ابن عباس:
((كان يمتحنهنّ: والله ما خرجتُ من بُغْض زوج، والله ما خرجت رغبةً عن أرض
إلى أرض، والله ما خرجت التماس دنيا، والله ما خرجت إلا حبّاً لله ولرسوله)).
ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، نحو هذا، ولفظه: ((فاسألوهنّ
عما جاء بهنّ، فإن كان من غضب على أزواجهنّ، أو سُخْطه، أو غيره، ولم
يؤمنّ، فأرجعوهنّ إلى أزواجهن)).
(١) (شرح الزرقانيّ)) ٥١٢/٤.
(٢) ((المفهم)) ٧٣/٤ - ٧٤ بزيادة من غيره.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٦٥/٢.
٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ومن طريق قتادة: ((كانت محنتهنّ أن يُستحلفنَ بالله: ما أخرجكنّ نُشوزٌ،
وما أخرجكنّ إلا حبّ الإسلام، وأهله، فإذا قلن ذلك قُبِل منهنّ)»، فكل ذلك لا
ينافي رواية العوفيّ؛ لاشتمالها على زيادة لم يذكرها. انتهى ما في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: وفي هذا الحديث أن المحنة المذكورة في قوله:
﴿فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ هي أن يبايعهن بما تضمنته الآية المذكورة.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: أنه {َّ: ((كان يمتحنُ من
هاجر من النساء: بالله ما خرجتُ إلا رغبةً في الإسلام، وحبّاً لله ورسوله))،
وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نَجيح، عن مجاهد نحوه، وزاد: ((ولا
خرج بك عِشْق رجل منا، ولا فرار من زوجك))، وعند ابن مردويه، وابن أبي
حاتم، والطبرانيّ، من حديث ابن عباس نحوه، وسنده ضعيف.
ويمكن الجمع بين التحليف والمبايعة، والله أعلم.
وذكر الطبريّ، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، أن
المرأة من المشركين كانت إذا غَضِبت على زوجها، قالت: والله لأهاجرنّ إلى
محمد، فنزلت: ﴿فَتَحِنُوهُنَّ﴾(٢).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ﴿ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ)؛ أي: بقولهنّ لفظاً
صريحاً، فـ((من)) بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾
[الشورى: ٤٥](٣). (قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((انْطَلِقْنَ)؛ أي: اذهبن إلى محلّكنّ
(فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ)))؛ أي: تمّ البيع بيني وبينكنّ.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((انطلقن فقد بايعتكنّ)) بيّنته بعد ذلك بقولها في
آخر الحديث: ((فقد بايعتكنّ كلاماً))؛ أي: كلاماً يقوله، ووقع في رواية عُقيل:
((كلاماً يكلّمها به، ولا يبايع بضرب اليد على اليد، كما كان يبايع الرجال))،
وقد أَوْضَحَتْ ذلك بقولها: ((ما مست يد رسول الله ◌َ في يد امرأة قطّ))، زاد في
رواية عقيل في المبايعة: ((غير أنه بايعهن بالكلام)).
(١) ((الفتح)) ١٣٢/١٢، كتاب ((الطلاق)) رقم (٥٢٨٨).
(٢) ((الفتح)) ٦٨٨/١٠ - ٦٨٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩١).
(٣) راجع: ((مغني اللبيب)) ٦١٤/١.
٢٨٩
(٢١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ - حديث رقم (٤٨٢٦)
ووقع في حديث ابن عباس: ((حتى أتى النساء، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا
جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتنّ على ذلكِ؟ فقالت
امرأة منهنّ: نعم)).
قال: واختُلِف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات، فقيل:
منسوخ، بل ادَّعَى بعضهم الإجماع على نسخه، والله أعلم. انتهى(١).
(وَلَا، وَاللهِ) فيه القسم لتأكيد الخبر، وكأن عائشة ◌َّا أشارت بذلك إلى
الردّ على ما جاء عن أم عطيّة، فعند ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار،
والطبريّ، وابن مردويه، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن جدّته أم
عطيّة في قصة المبايعة، قالت: ((فمدّ يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من
داخل البيت، ثم قال: اللهم اشْهَد))، وكذا حديثها: ((بايعنا رسول الله وَله
فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها،
فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبيّ وَلّ شيئاً،
فانطلقت، ورجعت فبايعها)).
فقولها: ((فقبضت منا امرأة يدها)) فإنه يشعر بأنهنّ كنّ يبايعنه بأيديهنّ.
ويمكن الجواب عن الأول بأن مدّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى
وقوع المبايعة، وإن لم تقع مصافحة، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر
عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في ((المراسيل))
عن الشعبيّ: ((أن النبيّ وَّر حين بايع النساء، أَتِي ببرد قِطْريّ، فوضعه على
يده، وقال: لا أصافح النساء))، وعند عبد الرزاق، من طريق إبراهيم النخعيّ
مرسلاً نحوه، وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك.
وأخرج ابن إسحاق في ((المغازي)) من رواية يونس بن بكير، عنه، عن
أبان بن صالح: ((أنه وَ﴿ كان يغمس يده في إناء، وتغمس المرأة يدها فيه))،
ويَحْتَمِل التعدد.
وقد أخرج الطبرانيّ أنه بايعهنّ بواسطة عمر، وروى النسائيّ، والطبريّ
من طريق محمد بن المنكدر: ((أن أُميمة بنت رُقيقة - بقافين مصغراً - أخبرته
(١) ((الفتح)) ١٣٢/١٢، كتاب ((الطلاق)) رقم (٥٢٨٨).
٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أنها دخلت في نسوة تبايع، فقلن: يا رسول الله ابسط يدك نصافحك، قال:
إني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكنّ، فأخذ علينا، حتى بلغ ﴿وَلَا
يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾، فقال: فيما أطقتنّ، واستطعتنّ، فقلن: الله ورسوله أرحم
بنا من أنفسنا».
وفي رواية الطبريّ: ((ما قَوْلي لمائة امرأة، إلا كقولي لامرأة واحدة)).
وقد جاء في أخبار أخرى أنهنّ كنّ يأخذن بيده عند المبايعة، من فوق
ثوب، أخرجه يحيى بن سلام في ((تفسيره))، عن الشعبيّ، وفي ((المغازي)) لابن
إسحاق، عن أبان بن صالح: ((أنه كان يغمس يده في إناء، فيغمسن أيديهنّ
فیه)). انتهى(١).
(مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَدَ امْرَأَةٍ قَطَّ) قال النوويّ تَخْذُهُ: وفي ((قط))
خمس لغات: فتح القاف، وتشديد الطاء، مضمومةً، ومكسورةً، وبضمّهما،
والطاء مشدّدةُ، وفتح القاف، مع تخفيف الطاء، ساكنةً، ومكسورةً، وهي لنفي
الماضي. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات (قط)) المذكورة بقولي:
لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ خَمْسٌ تُقْتَدَی
((قَظُ)) بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ قَدْ وَرَدَا
خَفِّفْ وَشُدَّ الظَّاءَ دُومَيْنِ
بِالْفَتْحِ فَالضَّمِ وَضَمَّتَيْنٍ
أَمَّا بِمَعْنَى ((حَسْبُ)) سَاكِنَا بَدَا
خَامِسُهَا ((قَطّ)) بِكَسْرٍ شُدِّدَا
(قَطِي))، و((قَظْنِي)) عَنْهُمُ أَيْضاً نَبُلْ
فَقُلْ ((فَقَظْ)) فَإِنْ أَضَفْتَ ((قَظْكَ)) قُلْ
(غَيْرَ أَنَّهُ يُبَابِعُهُنَّ بِالْكَلَام - قَالَتْ عَائِشَةُ -: وَاللّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
عَلَى النِّسَاءِ قَطَّ إِلَّ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تُعَالَى)؛ تعني به: آية المبايعة المذكورة، يتلوها
عليهنّ، ولا يزيد شيئاً آخر من قِبَله(٣).
(وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِوَلِ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ
عَلَيْهِنَّ: ((قَدْ بَايَعْتُكُنَّ)) كَلَاماً)؛ أي: يقول ذلك كلاماً فقط، لا مصافحة باليد،
كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة.
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٦٨٧ - ٦٨٨، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٣ - ١١.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٧٥.
٢٩١
(٢١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ بَيْعَةِ النِّسَاءِ - حديث رقم (٤٨٢٦)
وقال النوويّ تَخّْتُهُ: هذا الاستثناء منقطع، وتقدير الكلام: ما مس امرأةً
قط، لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام، فإذا أخذها بالكلام، قال: اذهبي، فقد
بايعتك، وهذا التقدير مُصَرَّحٌ به فى الرواية الأولى، ولا بُدّ منه. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َوّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٢٦/٢١ و٤٨٢٧] (١٨٦٦)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤١٨٠ و٤١٨١ و٤٨٩١) و((الطلاق)) (٥٢٨٨) و(الأحكام)) (٧٢١٤)،
و(أبو داود) في ((الخراج والإمارة)) (٢٩٤١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))
(٣٣٠٦)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٩٠٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٪
٢١٨ و٦ / ٤٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٤/٦ و١٥٣ و١٦٣ و٢٧٠)، و(ابن
جرير) في ((تفسيره)) (٦٨/٢٨ و٨٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٨/٨)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كيفيّة بيعة النساء، وهي أن تكون بالكلام من غير أخذ كفّ.
٢ - (ومنها): بيان أن بيعة الرجال تخالف بيعة النساء، وهي أن تكون
بأخذ الكفّ مع الكلام.
٣ - (ومنها): أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها
ليس بعورة.
٤ - (ومنها): أنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة؛ كتطبب،
وفصد، وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين، ونحوها، مما لا توجد امرأة
تفعله جاز للرجل الأجنبيّ فعله؛ للضرورة(٢).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّهُ: ما قالته عائشة خُها من أن النبيّ وَلّى:
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٣.
٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
((ما مَسَّت يده يد امرأة إلَّا امرأة يملكها))، وإنّما يبايع النساء بالكلام، هو
الحقّ، والصدق، وإذا كان النبيّ وَلّ يمتنع من ذلك كان غيره أحرى، وأولى
بالامتناع منه، فيبطل قول من قال: إن عمر به كان يأخذ بأيدي النساء عند
هذه المبايعة، وليس بصحيح، لا نقلاً، ولا عقلاً. انتهى(١).
٦ - (ومنها): ما قاله أيضاً: إن فيه التباعدَ من النساء ما أمكن، وإن كلام
المرأة فيما يُحتاج إليه من غير تزيُّن، ولا تصنُّع، ولا رفع صوت ليس بحرام،
ولا مكروه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ أَبُو
الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِلْكَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ، قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللهِ لَّهُ بِيَدِهِ
امْرَأَةً قَطُّ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ، قَالَ: ((اذْهَبِي، فَقَدْ
بَایَعْتُكِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الثقة الثبت
الحجة المجتهد، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المفهم)) ٧٤/١٣ - ٧٥.
(٢) ((المفهم)) ٧٤/١٣ - ٧٥.
٢٩٣
(٢٢) - بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ - حديث رقم (٤٨٢٨)
(٢٢) - (بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٨] (١٨٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْيَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ - وَاللَّفْظُ
لِاِبْنِ أَيُّوبَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ عَلَى السَّمْعِ،
وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠]
(ت٢٣٤) وله (٧٧) سنةً (عخ م د عس) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارىء، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولی
ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت٢١٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿ّ، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو (٣٤٤) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه ابن عمر ظًا أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﴿هَا (يَقُولُ: كُنَّا نُبَايِعُ
رَسُولَ اللهِ وَّ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ) على أن نسمع، ونُطيع من ولّاه الله تعالى
٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
علينا (يَقُولُ) بِهِ (لَنَا) عند المبايعة ((فِيمَا اسْتَطَعْتَ))) بضمّ التاء؛ أي: قل:
أسمع، وأُطيع في الأمر الذي أستطيع أن أقوم به، وقيل: بفتح التاء
للمخاطب، وقال النوويّ: قوله: ((فيما استطعتُ)) هكذا هو في جميع النسخ:
((فيما استطعت))؛ أي: قل: فيما استطعتُ، وهذا من كمال شفقته بَّه، ورأفته
بأمته، يلقّنهم أن يقول أحدهم: فيما استطعت؛ لئلا يدخل في عموم بيعته ما لا
يطيقه، وفيه أنه إذا رأى الإنسانُ من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له: لا
تلتزم ما لا تطيق، فيترك بعضه، وهو من نحو قوله وَلاير: ((عليكم من الأعمال
ما تطيقون)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: هكذا في جميع النسخ ... إلخ، هذا
فيما اطّلع عليه هو، وإلا فقد وقع في بعض نسخ مسلم بلفظ: ((فيما استطعتم))،
كما أشار إليه في هامش ((الهندية))، ولفظ البخاريّ: ((كنّا إذا بايعنا رسول الله وَاهـ
على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم)).
قال القرطبيّ تَخْلُّ قوله: ((فيما استطعتم)) رفعٌ لِمَا يُخاف من التحرّج؛
بسبب مخالفة تقعُ غلطاً، أو سهواً، أو غلبةً، فإنَّ ذلك غير مُؤاخذٍ به، ولا
يُفهَم من هذا تسويغُ المخالفة فيما يشقّ ويثقل؛ مما يأمر به الإمام، فإنه قد
نصّ في الأحاديث المتقدّمة على خلافه، حيث قال: ((على المسلم السمع
والطاعة، فيما أحبّ، وكَرِهَ، في المنشط والمكره، والعسر واليسر))، وقال:
((فاسمع، وأطع، وإن ضُرب ظهرُك، وأُخِذ مالك))، ولا مشقة أكثر من هذه.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر تها هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٢٨/٢٢] (١٨٦٧)، و(البخاريّ) في
(الأحكام)) (٧٢٠٢)، و(أبو داود) في ((الخراج)) (٢٩٤٠)، و(الترمذيّ) في
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/١٣.
(٢) («المفهم)) ٤٦/٤.
٢٩٥
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوخِ - حديث رقم (٤٨٢٩)
((السير)) (١٥٩٣)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٥٢/٧) و((الكبرى)) (٤٣٠/٤ و٥/
٢٢١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٨٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٤٨ و٤٥٤٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٤٣٢ و٤٣٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٥/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٢٤٥٤)، والله تعالى أعلم.
(٢٣) - (بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغ)
هو السنّ الذي يجعل صاحبه من المقاتلين، ويُجرى عليه حكم الرجال
في أحكام القتال وغير ذلك.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٩] (١٨٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ يَوْمَ أُحُدٍ
فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي(١)، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا
ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَّةً، فَأَجَازَنِي، قَالَ نَافِعُ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدُّ بَيْنَ الصَّغِيرِ
وَالْكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَقْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَّةً، وَمَنْ كَانَ
دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ (٢) فِي الْعِيَالِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم
في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين.
(١) وفي نسخة: ((فلم يجز لي)).
(٢) وفي نسخة: ((فاجعلوا)).
٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وهو مسلسلٌ بالمدنیین، سوى شيخه
وأبيه، فكوفيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن فيه عبيد الله بن عمر من أثبت
الناس في نافع، والقاسم بن محمد، بل قدّمه أحمد بن صالح على مالك في
نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة رضيّا على الزهريّ، عن عروة عنها،
وأن نافعاً من أثبت الناس في ابن عمر ظها، بل قدّمه بعضهم على سالم فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿مَا أنه (قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ وَلُ﴾ من باب
ضرب: يقال: عَرَضتُ الجندَ: إذا أمرَرْتَهم، ونظرت إليهم؛ لتعرّفهم. قاله
الفيّوميّ، وقال في ((الفتح)): وعرضُ الجيش: اختبارُ أحوالهم قبل مباشرة
القتال للنظر في هيئتهم، وترتيب منازلهم، وغير ذلك. (يَوْمَ أَحُدٍ) بضمّ الهمزة،
والحاء المهملة: الجبل المشهور بالمدينة، من جهة الشام، كانت به الوقعة،
في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز
تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بالقويّ، أفاده الفيّوميّ،
والمراد به: الغزوة الواقعة فيه؛ أي: يوم غزوة أُحد. (فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ
عَشْرَةَ سَنَةً) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، (فَلَمْ يُجِزْنِي) وفي
بعض النسخ: ((فلم يُجز لي))، بضمّ أوّله، من الإجازة، يقال: جاز العقدُ
وغيره: نَفَذَ، ومضى على الصحّة، وأجزتُ العقدَ: جعلته جائزاً نافذاً؛ يعني:
أنه لم يجعله في ديوان المقاتلين.
وفي رواية: ((فاستصغرني)). وفي ((صحيح ابن حبّان)): ((فلم يُجزني، ولم
يَرَني بلغت)).
(وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ) قال في ((القاموس)): الخندق كجَعْفَر: حَفِيرٌ حولَ
أَسْوَار الْمُدُن، مُعرَّبُ كَنْدَه. انتهى؛ أي: يوم غزوة الخندق، وقد تقدّم بيان
الاختلاف في وقتها في بابه. (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي)؛ أي:
أمضاني، وأَذِن لي في القتال، وقال النوويّ كَّتُهُ: المراد: جَعَلَه رجُلاً، له
حُكم الرجال المقاتلين.
٢٩٧
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغِ - حديث رقم (٤٨٢٩)
قال في ((الفتح)): ولم تختلف الرواة عن عبيد الله بن عمر في ذلك، وهو
الاقتصار على ذكر أُحُدٍ والخندق. وكذا أخرجه ابن حبّان من طريق مالك، عن
نافع، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) عن يزيد بن هارون، عن أبي معشر،
عن نافع، عن ابن عمر، فزاد فيه ذِكر بدرٍ، ولفظه: ((عُرِضت على رسول الله وَله
يوم بدرٍ، وأنا ابن ثلاث عشرة، فردّني، وعُرِضتُ عليه يوم أحد ... ))
الحديث، قال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغي أن يكون في الخندق ابن
ستّ عشرة سنة. انتهى، وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر هذا، وإنما
بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر أهل السِّير أن الخندق كانت في سنة خمس
من الهجرة، وإن اختلفوا في تعيين شهرها، واتّفقوا على أن أُحُداً كانت في
شوّال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد: إنه يكون حينئذ ابن ستّ
عشرة سنة، لكن البخاريّ جنح إلى قول موسى بن عقبة في ((المغازي)): إن
الخندقَ کانت في شوّال سنة أربع، وقد روی يعقوب بن سفيان في ((تاریخه))،
ومن طريقه البيهقيّ، عن عروة نحو قول موسى بن عقبة. وعن مالك الجزم
بذلك، وعلى هذا لا إشكال، لكن اتّفق أهل المغازي على أن المشركين لَمّا
توجّهوا في أُحُد نادَوا المسلمين: موعدُكم العامَ المقبلَ بدرٌ، وأنه بَّ خرج
إليها من السنة المقبلة في شوّال، فلم يَجِد بها أَحَداً، وهذه هي التي تُسمّى
(بدر الموعد))، ولم يقع بها قتالٌ، فتعيّن ما قال ابن إسحاق: إن الخندق كانت
في سنة خمس، فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الإشكال، وقد أجاب عنه
البيهقيّ وغيره بأن قول ابن عمر: ((عُرضت يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة))؛
أي: دخلت فيها، وأن قوله: ((عُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة
سنة))؛ أي: تجاوزتها، فألغى الكسر في الأولى، وجَبَره في الثانية، وهو شائعٌ
مسموٌ في كلامهم، وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح،
والله أعلم.
[تنبيهان]:
(الأول): زعم ابن التين أنه ورد في بعض الروايات أن عَرْض ابن عمر
کان ببدر، فلم يُجزه، ثم بأحد، فأجازه، قال: وفي روايةٍ عُرض یوم أُحد،
وهو ابن ثلاث عشرة، فلم يُجزه، وعُرض يوم الخندق، وهو ابن أربع عشرة
٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
سنةً، فأجازه، قال الحافظ: ولا وجود لذلك، وإنما وُجد ما أشرت إليه عن
ابن سعد، أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن أبي معشر، وأبو معشر مع ضعفه
لا يُخالف ما زاده من ذِكْر بدر ما رواه الثقات، بل يوافقهم.
(الثاني): زعم ابن ناصر أنه وقع في ((الجمع)) للحُميديّ هنا: ((يوم الفتح))
بدل يوم الخندق، قال ابن ناصر (١): والسابق إلى ذلك أبو مسعود، أو خلف،
فتبعه شيخنا(٢)، ولم يتدبّره، والصواب: ((يوم الخندق)) في جميع الروايات،
وتلقّى ذلك ابن الجوزيّ عن ابن ناصر، وبالغ في التشنيع على من وَهِم في
ذلك، وكان الأَولى تَرْك ذلك، فإن الغلط لا يَسلَم منه كثيراً أحدٌ. انتهى.
(قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر الراوي عنه هذا الحديث، (فَقَدِمْتُ) بكسر
الدال (عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد المتوفى في رجب سنة
(١٠١ هـ) وعمره أربعون سنةً، ومدّة خلافته سنتان ونصف، تقدّمت ترجمته في
((المقدّمة)) ٤٦/٦. (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ) بعد سليمان بن عبد الملك، وكان قبله
أميراً على المدينة النبويّة للوليد، (فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ) عمر (إِنَّ هَذَا)؛
أي: ما دلّ عليه هذا الحديث من الفصل بين من كان ابن أربع عشرة ومن كان
ابن خمس عشرة سنة، (لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ)، وهو الأول فما دونه، (وَالْكَبِيرِ)
وهو الثاني، فما فوقه. (فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا) بكسر الراء؛ أي: يُقدّروا
لهم رزقاً في ديوان الجند، (لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) فكانوا يفرّقون بين
المقاتِلة وغيرهم في العطاء، وهو الرزق الذي يُجمع في بيت المال، ويفرّق
على مستحقّیه.
(وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ) بالكسر، ككتاب: من يُتكفّل
بهم، جَمْعه عالة، أفاده المجد (٣)، وقال الفيّوميّ: العِيَال: أهل البيت، ومن
يمونه الإنسان، الواحد: عَيِّلٌ، مثالُ جِيَاد وجَيِّدٍ. انتهى (٤).
(١) هو: أبو الفضل ابن ناصر السلاميّ، قاله العينيّ. ((عمدة القاري)) ٢٤١/١٣.
(٢) هو: الحميديّ.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٩٢٨.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٣٨/٢.
٢٩٩
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ سِنَّ الْبُلُوعِ - حديث رقم (٤٨٢٩)
والمعنى أن من كان عمره دون خمس عشرة سنةً لا يُفرض له في
الديوان، فلا يُعطى شيئاً من بيت المال، وإنما يُجعل تبعاً لأهل بيته، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٢٩/٢٣ و٤٨٣٠] (١٨٦٨)، و(البخاريّ) في
((الشهادات)) (٢٦٦٤) و((المغازي)) (٤٠٩٧)، و(أبو داود) في ((الخراج)) (٢٩٥٧)
و((الحدود)) (٤٤٠٦)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٦١) و((الجهاد)) (١٧١١)،
و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٣٤٥٨) و((الكبرى)) (٥٦٢٤)، و(ابن ماجه) في
((الحدود)) (٢٥٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤٢/٦ و٣٧٨/٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٠٥/١)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٩٥/٤ و٤٣٧)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤/
١٤٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٥٢/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن بلوغ الصبيّ يكون ببلوغ السنّ، وهو خمس عشرة
سنة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية.
٢ - (ومنها): أن الإمام يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن تقع
الحرب، فمن وجده أهلاً استصحبه، وإلا ردّه، وقد وقع ذلك للنبيّ بَّ في
بدر، وأُحُد، وغيرهما، وعند المالكيّة والحنفيّة لا تتوقّف الإجازة للقتال على
البلوغ، بل للإمام أن يُجيز من الصبيان من فيه قوّة ونَجْدَةٌ، فرُبّ مُراهقٍ أقوى
من بالغ، وحديث ابن عمر ظها هذا حجةٌ عليهما، ولا سيّما وقد ثبتت زيادة:
((فلم يُجزني، ولم يرني بلغتُ))، وهي صحيحة.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقصّة ابن عمر ﴿ه هذه على أن من استكمل
خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين، وإن لم يحتلم، فيُكلَّف
بالعبادات، وإقامة الحدود، ويَستحقّ سهم الغنيمة، ويُقتل إن كان حربيّاً، ويُفكّ
٣٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عنه الحَجر، إن أُونس رُشده، وغير ذلك من الأحكام، وقد عَمِل بذلك عمر بن
عبد العزيز، وأقرّه عليه راويه نافعٌ.
وأجاب الطحاويّ، وابن القصّار، وغيرهما، ممن لم يأخذ به: بأن
الإجازة المذكورة جاء التصريح بأنها كانت في القتال، وذلك يتعلّق بالقوّة
والجلد.
وأجاب بعض المالكيّة: بأنها واقعة عين، فلا عموم لها، ويَحْتَمِل أن
يكون صادف أنه كان عند تلك السنّ قد احتلم، فلذلك أجازه.
وتجاسر بعضهم، فقال: إنما ردّه لِضَعْفه، لا لسنّه، وإنما أجازه لقوّته،
لا لبلوغه.
ويَرُدّ على ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن ابن جريج، ورواه أبو عوانة،
وابن حبّان في ((صحيحيهما)) من وجه آخر، عن ابن جريج، قال: أخبرني
نافع، فذكر هذا الحديث بلفظ: ((عُرضتُ على النبيّ وَ﴿ يوم الخندق، فلم
يُجزني، ولم يرني بلغتُ ... )) الحديث، وهي زيادة صحيحة، لا مَطعَنَ فيها؛
لجلالة ابن جريج، وتقدّمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح فيها
بالتحديث، فانتفى ما يُخشى من تدليسه، وقد نصّ فيها لفظ ابن عمر بقوله:
((ولم يرني بلغت))، وابن عمر أعلم بما روى من غيره، ولا سيّما في قصّة
تتعلّق به، قاله في ((الفتح)) (١).
وقد اختلف العلماء في سنّ البلوغ، فمنهم من استدلّ بحديث الباب على
أنه خمس عشرة سنةً في الغلام والجارية، وهو قول الأوزاعيّ، والشافعيّ،
وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، وبه قال ابن وهب، وأصبغ، وابن
الماجشون، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن
العربيّ.
وقال داود الظاهريّ: لا حدّ للبلوغ من السنّ، وعليه فلا يُعتبر الرجل
بالغاً عنده حتى يُنزل، أو يُحبِّل بالغاً ما بلغ من السنّ، وهو رواية عن مالك،
وقال أصحابه: سبع عشرة، أو ثماني عشرة سنةً، وقال أبو حنيفة: هو في
(١) ((الفتح)) ٥٤٠/١٤ - ٥٤٣، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٦٤).