Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ طَلَبِ الإِمَارَةِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا - حديث رقم (٤٧١٠)
فِي قَوْمَتِي) وفي رواية سعيد: ((وأحتسب)) في الموضعين، وحاصله أنه يرجو
الأجر في ترويح نفسه بالنوم؛ ليكون أنشط عند القيام.
قال النوويّ تَخْذَلُهُ: معناه: أني أنام بنيّة القوّة، وإجماع النفس للعبادة،
وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر، كما أرجو في قومتي؛ أي:
صلواتي. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: إنما كان ذلك؛ لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد
بنومه الاستعانة على قيامه، والتنشيط عليه، والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم
القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يَفْطُن
لمثل هذا إلا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة بِرَتْوَة (١)؛ أي: بِرَمْيَةٍ
قوس؛ كما قاله ◌َّ﴾، وعلى هذا فما من مُباح إلا ويمكن أن يُقْصَد فيه وجهٌ من
وجوه الخير، فيصير قُرْبَةً بحسب القصد الصحيح، والله أعلم. انتهى(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٠٩/٣ و٤٧١٠] (١٨٢٤)، و(البخاريّ) في
(استتابة المرتدّين)) (٦٩٢٣) و((الأحكام)) (٧١٤٩)، و(أبو داود) في ((الحدود))
(١٣٥٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٩/١ - ١٠) و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٤١٩/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٩/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٠٧١ و٤٤٨١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٢/١)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٢١٦/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٦/١٣)، و(البزّار) في
((مسنده)) (١٣٣/٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٧٨/٤)، و(الرويانيّ) في
(١) أشار به إلى ما أخرجه الطبرانيّ مرسلاً عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: قال
رسول الله وقال: ((معاذ بن جبل إمام العلماء برتوة))، قال الحافظ الهيثميّ: وفيه
محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاريّ، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
انتهى. ((مجمع الزوائد)) ٣١١/٩.
(٢) ((المفهم)) ١٩/٤ - ٢٠.

٧٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(مسنده)) (٣١٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٠/١٠)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنّة)) (٢٤٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ طلب الإمارة، والحرص عليها، وقد وردت أحاديث
في ذلك:
ففي ((الصحيحين)) حديث عبد الرحمن بن سمرة به المذكور في الباب،
وفي ((صحيح البخاريّ)) أيضاً عن أبي هريرة عن النبيّ وَّ ر قال: ((إنكم
ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة، وبئست
الفاطمة)).
وأخرج الطبرانيّ، والبزار بسند صحيح، عن عوف بن مالك بلفظ:
((الإمارة أولها مَلامَة، وثانيها نَدَامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا مَنْ عَدَل)).
وفي ((المعجم الأوسط))، للطبراني من رواية شريك، عن عبد الله بن
عيسى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال شريك: لا أدري رفعه أم لا؟
قال: ((الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة))، وله
شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: ((الإمارة أولها ملامة، وثانيها
ندامة))، أخرجه الطبرانيّ.
وعند الطبرانيّ من حديث زيد بن ثابت رفعه: ((نِعْم الشيء الإمارة لمن
أخذها بحقها وحِلّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه
حَسْرَة يوم القيامة))، أفاده في ((الفتح)) (١).
٢ - (ومنها): منعُ الحريص عليها مِنْ تولّيها؛ لأن فيه تُهْمةً، ويوكل
إليها، ولا يعان، فيؤدّي إلى تضييع الحقوق؛ لِعَجْزه.
٣ - (ومنها): استحباب السواك، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، وقد سبق
بيانها في ((كتاب الطهارة)).
٤ - جواز استياك الإمام بحضرة الرعيّة، وقد ترجم النسائيّ كَّثُ عليه،
فقال: ((باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟)).
(١) ((الفتح)) ٦٣١/١٦، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٤٨).

٧٠٣
(٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - حديث رقم (٤٧١١)
.
ـه
٥ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، فقد قال أبو موسى
((والذي بعثك بالحقّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما)).
٦ - (ومنها): جواز تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلد بين
أمیرین.
٧ - (ومنها): استحباب تزاور الإخوان، والأمراء، والعلماء.
٨ - (ومنها): إكرام الضيف، والقيام بتهيئة الفراش، ونحوه له.
٩ - (ومنها): المبادرة إلى إنكار المنكر، وإن كان هناك من له السلطة
والأمر.
١٠ - (ومنها): إقامة الحدّ على من وجب عليه، وعدم التساهل، والتأخير
فیه .
١١ - (ومنها): وجوب قتل المرتدّ، وقد أجمعوا على ذلك، ولكن
اختلفوا في استتابته، هل هي واجبة، أم مستحبة؟ وفي قَدْرها، وفي قبول
توبته، وفي أن المرأة كالرجل في ذلك، أم لا؟، وقد تقدّم بيان ذلك كلّه في
قول القرطبيّ قريباً .
١٢ - (ومنها): أن المباحات يؤجر عليها الإنسان بالنية إذا صارت وسائل
للمقاصد الواجبة، أو المندوبة، أو تكميلاً لشيء منهما، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧١١] (١٨٢٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي
شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ
بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَرِ، عَنْ أَبِي
ذَرٍّ، قَالَ: قُلَّتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي، قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِي، ثُمَّ
قَالَ: ((يا أَبَّا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ، إِلَّا
مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا))).

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ) بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت١٩٩) وله (٦٤) سنةً (م د س)
تقدم في ((الإيمان)» ٢١١/٢٦.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ حجة مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ،
وكان يُرسل [٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٥ - (بَكْرُ بْنُ عَمْرِو) المعافريّ المصريّ، إمام جامعها، صدوقٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، ومِشْرَح بن هاعان، وبكير بن
عبد الله بن الأشجّ، وعبد الله بن هُبيرة، وغيرهم.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن أيوب، وابن لَهِيعة، وحَيْوة بن
شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم.
قال حرب، عن أحمد: يُرْوَى له، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن
يونس: تُؤُنّي في خلافة أبي جعفر، وكانت له عبادة وفضل، وقال ابن القطان:
لا نعلم عدالته، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)»، وقال: تُؤُفّي بعد الأربعين
ومائة، وقال الحاكم: سألت الدارقطنيّ عنه، فقال: يُنظَر في أمره، وقال
السلميّ عنه: يُعْتَبَر به.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن
ماجه في ((التفسير))، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (الْحَارِثُ بْنُ بَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ) أبو عبد الكريم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
عابدٌ [٤].
عَقَلَ مَقْتَل عثمان رَظُه، ورَوَى عن جُنادة بن أمية، وجُبير بن نُفير،
وعليّ بن رَبَاحِ، وعبد الرحمن بن حُجَيرة، وناعم مولى أم سلمة، وجماعة.

٧٠٥
(٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - حديث رقم (٤٧١١)
ورَوَى عنه بكر بن عمرو، وسعيد بن أبي أيوب، وسعيد بن يزيد الْقِبّانيّ،
والليث، وابن لَهِيعة، والوليد بن المغيرة، ويحيى بن أيوب، والأوزاعيّ،
وغيرهم.
قال أحمد: ثقة من الثقات، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الليث:
كان يصلي كلّ يوم ستمائة ركعة، وقال عبد الله بن صالح العجليّ: ثنا زُهير،
عن يحيى بن سعيد، عن شيخ من حضرموت، وأكثر عليه الثناء، اسمه
الحارث بن يزيد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن يونس: تُوُفّي بِبَرْقَةً سنة (١٣٠).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (ابْنُ حُجَيْرَةَ(١) الأَكْبَرُ) هو: عبد الرحمن بن حُجيرة - مصغّراً -
الْخَوْلانيّ، أبو عبد الله المصريّ القاضي، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي ذرّ، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن
عمرو بن العاص.
وروى عنه ابنه عبد الله، والحارث بن يزيد الحضرميّ، ودَرّاج أبو
السَّمْح، وعبد الله بن ثعلبة الحضرميّ، وأبو عَقِيل زهرة بن معبد، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: مصريّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال
الدارقطنيّ: مصريّ، ثقةٌ، معروفٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن يونس: تُؤُفِّي في المحرّم سنة ثلاث وثمانين، قال: وكان
عبد العزيز بن مروان قد جَمَع له القضاء وبيت المال، فكان يأخذ رزق كلّ سنة
ألف دينار، فلم يكن يَحُول عليه الحَوْل وعنده ما يجب فيه الزكاة، وحكى ابن
عبد الحكم في فتوح مصر أنه مات سنة (٨٠).
أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث(٢).
(١) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ياء التصغير.
(٢) له عند ابن ماجه حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة به مرفوعاً: ((إذا أديت
زكاة مالك، فقد قضیت ما عليك)).

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
[تنبيه]: إنما قيّده بالأكبر احترازاً من ابن حُجيرة الأصغر، وهو ولده
عبد الله بن عبد الرحمن بن حُجيرة القاضي، أبو عبد الرحمن المصريّ، ثقة،
من الطبقة السادسة، مات بعد المائة، وهو من رجال النسائيّ فقط، أخرج له
حديثاً واحداً في ((عمل اليوم والليلة))، ولم يُخرج له غيره، فتنبّه.
٨ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة، وقيل غيره، الصحابيّ الشهير، تقدّم
إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم یشهد بدراً، مات
الخُه سنة (٣٢) في خلافة
عثمان رضيًا (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
[تنبيه]: وقع في هذا الإسناد اختلاف، قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا وقع هذا
الإسناد في جميع نسخ بلادنا: ((يزيد بن أبي حبيب، عن بكر))، وكذا نقله
القاضي عن نسخة الجلوديّ التي هي طريق بلادنا، قال: ووقع عند ابن ماهان:
((حدّثني يزيد بن أبي حبيب، وبكر)) بواو العطف، والأول هو الصواب، قاله
عبد الغنيّ، قال النوويّ: ولم يذكر خلف الواسطيّ في الأطراف غيره.
انتھی(١).
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ كََّثُ في ((التقييد)): هكذا روي إسناد هذا
الحديث عن أبي أحمد، وعند أبي العلاء بن ماهان: ((حدّثني يزيد بن أبي
حبيب، وبكر بن عمرو)) بواو العطف، وصوابه: ((عن بكر بن عمرو)) كما تقدّم،
وكذا ذكره أبو عمر الباجيّ عن نسخة أبي العلاء: ((حدّثني يزيد، وبكر))، قال
عبد الغنيّ: والصواب: ((عن بكر)). انتهى(٢) .
[تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثمانيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، فَيَقْرُب مِنْ أنزلِ الأسانيد له؛ لأن أعلاها
عنده عُشاريّها، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَديّ،
وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالتحديث، والثاني بالعنعنة، وأن فيه أربعةً من
التابعين الثقات المصريين روى بعضهم عن بعض: يزيد بن أبي حبيب، والثلاثة
بعده، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/١٢ - ٢١٠.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٨٨٣/٣.

٧٠٧
(٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - حديث رقم (٤٧١١)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة رَبُهُ أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا
تَسْتَعْمِلُنِي) ((ألا)) هنا أداة عَرْض؛ أي: أطلب منك أن تجعلني عاملاً في شيء
من الولايات. (قَالَ) أبو ذرّ (فَضَرَبَ)َِ (بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي) هذا الضرب
لُظْف، وإيناس، وتحبُّب، (ثُمَّ قَالَ) وَلِ ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ) الظاهر أنه
أراد ضعف الرأي والتدبير، لا ضعف الجسم؛ أي: إنك لا تستطيع أن تتحمّل
أثقال الولاية، وتكاليفها، (وَإِنَّهَا)؛ أي: الولاية، (أَمَانَةٌ)؛ أي: مما ائتمن الله
تعالى بها عباده، وأمرهم أن يؤدّوها إلى مستحقيها، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَّ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، (وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ)؛ أي: ذلّ،
وصغار حيث يكثر خصماؤه الذين لم يؤدّ إليهم حقوقهم، وخانهم، وغدر بهم،
ينادى على رؤوس الأشهاد ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. (وَنَدَامَةٌ)؛
أي: يندم بها، ويتمنّى أن لو لم يتولّها، (إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا)؛ أي: وهو
كونه عالماً ورعاً، يحتاج الناس إليه في القضاء بينهم؛ لِعَدْله ومعرفته، (وَأَدَّى)
الواجب (الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)))؛ أي: في تلك الولاية، وهو القيام بها عن علم،
وورع، وتقوى.
قال القرطبيّ تَخُّْ: قوله وَله لأبي ذرّ رَُّبه: ((إنك ضعيف))؛ أي: ضعيف
عن القيام بما يتعيّن على الأمير؛ من مراعاة مصالح رعيّته الدنيوية والدينية،
ووجْهُ ضعف أبي ذرّ عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا،
وتَرْك الاحتفال بها، ومَنْ كان هذا حاله لم يعتنِ بمصالح الدنيا، ولا بأموالها
اللذَيْن بمراعاتهما تنتظم مصالح الدِّين، ويتمّ أمره، وقد كان أبو ذرّ أفرط في
الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفْتِيَ بتحريم الجمع للمال، وإن
أُخْرِجَتْ زكاته، وكان يرى: أنه الكنز الذي توَعَّد اللهُ عليه بِكَيِّ الوجوه
والجُنوب والظّهور، وقد قدّمنا ذلك في ((كتاب الزكاة))، فلمّا عَلِمَ النبيُّ وَّر منه
هذه الحالة نَصَحَهُ، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة
بقوله: ((وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي))، وغلَّظَ الوعيد بقوله: ((وإنّها - أي:
الإمارة - خزيٌّ وندامة))؛ أي: فضيحة قبيحة على مَنْ لم يؤدِّ في الأمانة حقّها،
ولم يَقُم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلّدها، وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فيها، وقام بالواجب منها ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِيقِينَ
[النساء: ٦٩]، وهو من السبعة
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد شَهِد بصحة ما قلناه قوله في
الحديث نفسه: ((إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها)). انتهى(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧١١/٤] (١٨٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّه)) (٤١٩/٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٧٣/٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٣١/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(٤/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٥/١٠) و((شعب الإيمان)) (٤٥/٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة طلب الإمارة.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب
الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما
الخزي، والندامة، فهو في حقّ من لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً، ولم يَعْدِل
فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحه، ويندم على ما فَرّط، وأما من
كان أهلاً للولاية، وعَدَل فيها فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث
الصحيحة؛ كحديث: ((سبعةٌ يُظِلّهم الله ... ))، والحديث المذكور هنا عقب
هذا: ((أن المقسطين على منابر من نور ... ))، وغير ذلك، وإجماعُ المسلمين
منعقد عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذّره وَ ﴿ منها، وكذا حذّر العلماء،
وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. انتهى(٢).
(١) ((المفهم)) ٢١/٤.
(٢) (شرح النوويّ)) ٢١٠/١٢ - ٢١١.

٧٠٩
(٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - حديث رقم (٤٧١١)
٣ - (ومنها): بيان ما أعطى الله نبيّه وَله من المعجزة الباهرة، حيث عرّفه
أحوال الناس، فكان يرى أن فلاناً يصلح لهذا، وفلاناً لا يصلح لهذا، فقد
أعلمه الله أن أبا ذرّ ظُه لا يصلح للإمارة؛ وذلك لشدّة زهده، وابتعاده عن
الدنيا، وأهلها، فلو تولّى أمور الناس لفسدت أحوالهم، واختلّ نظام حياتهم،
وقد ظهر مصداق ذلك حيث اختلف مع معاوية ﴿يا في آية الكنز، فقال
معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقال أبو ذرّ: نزلت فيهم، وفينا، فكان لا
يرى إمساك ما فَضَل عن الحاجة؛ لأنه كنز، يدخل صاحبه في الوعيد المذكور
في الآية، ولذا شكاه معاوية إلى عثمان عظته، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم
أخذ أيضاً يختلف مع أهل المدينة في ذلك، فرأى عثمان ربه أن يعتزل عن
الناس، ويسكن الرَّبَذَة، فسگنها حتى مات
.
قال الإمام أحمد تَخْتُ في ((مسنده)):
(٢٧٦٢٩) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا هاشم، قال: ثنا
عبد الحميد، قال: ثنا شهرٌ، قال: حدّثتني أسماء بنت يزيد: أن أبا ذرّ الغفاريّ
كان يخدُم النبيّ وَّر، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد، فكان هو بيته،
يضطجع فيه، فدخل رسول الله وَّ﴿ المسجد ليلةً، فوجد أبا ذر نائماً منجدلاً في
المسجد، فنَكَته رسول الله ◌َله برجله، حتى استوى جالساً، فقال له
رسول الله ◌َ ل: ((ألا أراك نائماً؟))، قال أبو ذرّ: يا رسول الله فأين أنام؟ هل لي
من بيت غيره؟ فجلس إليه رسول الله و له، فقال له: ((كيف أنت إذا أخرجوك
منه؟)) قال: إذاً ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر،
وأرض الأنبياء، فأكون رجلاً من أهلها، قال له: ((كيف أنت إذا أخرجوك من
الشام؟))، قال: إذاً أرجع إليه، فيكون هو بيتي ومنزلي، قال له: ((كيف أنت إذا
أخرجوك منه الثانية؟)) قال: إذاً آخذ سيفي، فأقاتل عني حتى أموت، قال:
فكشَّر إليه رسول الله وَله فأثبته بيده، قال: ((أدلك على خير من ذلك؟)) قال:
بلى بأبي أنت وأمي يا نبي الله، قال رسول الله وَليقول: ((تنقاد لهم حيث قادوك،
وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك)). انتهى (١).
(١) حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد تقللُ في ((مسنده)) ٤٥٧/٦، وعبد الحميد بن=

٧١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وذكر الذهبيّ في ((السِّيَر)) عن هشام، عن ابن سيرين: أن رسول الله وَله
قال لأبي ذرّ: ((إذا بلغ البناء سَلْعاً، فاخرج منها))، ونحا بيده نحو الشام، ولا
أرى أمراءك يَدَعُونك، قال: أَوَ لَا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال:
((لا))، قال: فما تأمرني؟ قال: ((اسمع، وأطع، ولو لعبد حبشيّ)).
فلما كان ذلك خرج إلى الشام، فكتب معاوية: إنه قد أفسد الشام، فطلبه
عثمان، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا عندهم كِيساً، أو شيئاً، فظنّوه دراهم،
فقالوا: ما شاء الله، فإذا هي فلوس.
فقال عثمان: كُنْ عندي، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى
أخرج إلى الرَّبَذَة، فَأَذِن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشيّ لعثمان، فتأخر
وقتَ الصلاة لَمّا رأى أبا ذرّ، فقال أبو ذرّ: تقدَّم، فَصَلّ. انتهى (١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٢] (١٨٢٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِىءٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي
أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمِ الْجَيْشَانِيِّ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((يا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً، وَإِنِّي
أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيْنَّ مَالَ بَتِيمٍ (٢))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرىء، أصله من
بهرام صدوق، وأحاديثه عن عن شهر صحاح، كما قال أبو حاتم الرازيّ، وشهر بن
=
حوشب حسن الحديث، والباقون من رجال الصحيح، وهاشم هو ابن القاسم أبو
النضر البغداديّ الحافظ.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢/ ٦٣.
(٢) وفي نسخة: ((ولا تولينّ على مال يتيم)).

٧١١
(٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - حديث رقم (٤٧١٢)
البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأَ القرآن نيّفاً وسبعين سنةً [٩] (ت٢١٣)
وقد قارب المائة، من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) اسم أبيه مِقْلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ الْقُرَشِيُّ) قيل: اسم أبيه يسار، أبو بكر الفقيه
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠٦/٢٠.
٦ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي سَالِمِ الْجَيْشَانِيُّ) - بفتح الجيم، ثم تحتانيّة ساكنة، ثمّ
شين معجمة - واسم أبي سالمًّ سفيان بن هانئ المصريّ، مقبول [٤].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن مُعَّب.
وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن أبي جعفر، ویزید بن أبي حبيب،
والحارث بن يعقوب، ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
٧ - (أَبُوهُ) أبو سالم سُفيان بن هانئ الْجَيْشانيّ، تابعيّ مخضرمٌ، ثقةٌ، شَهِدَ فتح
مصر [٢] ويقال: له صحبة، مات بعد الثمانين (م د س) تقدم في ((اللقطة)) ٢/ ٤٥٠٢.
و«أبو ذرّ ﴿﴿ه)) ذُكر قبله.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ◌َبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((يا أَبَا ذَرِّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً)؛
أي: غير قادر على تحصيل مصالح الإمارة، ودرء مفاسدها، (وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ
مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي)؛ أي: من السلامة عن الوقوع في المحذور، وقيل: تقديره:
لو كان حالي كحالك في الضعف، وإلا فقد كان متولّياً على أمور المسلمين،
حاكماً عليهم، فكيف يصحّ قوله: ((أحبّ لك ما أحبّ لنفسي))، والتفسير الأول
أقرب، والله تعالى أعلم. (لَا تَأَمَّرَنَّ) بتشديد الميم، ونون التوكيد الثقيلة،
وأصله: لا تتأمّرنّ، بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفاً، وكذا قوله: ((لا
تولّيَنَّ))، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَ تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))

٧١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أي: لا تسلّطنّ، ولا تصيرنّ أميراً (عَلَى اثْنَيْنِ) أراد به عدم التولّي
مطلقاً، فعبّر بأقلّ ما يُمكن الحكم فيه بين الخصوم، (وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيم)))،
وفي بعض النسخ: ((ولا تولّينّ على مال يتيم))، وهو مِن الناس مَن مات أَبُّوه،
ومن البهائم ما ماتت أمه، وقد نظمت ذلك:
كَانَ مِنَ النَّاسِ وَأُمِّ غَيْرُ ذَا
مَعْنَى الْيَتِيمِ فَاقِدُ الأَبِ إِذَا
أَوْ أُمَّهُ الْعَجِيُّ فَاحْفَظْ مَا وَرَدْ
وَسَمِّهِ اللَّطِيمَ إِنْ ذَيْنِ فَقَدْ
أي: لا تَصِرْ والياً على يتيم؛ لشدّة الوعيد على من فرّط فيه، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى خُلُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًّاً
﴾ [النساء: ١٠]، وقد عدّ النبيّ ◌َّ أَكْلَ مال اليتيم من السبع
وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرً ا
الموبقات، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﴿ه، عن النبيّ وَلو قال:
((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: ((الشرك بالله،
والسحر، وقتل النفس التي حَرَّم الله، إلا بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال
اليتيم، والتولي يوم الزَّحْف، وقَذْف المحصنات المؤمنات الغافلات))، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّبه هذا من أفراد المصنّف دَخَّتُهُ.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم هذا الحديث، وفي إسناده سالم
الجيشانيّ، قال عنه في ((التقريب)): مقبول؛ أي: يحتاج إلى متابع؟.
[قلت]: سالم هذا روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبّان، وأخرج له مسلم،
ولم يتكلّم فيه أحد، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، ثم إن حديثه هذا
يشهد له حديث أبي ذرّ ◌َظُه المذكور قبله، وكذا حديث: السبع الموبقات
المذكور آنفاً .
والحاصل أن الحديث صحيح دون تردّد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧١٢/٤] (١٨٢٦)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٢٨٦٨)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٥٥/٦) و((الكبرى)) (١١٢/٤)، و(أحمد) في

٧١٣
(٥) - بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرَّفْقِ ... إلخ - حديث رقم (٤٧١٣)
(مسنده) (١٨٠/٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٠٣/٤)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٣٧٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٣٥/٩)، و(ابن سعد) في ((الطبقات))
(٢٣١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٣/٦)، وفوائده تقدّمت في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٥) - (بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى
الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَالَتَّهْىٍ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٣] (١٨٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو - يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ
عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ ثُمَيْرٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ : يَبْلُغُ بِهِ
النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ
عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي
حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في السند الماضي.
٣ - (ابْنُ تُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت ٢٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
٦ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ تابعيّ كبير، ثقة [٢]،
ووهِمَ من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٦٩٤/١٦.

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم السهميّ، أبو
محمد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة بالطائف
على الأصحّ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛
الاتحاد كيفيّة تحمّلهم، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو عن عمرو، وهو
من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة، وصحابيّه أحد العبادلة
الأربعة.
شرح الحديث:
(قَالَ) محمد (بْنُ نُمَيْرِ) شيخه الثالث، (وَأَبُو
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﴾
بَكْرٍ) ابن أبي شيبة الأول، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ﴾﴾ تقدّم قريباً شرح هذا
الكلام. (وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ) بن حرب شيخه الثاني (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ)
غرضُ المصنّف كَّتُ بهذا بيان اختلاف شيوخه في كيفيّة رفع الحديث، فرواه
محمد بن نُمير، وأبو بكر بن أبي شيبة بلفظ: ((يبلغ به النبيّ وَ﴿))، وتقدّم أن
هذه الصيغة من صيغ الرفع حكماً، ورواه زهير بن حرب بلفظ: ((قال: قال
رسول الله وَ﴾))، وهو صريح في الرفع. ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ) جمع مُقسط، اسم
فاعل من أقسط رباعيّاً: إذا عَدَلَ، قال النوويّ تَُّ: هم العادلون، وقد فسّره
في آخر الحديث، بقوله: ((الذين يعدلون في حكمهم، وأهلهم، وما وَلُوا))،
والإِقساط، والقسط بكسر القاف: العدل، يقال: أقسط إقساطا، فهو مُقسط:
إذا عَدَلَ، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]،
ويقال: قَسَطَ يَقْسِط، بفتح الياء، وكسر السين، قُسُوطاً، وقَسْطاً، بفتح القاف،
فهو قاسط، وهم قاسطون: إذا جاروا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
[الجنّ: ١٥](١) .
لِجَهَنَّمَ خَطَبًا (٥)
وقال الفيّوميّ ◌َُّ: قَسَطَ قَسْطاً، من باب ضَرَبَ، وقُسُوطاً: جار،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٢.

٧١٥
(٥) - بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرَّفْقِ ... إلخ - حديث رقم (٤٧١٣)
وعَدَلَ أيضاً، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَل،
والاسم: القسط - بالكسر. انتهى(١).
وقال المجد تَخْذَتُ: القِسْط بالكسر: العدل، من المصادر الموصوف بها؛
كالْعَدْل، يستوي فيه الواحد والجمع، وفِعْله يَقْسِطُ، ويَقْسُطُ (٢)؛ كالإقساط،
قال: قسط يَقْسِط قَسْطاً بالفتح، وقُسُوطاً: جار، وعدَلَ عن الحقّ. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أقسط رباعيّاً بمعنى عَدَلَ،
وأما قسط ثلاثيّاً، من بابي ضرب، ونصر، فيُستَعمَل بمعنى عدل، وبمعنى
جار، فهو من الأضداد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ) (المنابر)): جمع مِنْبَر بكسر الميم، وإنما
كُسِرت؛ تشبيهاً له بالآلة، وسُمّي بذلك لارتفاعه، يقال: نَبَر الجرح، وانتبر؛
أي: ارتفع، وانتفخ، والمعنى: أنهم مقرّبون إلى الله، ومُكَرَّمون لديه،
ومرتفعون على منابر مخلوقة من نور.
وقال القرطبيّ: ويعني به مجلساً رفيعاً، يتلألأ نوراً، ويَحْتَمِل أن يكون
عبّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال: ((عن يمين الرحمن)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا داعي للاحتمال الذي ذكره، بل الظاهر
من معنى الحديث معنى صحيح، لا يحتاج إلى العدول عنه، فإن الله ثان
يُكرمهم يوم القيامة بالجلوس على المنابر من نور؛ ليراهم الخلق، ويُعتَرَفَ
بفضلهم، وعلوّ شأنهم عند ربّهم، ﴿وَاللَّهُ يَخَْصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو
اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
(عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ) قال القرطبيّ: قال ابن عرفة يقال: أتاه عن يمين:
إذا أتاه من الجهة المحمودة، وقال المفسّرون في قوله تعالى: ﴿وَأَضْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ
[الواقعة: ٢٧]؛ أي: أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا
١٢٧
أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ
(١) ((المصباح المنير)) ٥٠٣/٢.
(٢) من بابي ضَرَبَ، ونَصَرَ، والأكثر كسر القاف في المضارع، وأما ضمها فلغة قليلة،
كما تفيده عبارة ((تاج العروس)) ٣٠٥/٥.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٥٧.

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في الآية، وقد شَهِد العقل والنقل أن الله تعالى منزّه عن مماثلة الأجسام، وعن
الجوارح المركّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مما يوهم شيئاً
من ذلك، فهو توسّعٌ، واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك،
إلى آخر ما ذكره القرطبيّ في تأويل معنى اليمين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي طَوّل به القرطبيّ كلامه في
تأويل معنى اليمين غير صحيح، فإن اليمين بمعنى الجارحة لا يتوهّم عاقل أنها
المقصودة في إطلاق اليمين لله ، فإن من اعتقد أن الله وال ذاتاً، لا تُشبه
الذوات، فكذلك يعتقد أن له صفات لا تشبه الصفات، فكما لا يعتقد أن ذاته
مركبة من لحم، وعظم، ونحو ذلك، كذلك لا يعتقد أن يمينه الن جارحة
مركبة من لحم، وعظم، وعصب، ونحوه، بلا فرق، وقد تقدّم لنا غير مرّة أن
مذهب سلف الأمة، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأهل الحديث قاطبة
إثبات جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة،
على ظاهرها، منزّهين الله تعالى عن مشابهة خلقه له، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً
بلا تعطيل، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، والله ثقل الهادي إلى سواء
السبيل.
وقوله: (وَكِلْتَا يَدَيْهِ بَمِينٌ) جملة من مبتدأ وخبر مستأنَفة، بيّن بها كون
كلتا اليدين يميناً، لئلا يُتوهّم نقص وضعفٍ فيما أضافه إلى الحقّ نََّ، وذلك
أنه لمّا كانت اليمين تقابلها الشمال، وهي في المتعارف أنقص رتبة، وأضعف
حركة، وأثقل لفظاً، فأزال توهّم مثل هذا في حقّ الله تعالى، فقال: ((وكلتا
يديه يمين))؛ أي: كلّ ما نُسب إليه ◌َلَ ميمون مبارك، لا يُتوهّم فيه نقص، ولا
قصور، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ تَخَّثُ: قوله: ((وكلتا يديه يمين)) هي صفة جاء بها التوقيف،
فنحن نُطلقها على ما جاءت، ولا نُكيّفها، وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب،
والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السُّنّة، والجماعة.
قال: وقوله: ((عند الله)) خبر ((إنّ))؛ أي: إن المقسطين مقرّبون عند الله
تعالى، و((على منابر)) يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، أو حالاً من الضمير
المستقرّ في الظرف، و((من نور)) صفة ((منابر))، مخصّصة لبيان الحقيقة، و((عن

٧١٧
(٥) - بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرَّفْقِ ... إلخ - حديث رقم (٤٧١٣)
يمين الرحمن)) صفة أخرى لـ((منابر)) مبيّنة للرتبة والمنزلة، ويجوز أن يكون حالاً
بعد حال على التداخل، وقوله: ((يمين الرحمن)) بعد قوله: ((عند الله)) تقييد بعد
إطلاق، وتخصيص بعد تعميم؛ لوضع ((الرحمن)) موضع ((الله))، وقد سبق أن
اسم الله جامع لجميع صفات الجلال والإكرام، و(الرحمن)) من صفة الإكرام،
فدلّ اليمين على أن الله تعالى يفيض عليهم حينئذ من جلائل نعمه، وفضائل
إحسانه ما لا يُحصر، فيكون قوله: ((وكلتا يديه يمين)) تذييلاً للكلام السابق،
فعلى هذا فاللام في ((المقسطين)) للتعريف، كما في الرجل، والفرس، ويجوز
أن تكون موصولةً، وتكون الظروف كلّها متّصلات بالصلة، وخبرُ ((إنّ)) قوله:
((الذين يعدلون))، وقوله: ((وكلتا يديه يمين)) معترضة بين اسم ((إنّ))، وخبرها
صيانةً لجلال الله وعظمته عما لا يليق به، قال أبو الطيّب [من الطويل]:
وَنَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ نَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَشَاكَ فَانِيَا(١)
وقوله: (الَّذِينَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم الذين (يَعْدِلُونَ) بكسر الدال،
من العدل: وهو القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، يقال: عَدَلَ في أمره
عَدْلاً، من باب ضرب، وعَدَل على القوم عَدْلاً أيضاً(٢). (فِي حُكْمِهِمْ)؛ أي:
في الحكم الذي يحكمون به للناس، أو عليهم. (وَأَهْلِيهِمْ) بالجرّ عطفاً على ما
قبله؛ أي: يعدِلون في أهليهم، بمعنى أنهم يقومون تجاههم بما أوجب الله
تعالى عليهم فيهم، في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
الآية [التحريم: ٦]، فيعلّمونهم دينهم، ويقومون بالإنفاق عليهم، وقوله: (وَمَا
وَلُوا))) بفتح الواو، وضمّ اللام المخفّفة، أصله: وَلِيُوا بكسر اللام، وضمّ
الياء، بوزن علِموا، فتُقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سَلْب حركتها؛ للاستثقال،
ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكِنَين، فصار وَلُوا، ومعنى: ((وَلُوا))؛ أي: كانت لهم
عليه ولاية، وعظْفه على ما قبله مِن عَظْف العامّ على الخاصّ.
وقال النوويّ تَخْتُ: قوله وَله: ((الذين يَعْدِلون في حكمهم، وأهليهم، وما
وَلُوا)): معناه: أن هذا الفضل إنما هو لمن عَدَل فيما تقلّده من خلافة، أو
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٧١/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢.

٧١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
إمارة، أو قضاء، أو حسبة، أو نَظَر على يتيم، أو صدقة، أو وقْف، وفيما
يلزمه من حقوق أهله، وعياله، ونحو ذلك. انتهى.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((الذين يعدلون)) يَحْتَمل وجوهاً من الإعراب:
أن يكون خبراً لـ((إن)) كما سبق، وأن يكون صفة لـ((المقسطين)) على تأويل:
ذوات لها الإقساط، كما يقال: شجاع باسلٌ، وعليه ظاهر كلام الشيخ
التوربشتيّ؛ إذ قال: وقد فَسَّر ((المقسطين)) في الحديث بما وصفهم به ◌َّ، من
قوله: ((الذين يعدلون)) إلى آخر الحديث.
وأن يكون بدلاً، أو نصباً على المدح، أو رفعاً عليه، وأن يكون
استئنافاً؛ كأنه قيل: من هؤلاء السادة المقرّبون، وقد فازوا بالقدح المعلّى،
والمنحة الكبرى؟ فقيل: هم الذين يعدلون ... إلى آخره، فإذا جُعل صفةً،
فالتعريف في ((المقسطين)) يَحْتَمل العهد المتعارف بين الناس من الحكام، وأن
يكون للجنس، فبيّن بقوله: ((الذين يعدلون)) أن المراد به الثاني.
ولَمّا كان المراد به استغراق الجنس مشتملاً على التعدّد قال أوّلاً: «في
حكمهم))؛ ليدخل فيه من بيده أزمّة حكم الشرع، من الخلفاء، والأمراء،
والقضاة، وغيرهم، وثانياً: ((وأهليهم))؛ ليدخل فيه كلّ من تحت يد أحد من
أهله، وعياله، ونحو ذلك، وثالثاً: ((وما وَلُوا))؛ ليستوعب جميع من يتولّى أمراً
من الأمور، فيدخل فيه نفسه أيضاً.
قال الأشرف: فالرجل يَعدل مع نفسه، بأن لا يضيّع وقته في غير ما
أمر الله تعالى به، بل يمتثل أوامر الله تعالى، وينزجر عن نواهيه على الدوام،
كما دَأُب الأولياء المقرّبين، أو غالباً، كما هو دين المؤمنين الصالحين.
قال الطيبيّ: قَسَم الله تعالى عباده المصطفين من أمّة محمد ◌َّ ثلاثة
أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، فالمقتصد من عَدَل، ولم يتجاوز إلى
حدّ الظلم على نفسه، ولم يترقّ إلى مرتبة السابق الذي جمع بين العدل
والإحسان.
قال: فإن قلت: إذا بيّن ((المقسطين)) بالذين جمعوا بين هذه الخصال،
فكيف حال من انفرد بخصلة من هذه الخصال؟ هل يترتّب عليه تلك المراتب
العليّة، والمنازل السنيّة؟.

٧١٩
(٥) - بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرَّفْقِ ... إلخ - حديث رقم (٤٧١٣)
قلت: إذا سُلِك بالتعريف في ((الذين يعدلون)) الجنس من حيث هي هي
لا ، وإذا سُلك به الاستغراق، كما ذهبنا إليه، نعم، ونحوه قوله: الرجل خير
من المرأة، إذا أريد بالتعريف الحقيقة من حيث هي هي، فلا تدخل أفراد
الجنس في هذا الحكم، وإن أريد به الاستغراق لزم أن يكون أدنى رجل خيراً
من أشرف النساء، والله أعلم. انتهى كلام الطيبيّ(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧١٣/٥] (١٨٢٧)، و(النسائيّ) في ((آداب
القضاة)) (٢٢١/٨) و((الكبرى)) (٤٦٠/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٩/٧
و٤٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٩/٢
و١٦٠ و٢٠٣)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١١٤/٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٤٨٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٨٨/٤)، و(الآجريّ) في ((الشريعة))
(ص٣٢٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٧/١٠ - ٨٨) و((الأسماء والصفات))
((ص٣٢٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٤٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الحاكم العادل في حکمه.
٢ - (ومنها): فضل العدل في الأهل والأولاد، وذلك بالقيام بما
يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وزجرهم عما يضرّ
بهم دیناً، ودنيا .
٣ - (ومنها): إثبات صفة اليمين الله ◌ُعَلَ على ما يليق بجلاله، ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨/ ٢٥٧٢ - ٢٥٧٣.

٧٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٤] (١٨٢٨) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، أَسْأَلُهَا عَنْ
شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ
صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقِمْنَا مِنْهُ شَيْئاً، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ
مِنَّا الْبَعِيرُ، فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ، فَيُعْطِيهِ
النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ
أُخْبِرََكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
أُمَّتِي شَيْئاً، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْتُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّنِي شَيْئاً، فَرَفَقَ بِهِمْ،
فَارْفُقْ بِهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (حَرْمَلَةُ) بن عمران بن قُراد التجيبيّ - بضمّ المثنّاة، وكسر الجيم،
بعدها ياء ساكنة، ثمّ موحّدة - أبو حفص المصريّ، يُعرف بالحاجب، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن عبد الرحمن بن شماسة، ويزيد بن أبي حبيب، وأبي عُشّانة،
وأبي قَبِيل، وعبد الله بن الحارث الأزديّ، وسُليم بن جُبير مولى أبي هريرة،
وكعب بن عَلْقمة التَّنُوخيّ، وغيرهم.
وروى عنه جرير بن حازم، وابن المبارك، وابن وهب، والليث، وابنه
عبد الله بن حرملة، وأبو صالح كاتب الليث، وعبد الله بن يزيد المقرىءُ،
وجماعة.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وقال
أبو عمر الْكِنديّ: كان يقال له: حرملة الحاجب، وقال ابن المبارك: حدّثني
حرملة، وكان من أولي الألباب، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مولده
سنة (٧٨)، كذا قال، وروى ابن يونس بسنده عن يحيى بن بكير: قال: ولد