Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(١٤) - بَابُ حُكْم مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ - حديث رقم (٤٧٨٩)
انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (أَبُوهُ) وَقْدان - بسكون القاف - ويقال: واقد العبديّ الكوفيّ، وهو
الأكبر(١)، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٢٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة))
١١٩٩/٥.
و((عَرْفَجة ظُله)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَُّهُ، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو
(٣٣٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: ((مَنْ أَتَاكُمْ، وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ)؛ أي: مجتمع على
مبايعة رجل للخلافة.
وقوله: (يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ) معناه: يفرّق جماعتكم، كما تفرّق العصا
المشقوقة، وهو عبارة عن اختلاف الكلمة، وتنافر النفوس، قاله
النوويّ تظلم(٢).
وقال في ((النهاية)): يقال: شقّ العصا؛ أي: فارق الجماعة، قال
الطيبيّ كَُّهُ: هذا تمثيل، شَبّه اجتماعَ الناس، واتّفاقهم على أمر واحد بالعصا
إذا لم تُشقّ، وافتراقهم من ذلك الأمر بشقّ العصا، ثم كَنَى به عنه، فضُرب
مثلاً للتفريق. يدلّ على هذا التأويل: قوله: ((وأمركم جميع على رجل))، حيث
أسند الجميع إلى الأمر إسناد مجازيّاً؛ لأنه سبب اجتماع الناس. انتهى (٣).
وقوله: (أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَاقْتُلُوهُ))؛ أي: إن لم يندفع إلا بالقتل، وإلا فيُدفع بالأسهل
فالأسهل، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ولهم أبو يعفور الأصغر، واسمه عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس من الطبقة
الخامسة، تقدّم في ((الإيمان)) ٢٦٠/٣٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٤٢/١٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٦/٨.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(١٥) - (بَابٌ إِذَا بُوبِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٠] (١٨٥٣) - (وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِذَا بُوِيِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ) هو: وهب بن بقيّة بن عثمان بن شابور بن
عُبيد بن آدم بن زياد، أبو محمد المعروف بوَهْبان، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وهُشيم، وسليم بن
أخضر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وخالد بن عبد الله، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائيّ عن زكريا السجزيّ، عنه،
وأبو زرعة الرازيّ، وابن أبي عاصم، وبَقَيّ بن مَخْلَد، وحنبل بن إسحاق،
وغيرهم.
قال هاشم بن مَرْثد عن ابن معين: وَهْبان ثقةٌ، إلا أنه سمع وهو صغير،
وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال مسلمة: واسطيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد بَحْشَل:
وُلد سنة خمس وخمسين ومائة.
روى عنه المصنّف، وأبو داود، وروى النسائي عنه بواسطة، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨٥٣)، وحديث (١٩٩٠) و(٢٢١٨).
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان، أبو الْهَيثم الواسطيّ
المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.

٢٠٣
(١٥) - بَابٌ إِذَا بُوبِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ - حديث رقم (٤٧٩٠)
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت٨
أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌َ﴿ّ، مات سنة (٣ أو٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن فيه واسطيّيْن، وبصريّيْن، ومدنيّ،
وفيه أبو سعيد رُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: إِذَا بُوبِعَ
لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: هذا محمول على إذا لم
يندفع إلا بقتله، وقد سبق إيضاح هذا في الأبواب السابقة، وفيه أنه لا يجوز
عَقْدها لخليفتين، وقد سبق قريباً نَقْل الإجماع فيه، واحتمال إمام الحرمين.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: نَقْل الإجماع المذكور فيه نَظَر لا يخفى، فإن
الواقع في الأمة خلافه، فقد حصلت البيعة لابن الزبير، وعبد الملك بن مروان
في واحد، وكذلك لغيرهما، مع وجود كثير من الصحابة وأكابر التابعين، فتأمله
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: هذا فيه من الفقه تسمية الملوك بالخلفاء، وإن كانت
الخلافة الحقيقيّة إنما صحّت للخلفاء الأربعة ﴿ه، وفيه أنه لا يجوز نصب
خلیفتین، كما تقدّم. انتهى(٢).
وقال البيضاويّ كَّلُهُ: قوله: ((فاقتلوا الآخر)) قيل: أراد بالقتل: المقاتلة؛
لأنها تؤدّي إليه من حيث إنه غايتها، وقيل: أراد: إبطال بيعته، وتوهين أمره،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤٢/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٦٣/٤.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
من قولهم: قتلت الشراب: إذا مزجته، وكسرت سَوْرته بالماء، ومنه قول
حسّان ظُه [من الكامل]:
قُتِلَتْ قُتِلْتَ فَهَاتِهَا لَمْ تُقَثَّلِ
إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا
قال الطيبيّ تَخُّْهُ: أقول: الأول من الوجهين يستدعي الثاني؛ لأن الآخَر
منهما خارج على الأول، باغ عليه، فتجب المقاتلة معه حتى يفيء إلى أمر الله،
وإلا قُتِل، فهو مجاز باعتبار ما يَؤُول؛ للحثّ على دفعه، وإبطال بيعته، وتوهين
أمره، وقال النوويّ: قاتِل أهل البغي غير ناقض عَهْده لهم إن عَهِدَ؛ لأنهم
حاربوا من يلزم الإمامَ محاربته.
واتّفقوا على أنه لا يجوز أن تُعقد الإمامة لخليفتين في عصر واحد، سواء
اتّسعت دار الإسلام أو لا، قال إمام الحرمين في ((كتاب الإرشاد)): قال
أصحابنا: لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها للاثنين
في صقع(١) واحد، وإن بَعُدَ ما بينهما، وتخلّلت بينهما شسوعٌ، فللاحتمال فيه
مجال، وهو خارج من القواطع. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٩٠/١٥] (١٨٥٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤/ ٤١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٤/٨) و((شُعَب الإيمان)) (١٠/٦)،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((الصقع)) بضمّ الصاد، وسكون القاف: الناحية من البلاد، والجهة أيضاً،
والمحلّة. اهـ. ((المصباح)) ٣٤٥/١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٥/٨.

٢٠٥
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٩١)
(١٦) - (بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ،
وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩١] (١٨٥٤) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ
يَحْبَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ، وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ
أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ، وَتَابَعَ))، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ((لَا، مَا صَلَّوْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ) البصريّ، ويقال له: هُذْبَةُ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد
النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ١١/ ١٥١.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن ديار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يُرسل كثيراً، ويدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٠)
وقد قارب التسعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٥ - (ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنِ) الْعَنَزيّ البصريّ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن عمر، وأبيّ موسى، وأبي هريرة، وأم سلمة
وروى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن، وقتادة، وميمون بن
مهران، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال محمد بن عبد الله الأزديّ
الأندلسيّ: هو ثقةٌ، مشهورٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). له في الكتب
حديث واحد في الإسراء
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحديث، وأعاده المصنّف بعده.

=
٢٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٦ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة، أو سهيل بن عبد الله بن عُمر بن
المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ وَ﴿ بعد أبي سلمة
سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستّين سنةً، وماتت سنة (٦٢) على
الأصحّ (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َلَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى
الصحابيّة، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن
الحسن، عن ضبّة، وضبّة لا يوجد في الكتب الستّة من يتسمّى باسمه غيره.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمّ سَلَمَةَ) ﴿َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((سَتَكُونُ أُمَرَاءُ) وفي الرواية
التالية: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ))، (فَتَعْرِفُونَ، وَتُنْكِرُونَ)؛ أي: يعمل أولئك
الأمراء أعمالاً منها ما تعرفون كونه معروفاً، ومنها ما تعرفون كونه منكراً،
فتنكرونه(١). (فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ) وفي الرواية التالية: ((فمن كَرِهَ فقد برئ»، قال
القرطبيّ تَظّثُهُ: أي: من عرف المنكر، وكرِهه بقلبه، بدليل الرواية الأخرى،
فتُقيّد إحداهما بالأخرى؛ يعني: أن من كان كذلك، فقد برىء؛ أي: تبرّأ من
فعل المنكر، ومن فاعله. انتهى (٢) .
وقال النوويّ كَّتُهُ: فأما رواية مَن رَوَى: ((فمن كَرِه فقد برئ))، فظاهرةٌ،
ومعناه: مَن كَرِه ذلك المنكر، فقد برئ من إثمه، وعقوبته، وهذا في حقّ من
لا يستطيع إنكاره بيده، ولا لسانه، فليكرهه بقلبه، وليبرأ، وأما من روى:
((فمن عَرَف، فقد برئ))؛ فمعناه - والله أعلم -: فمن عَرَفَ المنكر، ولم يشتبه
عليه، فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه، وعقوبته، بأن يغيّره بيديه، أو
بلسانه، فإن عَجَز، فليكرهه بقلبه. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ نقلاً عن البيضاويّ: قوله: ((تعرفون، وتنكرون)) صفتان
(١) ((المفهم)) ٤ / ٦٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٤٣/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٦٤/٤.

٢٠٧
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٩١)
لـ«أمراء)»، والراجع فيهما محذوفٌ؛ أي: تعرفون بعض أفعالهم، وتنكرون
بعضها، يريد: أن أفعالهم يكون بعضها حسناً، وبعضها قبيحاً، فمن قَدَر أن
يُنكر عليهم قبائح أفعالهم، وسماجة أحوالهم، وأنكر، فقد برىء من المداهنة
والنفاق، ومن لم يقدر على ذلك، ولكن أنكر بقلبه، وكرِهَ ذلك، فقد سَلِم من
مشاركتهم في الوزر والوبال، ولكن من رضي بفعلهم بالقلب، وتابعهم في
العمل، فهو الذي شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان.
(١)
انتھی
(وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ)؛ أي: من أنكر ذلك المنكر بقلبه، بدليل تقييده بذلك
في الرواية الأخرى؛ أي: اعتقد الإنكار بقلبه، وجزم عليه، بحيث لو تمكّن من
إظهار الإنكار لأنكره، ومن كان كذلك فقد سلِم من مؤاخذة الله تعالى على
الإقرار على المنكر، وهذه المرتبة هي رتبة من لم يقدر على تغيير المنكر، لا
باللسان، ولا باليد، وهي التي قال فيها النبيّ وَّ: ((وذلك أضعف الإيمان،
وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان))(٢)، رواه مسلم.
(وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ، وَتَابَعَ)))؛ أي: ولكن الإثم والعقوبة على من رَضِيَ
المنكر، وتابع على فعله، وإنما حذف الخبر؛ لدلالة الحال، وسياق الكلام
على أن حكم هذا القسم ضدّ ما أثبته لقسيميه(٣).
(قَالُوا) زاد في الرواية التالية: ((يا رسول الله))، (أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟)؛ أي:
الأمراء الذين يفعلون ذلك المنكر، (قَالَ) وَ (لَا)؛ أي: لا تقاتلوهم (مَا
صَلَّوْ))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة صلاتهم، والظاهر أن المراد: إقامة
الصلاة، ومنهم من تأوّله بأن المراد: ما داموا على الإسلام، فالصلاة إشارة
إلى ذلك، لكن الأول هو الأظهر، فإذا تركوا الصلاة جاز الخروج عليهم،
فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ نَظّتُهُ: وإنما منع عن قتالهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٢/٨.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٦٤.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨/ ٢٥٦٢.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عماد الدين، وعُنوان الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان؛ حذراً من تهييج
الفتن، واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشدّ نكايةً من احتمال مُنگرهم،
والمصابرة على ما يُنكر منهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٩١/١٦ و٤٧٩٢ و٤٧٩٣ و٤٧٩٤] (١٨٥٤)،
و(أبو داود) في ((السُّنّة)) (٤٧٦٠ و٤٧٦١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٦٥)،
و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١٤٨/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧)
٤٦٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٥/٦ و٣٠٢ و٣٠٥ و٣٢١)، و(ابن راهويه)
في («مسنده)) (١٢٨/٤ و١٤٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٧/٤ و٤١٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤١٤/١٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣٠/٢٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٨/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّ حيث أخبر بما يقع بعده،
فوقع ذلك كما أخبر الله .
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن مَن عجز عن إزالة المنكر، لا يأثم
بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة
عليه .
٤ - (ومنها): أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم، أو
الفسق، ما لم يغيروا شيئاً من قواعد الإسلام.
-
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨/ ٢٥٦٢.

٢٠٩
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٩٢)
٥ - (ومنها): أن الأمراء لا يقاتلون، ولا يُقتلون إذا صلوا الصلوات
الخمس، وأن من لم يصلّها قوتِل، وقُتِل، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً
عَنْ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيُّ - حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنِ الْعَنَزِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ
النَّبِيِّ وَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ، وَتُنْكِرُونَ،
فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ، فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ))، قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ((لَا، مَا صَلَّوْا))؛ أَيْ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ، وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيُّ) البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَمْ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ، وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ) هذا التفسير إما من قتادة، كما
ذكره البيهقيّ في ((الكبرى))، ولفظه: ((قال قتادة: يعني من أنكر بقلبه، ومن كره
بقلبه)). انتھی.
وإما من الحسن، فقد ذكره البيهقيّ أيضاً، فقال: قال الحسن: فمن أنكر
بلسانه فقد برئ، وقد ذهب زمان هذه، ومن كره بقلبه، فقد جاء زمان هذه.
(١) .
انتھی
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٥٨/٨.

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقال محمد بن نصر المروزيّ في ((تعظيم قدر الصلاة)): وقال الحسن
وفسّره: فمن أنكر بلسانه، فقد برىء، فقد ذهب زمان هذا، ومن كره بقلبه،
فقد سَلِم، وقد جاء زمان هذا، قال: ولكن مَن رَضِيَ وتابع، قال الحسن:
فأبعده الله. انتهى(١).
ونقل الطيبيّ عن المظهر أنه قال: هذا التفسير غير مستقيم؛ لأن
الإنكار يكون باللسان، والكراهة بالقلب، ولو كان كلاهما بالقلب لكانا
مُنْكَرين؛ لأنه لا فرق بينهما بالنسبة إلى القلب، وقد جاء هذا الحديث في
رواية أخرى، وفي تلك الرواية: ((من أنكر بلسانه برىء، ومن أنكر بقلبه،
فقد سَلِم)).
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أقول: هذا التعليل غير مستقيم، وأول شيء يدفعه
ما في الحديث من قوله: ((تُنكرون))؛ لأن هذا الإنكار ليس إلا بالقلب؛ لوقوعه
قسيماً لـ(تعرفون))، ومعناه على ما قال الشيخ التوربشتيّ، والقاضي: أي: تَرَوْن
منهم من حسن السيرة ما تعرفون، وترون من سوء السيرة ما تنكرون؛ أي:
تجهلونه، فإن المعروف ما يُعرف بالشرع حُسنه، والمنكر عكسه، ولأن قوله:
((فمن أنكر فقد برىء، ومن كره فقد سَلِم)) تفصيل لـ(تنكرون)) بشهادة الفاء في
((فمن أنكر))، ولن يكون المفصّل مخالفاً للمجمَل؛ ومعناه: فمن أنكر ما لا
يُعرف حُسنه في الشرع، فقد برىء من النفاق، ومن لم يُنكره حقّ الإنكار، بل
كرهه بقلبه، فقد سَلِم، ولا بدّ لمن أنكره بقلبه حقّ الإنكار أن يُظهره بالمكافحة
بلسانه، بل يجاهد بيده، وجميع جوارحه، وإذا قيّد الإنكار بقلبه أفاد هذا
المعنى، وإذا خصّ بلسانه لم يُفده، ويدلّ على أن الإنكار إذا لم يكن كما
ينبغي سُمّي بالكراهة.
قال: وحاشا لمكانة إمام أئمة الدنيا - أعني: مسلماً - أن يَخرج مِن فيه
كلام غير مستقيم، لا سيّما في تفسير الكلام النبويّ. انتهى(٢).
(١) ((تعظيم قدر الصلاة)) ٩٠٨/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٢/٨.

٢١١
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٩٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
زَيْدٍ - حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، وَهِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ
بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدّم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ) الْقُرْدوسيّ، أبو الحسن البصريّ، صدوقٌ قليل
الحديث، زاهدٌ [٧].
رَوَى عن الحسن، وحنظلة السَّدُوسيّ، ومعاوية بن قُرّة، والعلاء بن بشر،
وغيرهم.
ورَوَى عنه هشام بن حسان، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، وجعفر بن
سلیمان، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال أبو بكر
البزاز: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن عديّ: حدّثنا عليّ بن أحمد - يعني: علّان - حدّثنا أحمد بن
سعيد بن أبي مريم، قال: سألت ابن معين عن معلى بن زياد، فقال: ليس
بشيء، ولا يُكتب حديثه، وقال ابن عديّ: هو معدود من زُهّاد أهل البصرة، ولا
أرى برواياته بأساً، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يُكتب حديثه؟. انتهى.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا
الكتاب إلا ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨٥٤)، وحديث (٢٨٨٨)،
وحديث (٢٩٤٨).
٤ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من
أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل:
كان يرسل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.

٢١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَمَنْ أَنْكَرَ ... إلخ) كان الظاهر أن يقول: ((قالا»،
فيكون ضمير التثنية عائداً على المعلى، وهشام، ويمكن أن يُجعل الضمير
راجعاً إلى شيخه أبي الربيع، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية المعلى بن زياد، وهشام بن حسّان، كلاهما عن الحسن
البصريّ، ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال:
(٤٧٦٠) - حدّثنا مسدد، وسليمان بن داود المعنى، قالا: ثنا حماد بن
زيد، عن المعلَّى بن زياد، وهشام بن حسّان، عن الحسن، عن ضَبّة بن مِحْصَن،
عن أم سلمة زوج النبيّ وَّله، قالت: قال رسول الله وَل: ((ستكون عليكم أئمة،
تعرفون منهم، وتنكرون، فمن أنكر - قال أبو داود: قال هشام : - بلسانه فقد
برئ، ومن كَرِهَ بقلبه، فقد سلم، ولكن مَن رَضِيَ وتابع))، فقيل: يا رسول الله،
أفلا نقتلهم؟ - قال ابن داود: أفلا نقاتلهم؟ -، قال: ((لا، ما صَلَّوْا)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِّنَّةِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا قَوْلَهُ: ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ))، لَمْ يَذْكُرْهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبيع) البجلي الكوفي، ثقة [١٠] تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (ابْنُ المُبارَكِ) هو عبد الله، الإمام الحُجّة المشهور، [٨] تقدم في
((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (هشامٌ) ابن حسان القردوسي البصري، ثقة [٦] تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية هشام بن حسّان، عن الحسن هذه ساقها الطبرانيّ تَّتُ في
((الكبير))، فقال:
(٧٦٠٢ ٦٠ ٢) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا
(١) ((سنن أبي داود)) ٤/ ٢٤٢.

٢١٣
(١٧) - بَابُ خِيَارِ الأَئِمَّةِ، وَشِرَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٩٥)
ابن المبارك، عن هشام بن حسّان، عن الحسن، عن ضَبّة بن مِحْصَن، عن أم
سلمة، قالت: سمعت رسول الله وَ﴿ه يقول: ((إنها سيكون أمراء، يُعْرَفون،
ويُنْكَرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كَرِه فقد سَلِمَ))، قيل: يا رسول الله،
فيقاتَلُون؟ قال: ((لا، ما صَلَّوْا)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١٧) - (بَابُ خِيَارِ الأَئِمَّةِ، وَشِرَارِهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٥] (١٨٥٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ رُزَيْقِ بْنِ
حَيَّانَ، عَنْ مُسْلِم بْنِ قَرَظَةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: (((خِيَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ))، قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟، فَقَالَ(٢): ((لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا
رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَداً مِنْ طَاعَةٍ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو
الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦].
رَوَى عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، ويُسر بن عبيد الله الحضرميّ،
ورُزيق بن حيّان، ومكحول، ووهب بن مُنَّبِّه، وغيرهم.
(١) ((المعجم الكبير)) ٣٣١/٢٣.
(٢) وفي نسخة: ((قال)).

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وروى عنه أخوه عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخيه عبد الرحمن،
والأوزاعيّ، وثور بن يزيد، ويزيد بن يوسف الصنعانيّ، والسفيانان، وحسين بن
عليّ الجعفيّ، وآخرون.
قال ابن سعد: كان ثقةً - إن شاء الله تعالى - وكان أصغر من أخيه، ولكنه
تقَدّم موته، وقال البخاريّ: قال عليّ: سمعت حُسيناً الجعفيّ يقول: قَدِمَ علينا
يزيد بن يزيد، فذكر من بكائه، وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: رأيت
يزيد بن يزيد بن جابر يَعْرِض على الزهريّ، وقال له مكحول في قصة جَرَت: إنك
رجل يؤخذ عنك، قال أبو مسهر: أعْلى أصحاب مكحول: سليمان بن موسى،
ويزيد بن يزيد، وكذا قال الهيثم بن خارجة، ودُحَيم، وقال ابن أبي حاتم، عن
أبيه: أثبتهم سليمان، ثم يزيد، وقال أيضاً: سمعت أبي يقول: أختار من أهل
الشام بعد الزهريّ ومكحول: سليمان ويزيد، وقال صالح بن أحمد، عن ابن
المدينيّ: سمعت سفيان يقول: قَدِم علينا يزيد بن يزيد، وكان حسن الهيئة، حسن
النحو، كانوا يقولون: لم يكن في أصحاب مكحول مثله، وعن ابن عيينة قال:
كان يزيد ثقةً عالِماً حافظاً، لا أعلم مكحولاً خَلّف مثله، إلا ما ذكره ابن جريج
عن سليمان بن موسى، وقال أبو مسهر: لما مات مكحول، جالسوا يزيد بن
يزيد، فكان يَزِنُ الكلام، فجالسوا سليمان بن موسى، فأوسعهم، وقال أبو قزعة:
قلت لدُحيم: فيزيد بن يزيد بن جابر فوق العلاء بن الحارث؟ قال: نعم، وقال
أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، من صالحيهم، وقال ابن معين، والنسائيّ:
ثقةٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: يزيد وأخوه عبد الرحمن من ثقات الثقات،
ذُكر يزيد للقضاء، فإذا هو أكبر من القضاء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، وقال ابن أبي حاتم: عَرَض عليه شعيبُ بنُ
حمزة اختلاف الزهريّ ومكحول، فخَطّأ الزهريّ أحياناً، وخَطّأ مكحولاً أحياناً،
وقال أبو زرعة الدمشقيّ: رأيت في بعض الكتب: مات يزيد بن يزيد بن جابر سنة
ثلاث وثلاثين، - أي: ومائة - وفيها أرّخه خليفة، وعمرو بن دُحيم، وقال
الواقديّ، وجماعة: مات سنة أربع وثلاثين ومائة، ولم يبلغ ستين سنة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.

٢١٥
(١٧) - بَابُ خِيَارِ الأَئِمَّةِ، وَشِرَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٩٥)
٥ - (رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ) ويقال: زُريق بتقديم الزاي، أبو المقدام الدمشقيّ،
مولى بني فزارة، ذكره البخاريّ وغير واحد في الراء، وذكره أبو زرعة الدمشقيّ
في الزاي، قال: وزُريقٌ لقبٌ لقّبه إياه عبد الملك بن مروان، واسمه سعيد بن
حَيّان، صدوق [٦].
رَوَى عن مسلم بن قَرَظَة الأشجعيّ، وعمر بن عبد العزيز.
وروى عنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأخوه يزيد بن يزيد،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن حمزة، قال ابن سُميع: ولاه الوليد،
وسليمان، وعُمر عشور أموال التجارة، ووثّقه النسائيّ، وقال أبو زرعة الرازيّ:
إنه بتقديم الزاي أصحّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في الزاي فقط.
قال أبو زرعة الدمشقيّ: حدّثني مُحرز بن عبد الله بن مُحرز، عن أبيه،
قال: تُوُفِّ زُرَيق بأرض الروم، في إمارة يزيد بن عبد الملك، وهو ابن ثمانين
سنةً، وأرّخه ابن يونس سنة (١٠٥).
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: إن كانت وفاته محفوظةً، فرواية
یحیی بن حمزة عنه مستحيل.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده في هذا الكتاب إلا هذا الحديث،
وأعاده بعده.
٦ - (مُسْلِمُ بْنُ قَرَظَةَ) - بفتحات، والظاء المعجمة - الأشجعيّ، ابن أخي
عوف بن مالك، ثقة(١) [٣].
(١) فقوله في ((التقريب)): مقبول، غير مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم
هنا في الأصول، وقال عنه البزّار: مشهور، ووثقه ابن حبّان، ولم يشر إلى تضعيفه
أحد، فلا شكّ في توثيق مثل هذا، فتأمله بالإمعان، وقد ذكرت في ((الفوائد))
قاعدة ذكرها الذهبيّ كَُّ في كتابه («ميزان الاعتدال))، فقلت:
الذَّهَبِيُّ النَّاقِدُ الْهُمَامُ
قَاعِدَةٌ حَفَّقَهَا الإِمَامُ
مِنَ الْمَشَابِخِ وَلَمْ يُنْتَقَدِ
إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحَدٍ
حَدِيثُهُ وَإِنْ خَلَا التَّصْرِيحُ
بِنَقْلِهِ الْمُنْكَرَ قُلْ صَحِيحُ
بِذَا يَقُولُ جُلُّ مَنْ قَدْ حَقَّقَهْ
مِنَ الأَئِمَّةِ بِكَوْنِهِ ثِقَهْ
لَّدَى ((الصَّحِيحَيْنِ)) رِجَالاً مَا بَدَا
قَالَ بِذَا الشَّيْخَانِ إِذْ قَدْ أَوْرَدَا
=

٢١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رَوَى عن عوف بن مالك، وهو ابن عمه، ويقال: ابن أخيه، وروى عنه
ربيعة بن يزيد، وزريق بن حيّان مولى بني فزارة.
قال أبو بكر البزار: مسلم هذا مشهور، وذكره يعقوب بن سفيان في
الطبقة العليا من أهل الشام، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
[تنبيه]: قال الحافظ المزيّ: ذكر صاحب ((الكمال)) أن يزيد بن يزيد بن
جابر روی عن مسلم هذا، ووهم في ذلك، وإنما يروي یزید عن زُریق عنه.
وتعقّبه الحافظ بأن البخاريّ، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان، وغيرهم
ذكروا أن يزيد بن يزيد بن جابر يروي عنه.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٧ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكِ) الأشجعيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو حمّاد، وقيل
غير ذلك، الصحابيّ المشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة
(٧٣) (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَذَثُهُ، وأنه مسلسلٌ بالشامیین، سوی شیخه،
فمروزيّ، وعيسى، وإن كان كوفيّاً، إلا أنه نزل الشام مُرابطاً، وفيه رواية
الراوي عن قریبه، مسلم، عن عوف
قال الجامع عفا الله عنه: شرح هذا الحديث يأتي في الحديث التالي،
وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، فتنبّه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِم -
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَحمُنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ - وَهُوَ رُزَيْقُ بُّنُ
حَيَّنَ - أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ، ابْنَ عَمِّ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ، يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكِ الأَشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((خِيَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ
= عَنْ أَحَدٍ تَوْثِيقُهُمْ وَهَكَذَا ذَكَرَ في (الْمِيزَانٍ)) نِعْمَ مَأْخَذَا

٢١٧
(١٧) - بَابُ خِيَارِ الأَئِمَّةِ، وَشِرَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٩٦)
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ))، قَالَ: قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ(١)، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا، مَا
أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ،
فَلْيَكْرَوْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ بَدَأَ مِنْ طَاعَةٍ))، قَالَ ابْنُ جَابِرٍ: فَقُلْتُ
- يَعْنِي: لِرُزَيْقٍ - حِينَ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ: اللهِ يَا أَبَا الْمِقْدَامِ لَحَدَّثَكَ بِهَذَا؟
- أَوْ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُسْلِم بْنٍ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفاً، يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: فَجَثَا عَلَّى رُكْبَتَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتُهُ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴾.
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) أخو يزيد بن يزيد المذكور في
السند الماضي، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد أعلى من الأول بدرجة، فإنه سداسيّ، وذاك
سباعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ الشاميّ الدارانيّ، قال: (أَخْبَرَنِي مَوْلَى
بَنِي فَزَارَةَ - وَهُوَ رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ) قال النوويّ كَُّ: ذكره البخاريّ، وابن أبي
حاتم، والدارقطنيّ، وعبد الغنيّ بن سعيد المصريّ، وابن ماكولا، وغيرهم،
من أصحاب ((المؤتَلِف)) بتقديم الراء المهملة، وهو الموجود في معظم نسخ
(١) وفي نسخة: (قالوا: قلنا: يا رسول الله)).

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
((صحيح مسلم))، وقال أبو زرعة الرازيّ، والدمشقيّ: بتقديم الزاي المعجمة،
والله أعلم. انتهى(١).
(أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ) بفتح القاف، والراء، وبالظاء المعجمة، (ابْنَ
عَمِّ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) ◌َُ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ
الأَشْجَعِيَّ) ◌َله (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ) مبتدأ،
خبره قوله: (الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ)؛ أي: الذين يرفقون بكم، ويعدلون
بينكم، فتودّونهم، وتطيعونهم لأجل ذلك، وهم كذلك يودّونكم؛ لأنهم يرون
آثار عدلهم باديةً عليكم، ونتائج أعمالهم الصالحة ظاهرةً فيكم، ومن شأن
الإنسان أن يُحبّ مشاهدة آثار نفسه، فيحبّ من تتجلّى فيه تلك الآثار؛ لأن
ظهورها وبقاءها به، وببقائه. (وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ) قال الأشرف:
الصلاة هنا بمعنى الدعاء؛ أي: تَدْعون لهم، ويدعون لكم، يدلّ عليه قوله:
(تلعنونهم، ويلعنونكم))، وقال المظهر: أي: يصلّون عليكم إذا مِتّم، وتصلّون
عليهم إذا ماتوا عن الطوع والرغبة.
قال الطيبيّ تَخُّْ بعد ذكر القولين: أقول: لعلّ هذا الوجه أَولى، أي:
تُحبّونهم، ويُحبّونكم ما دُمتم في قيد الحياة، فإذا جاء الموت يترحّم بعضكم
على بعض، ويذكر صاحبه بالخير. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم))؛ أي: تدعون
لهم بالمعونة على القيام بالحقّ والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد، وإعانتهم
على الخير، وكل فريق يحب الآخر؛ لِمَا بينهم من المواصلة، والتراحم،
والشفقة، والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة ﴿، وفي
زمان عمر بن عبد العزيز تَخْلُهُ، ونقيض ذلك في الشرار؛ لِتَرْك كل فريق منهما
القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتّباع الأهواء، والْجَوْرِ، والبُخل،
والإساءة، فينشأ عن ذلك التباغض، والتَّلاعن، وسائر المفاسد. انتهى (٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤٤/١٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦١/٨ - ٢٥٦٢.
(٣) ((المفهم)) ٦٥/٤.

٢١٩
(١٧) - بَابُ خِيَارِ الأَئِمَّةِ، وَشِرَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٩٦)
(وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ) بضمّ حرف المضارعة،
(وَقَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ)))؛ أي: تدعون عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى،
ويدعون عليكم بذلك، وأصل اللعن من الله تعالى: هو الطرد والإبعاد من
رحمته، ومن الخلق: السبّ والدعاء به. (قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ(١)، أَفَلَا
تُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟) وفي الرواية السابقة: ((أفلا ننابذهم بالسيف؟))؛ أي: أفلا
ننبذ إليهم عهدهم؛ أي: ننقضه، كما قال تعالى: ﴿فَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾
[الأنفال: ٥٨]، ونخرج عليهم بالسيف، فيكون المجرور متعلقاً بمحذوف دلّ
عليه المعنى، وحُذف إيجازاً واختصاراً، قاله القرطبيّ(٢).
(قَالَ) وَِّ (لَا)؛ أي: لا تنابذوهم (مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ) ((ما)) مصدريّة
ظرفيّة؛ أي: مدّة إقامتهم معكم الصلاة؛ لأنها علة اجتماع الكلمة، ووحدة
الصفوف.
وفيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة، وأن تَرْكها موجب لنزع اليد من الطاعة،
كالكفر على ما سبق في حديث عبادة بن الصامت ظابه في قوله: ((إلا أن تروا
كفراً بَوَاحاً)) الحديث(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)): ظاهره: ما
حافظوا على الصلوات المعهودة بحدودها، وأحكامها، وداموا على ذلك،
وأظهروه، وقيل: معناه: ما داموا على كلمة الاسلام؛ كما قد عبَّر بالمصلين
عن المسلمين؛ كما قال ◌َّ: ((نُهيتُ عن قتل المصلين))؛ أي: المسلمين،
والأوَّل أظهر، وقد تقدَّم التنبيه على ما في هذا الحديث من الأحكام
والخلاف(٤).
وقوله: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ) كرّره لتأكيد أهميّتها، (أَلَا) أداة
استفتاح وتنبيه، (مَنْ وَلِيَ) بكسر اللام، (عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي)؛ أي: يفعل
(١) وفي نسخة: ((قالوا: قلنا: يا رسول الله)).
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٦٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٢/٨.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٦٥.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي) أي فليكره الفعل الذي يفعله، وقوله: (مِنْ
مَعْصِيَةِ اللهِ) بيان لـ((ما يأتي))، (وَلَا يَنْزِعَنَّ) بكسر الزاي، (يَدَأَ مِنْ طَاعَةٍ))، قَالَ
ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، (فَقُلْتُ - يَعْنِي: لِرُزَيْقٍ - حِينَ
حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ: آللهِ) بمدّ الهمزة، وأصله: أَوَالله، أبدلوا واو القسم
همزةً، ثم أدخلت عليها همزة الاستفهام التقريريّ، فأُبدلت الثانية ألفاً، فصار:
الله(١). (يَا أَبَا الْمِقْدَام) كنية رُزيق بن حيّان، (لَحَدَّثَكَ بِهَذَا - أَوْ) للشكّ من
الراوي، (سَمِعْتَ هَذَاَ مِنْ مُسْلِم بْنِ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفاً، يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ؟) إنما نَشَده بالله تعالى توثيقاً لِمَا رواه من الحديث. (قَالَ: فَجَثَا
عَلَى رُكْبَتَيْهِ) قال النوويّ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((فجثا)) بالثاء المثلثة، وفي
بعضها: ((فجذا))، بالذال المعجمة، وكلاهما صحيح، فأما بالثاء، فيقال منه:
جثا على ركبتيه يجثو، وجثا يجثي، من بابي دعا، ورَمَى جُثُوّاً، وجُثِيّاً بالضمّ
فيهما: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وأجثاه غيره، وتَجَاثَوْا
على الرُّكَب، وهو جاثٍ، جَمْعه جُئِيٍّ، وجِئِيٍّ، بضم الجيم، وكسرها(٢).
وأما ((جذا)) فهو: الجلوس على أطراف أصابع الرجلين، ناصب القدمين،
وهو الجاذي، والجمع جِذاً، مثلُ نائم ونِيَام، قال الجمهور: الجاذي أشدّ
استيفازاً من الجاثي، وقال أبو عمرو: هما لغتان. انتهى(٣).
(وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) إنما استقبل القبلة، وجثا على ركبتيه اهتماماً برواية
الحديث، وإظهاراً لِمَا في قلبه من خطورة رواية الحديث وعظمته. (فَقَالَ) رُزيق،
(إِي) بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة: بمعنى: نعم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِى وَرَبِ﴾
الآية [يونس: ٥٣]، (وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتُهُ مِنْ مُسْلِمٍ بْنِ قَرَظَةَ، يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) زاد في الرواية الآتية في
التنبيه: ((وحلف على ما سألته أن يحلف عليه، قال ابن جابر: فلم أستحلفه اتّهاماً،
ولكن استحلفته استثباتاً))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((شرح الشيخ الهرري)) ١١٥/٢٠.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص١٩٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٤٥/١٢.