Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٨)
٣ - (ومنها): بيان صبر سلمة ظُه، وتحمّله ما لقيه من الحجّاج من
الجرأة عليه، والازدراء به.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تخَّثُ: أجمعت الأمة على تحريم
ترك المهاجر هجرته، ورجوعه إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابيّاً من
الكبائر، قال: ولهذا أشار الحجاج إلى أن أَعْلَمَه سلمة أن خروجه إلى البادية
إنما هو بإذن النبيّ وَل﴾، قال: ولعله رجع إلى غير وطنه، أو لأن الغرض في
ملازمة المهاجر أرضه التي هاجر إليها، وفُرِض ذلك عليه إنما كان في زمن
النبيّ وَّ؛ لنصرته، أو ليكون معه، أو لأن ذلك إنما كان قبل فتح مكة، فلما
كان الفتح، وأظهر الله الإسلام على الدين كله، وأَذَلّ الكفر، وأعز المسلمين
سقط فرض الهجرة، فقال النبيّ وَل: ((لا هجرة بعد الفتح))، وقال أيضاً:
((مَضَت الهجرة لأهلها))؛ أي: الذين هاجروا من ديارهم، وأموالهم قبل فتح
مكة؛ لمواساة النبيّ ◌َل، ومؤازرته، ونصرة دينه، وضبط شريعته.
قال القاضي عياض: ولم يختلف العلماء في وجوب الهجرة على أهل
مكة، قبل الفتح، واختلف في غيرهم، فقيل: لم تكن واجبة على غيرهم، بل
كانت ندباً، ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال؛ لأنه وَ لير لم يأمر الوفود عليه قبل
الفتح بالهجرة، وقيل: إنما كانت واجبة على من لم يُسلم كل أهل بلده؛ لئلا
يبقى في طلوع أحكام الكفار. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا نَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ،
وَالْخَيْرِ، وَبَيَانٍ مَعْنَى: (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحَ)))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٨] (١٨٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمِ الأَخْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، حَدَّثَنِي
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/١٣ - ٧.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ ◌َِّ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: ((إِنَّ
الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَيْرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو جَعْفَرٍ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ، أبو زكريّا الكوفيّ، لَقَبُه
شَقُوصًا، صدوقٌ يُخطىء قليلاً [٨] (ت١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في ((المقدّمة))
٢٧/٥.
٣ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات سعد سنة (١٤٠) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) - بفتح النون، وسكون الهاء - هو:
عبد الرحمن بن ملّ - مثلّث الميم، واللام مشدّدة - ابن عمرو الكوفيّ، ثمّ
البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرم ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢] (ت٩٥) أو
بعدها، وعاش (١٣٠) سنةً، وقيل: أكثر (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (مُجَاشِعُ) - بضمّ الميم، وتخفيف الجيم، وبشين معجمة مكسورة -
هو: مُجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب بن عابد(١) بن ربيعة بن يَربوع بن
سِمَاك(٢) بن عوف بن امرئ القيس بن بُهْئة بن سُليم بن منصور السُّلَميّ.
رَوَى عن النبيّ وَّزَ، وعنه أبو عثمان النَّهْديّ، وعبد الملك بن عُمير،
وكُليب بن شهاب، وأبو ساسان حُضين بن المنذر، ويحيى بن إسحاق ابن أخي
رافع.
قال خليفة: قُتِل يوم الجمل قبل الوقعة، وقال غيره: قُتل يوم الجمل سنة
ست وثلاثين.
وجزم ابن المدينيّ فيما ذكره عُمر بن شَبّة، عنه، عن مَسلمة، عن داود بن
أبي هند، قال: رأيت مجاشع بن مسعود مع ابن الزبير، وقُتل في محاربة الزبير
(١) وفي ((الإصابة)): ((ابن عائذ)).
(٢) وفي ((الإصابة)): ((ابن سمال)) باللام.

٢٦٣
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٨)
حكيمَ بن جبلة العبديّ بسبب عثمان بن حُنيف، فحُمل إلى داره، فدُفن بها،
وذلك قبل أن يَقْدَم عليّ.
وقال العسكريّ: كان مع عائشة، وقال عُمر بن شَبّة: استخلفه المغيرة بن
شعبة على البصرة في خلافة عمر.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: حاصرنا
تَوَّجَ، وعلينا رجل من بني سُليم يقال له: مجاشع بن مسعود، فذكر قصّةً.
وقال في ((الإصابة)): قال ابن الكلبيّ: تزوج سُميلة بنت أبي حيوة بن
أزيهر الدوسية، فقُتل عنها يوم الجمل، فخَلَف عليها عبد الله بن عباس شيئًا.
وقال الدُّولابيّ: إنه غزا كابُل من بلاد الهند، فصالحه الأصيهد، فدخل
مجاشع بيت الأصنام، فأخذ جوهرة من عين الصنم، وقال: لم آخذها إلا
لتعلموا أنه لا يضرّ ولا ينفع.
قال خليفة بن خياط: قُتِل يوم الجمل قبل الوقعة، وبَيَّن المدائنيّ وعُمر بن
شَبّة أنه قُتل في محاربة الزبير مع حكيم بن جَبَلة بسبب عثمان بن حنيف؛ لأنه
كان عاملاً على البصرة، فلما جاء الزبير ومن معه حاربه حكيم، فغلبوا على
البصرة، وأخرجوا عثمان، وقُتل مجاشع وأخوه مجالد، وكل ذلك قبل أن يَقْدَم
عليّ رَظُه. انتهى(١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه
أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا حديثان فقط(٢)،
حديث الباب عند الشيخين، وحديث: ((إن الجذع يوفّي مما يوفي منه الثنيّ))،
عند أبي داود، وابن ماجه.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧٦٧/٥.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٥٠/٨ - ٣٥١.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) بفتح النون، وسكون الهاء، أنه قال: (حَدَّثَنِي
مُجَاشِعُ) بضمّ الميم، وتخفيف الميم، (ابْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ) بضمّ السين
المهملة، (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ)، وقوله: (أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ) جملة في محلّ
نصب على الحال من الفاعل، (فَقَالَ) وَ ((إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لأَهْلِهَا)؛
أي: ثبتت لمن هاجر قبل الفتح، وفازوا بها، وسقطت عن غيرهم؛ لِرَفْع
وجوبها عنهم (١). (وَلَكِنْ) بسكون النون، (عَلَى الإِسْلَام)؛ أي: ولكن بايع
على ملازمة الإسلام، (وَالْجِهَادِ) في سبيل الله رَ، (وَالْخَيْرِ)؛ أي: وعلى
فعل الخير أبداً دائماً .
وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((قد مضت لأهلها ... إلخ))؛ معناه: أن
الهجرة الممدوحة الفاضلة التي لأصحابها المزيّةُ الظاهرةُ إنما كانت قبل الفتح،
ولكن أبايعك على الإسلام، والجهاد، وسائر أفعال الخير، وهو من باب ذِكر
العامّ بعد الخاصّ، فإن الخير أعمّ من الجهاد، ومعناه: أبايعك على أن تفعل
هذه الأمور. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض ◌َُّ: قوله: ((قد مضت لأهلها)) أهلُها هم الذين
هاجروا من ديارهم، وأموالهم قبل الفتح؛ لمؤازرته وَ ل*، ونُصرته، وضَبْط
شريعته، ولم يُختَلَف في وجوب الهجرة قبل الفتح على أهل مكة، وأما
غيرهم، فقيل: إنها واجبة، وحكى أبو عبيد في ((كتاب الأموال)) أنها مندوبةٌ،
ليست بواجبة؛ لحديث: ((لا هجرة بعد الفتح))، ولقوله وولفر للأعرابيّ الذي سأله
عن شأن الهجرة: ((إن شأن الهجرة لشديد))، وحضّه على أن يلزم إبله، وأيضاً
فإنه وَ﴿ لم يأمر الوافدين عليه قبل الفتح بأن يهاجروا، وقيل: إنها واجبة على
من أسلم دون أهل بلده؛ لئلا يبقى في طوع أحكام الشرك، وخوف أن يُفتن
في دينه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم) ٧٠/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧/١٣ - ٠٨
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٢٧٤ بزيادة من ((شرح الأبيّ)) ٢١١/٥.

٢٦٥
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٨)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مجاشع بن مسعود السُّلَميّ
عليه .
هذا متفق
ضرعنه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠ /٤٨١٨ و٤٨١٩ و٤٨٢٠] (١٨٦٣)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٦٢ و٢٩٦٣) و((الجزية)) (٣٠٧٨ و٣٠٧٩)
و((المغازي)) (٤٣٠٥ و٤٣٠٦ و٤٣٠٧ و٤٣٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٤٠٨/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦٨/٣ و٤٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٣٤/٤ - ٤٣٥)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٨٧/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة مبايعة الإمام الناس على الإسلام، والاستمرار
فيه، وعلى الجهاد، والخير.
وقد استنبط بعضهم منه مشروعيّة بيعة الصوفيّة لمريديهم؛ لأنه وَ ف ذكر
البيعة على الخير مستقلّة عن البيعة على الإسلام والجهاد، وفيه نظر لا يخفى
لمن تأمّل ما يجري لديهم من أنواع البدع التي ليست في كتاب الله تعالى، ولا
في سُنَّة رسوله وَه، فتأمل كثيراً من أحوالهم يظهر لك الأمر جليّاً، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ؤه من المبادرة إلى الخير
بأنفسهم، وبذويهم، حيث أتى مجاشع بأخيه؛ اغتناماً لمبايعته وَّهِ، ومسّ يده
الكريمة حتى ينال بركتها .
٣ - (ومنها): بيان فضل المهاجرين الأولين، حيث لم يلحقهم في فضلهم
أحد من أتى بعد فتح مكة، كما بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ
مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَيْكَ أَغْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ
اَلْنَىَّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، والله تعالى أعلم.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
عَاصِم، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، قَالَ: جِئْتُ
بِأَخِيَّ أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَابِعْهُ عَلَى
الْهِجْرَةِ، قَالَ: ((قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا))، قُلْتُ: فَبِأَتِّ شَيْءٍ تُبَابِعُهُ؟ قَالَ: ((عَلَى
الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادٍ، وَالْخَيْرِ))، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ
مُجَاشِعٍ، فَقَالَ: صَدَقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحَدَثَانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ) هو مُجالد بن مسعود السُّلَميّ، رَوَى عن
النبيّ وَِّ، وعنه أبو عثمان النَّهْديّ.
قال ابن حبان: قُتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين.
وتعقّبه الحافظ بأن هذا أخوه مجاشع، وأما هو فذكر أبو القاسم البغويّ
ما يدلّ على أنه بقي إلى حدود الأربعين.
وقال عمرو بن عليّ: لا أعلم له روايةً؛ يعني: لم ينفرد برواية حديث،
إنما صدّق أخاه في روايته، وذكر أبو عثمان النَّهْديّ أنه كان أكبر من مجاشع.
له عند البخاريّ، والمصنّف هذا الموضع فقط، صدّق فيه ما حدّث به
أخوه مجاشع.
وقوله: (بَعْدَ الْفَتْح)؛ أي: بعد فتح مكة.
وقوله: (قَالَ أَبُو عُثْمَانَ) هو النّهْديّ المذكور الراوي عن مجاشع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه مستوفَى في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.

(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٠ -٤٨٢١)
٢٦٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل،
عَنْ عَاصِم، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا
مَعْبٍَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
و((عاصم الأحول)) ذُکر قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عاصم الأحول هذه ساقها ابن أبي
شيبة تَكْثُ في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٦٩٣٣) - حدّثنا محمد بن فُضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن
مُجاشع بن مسعود، قال: أتيت النبيّ وَ﴿ أنا وأخي، قال: فقلت: يا
رسول الله، بايعنا على الهجرة، فقال: ((مَضَت الهجرة لأهلها))، فقلت: علام
نبايعك يا رسول الله؟ قال: ((على الإسلام، والجهاد))، قال: فلقيت أخاه،
فسألته، فقال: صدق مجاشع. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢١] (١٣٥٣ (٢)) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا
اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٠٨/٧.
(٢) هذا الرقم مكرّر.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبت
إمام حجة [٣] (ت١ أو ٢ أو٣ أو ١٠٤) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿مَا، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من
رواية الأقران، فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى
(١٦٩٦) حديثاً.
شرح الحديث :
(عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ، قال في ((الفتح)): كذا رواه منصور
موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ وَّر، مرسلاً، أخرجه
سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضاً عن سفيان، عن داود بن
شابور، عن مجاهد، مرسلاً، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله. انتهى(١).
(قَالَ) ابن عبّاسٍ ﴿هَا (قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿ يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف متعلّق
بـ((قال))، وقوله: (فَتْحِ مَكَّةَ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان لـ((الَفتح)) ((لَا هِجْرَةَ)
زاد في حديث عائشة الآتي: ((بعد الفتح))؛ أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو
أعمّ من ذلك؛ فيكون حكم غير مكة في ذلك كحكمها، فلا تجب الهجرة من
بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمَن به من المسلمين أحد ثلاثة:
(١) ((الفتح)) ١١٩/٥.

٢٦٩
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٢)
الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء
واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة؛ لتكثير
المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية
المنکر بینھم.
الثالث: عاجز بعذر من أَسْرٍ، أو مرض، أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن
حَمَل على نفسه، وتكلف الخروج منها أُجِر، قاله في ((الفتح)) (١).
(وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)؛ أي: لكن لكم طريقٌ إلى تحصيل الفضائل التي في
معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونية الخير في كل شيء، من لقاء رسول الله
ونحوه، وارتفاع ((جهادٌ)) على الابتداء، وخبره محذوف مقدّماً، تقديره: لكم
جهادٌ، قاله في ((العمدة))(٢) .
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))) بصيغة المجهول؛ أي: إذا طُلبتم للنَّفْر، وهو
الخروج إلى الجهاد (فَانْفِرُوا) بكسر الفاء؛ أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم
السلطان إلى غزو فاذهبوا.
وقال في ((النهاية)): الاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار؛ أي: إذا طُلب
منكم النُّصْرة، فأجيبوا، وانصروا، خارجين إلى الإعانة. انتهى (٣).
وقال النوويّ كَّتُهُ: يريد: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن
تحصيله بالجهاد، والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد
ونحوه، من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب
الحجّ)) برقم [٣٣٠٣/٧٩] (١٣٥٣) ((باب تحريم مكة، وتحريم صيدها)) مطوّلاً،
وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
(١) ((الفتح)) ٣٣٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٧٧).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩١/١٠.
(٣) ((النهاية)) ٩٢/٥.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ - بَعْنِي: ابْنَ مُهَلْهِلِ - (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُّ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا
ء
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلَّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدّم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٥ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
٦ - (يَحْيَىَّبْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٧ - (مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهِلِ) السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ
عابدٌ [٧] (ت١٦٧) (م س ت) تقدّم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٨ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٩ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
١٠ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور هذه ساقها ابن أبي شيبة دَّتُهُ
في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٦٩٣٠) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن
طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((لا هجرة بعد الفتح،
ولكن جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنْفِرتم فانفروا)). انتهى(١) .
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧/ ٤٠٧.

٢٧١
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٣)
وأما رواية مفضّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، فقد ساقها ابن حبّان تَّتُهُ في
«صحيحه))، فقال:
(٣٧٢٠) - أخبرنا المفضل بن محمد الجنديّ، قال: حدّثنا الحسن بن
عليّ الْحَلْوَانيّ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا مُفَضَّل بن مُهَلْهَل، عن
منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلهم
يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرامٌ، حَرَّمه الله إلى يوم القيامة، لا يُنَفَّر صيده،
ولا يُعضَد شوكة، ولا تُلتقط لقطته، إلا مَن عَرَّفها، ولا يختلى خلاؤه، فقال
العباس: إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم، فقال: إلا الإذخر، ولا هجرة، ولكن
جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنفِرتم فانفروا)). انتهى(١) .
وأما رواية إسرائيل، عن منصور، فقد ساقها الدارميّ كَّتُهُ في ((سننه))،
فقال :
(٢٥١٢) - أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن
مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لَمّا كان يوم فتح مكة قال
رسول الله وَله: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنفِرتم
فانفروا)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٣] (١٨٦٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
حُسَيْنٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِله عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ:
((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُتْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدَّم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٥/٩ - ٣٦.
(٢) ((سنن الدارميّ)) ٣١٢/٢.

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) قيس بن دينار الأسديّ مولاهم
الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، وحمزة بن
عبد الله، وطاووس، وإياس بن معاوية، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، وعطاء بن
أبي رَبَاح، وجماعة.
وروى عنه الثوريّ، ووكيعٌ، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الله بن نُمير،
وابن المبارك، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو القاسم الطبرانيّ، وقال النسائيّ: ليس
به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الدار قطنيّ: عبد الله، وعبيد الله،
وعبد السلام بنو حَبِيب بن أبي ثابت، وكلهم ثقات، وقال ابن خلفون: وَثَّقه
ابن نُمَیر.
انفرد به المصنّف، والنسائيّ في ((خصائص عليّ))، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث، وعند النسائيّ في ((الخصائص)): ((أنت مني بمنزلة
هارون من موسى)).
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بن الحارث النوفلي
المكيّ، ثقةٌ عالمٌ بالمناسك [٥] (ع) تقدّم في ((الحج)) ٣٠٥٨/٣٦.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ
فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى ابن أبي
حسين، وهو وعطاء مكيّان، وعائشة ﴿ّا مدنيّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ،
وفيه عائشة رضيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌َّا أنها (قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ

٢٧٣
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٣)
الْهِجْرَةِ) هذا صريح في أن السؤال للنبيّ ◌َِّ، فالحديث مرفوع، لكن في رواية
البخاريّ أن السؤال لها، فقد أخرج الحديث من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء بن
أبي رباح، قال: زُرْتُ عائشة(١) مع عُبيد بن عُمير الليثيّ، فسألناها عن
الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يَفِرّ أحدهم بدينه إلى الله
تعالى، وإلى رسوله وَّله مخافةَ أن يُفْتَن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام،
والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهادٌ، ونيّةٌ.
وأخرجه من طريق عمرو - بن دينار - وابن جريج، سمعت عطاء يقول:
ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة ﴿إنّا، وهي مجاورة بشَبِير، فقالت لنا:
انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه وَلي مكة.
وأصل الهجرة هجر الوطن، وأكثر ما يُطلق على مَن رَحَل من البادية إلى
القرية، ووقع عند الأمويّ في ((المغازي)) من وجه آخر عن عطاء: ((فقالت: إنما
كانت الهجرة قبل فتح مكة، والنبيّ وَ ﴿ بالمدينة))(٢).
(فَقَالَ) ◌َ جواباً عن السؤال («لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح)؛ أي: فتح مكة، قال
النوويّ تَخّْتُهُ: قال أصحابنا وغيرهم، من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى
دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأولوا هذا الحديث تأويلين:
[أحدهما]: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، فلا
تتصور منها الهجرة.
[والثاني]: وهو الأصح: أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمّة المطلوبة
التي يمتاز بها أهلها امتيازاً ظاهراً، انقطعت بفتح مكة، ومضت لأهلها الذين
هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإسلام قَوِيَ وعَزَّ بعد فتح مكة عِزّاً ظاهراً بخلاف
ما قبله. انتهى(٣) .
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قوله: ((لا هجرة))؛ أي: لا وجوب هجرة بعد فتح
مكة، وإنما سقط فرضها إذ ذاك؛ لقوة المسلمين، وظهورهم على عدوّهم،
ولعدم فتنة أهل مكة لمن كان بها من المسلمين، بخلاف ما كان قبل الفتح؛
(١) وكانت مجاورة في جبل ◌َبِير.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٨/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٢٦٩/٨ رقم (٣٩٠٠).

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فإنَّ الهجرة كانت واجبةً؛ لأمور: سلامة دين المهاجر من الفتنة، ونُصرة
النبيّ وَّه، وتعلَّم الدين وإظهاره، وقد تقدّم: أنه لم يُخْتَلف في وجوب الهجرة
على أهل مكة من المسلمين، واختُلِف في وجوبها على من كان بغيرها، فقيل:
هي واجبة على كل من أسلم؛ تمسُّكاً بمطلق الأمر بالهجرة، وذمّ من لم
يهاجر، وببيعة النبيّ وَّ على الهجرة، كما جاء في حديث مجاشعٍ، وقيل: بل
كانت مندوباً إليها في حقّ غير أهل مكة، حكاه أبو عبيد، ويُستدَلُّ لهذا القول
بقول النبيّ ◌َّ للأعرابيّ الذي استشاره في الهجرة: ((إن شأنها لشديد))، ولم
يأمره بها، بل أَذِنَ له في ملازمة مكانه، كما يأتي، وبدليل أنَّه لم يأمر الوفود
عليه قبل الفتح بالهجرة، وقيل: إنما كانت واجبة على من لم يُسلم جميعُ أهلِ
بلده؛ لئلا يبقى تحت أحكام الشرك، ويخاف الفتنة على دينه.
قال القرطبيّ: ولا يُخْتَلف في أنه لا يحل لمسلم الْمُقام في بلاد الكفر
مع التمكن من الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة على
نفسه، وهذا حكم ثابت مؤبّد إلى يوم القيامة، وعلى هذا فلا يجوز لمسلم
دخول بلاد الكفر لتجارة، أو غيرها مما لا يكون ضروريّاً في الدِّين؛ كالرُّسل،
وكافتكاك المسلم، وقد أبطل مالك تَّتُهُ شهادة من دخل بلاد الهند للتجارة.
انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: ((فلا يجوز لمسلم ... إلخ)) نظر لا
يخفى، فإنه لم يرد النهي عن الدخول للتجارة أو غيرها، وإنما ورد النهي عن
الإقامة بين أظهرهم، وتكثير سوادهم، لا الدخول عليهم للحاجة، اللهم إذا
خيف على دينه أن يُفْتَن، فيُمنع عن الدخول إلا للجهاد، أو نحوه، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) عند شرح قول عائشة ◌َهُنا المتقدّم: ((كان المؤمنون يَفِرّ
أحدهم بدينه ... إلخ)) ما نصّه: أشارت عائشة ◌َّا إلى بيان مشروعية الهجرة،
وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن مَن قَدَر على
عبادة الله في أي موضع اتَّفَقَ لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت، ومن ثَمّ
(١) ((المفهم)) ٦٩/٤ - ٧٠.

٢٧٥
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٣)
قال الماورديّ: إذا قَدَر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت
البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لِمَا يترجى من دخول
غيره في الإسلام.
وقال الخطابيّ: كانت الهجرة؛ أي: إلى النبيّ ◌َ﴿ في أول الإسلام
مطلوبةً، ثم افتُرِضت لَمّا هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه، وتعلّم
شرائع الدين، وقد أكّد الله ذلك في عدّة آيات، حتى قطع الموالاة بين من
هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿وَِّنَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم
مِنْ شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلما فُتحت مكة ودخل الناس في الإسلام
من جميع القبائل، سَقَطت الهجرة الواجبة، وبقي الاستحباب.
وقال البغويّ في ((شرح السُّنَّة)): يَحْتَمِل الجمع بينهما - أي: بين حديث:
((لا هجرة))، وحديث: ((لا تنقطع الهجرة)) - بطريق أخرى بقوله: لا هجرة بعد
الفتح؛ أي: من مكة إلى المدينة، وقوله: ((لا تنقطع))؛ أي: من دار الكفر في
حقّ من أسلم إلى دار الإسلام.
قال: ويَحْتَمِل وجهاً آخر، وهو أن قوله: ((لا هجرة))؛ أي: إلى النبيّ وَّ
حيث كان بنيّة عدم الرجوع إلى الوطن المهاجَرِ منه إلا بإذن، وقوله: ((لا
تنقطع))؛ أي: هجرة من هاجر على غير هذا الوصف، من الأعراب، ونحوهم.
قال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بالشقّ الأول، وهو المنفيّ ما ذكره في
الاحتمال الأخير، وبالشقّ الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله، وقد
أفصح ابن عمر بالمراد، فيما أخرجه الإسماعيليّ بلفظ: ((انقَطَعت الهجرة بعد
الفتح إلى رسول الله وَّة، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار))؛ أي: ما دام في الدنيا
دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم، وخَشِي أن يُفْتَن عن دينه، ومفهومه أنه
لو قدر أن يبقى في الدنيا دار كفر، أن الهجرة تنقطع؛ لانقطاع موجبها، والله أعلم.
وأطلق ابن التين أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبةً، وأن من
أقام بمكة بعد هجرة النبيّ وَّله إلى المدينة بغير عذر كان كافراً، وهو إطلاق
مردود، والله أعلم. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ٨/ ٦٧٠، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٠٠).

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقوله: (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) قال النوويّ: معناه أن تحصيل الخير بسبب
الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حَصِّلوه بالجهاد، والنية الصالحة، وقال
القرطبيّ: أي ولكن يبقى جهاد ونية، أو جهاد ونية باقيان؛ أي: نية في
الجهاد، أو في فعل الخيرات(١).
وقال في ((الفتح)): المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها؛ إذ
صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه،
وفسَّره بقوله: ((فإذا استنفرتم فانفروا)). انتهى.
وقال الطيبيّ: ((لكن)) تقتضي مخالفة ما بعدها لِمَا قبلها، فالمعنى أن
مفارقة الأوطان الله تعالى، ورسوله وَ﴾ التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة
المميّزة لأهلها من سائر الناس امتيازاً ظاهراً انقطعت، لكن المفارقة من
الأوطان بسبب نيّة خالصة لله تعالى، كطلب العلم، والفرار بدينه من دار
الكفر، أو مما لا يقام فيها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وزيارة
بيت الله الحرام، وحرم رسوله وَ الر، والمسجد الأقصى، وغيرها(٢)، أو بسبب
الجهاد في سبيل الله باقية مدى الدهر. انتهى(٣).
وقوله: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلِب منكم الخروج
للجهاد، (فَانْفِرُوا)))، وقال النوويّ: معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى
الجهاد فاخرجوا، وقال في ((الفتح)): أي: إذا دُعيتم إلى الغزو، فأجيبوا.
وقال الطيبيّ: قوله: ((ولكن جهادٌ)) عطف على مدخول ((لا))؛ أي:
الهجرة إما فراراً من الكفار، وإما إلى الجهاد، وإما إلى نحو طلب العلم، وقد
انقطعت الأولى، فاغتنموا الأخيرتين. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٧٠.
(٢) قوله: ((وغيرها)) شدّ الرحال لزيارة غير المساجد الثلاثة ممنوع، فليُتنبّه.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٤٣/٨.

٢٧٧
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ- حديث رقم (٤٨٢٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٢٣/٢٠] (١٨٦٤)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)»
(٣٠٨٠) و((مناقب الأنصار)) (٣٩٠٠) و((المغازي)) (٤٣١٢)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٤٠٨/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٢/٨)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٤٣٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان انقطاع الهجرة، وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث: ((لا
تنقطع الهجرة)) .
٢ - (ومنها): الحثّ على نية الخير مطلقاً، وأنه يثاب على النية.
٣ - (ومنها): بيان أن الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية، إذا فعله
من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم،
قال النوويّ: قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد
المسلمين، فيتعيّن عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية، وجب
على من يليهم تتميم الكفاية، وأما في زمن النبيّ وَّ فالأصح عند أصحابنا:
أنه كان أيضاً فرض كفاية، والثاني: أنه كان فرض عين، واحتج القائلون بأنه
كان فرض كفاية بأنه كان تغزو السرايا، وفيها بعضهم دون بعض. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: يدلّ الحديث على استمرار حكم الجهاد إلى يوم
القيامة، وأنه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنما يتعيّن إذا دَهَمَ العدوُّ
بلداً من بلاد المسلمين، فيتعيّن على كلِّ مَنْ تمكّن من نصرتهم، وإذا استنفرهم
الإمام تعيّن على كل من استنفره؛ لنصِّ هذا الحديث على ذلك، وهو أمرٌ
مُجْمَعٌ علیه.
٤ - (ومنها): أنه تضمّن بشارة من النبيّ ◌َّ ر بأن مكة تستمرّ دار إسلام.
٥ - (ومنها): أن الإمام إذا استنفر إلى الجهاد تعيّن على كلّ من استنفره،
وهذا بالإجماع، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/١٣ - ٩.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٤] (١٨٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِبُّ،
حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْنِيُّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ
أَعْرَابِيّاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: ((وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ،
فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَهَلْ تُؤْتِي(١) صَدَقَتَهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
((فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) محمد بن خلّاد بن كثير، أبو بكر البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م دس ق) تقدّم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) الدمشقيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْنِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧)
وقد جاوز الثمانين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان ◌ًَّا، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سداسيات المصنف تَخْلَثُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ،
وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ ◌َظُه من المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن عَطَاء بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ)؛ أي: حدّث ابن شهاب الزهريّ،
ومن معه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك الصحابيّ ابن
(١) وفي نسخة: ((تؤدّي صدقتها)).

٢٧٩
(٢٠) - بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَّةَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٢٤)
الصحابيّ ﴿ّا (أَنَّ أَعْرَابِيّاً) قال الحافظ: ما عرفت اسمه، (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَل
عَنِ الْهِجْرَةِ)؛ أي: تَرْك الوطن، والانتقال من بلده إلى المدينة، تأييداً، وتقويةً
للنبيّ وَّه والمسلمين، وإعانةً لهم على قتال الكفرة، وكانت فرضاً في أول
الأمر، ثم صارت مندوبة، فلعلّ السؤال كان في آخر الأمر، أو لعله وَلّ خاف
عليه؛ لِمَا كان عليه الأعراب من الضعف، حتى إن أحدهم ليقول إذا حصل له
مرض في المدينة: أقلني بيعتك، ونحو ذلك، ولذلك قال: ((إن شأن الهجرة
لشدید» .
وقال النوويّ كَّتُهُ: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا
الأعرابيّ ملازمة المدينة، مع النبيّ وَ﴿ه، وتَرْك أهله ووطنه، فخاف عليه
النبيّ وَّ﴿ أن لا يَقْوَى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأن يَنْكُص على عقبيه، فقال
له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك،
وحيثما كنت، فهو ينفعك، ولا يُنقصك الله منه شيئاً، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): والهجرة المسئول عنها مفارقة دار الكفر إذ ذاك،
والتزام أحكام المهاجرين مع النبيّ بَّ، وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة؛ لأنها
كانت إذ ذاك فرض عَيْن، ثم نُسخ ذلك بقوله وَلّ: ((لا هجرة بعد الفتح)).
انتھی .
(فَقَالَ) وَّرِ ((وَيْحَكَ) قال في ((النهاية)): وَيْحَ كلمة ترحّم، وتوجّعٍ، تقال
لمن وقع في هلكة، لا يستحقّها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي
منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيد،
وویحاً له، وویحٌ له. انتهى(٢).
(إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ) ((الشأن)) بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة:
الخطب، والأمر (لَشَدِيدٌ) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: سؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما
هو عن وجوبها عليه، فأجابه النبيّ وَ ل ﴿ بقوله: ((إن شأنها لشديد))؛ أي: إن
أمرها صعبٌ، وشروطها عظيمة، ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ على أنها ليست
بواجبة عليه. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصّاً بذلك الأعرابيّ، لِمَا عَلِم من
(١) (شرح النوويّ)) ٩/١٣.
(٢) ((النهاية)) ٢٣٥/٥.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حاله، وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورَحِمَه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. انتهى (١).
وقال النوويّ كَّلهُ: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا
الأعرابيّ: ملازمة المدينة مع النبيّ وَّر، وتَرْك أهله، ووطنه، فخاف عليه
النبيّ وَ﴿ أن لا يقوى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأن ينكُص على عقبيه، فقال
له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك،
وحيث ما كنت، فهو ينفعك، ولا ينقصك الله منه شيئاً، والله أعلم. انتهى(٢).
(فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَهَلْ تُؤْتِي)، وفي بعض النسخ:
(تؤدّي)) (صَدَقَتَهَا؟)؛ أيُ: زكاتها، (قَالَ: نَعَمْ) زاد في رواية: «هل تحلُبها يوم
وِزْدها؟))؛ يعني: أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه، حَلَبُوا مواشيهم،
فسَقَوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه.
(قَالَ: ((فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ)؛ أي: فأت بالخيرات كلّها، وإن كنت
وراء القرى، وسكنت أقصى الأرض، فلا يضرّك بُعدك عن المسلمين. قال
النوويّ: قال العلماء: والمراد بالبحار هنا: القرى، والعرب تسمّي القرى:
البحار، والقريةُ: البحيرة. انتهى. وقال في ((الفتح)): هذا مبالغة في إعلامه بأن
عمله لا يضيع في أي موضع كان.
(فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَلَكَ) بفتح التحتانيّة، وكسر المثنّة، ثم راء، وكاف؛ أي:
لن ينقُصك، يقال: وتَره يتره، من باب وعد: إذا نقصه، فهو من التِّرَة؛
كالعِدَة، والكاف مفعول به. وقال السنديّ: ويحتمل أنه من الترك، فالكاف من
الكلمة؛ أي: لا يترك شيئاً من عملك، مهمَلاً، بل يُجازيك على جميع
أعمالك، في أي محلّ فعلت. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ
رحمه الله تعالى، إن صحّت الرواية به، فذاك، وإلا فالضبط الأول متعيّنٌ.
والله تعالى أعلم.
(مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا)))؛ أي: من ثواب عملك شيئاً، حيث كنت.
(١) ((المفهم)) ٧١/٤ - ٧٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩/١٣.