Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٤٩) - بَابُ كَرَاهَةِ الاِسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ - حديث رقم (٤٦٩٢)
(وَنَجْدَةٌ) - بفتح النون، وسكون الجيم -: القتال، والشجاعة، والشدّة.
(فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ حِينَ رَأَوْهُ)؛ أي: لظنّهم أنه وَّه يستعين بهم في
قتال العدوّ، (فَلَمَّا أَدْرَكَهُ)؛ أي: النبيّ وََّ (قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: جِثْتُ
لأَنَّبِعَكَ)؛ أي: أصير تابعاً لك، ومؤتمراً بأمرك، لا أنه يريد اتّباعه في الدِّين
بدليل قوله: لا. (وَأُصِيبَ) الغنيمة (مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَليهِ: ((تُؤْمِنُ بِاللهِ)
(وَرَسُولِهِ؟))) وَّهُ بتقدير الاستفهام؛ أي: أتؤمن بالله تعالى ورسوله وَلٍ؟ (قَالَ)
الرجل (لا)؛ أي: لا أومن بهما، وإنما أتبعك لأجل تحصيل المال فقط.
(قَالَ) ◌َِِّ ((فَارْجِعْ)))؛ أي: إلى مكانك، (فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) هذا صريح في
عدم مشروعيّة الاستعانة بالكافر، قال المهلب وغيره عند شرح قوله وَله: ((إن الله
ليؤيّد الدِّين بالرجل الفاجر)): لا يعارض هذا قوله وَيقول: ((لا نستعين بمشرك))،
لأنه إما خاصّ بذلك الوقت، وإما أن يكون المراد به: الفاجر غير المشرك.
وأجاب عنه الشافعيّ بالأول، وحجة النَّسخ شهود صفوان بن أمية حُنيناً
مع النبيّ ◌َّي، وهو مشرك، وقصته مشهورة في المغازي، وأجاب غيره في
الجمع بينهما بأوجه غير هذه:
منها: أنه ◌َ﴿ تفرَّس في الذي قال له: ((لا أستعين بمشرك)) الرغبة في
الإسلام، فردّه رجاء أن يُسلم، فصدق ظنه.
ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام، وفي كل منهما نَظَر من جهة أنها
نكرة في سياق النفي، فيحتاج مدّعي التخصيص إلى دليل.
وقال الطحاويّ: قصة صفوان لا تعارِض قوله: ((لا أستعين بمشرك))؛
لأن صفوان خرج مع النبيّ وَ﴿ باختياره، لا بأمر النبيّ ◌َّ له بذلك.
قال الحافظ: وهي تفرقة لا دليل عليها، ولا أثر لها، وبيان ذلك أن
المخالف لا يقول به مع الإكراه، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه. انتهى(١).
(قَالَتْ) ◌ِّا (ثُمَّ مَضَى)؛ أي: ذهب الرجل إلى حاجته، (حَتَّى إِذَا كُنَّا)
قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في النُّسخِ: ((حتى إذا كنّا))، فَيَحْتَمِلُ أن عائشة
(١) ((الفتح)) ١٧٩/٦.

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
كانت مع المودّعين، فرأت ذلك، ويَحْتَمِل أنها أرادت بقولها: ((كنّا)) كان
المسلمون. انتھی (١)
وقوله: (بِالشَّجَرَةِ) يَحْتَمل أن تكون الشجرة التي بذي الحليفة، المذكورة
في حجة النبيّ وَهِ. (أَدْرَكَهُ) ◌َِّ (الزَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ) ﴿ ﴿ ﴿كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؛
أي: طلبه اتّباعه؛ ليصيب المال. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؛ أي:
((تؤمن بالله، ورسوله؟))، فأجابه بـ(لا)). (قَالَ) ◌ِ﴿ِ («فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ
بِمُشْرِكٍ))، قَالَ) الراوي (ثُمَّ رَجَعَ) الرجل (فَأَدْرَكَهُ)؛ أي: النبيَّ وَّهِ، (بِالْبَيْدَاءِ)
- بفتح الموحّدة، والمدّ ـ: هي المفازة، وجَمْعها: بِيدُ - بالكسر - ويَحْتَمِل أن
تكون البيداء بعد ذي الحليفة المذكورة في حجة النبيّ وَلّ أيضاً.
(فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الظاهر أن هذا معطوف على محذوف؛ أي:
قال الرجل له كما قال أول مرّة: جئتك لأتبعك، وأصيب. فقال له وَلهل
كما قال أوّل مرّة: ((تُؤْمِنُ بِاللهِ) وَكَ (وَرَسُولِهِ؟))) ◌َ﴿ ﴿قَالَ) الرجل: (نَعَمْ)؛
أي: أومن بالله، ورسوله، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَانْطَلِقْ)))؛ أي: اذهب
إلى محل القتال، فإنا نستعين بك الآن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة نا هذا من أفراد المصنّف وظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٩٢/٤٩] (١٨١٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٧٣٢)، و(الترمذي) في ((السير)) (١٥٥٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٤٩٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٩٥/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٧/٦ - ٦٨ و١٤٨ - ١٤٩)، و(ابن
راهويه) في («مسنده)) (٢٥٦/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٥/٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٢٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦٢/١)، و(أبو
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١٢.

٦٢٣
(٤٩) - بَابُ كَرَاهَةِ الاِسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ - حديث رقم (٤٦٩٢)
عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦/٩، ٣٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز الاستعانة بالمشركين:
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: بظاهر هذا الحديث قال كافة العلماء؛ مالك وغيره،
فكرهوا الاستعانة بالمشركين في الحرب، وقال مالك، وأصحابه: لا بأس أن
يكونوا نواتيةً(١)، وخُذَاماً.
واختُلِف في استعمالهم بِرَمْيهم بالمجانيق، فأُجيز وكُرِهِ، وأجاز ابن
حبيب: أن يُستعمَل من سَالَمَ منهم في قتال من حارب منهم، وقال بعض
علمائنا بجواز ذلك، ويكونون ناحيةً مِنْ عَسْكَر المسلمين، وقالوا: إنما قال
النبيّ ◌َّر ذلك في وقت مخصوص، لرجل مخصوص، لا على العموم، وظاهر
الحديث حجّة عليهم، ثم إذا قلنا: يُستعان بهم، فهل يُسهم لهم أو لا؟ قولان،
وإلى الأول ذهب الزهريّ، والأوزاعيّ، وإلى الثاني ذهب مالك، والشافعيّ،
وأبو حنيفة، وأبو ثور، وقال الشافعيّ مرة: لا يُعطون من الفيء شيئاً، ويعطون
من سهم النبيّ ◌َّر، وقال قتادة: لهم ما صالحوا عليه. انتهى(٢).
وقال ابن عبد البرّ تَخْلُهُ: قال مالك تَخْتُ: لا أرى أن يستعان بالمشركين
على قتال المشركين، إلا أن يكونوا خَدَماً، أو نواتية، وقال الشافعيّ،
والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم: لا بأس بالاستعانة بأهل
الشرك على قتال المشركين، إذا كان حُكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما
تُكره الاستعانة بهم إذا كان حُكم الشرك هو الظاهر، وقد رُوي أنه لمّا بلغ
رسول الله وَّ جَمْع أبي سفيان للخروج إليه يوم أحد، انطلق، وبعث إلى بني
النضير، وهم يهود، فقال لهم: إما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحاً.
قال ابن عبد البرّ: هذا قول يَحْتَمِل أن يكون لضرورة دعته إلى ذلك.
وقال الثوريّ، والأوزاعيّ: إذا استُعين بأهل الذمة أُسهم لهم، وقال أبو
حنيفة، وأصحابه: لا يُسهَم لهم، ولكن يُرْضَخ، وقال الشافعيّ: يستأجرهم
(١) ((النواتي)): جمع نوتيّ، وهو الملّاح الذي يدير السفينة في البحر.
(٢) ((المفهم)) ٦٩٥/٣ - ٦٩٦.

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الإمام من مال لا مالكَ له بعينه، فإن لم يفعل أعطاهم من سهم النبيّ وَّر،
وقال في موضع آخر: يُرضخ للمشركين، إذا قاتلوا مع المسلمين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في هذه المسألة التفصيل،
وهو أن الأمر يرجع إلى رأي الإمام، فإن رأى المصلحة في الاستعانة بغير
المسلمين بأن اضطرّ المسلمون إلى ذلك، ولا يترتّب على ذلك ضرر يلحق
المسلمين، فلا بأس، وإلا فلا .
ودليل ذلك ما تقدّم أنه وَ﴿ استعان بيهود خيبر، وكذلك قصّة صفوان بن
أمية، فإنه شَهِد حُنيناً، والطائف، وهو مشرك، وحديث: ((إن الله ليؤيّد هذا
الدِّين بالرجل الفاجر))، متّفقٌ عليه، قاله وَلّ في ذلك المنافق الذي نحر نفسه
لمّا اشتدّت به الجراحة، والقصّة مشهورة.
وما أخرجه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبّان عن ذي مخبر ابن أخي
النجاشيّ، أنه سمع رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((ستصالحون الروم صلحاً آمناً، حتى
تغزوا أنتم وهم عدوّاً من ورائهم، فتُنصرون، وتَسلَمون، وتَغْنَمون ... ))
الحدیث.
والحاصل أن حكم الاستعانة بغير المسلمين موكول إلى رأي الإمام
والمسلمين، فإن رأوا مصلحة جاز، وإلا فلا؛ لهذه الأدلّة المذكورة.
وأما حديث الباب، فإنه متقدّم على هذه الأحاديث كلها، فيَحْتَمِل
النَّسخ، أو يكون خاصّاً بتلك الواقعة؛ لِمَا رجا النبيّ وَ﴿ه من إسلام ذلك
المشرك، وقد وقع كذلك، فلا يكون معارضاً لهذه الأحاديث المبيحة، فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٦/١٢.

٦٢٥
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ
٣٢ - (كِتَابُ الإِمَارَةِ)
وقع في النسخة التي شرحها الأَبّيّ، والسَّنُّوسيّ بلفظ: ((كِتَابُ الإِمَامَةِ)).
(اعلم): أن الإمارة، والإمامة بكسر الهمزة فيهما؛ لأن ما دلّ على
ولاية، أو حرفة يكون مصدر على فِعَالَة بالكسر، كالإمارة، والإمامة،
والولاية، وكالتجارة، والعطارة، والنجارة، كما أن ما دلّ على الخصال يأتي
على فَعَالة بالفتح، كالنَّظافة، والّرافة، والغَبَاوة، والفَطَانة، كما قال ابن مالك
في ((لاميّة الأفعال)):
فَعَالَةٌ لِخِصَالٍ وَالْفِعَالَةَ دَعْ لِحِرْفَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ فَلَا تَهِلَا
فـ(الإِمارة)) - بكسر الهمزة -: الولاية، يقال: أمر على القوم يَأْمُر، من
باب نصر، فهو أميرٌ، والجمع: الأمراء، ويُعدّى بالتضعيف، فيقال: أَمَّرته
تأميراً: جعلته أميراً(١).
و((الإمامة)) - بالكسر أيضاً -: المراد بها هنا الخلافة، فهي كالإمارة،
وقال الأُبيّ ◌َخْدَثُ: الإمامة ولايةٌ عامّة في الدين والدنيا، توجب طاعة موصوفها
في غير نهي، لا بمعجزة، فـ((عامّة)) يُخرج القضاء ونحوه، و((لا معجزة)) يُخرج
النبوّة، واختلف في حكمها، وفيه ما يأتي بعدُ. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) - (بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ)
قال الجامع عفا الله عنه: ((قُرَيشٌ)): تصغير قَرْش، وهو اسم للقبيلة
المشهورة، قال في ((الفتح)): هم وَلَدُ النضر بن كنانة، وبذلك جزم أبو عبيدة،
أخرجه ابن سعد، عن أبي بكر بن الجهم، ورَوَى عن هشام بن الكلبيّ، عن
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٢/١.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ١٥٩/٥.

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أبيه، كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش، دون سائر بني النضر حتى رحلوا
إلى النبيّ وَّ، فسألوه مَن قريش؟ قال: مَن وَلَدَ النضر بن كنانة.
وقيل: إن قريشاً هم ولد فهر بن مالك بن النضر، وهذا قول الأكثر، وبه
جزم مصعب، قال: ومن لم يلده فهر فليس قرشيّاً.
وقيل: أول من نُسب إلى قريش قُصيّ بن كلاب، فروى ابن سعد أن
عبد الملك بن مروان، سأل محمد بن جبير: متى سُمّيت قريش قريشاً؟ قال:
حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرّقها، فقال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن
قُصيّاً كان يقال له: القرشيّ، ولم يسمَّ أحد قريشاً قبله.
وروى ابن سعد من طريق المقداد: لمّا فرغ قصي من نفي خزاعة من
الحرم تجمّعت إليه قريش، فسُميت يومئذ قريشاً؛ لحالٍ تجمّعها، والتقرّش:
التجمّع، وقيل: لتلبّسهم بالتجارة، وقيل: لأن الجد الأعلى جاء في ثوب واحد
متجمِّعاً فيه، فسُمّي قريشاً، وقيل: من التقرش، وهو أخذُ الشيء أوّلاً فأولاً .
وقد أكثر ابن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشاً، ومَن
أول من تسمى به؟ وحكى الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن أول من تسمى
قريشاً قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني كنانة في
حروبهم، فكان يقال: قَدِمت عير قريش، فسمّيت قريش به قريشاً، وأبوه
صاحب بدر الموضع المعروف.
وقال المطرزيّ: سمّيت قريش بدابة في البحر، هي سيدة الدواب
البحرية، وكذلك قريش سادة الناس، قال الشاعر [من الخفيف]:
رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ
رُكُ فِيهِ لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا
تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْـ
يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلاً كَمِيشًا
هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَیْشٍ
يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٍّ
وقال صاحب ((المحكم)): قُريش دابة في البحر، لا تَدَع دابة في البحر
إلا أكلَتْها، فجميع الدواب تخافها، وأنشد البيت الأول.
قال الحافظ: والذي سمعته من أفواه أهل البحر: القِرْش - بكسر القاف،
وسكون الراء - لكن البيت المذكور شاهد صحيح، فلعله من تغيير العامة، فإن

٦٢٧
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعُ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٣)
البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدلّ على أنه من شِعر الجاهلية، ثم ظهر لي
أنه مصغّر القِرْش الذي - بكسر القاف -.
وقد أخرج البيهقيّ عن ابن عباس، قال: قريش تصغير قرش، وهي دابة
في البحر، لا تمرّ بشيء من غَثّ، ولا سمين إلا أكلته، وقيل: سمي قريشاً؛
لأنه كان يقرش عن خلة الناس، وحاجتهم، ويسدّها، والتقريش هو التفتيش،
وقيل: سمّوا بذلك لمعرفتهم بالطّعان، والتقريش: وقع الأسنة، وقيل: التقرش:
التنزه عن رذائل الأمور، وقيل: هو مِن أقرشت الشجة: إذا صَدَعَت العَظْم، ولم
تَهْشمه، وقيل: أقرش بكذا إذا سعى فيه، فوقع له، وقيل غير ذلك. انتهى (١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٣] (١٨١٨) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِيَانِ الْحِزَامِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ وََّه
وَقَالَ عَمْرٌو: رِوَايَةً: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأَذِ، مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ،
وَكَافِرُهُمْ لِكَافِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل حدیثین.
٣ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الحِزامي المدنيّ،
نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الحديث الماضي.
٥ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل
ثلاثة أبواب.
٦ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((الفتح)) ١٥٥/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٠٠).

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٧ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٨ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأمويّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةُ ثبتٌ فقيه [٣] (١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ◌ُه المتوفّى سنة (٥٩) وقيل غير ذلك
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين بالنسبة للسند
الأول، سوى قتيبة، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أصحّ أسانيد أبي
هريرة به أبو الزناد، عن الأعرج عنه، على ما نُقل عن بعضهم، وفيه أبو
هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ)؛
يعني: ابن حرب، شيخه الثالث، (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَّهِ)؛ أي: يَصِلُ أَبو
هُريرة رَُّه بهذا الحديث إلى النبيّ وَّر، يعني أن زهيراً رواه بلفظ: ((يبلغ به
النبيّ وَ﴾)) بدل قول عبد الله بن مسلمة، وقتيبة: ((قال: وقال رسول الله (وَلا)).
(وَقَالَ عَمْرُو) الناقد شيخه الرابع: (رِوَايَةً) منصوب بفعل مقدّر؛ أي: رواه
روايةً؛ يعني: أن عمراً الناقد رواه بلفظ: ((رواية)) بدل اللفظين السابقين.
والحاصل أن شيوخ المصنّف اختلفوا في صِيَغ الرفع، فرواه ابن مسلمة،
وقتيبة، فقالا: ((قال: وقال رسول الله (صَل38))، ورواه زهير بن حرب بلفظ: ((يبلغ
به النبيّ وَّةِ))، ورواه عمرو الناقد بلفظ: ((روايةً))، والفرق بين هذه الصيغ
الثلاثة، أنّ ((قال رسول الله وَّ)) صريح في الرفع، وأمّا (يبلغ به النبيّ ◌َّێ))،
وكذا: ((روايةً))، فمِن الصيغ التي تُعْطَى حكم الرفع، وليست صريحةً فيه، وقد
أشار إليها السيوطيّ نَّتُهُ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال عند تعداد الصيغ التي
تُعْطَى حكم الرفع:
وَهَكَذَا ((يرْفَعُهُ)) (ينْمِيهِ))
(رِوَايَةً)) ((يبْلُغُ بِهِ)) ((يرْوِيهِ))

٦٢٩
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٣)
[تنبيه]: سبب قول التابعيّ عند ذكر الصحابيّ: ((يبلغ به))، أو (يرويه))، أو
((روايةً))، أو نحو ذلك أن يكون نسي الصيغة التي عبّر بها ذلك الصحابيّ، هل
هي ((قال))، أو ((سمعتُ))، أو ((حدّثني))، أو نحو ذلك؟ مع تيقّنه من إضافته إلى
النبيّ وَّه، فأتى بصيغة تَحْتَمِل ذلك، والله تعالى أعلم.
((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ) مبتدأ وخبره، و((التبَعُ)) بفتحتين: في الأصل مصدر
تَبِع، يقال: تبعَ زيدٌ عمراً تَبَعاً، من باب تَعِبَ: إذا مَشَى خلفه، أو مَرّ به،
فمضى معه، ويقال: المصلِّي تَبَعٌ لإمام والناس تَبَعٌ بفلان، فيكون واحداً،
وجَمْعاً، ويجوز جَمْعه على أَتْبَاعِ، مثلُ سبب وأسباب، أفاده الفيّوميّ (١).
قال في ((الفتح)): قوله: ((الناس تَبَعٌ لقريش)) قيل: هو خبر بمعنى الأمر،
ويدلّ عليه قوله في رواية أخرى: ((قَدِّمُوا قُريشاً، ولا تَقَدَّموها))، أخرجه
عبد الرزاق، بإسناد صحيح، لكنه مرسل، وله شواهد، وقيل: هو خبر على
ظاهره، والمراد بالناس: بعض الناس، وهم سائر العرب، من غير قريش.
قال القاضي عياض: استَدَلّ الشافعية بهذا الحديث على إمامة الشافعيّ،
وتقديمه على غيره، ولا حجة فيه؛ لأن المراد به: هنا الخلفاء.
وقال القرطبيّ: صَحِبَت المستدلَّ بهذا غفلةٌ مقارنة لصميم التقليد.
وتُعُقّب بأن مراد المستدلّ: أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم، كما
أن من أسباب التقدم الوَرَع مثلاً، فالمستويان في خصال الفضل إذا تميّز
أحدهما بالورع مثلاً كان مقدَّماً على رفيقه، فكذلك القرشية، فثبت الاستدلال
بها على تقدّم الشافعيّ، ومزيّته على من ساواه في العلم والدِّين؛ لمشاركته له
في الصفتين، وتميّزه عليه بالقرشية، وهذا واضح، ولعلّ الغفلة والعصبية
صَحِبت القرطبيّ، فللّه الأمر. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن تعقّب الحافظ على القرطبيّ بقوله:
((ولعلّ الغفلة ... إلخ)) مما لا يُلتفت إليه، بل ما قاله هو الحقّ، فالاستدلال
بحديث الباب على تقديم الشافعيّ على غيره من الأئمة غير صحيح؛ لأن
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٧٢.
(٢) ((الفتح)) ١٤٩/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٥).

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
المراد بتقديم قريش على غيرها إنما هو في الخلافة، بدليل أنه وَّو قدّم عليها
غيرها ممن ليس منها، بل من الموالي، فقد قدّم زيد بن حارثة، وابنه أسامة،
فأمّرهما على جيش فيه أكابر قريش، كأبي بكر، وعمر ﴿هًا، وقدّم سالِماً مولى
أبي حذيفة ها في الصلاة على سائر المهاجرين والأنصار، وغير ذلك، فعُلم
من هذا أن قوله {وَله: ((قدّموا قريشاً، ولا تَقَدّموها)) محمول على الخلافة فقط،
وسيأتي تمام البحث في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (فِي هَذَا الشَّأْنِ)؛ أي: في شأن الخلافة، وقوله: (مُسْلِمُهُمْ
لِمُسْلِمِهِمْ) مبتدأ وخبره، وكذا قوله: (وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ)))؛ يعني: أن مُسْلِمَ
الناس تَبَعٌ لمسلم قريش، وكافرهم تَبَع لكافرهم، فهم الرؤساء جاهليّةً
وإسلاماً، قال في ((الفتح)): وقع مِصداق ذلك؛ لأن العرب كانت تُعَظِّم قريشاً
في الجاهلية بسكناها الحرم، فلمّا بُعِث النبيّ وَّه، ودعا إلى الله توقّف غالب
العرب عن اتّباعه، وقالوا: ننظر ما يصنع قومه، فلما فَتَحَ النبيُّ ونَ﴿ مكة،
وأسلمت قريش تبعتهم العرب، ودخلوا في دين الله أفواجاً، واستمرّت خلافة
النبوة في قريش، فصَدَق أن كافرهم كان تبعاً لكافرهم، وصار مسلمهم تبعاً
لمسلمهم. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قال الخطابيّ: يريد بقوله: ((تبع لقريش)) تفضيلَهم
على سائر العرب، وتقديمهم في الإمارة، وبقوله: ((مسلمهم تبع لمسلمهم))
الأمرَ بطاعتهم؛ أي: من كان مسلماً فليَتْبَعهم، ولا يَخْرُج عليهم، وأما معنى:
((كافرهم تبع لكافرهم)) فهو إخبار عن حالهم في متقدِّم الزمان؛ يعني: أنهم لم
يزالوا متبوعين في زمان الكفر، وكانت العرب تُقدِّم قريشاً، وتعظّمهم، وكانت
دارهم مَوسماً، ولهم السِّدَانة، والسِّقاية، والرِّفادة، يسقون الحجيج،
ويُطعمونهم، فحازوا به الشرف، والرياسة عليهم، ويريد بقوله: ((خيارهم إذا
فَقِهوا)» أن من كانت له مَأثرةٌ، وشَرَف في الجاهلية، وأسلم، وفَقِه في الدِّين،
فقد أحرز مأثرته القديمة، وشَرَفه الثابت إلى ما استفاده من المزية بحقّ الدين،
ومن لم يُسلم فقد هَدَم شرفه، وضَيَّع قديمه، ثم أخبر أن خيار الناس هم الذين
(١) ((الفتح)) ١٤٩/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٥).

(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٣)
٦٣١
يجدون الإمارة، ويكرهون الولاية حتى يقعوا فيها، وهذا يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أنهم إذا وقعوا فيها عن رَغْبة وحرص زالت عنهم محاسن
الأخيار؛ أي: صفة الخيرية، كقوله: ((مَن وُلِّي القضاء، فقد ذبح بغير سكين)).
والآخر: أن خيار الناس هم الذين يكرهون الإمارة، حتى يقعوا فيها،
فإذا وقعوا فيها، وتقلدوها زال معنى الكراهة، فلم يَجُز لهم أن يكرهوها، ولم
يقوموا بالواجب من أمورها؛ أي: إذا وقعوا فيها فعليهم أن يجتهدوا في القيام
بحقها، فِعْلَ الراغب فيها، غير كارهٍ لها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رظُله هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٩٣/١ و٤٦٩٤] (١٨١٨)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٤٩٥)، و(الترمذي) في ((المناقب)) (٣٩٠٣)، و(همّام بن منبّه) في
((صحيفته)) (١٢٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٨٩٥)، و(الطيالسيّ) في
(مسنده)) (٢٣٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٦٠/١٢ و١٦٨)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦١/٢ و٢٤٢ -
٢٤٣ و٣١٩ و٣٩٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٦٤)، و(ابن أبي عاصم)
في ((السنّة)) (١٥١١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٧/٤ - ٣٦٨)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (١٤٠/١١) و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤١/٨)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنّة))، (٣٨٤٤ و٣٨٤٥ و٣٨٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان فضل قريش على سائر الناس، حيث إنهم صاروا
تبعاً لهم جاهليّة، وإسلاماً.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ ◌َّتُهُ: هذه الأحاديث، وأشباهها دليل ظاهر
(١) ((عمدة القاري)) ١٦/ ٧٠.

٦٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عَقْدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد
الإجماع في زمن الصحابة ﴿ه، فكذلك بعدَهم، ومن خالف فيه من أهل
الْبِدَع، أو عَرَّض بخلافٍ من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين،
فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة، قال القاضي عياض تَّتُ: اشتراط كونه
قرشيّاً هو مذهب العلماء كافّة العلماء، قال: وقد احتَجّ به أبو بكر وعمر ﴿ه
على الأنصار يوم السقيفة، فلم يُنكره أحد، قال القاضي: وقد عَدّها العلماء
في مسائل الإجماع، ولم يُنقَل عن أحد من السلف فيها قول، ولا فِعل يخالف
ما ذكرنا، وكذلك مَن بعدهم في جميع الأعصار، قال: ولا اعتداد بقول
النظام، ومن وافقه من الخوارج، وأهل البِدَع أنه يجوز كونه من غير قريش،
ولا بسخافة ضِرَار بن عمرو في قوله: إن غير القرشيّ من النَّبَط وغيرهم يُقَدَّم
على القرشيّ؛ لِهَوانِ خَلْعه إن عَرَض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول،
وزُخْرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ أصحاب الشافعيّ بهذا الحديث على فضيلة
الشافعيّ، وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا دلالة فيه لهم؛ لأن المراد: تقديم
قريش في الخلافة فقط، فتعقّبه النوويّ، فقال: هو حجة في مزيّة قريش على
غيرهم، والشافعيّ قرشيّ. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): واستَدَلّ بقوله وَّ: ((قَدِّموا قريشاً، ولا تَقَدَّموها))،
وبغيره من أحاديث الباب على رُجحان مذهب الشافعيّ؛ لورود الأمر بتقديم
القرشيّ على من ليس قرشيّاً، قال عياض: ولا حجة فيها؛ لأن المراد بالأئمة
في قوله {وَلّ: ((الأئمة من قريش))(٣): الخلفاء، وكذلك أمْرُه بالتقديم في
قوله وَله: ((قدّموا قريشاً، ولا تقدّموها))(٤) في الخلافة أيضاً، وإلا فقد قَدَّم
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٢.
(٢) (شرح النوويّ)) ٢٠١/١٢.
(٣) حديث صحيح، قال الحافظ كَّفُ في ((الفتح)) ٣٢/٧: حديث: ((الأئمة من قريش))
قد جَمَعْت طرقه عن نحو أربعين صحابيّاً، لَمّا بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر
أنه لم يُرْوَ إلا عن أبي بكر الصديق ◌َُّ. انتهى.
(٤) حديث صحيح، وأما زيادة: ((وتعلّموا من قريش، ولا تُعلّموها)) فغير ثابت، =

٦٣٣
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٣)
النبيّ وَ﴿ سالِماً مولى أبي حذيفة، يؤمّ في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر،
وعمر ظه، وقَدَّم زيد بن حارثة، وابنه أسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل،
وعمرو بن العاص في التأمير، في كثير من البعوث والسرايا، ومعهم جماعة من
قریش.
وتعقبه النوويّ وغيره بأن في الأحاديث ما يدلّ على أن للقرشيّ مزيةً على
غيره، فيصحّ الاستدلال به لترجيح الشافعيّ على غيره، وليس مراد المستدلّ به
أن الفضل لا يكون إلا للقرشيّ، بل المراد أن كونه قرشيّاً من أسباب الفضل
والتقدم، كما أن من أسباب الفضل والتقدم: الورعَ، والفقهَ، والقراءةَ،
والسنّ، وغيرها، فالمستويان في جميع الخصال إذا اختصّ أحدهما بخصلة
منها دون صاحبه ترجّح عليه، فيصحّ الاستدلال على تقديم الشافعيّ على من
ساواه في العلم والدِّين من غير قريش؛ لأن الشافعي قرشيّ.
قال الحافظ: وعَجَبٌ قول القرطبيّ في ((المفهم)) بعد أن ذكر ما ذَكره
عياض أن المستدلّ بهذه الأحاديث على ترجيح الشافعيّ صَحِبَته غَفْلةٌ قارنها من
صميم التقليد طيشه، كذا قال، ولعل الذي أصابته الغفلة مَن لم يفهم مراد
المستدِلّ، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله القاضي عياض، وتبعه
القرطبيّ هو الحقّ؛ للأدّة التي أوردها، فإن قوله وَله: ((قَدِّموا قريشاً، ولا
تَقَدّموها)) لو كان على عمومه لَمَا قَدّم ◌َ ◌ّ سالِمًا مولى أبي حُذيفة في الصلاة
على غيره من الصحابة القرشيين، وكذا تأميره زيد بن حارثة، وابنه أسامة،
= فإنه من بلاغات الزهري، ومرسلاته، ومرسلاته من أضعف المراسيل، قال القاضي
عياض تَُّ: وأما الحديث الآخر في التعليم، فليس بصحيح لفظاً، ولا معنًى؛
لإجماع العلماء على التعلّم من غير قريش، ومن الموالي، وتعليم قريش منهم، وتعلّم
الشافعيّ من مالك، وابن عيينة، ومحمد بن الحسن، وابن أبي يحيى، ومسلم بن
خالد الزنجيّ، وغيرهم، ممن ليس بقرشيّ. انتهى. ((إكمال المعلم)) ٢١٥/٦.
وأما تصحيح الشيخ الألبانيّ تَقْلَفُ للحديث مع هذه الزيادة، ففيه نظر لا يخفى؛ لِمَا
عرفت من العلّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وغير ذلك مما قدّم فيه النبيّ وَل﴿ غير قريش، مع وجود أفاضل قريش،
فتخصيص أحاديث الباب بالخلافة واضح وضوح الشمس في رابعة النهار،
فتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَاتِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ،
مُسْلِمُهُمْ تَبَعْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعْ لِكَافِرِهِمْ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
حافظ، مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) وله
(٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في (المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
و ((أبو هريرة رضُ)) ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، وكذا تقدّم شرح قوله: ((هذا ما حدّثنا أبو هريرة ... إلخ)) غير مرّة،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٥] (١٨١٩) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ،
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ
النَِّيُّ ◌َّهِ: ((النَّاسَُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ)).

٦٣٥
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
أبو الوليد، وأبو خالَد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، لكنه يُدلّس، ويُرسل [٦] (ت
١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿ها، تقدّم أيضاً قبل بابين.
وقوله: (فِي الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ))) قال النوويّ تَُّهُ: معناه: في الإسلام
والجاهلية، كما هو مصرَّح به في الرواية الأولى؛ لأنهم كانوا في الجاهلية
رؤساء العرب، وأصحاب حَرَم الله، وأهل حجّ بيت الله، وكانت العرب تنتظر
إسلامهم، فلما أسلموا، وفُتحت مكة تَبِعهم الناس، وجاءت وفود العرب من
كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب
الخلافة، والناس تَبَع لهم، وبَيَّن أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ما بقي
من الناس اثنان. انتهى (١).
وقال المناويّ كَّتُهُ: هذا خبر بمعنى الأمر، كما يدلّ عليه خبر: ((قَدِّموا
قريشاً))، وقيل: خبر على ظاهره، والمراد بالناس: بعضهم، وهم سائر العرب
من غیر قریش.
وقوله: ((في الخير والشر))؛ أي: في الإسلام والجاهلية، كما في الرواية
الأخرى؛ لأنهم كانوا في الجاهلية متبوعين في كفرهم؛ لكون أمر الكعبة في
يدهم، فكذا هم متبوعون في الإسلام، أو أن السابق بالإسلام كان من قریش،
فكذا في الكفر؛ لأنهم أول من ردّ دعوته وَله، وكفر به، وأعرض عن الآيات
والنُّذُر، فكانوا قدوة في الحالين.
وقال القاضي: معناه أن مسلمي قريش قدوة غيرهم من المسلمين؛ لأنهم
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٢.

٦٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
المتقدِّمون في التصديق، والسابقون في الإيمان، وكافرهم قدوة غيرهم من
الكفار، فإنهم أول من ردّ الدعوة، وكَفَر بالرسول ◌َّه. انتهى (١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿يا هذا من أفراد
المصنّف أخذتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٩٥/١] (١٨١٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٦٧/١٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣١/٣ و٣٧٩ و٣٨٣)، (وابن أبي عاصم)
في ((السُّنّة)) (١٥١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٦٣)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٦٨/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤١٠/٣ و١٨٥/٤ و١٤٠/١١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤١/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٨٤٧).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٦] (١٨٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا
يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَربوعيّ، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٢ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ) العُمريّ المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٢/٥.
٣ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٢/٥.
(١) ((فيض القدير)) ٦/ ٢٩٤.

٦٣٧
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٦)
٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العَدَويّ، أبو عبد الرحمن ضَّا، مات
سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهو (٣٢٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه
رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وفيه ابن عمر ظّ أحد العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، وهو المشهور بشدّة اتّباعه للأثر
شرح الحديث:
(عَن مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رِ﴿يَا (قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ)؛ أي: أمر الخلافة، (فِي قُرَيْشٍ)؛ يعني:
أنه لا يزال الذي يليها قرشيّاً، (مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانٍ))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛
أي: مدّة بقاء اثنين من الناس، وفي رواية البخاريّ: ((ما بقي منهم اثنان)).
قال أبو محمد بن حزم كَّلُهُ: قوله ◌َّ: ((لا يزال هذا الأمر ... إلخ)):
هذه اللفظة لفظة الخبر، فإن كان معناه الأمر، فحرام أن يكون الأمر في غيرهم
أبداً، وإن كان معناه معنى الخبر كلفظه، فلا شكّ في أن من لم يكن من قريش
فلا أمر له، وإن ادّعاه، فعلى كل حال فهذا خبر يوجب منع الأمر عمن
سواهم. انتهى (١).
وقال الكرمانيّ ◌َُّهُ: ليست الحكومة في زمننا لقريش، فكيف يطابق
الحديث؟.
وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفةً من قريش، وكذا في مصر،
وتُعُقّب بأن الذي في الغرب هو الحفصيّ صاحب تونس وغيرها، وهو منسوب
إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب ابن تومرت الذي كان على رأس
المائة السادسة، اذَّعَى أنه المهديّ، ثم غلب أتباعه على معظم الغرب، وسُمُّوا
بالخلافة، وَهُمْ عبد المؤمن وذريته، ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص، ولم
يكن عبد المؤمن من قريش، وقد تسمّى بالخلافة هو وأهل بيته، وأما أبو
(١) ((المحلَّى)) ٤٥/١.

٦٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حفص فلم يكن يَدَّعِي أنه من قريش في زمانه، وإنما ادّعاه بعض ولده لمّا
غَلَبوا على الأمر، فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص عمر بن الخطاب، وليس
بيدهم الآن إلا المغرب الأدنى، وأما الأقصى فمع بني الأحمر، وهم منسوبون
إلى الأنصار، وأما الأوسط فمع بني مَرِين، وَهُم من البربر.
وأما قوله: فخليفة من مصر، فصحيحٌ، ولكنه لا حَلَّ بيده ولا رَبْط،
وإنما له من الخلافة الاسم فقط، وحينئذٍ هو خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج
هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد.
ويَحْتَمِل حمله على ظاهره، وإن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في
معظم الأقطار، وإن كانوا من غير قريش، لكنهم معترفون أن الخلافة في
قريش، ويكون المراد بالأمر: مجرد التسمية بالخلافة، لا الاستقلال بالحكم،
والأول أظهر، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((لا يزال هذا الأمر ... إلخ)) هذا خبرٌ عن
المشروعية؛ أي: لا تنعقدُ الولايةُ الكبرى إلَّا لهم مهما وُجد منهم أحدٌ، وفي
حديث آخر: ((الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ))(٢)، وقد استدَلَّ بهذا اللَّفظ، وما في معناه من
قوله {َ﴾: ((قَدِّمُوا قُرَيْشاً، وَلاَ تَتَقَدَّمُوها)) كُبراء أصحاب الشافعيّ تَّتُهُ على
ترجيح مذهب الشافعيّ على غيره؛ من حيث إنه قرشيٍّ، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّه لا
يصحُّ الاحتجاج به إلَّا حتى تُحْمَل الإمامةُ فيه على العموم في كل شيء يُحتاج
إلى الاقتداء فيه، من الإِماَمةِ الكُبْرى، وإمامة الفَتْوى، والقضاء، والصَّلاة،
وغير ذلك من الولايات، ولا يصح ذلك؛ للإجماع على خِلافِه؛ إذ قد أجمعت
الأمة على أن جميع الولايات تصحُّ لغير قريش، ما خلا الإمامة الكبرى، فهي
المقصودة بالحديث قَطْعاً، وقد قدَّم النبيّ وَّ غير قريش على قريش، فإنه قدَّم
زيد بن حارثة، وولده أسامة، ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالِماً مولى أبي حُذيفة
على الصلاة بقُباء، فكان يَؤُمُّهُم وفيهم أبو بكر، وعمر، وغيرهم، من كبراء
قريش، ثم إن الشافعيّ كَّثُ أول من ترك عموم تلك الأخبار، فإنّه قد اقتدى
(١) ((الفتح)) ١٥٧/٨ - ١٥٨.
(٢) حديث صحيح، رواه أحمد في ((مسنده)) ١٨٣/٣ و٤٢١.

٦٣٩
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٦)
بمالك، واسْتَفْتَاهُ، ومالك ليس بقرشيٍّ، وإنما هو أَصْبَحِيٍّ صَرِيْحاً، وأيضاً:
فإنَّه لم يُرْوَ عنه أنه مَنَع من تقليد مَنْ ليس بقرشي، فدلَّ هذا كُلُّه على أن
الْمُسْتَدلَّ بذلك الحديث على تقديم مذهب الشافعيّ صَحِبَتْهُ غَفْلَةٌ، قارَنَها من
تَصْمِيم التَّقْليد طَيْشَةٌ، وربما رووا ألفاظاً رفعوها؛ كقوله: (تَعَلَّمُوا من قريش،
ولا تُعَلِّمُوها))، وذلك لا يصحُّ نَقْلاً، ولا معنىً؛ بما تقدَّم، والله أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ، وهو بحث حسنٌ، وقد تقدّم البحث فيه قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٩٦/١] (١٨٢٠)، و(البخاريّ) في ((المناقب))
(٢١٩٥) و((الأحكام)) (٧١٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٧١/١٢)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩/٢ و٩٣
و١٢٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (٢١٩٥)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٥٥٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٦٦ و٦٦٥٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٣٥٠/٤ و٣٦٨ و٣٦٩)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣١١/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤١/٨) و((شعب الإيمان)) (٧/٦)، و(أبو محمد
البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٨٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)): قوله: ((ما بَقِيَ منهم اثنان)): قال ابن
هُبيرة: يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا
اثنان: أمير، ومؤمَّر عليه، والناس لهم تَبَعُ.
قال الحافظ: في رواية مسلم عن شيخ البخاريّ في هذا الحديث: ((ما
بقي من الناس اثنان))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((ما بقي في الناس اثنان،
وأشار بإصبعيه: السبابةِ، والوسطى))، وليس المراد حقيقةَ العدد، وإنما المراد
به: انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش.
ويَحْتَمِل أن يُحمل المطلق على المقيَّد في الحديث الأول، ويكون

٦٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
التقدير: لا يزال هذا الأمر؛ أي: لا يُسَمَّى بالخليفة إلا من يكون من قريش،
إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبةً وقهراً، وإما أن يكون المراد بلفظه:
الأمرَ، وإن كان لفظه لفظَ الخبر.
ويَحْتَمِل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، فإن
بالبلاد اليمنية، وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن عليّ لم تزل مَمْلَكة
تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة، وأما مَن بالحجاز مِن ذرية الحسن بن
عليّ، وهم أمراء مكة، وأمراء ينبع، ومن ذرية الحسين بن عليّ، وهم أمراء
المدينة، فإنهم وإن كانوا من صميم قريش، لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك
الديار المصرية، فبقي الأمر في قريش بقُطر من الأقطار في الجملة، وكبير
أولئك؛ أي: أهل اليمن يقال له: الإمام، ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون
عالِماً متحرياً للعدل.
وقال الكرمانيّ: لم يخلُ الزمان عن وجود خليفة من قريش؛ إذ في
المغرب خليفة منهم على ما قيل، وكذا في مصر.
قال الحافظ: الذي في مصر لا شكّ في كونه قرشيّاً؛ لأنه من ذرية
العباس، والذي في صَعدة وغيرها من اليمن لا شكّ في كونه قرشيّاً؛ لأنه من
ذرية الحسين بن عليّ، وأما الذي في المغرب فهو حفصيّ، من ذرية أبي
حفص صاحب بن تومرت، وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب، وهو قرشيّ.
قال: ولحديث ابن عمر شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه البزار،
بلفظ: ((لا يزال هذا الدين واصباً، ما بقي من قريش عشرون رجلاً)).
وقال النوويّ: حُكم حديث ابن عمر مستمرّ إلى يوم القيامة، ما بقي من
الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله ◌َ*، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في
قريش، من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على المُلك بطريق الشركة
لا يُنكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدّعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم.
انتھی.
وقد أُورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسمَّوا بالخلافة واحداً بعد
واحد، ولم يكونوا من قريش، وكذلك ادَّعَى الخلافة بنو عبيد، وخُطب لهم
بمصر، والشام، والحجاز، ولبعضهم بالعراق أيضاً، وأزيل الخلافة ببغداد قَدْر