Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ وَلِ - حديث رقم (٤٦٨٧)
فأُمطيت يده عن جرحه، ثم أُرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين الوقتين
ست وأربعون سنة(١).
(فَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ)؛
يعني: أنه لَمّا مات أبوه تمكّن من الخروج في الغزو مع النبيّ وَّ؛ لعدم من
يمنعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله مجا هذا من أفراد
المصنّف نَحْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧ /٤٦٨٧] (١٨١٣)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٢٩/٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٠٦٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٥٧/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٨/٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٧] (١٨١٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَا جَمِيعاً:
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ وَلُ
تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ، وَقَالَ فِي
حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديث.
٢ - (زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خراسانيّ الأصل،
صدوق يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع، من كبار
[١١] (خ م د ق) تقدم في ((الصلاة)) ١٠١٦/٣٤.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة) ١٦٢/٤ - ١٦٣.

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
[تنبيه]: قوله: ((الْجَرْميّ)) - بفتح الجيم، وسكون الراء -: نسبة إلى
قبيلة، وهو: جَرْم بن ربّان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة، وفي بَجِيلة:
جرم بن علقة بن أنمار، وفي عاملة: جرم بن شعل بن معاوية بن عاملة، وفي
طيّىء: جرم، وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث، قاله في ((الأنساب))،
و((اللباب))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في ((الأنساب))، و((اللباب))، ولكن لم
يتبيّن لي إلى أيّها يُنسب سعيد بن محمد هذا، والله تعالى أعلم.
٤ - (أَبُو تُمَيْلَةَ) - بمثنّاة، مصغّراً - يحيى بن واضح الأنصاريّ مولاهم
المروزيّ الحافظ، ثقةٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن حسين بن واقد، ومحمد بن إسحاق، وفليح بن سليمان،
والأوزاعيّ، وأبي حمزة السُّكّريّ، وحسين بن واقد، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وسعيد بن محمد الجرميّ، وأبو بكر بن أبي
شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: ليس به بأس، ثم قال: أرجو إن شاء الله تعالى
أن لا يكون به بأس، كتبنا عنه على باب هُشيم، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن
معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن
معين: ثقةٌ، وكذا قال ابن سعد، والنسائيّ أيضاً، وقال أبو داود عن ابن معين:
قد رأيته ما كان يحسن شيئاً، وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ: سئل أبي عن
أبي تُميلة، والسينانيّ، فقدَّم يحيى بن واضح، وقال: روى الفضل بن موسى
أحاديث مناكير، وقال ابن خِراش: صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقةٌ
في الحديث، أدخله البخاريّ في ((الضعفاء))، فسمعت أبي يقول: يُحَوَّل من
هنا، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العباس بن مصعب المروزيّ: كان
أبو تُميلة عالِماً بأيام الناس، وقال زُنيج، عن أبي تميلة: كان أبي والمبارك
والد عبد الله تاجرين، وكانا قد جعلا لنا مَن حَفِظ منا قصيدة فله درهم، قال
أبو غسان: فخرجا شاعرين، وقال صالح بن محمد جَزَرَةُ: ثقة في الحديث،
(١) ((الأنساب)) للسمعانيّ ٧١/٢، و((اللباب في تهذيب الأنساب)) لابن الأثير ٢٧٣/١.

٦٠٣
(٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ وَّرِ ـ حديث رقم (٤٦٨٧)
وكان محمود الرواية، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال صاحب
((الميزان)): لم أر له في الضعفاء للبخاريّ ذكراً.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ) الْمَرْوزيّ، أبو عبد الله قاضي مَرْوَ، مولى عبد الله بن
عامر بن كريز، ثقةٌ، له أوهامٌ [٧].
رَوَى عن عبد الله بن بريدة، وثابت البنانيّ، وثمامة بن عبد الله بن أنس،
وأبي إسحاق السبيعيّ، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو أكبر منه، والفضل بن موسى السِّينانيّ،
وعليّ بن الحسن بن شقيق، وأبو تُميلة، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن
المبارك، وغيرهم.
قال أحمد بن شبويه، عن عليّ بن الحسن بن شقيق: قيل لابن المبارك:
من الجماعة؟ قال: محمد بن ثابت، والحسين بن واقد، وأبو حمزة السُّكّريّ،
قال أحمد بن شبويه: ليس فيهم شيء من الإرجاء، وقال عن عليّ أيضاً: قلت
لابن المبارك: كان الحسين إذا قام من مجلس القضاء اشترى لحماً، فينطلق
إلى أهله، فقال ابن المبارك: ومن لنا مثل الحسين؟ وقال الأثرم، عن أحمد:
ليس به بأس، وأثنى عليه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو
زرعة، والنسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن حبان: كان على قضاء مرو، وكان
من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه:
ما أُنكر حديث حسين بن واقد، عن أبي الْمُنيب، وقال العُقيليّ: أنكر أحمد بن
حنبل حديثه، وقال الأثرم: قال أحمد: في أحاديثه زيادةٌ، ما أدري أي شيء
هي؟ ونفض يده، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وقال الآجريّ، عن
أبي داود: ليس به بأسٌ، وقال الساجيّ: فيه نظرٌ، وهو صدوق، يَهِمُ، قال
أحمد: أحاديثه ما أدري أيشٍ هي؟.
قال عليّ بن الحسين بن واقد: مات أبي سنة (١٥٩)، وقال: ويقال:
(١٥٧)، وجزم ابن حبان في ((الثقات)) بالأول، وكَنَاه أبا عليّ، وكذا كناه
البخاريّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ، وكذا ذكره مسلم، والنسائيّ، والدولابيّ،
والحاكم أبو أحمد، وغيرهم، والله أعلم.

٦٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨١٤)، وحديث (٢٧١٧): ((اللهم لك
أسلمت، وبك آمنت ... )) الحديث، وحديث (٢٨٦٥): ((ألا إن ربي أمرني أن
أعلّمكم ... )) الحديث.
[تنبيه]: قال الدار قطنيّ تَُّ في ((التتبّع)): وأخرج مسلم حديثاً واحداً عن
الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ وَل﴿ تسع عشرة غزوةً
وحده، وعنده نسخة يلزمه إخراجها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: غرضُ الدارقطنيّ تَّفُ بهذا الكلام إلزام مسلم
بأن يُخرج أحاديث نسخة فيها رواية حسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه،
عن النبيّ ◌َّر؛ لأنه أخرج هذا الحديث الواحد في هذا الباب، ولكن هذا
الإلزام غير صحيح؛ لأن مسلماً تَُّ لم يلتزم بأن يُخرج كلّ الأحاديث
الصحيحة، بل صرّح بخلافه، فقال في ((صحيحه)): ((ليس كل حديث صحيح
وضعته ها هنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه)). انتهى، وقد تقدّم هذا في
((كتاب الصلاة))، وقد صرّح بذلك أيضاً البخاريّ كَّلُهُ، وتقدّم البحث في ذلك
مستوفّى في ((شرح المقدّمة))، فراجعه(١) تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ
التوفيق.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها،
ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) وقيل: (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُوهُ) بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير،
مات رظُه (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٣٣/١٠٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذُ، وهو مسلسل بالمراوزة من أبي تُميلة،
والباقون کوفیّون، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث :
(١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٥٦/١ - ٥٧.

٦٠٥
(٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ◌َلجر - حديث رقم (٤٦٨٨)
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب ◌َُّه أنه (قَالَ: غَزَا
رَسُولُ اللهِ بِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ) تقدّم أنه قاتل في تسع،
قال الأُبيّ تَخْلَقُ: لعلّ بُريدة ◌ُه أسقط غزوة الفتح؛ لاعتقاده أنها فُتحت
صلحاً، وتقدّم ما في ذلك من الخلاف. انتهى(١)، وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ)؛
يعني: ابن أبي شيبة، شيخه الأول: (مِنْهُنَّ)؛ أي: أسقط لفظة ((منهنّ))، (وَقَلَ)
أبو بكر (فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةً)؛ يعني: أنه صرّح بالتحديث
مخالفاً لسعيد بن محمد الجرميّ، فإنه ذكره بالعنعنة، فقال: ((عن عبد الله بن
بريدة)) .
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة هذه التي أشار إليها مسلم ساقها في
((مصنّفه))، فقال:
(٣٦٦٤٦) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا زيد بن الْحُبَاب، قال: حدّثنا
حسين بن واقد، قال: حدّثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه: ((أن رسول الله وَلقول
غزا تسع عشرة غزوةً، قاتل في ثمان)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٨٧/٤٧ و٤٦٨٨] (١٨١٤)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٤٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥١/٧)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (٣٤٩/٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٥٧/٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: غَزَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ سِتَّ عَشْرَةَ
غَزْوَةً).
(١) ((شرح الأبّيّ)) ١٥٨/٥.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥١/٧.

٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد
الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ
مجتهدٌ، رأس الطبقة [١٠] (ت٢٤١) وله (٧٧) تقدم في ((الإيمان)) سنةً ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن
شيوخ، أخرج البخاريّ تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، فقد
أخرج البخاريّ هذا الحديث عن أحمد بن حنبل بواسطة أحمد بن الحسن
الترمذيّ، قال الحافظ: ووقع من هذا النمط للبخاريّ أكثر من مائتي حديث،
وقد جرّدتها في جزء مفرد. انتهى(١).
وقوله: (غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً) هذا لا يعارض ما قبله أنه وَه
غزا تسع عشرة غزوة؛ لأن المراد هنا أنها الغزوات التي شهدها بنفسه معه وَليّة،
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرّ تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٩] (١٨١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ
إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ،
مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قريباً، فمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بن الزِّبْرقان، تقدّم قبل خمسة
أبواب، والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((الفتح)) ٦٢٤/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٧٣).

٦٠٧
(٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٤٦٨٩)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٣٢٨) من
رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ) بن عمرو بن
الأكوع ◌َُّه (يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ) أخرج البخاريّ
هذا الحديث من طريق حمّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيد، فذكر من تلك
الغزوات: خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القَرَد، وقال في آخره: ((قال
يزيد: ونسيت بقيتهم))(١) .
قال في ((الفتح)): وأما بقية الغزوات التي نَسِيهنّ يزيد، فهنّ: غزوة
الفتح، وغزوة الطائف، فإنهما وإن كانا في سنة غزوة حنين، فهما غيرها،
وغزوة تبوك، وهي آخر الغزوات النبوية، فهذه سبع غزوات، كما ثبت في أكثر
الروايات.
قال: وإن كانت الرواية الأولى، وهي رواية حاتم بن إسماعيل، بلفظ
التسع محفوظة، فلعله عَدّ غزوة وادي القرى التي وقعت عَقِب خيبر، وعَدّ أيضاً
عمرة القضاء غزوة، كما تقدم من صنيع البخاريّ، فكمل بها التسعة.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا في ((الفتح)) جعل رواية حاتم بن إسماعيل
بلفظ التسع، والموجود في نسخ البخاريّ التي بين يديّ بلفظ: ((سبع))، كما هو
عند مسلم، لا بلفظ: ((تسع))، ولعلّ الحافظ وقعت له نسخة هكذا، فليُحرّر،
والله تعالى أعلم.
قال: وأما ما وقع عند أبي نعيم في ((المستخرج)) من طريق نصر بن
عليّ، عن حماد بن مَسْعدة، فذكر هذا الحديث، فقال في أوله: ((أُحُدٌ،
(١) قال في ((الفتح)): كذا فيه بالميم في ضمير جمع الغزوات، والمعروف فيه التأنيث،
وكذا وقع في رواية النسفيّ بالميم، وضَبّب عليه، ووقع في روايةٍ حكاها الكرمانيّ
- قال الحافظ: ولم أقف عليها -: ((بقيّتها))، وهي أَوْجَه. انتهى.
قال الجامع: وقع في رواية أحمد بلفظ: ((بقيّتهنّ)).

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وخيبر))، ففيه نظرٌ؛ لأنهم لم يذكروا سلمة فيمن شَهِد أُحُداً، وقد أخرجه
الإسماعيليّ من وجه آخر، عن حماد بن مَسعدة، ولم يذكر فيه أُحُداً، والله
(١)
أعلم. انتهى(١).
(وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ)؛ أي:
في مرّة من المرّات التسع قد أُمِّر علينا أبو بكر الصدّيق ◌َُبه، (وَمَرَّةً عَلَيْنَا
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ابن حارثة ﴿هَا، قال الحافظ أبو عوانة نَّتُهُ في ((مسنده)) بعد
إخراجه الحديث ما نصّه: كذا قال حاتم: أسامة بن زيد ﴿، وأبو عاصم
قال: زيد بن حارثة، وكذا رواه عمر بن حفص، عن أبيه، عن يزيد مثل رواية
(٢)
حاتم. انتهى(٢).
فهي إلى بني فَزَارة،
قال في ((الفتح)): أما سرية أبي بكر الصديق
كما ثبت من حديثه عند مسلم، وسريته إلى بني كلاب، ذكرها ابن سعد، وبعثه
إلى الحجّ سنة تسع.
وأما أسامة به فأول ما أُرسل في سريّة إلى الْحُرَقة، ثم في سرية إلى
أُبْنَى - بضم الهمزة، وسكون الموحّدة، ثم نون، مقصوراً - وهي من نواحي
البلقاء، وذلك في صفر.
قال الحافظ تََّثُهُ: فوقفنا مما ذكره على خمس سرايا، وبقيت أربع،
فليستدركها على أهل المغازي، فإنهم لم يذكروا غير الذي ذكرته بعد التتبع
البالغ، ويَحْتَمِل أن يكون فيه حَذْف، تقديره: ومرة علينا غيرهما، وأيضاً فإنه
لم يذكر في بعض الروايات للبعوث عدداً. انتهى (٣).
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ من طريق أبي عاصم، عن
يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، أنه قال: غزوت مع رسول اللهِ وَال
سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة تسع غزوات، أَمّره رسول الله وَ ليه علينا .
رضى عنه
وأخرجه البخاريّ عن أبي عاصم، ولفظه: عن سلمة بن الأكوع
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/٩ - ٣٨٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٧٠).
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣٥٦/٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٧٩/٩ - ٣٨٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٧٠).

٦٠٩
(٤٧) - بَابُ عَدَدٍ غَزَوَاتِ الشَّيِّ وَل ◌ِ - حديث رقم (٤٦٨٩)
قال: غزوت مع النبيّ وَّله سبع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا لفظ ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ:
((ومع زيد بن حارثة تسع غزوات))، ووقع عند الطبرانيّ في الموضعين بلفظ:
((سبع))، وكذا عند الكجيّ، وأبي نعيم، كما يأتي عن الحافظ، وقد أبهمه
البخاريّ في روايته المذكورة، ولعلّه للاختلاف المذكور، والله تعالى أعلم.
قال في ((الفتح)) عند قوله: ((وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا)): هكذا
ذكره مبهماً، ورواه أبو مسلم الكجيّ، عن أبي عاصم بلفظ: ((وغزوت مع
زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمِّره علينا))، وكذلك أخرجه الطبرانيّ عن أبي
مسلم بهذا اللفظ، وأخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) عن أبي شعيب الحرانيّ،
عن أبي عاصم كذلك، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طرُق، عن أبي عاصم.
قال: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة، فبلَغَتْ
سبعاً، كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره بعض.
فأولها: في جمادى الأخيرة سنة خمس قِبَل نَجْد في مائة راكب، والثانية:
في ربيع الآخر سنة ستّ إلى بني سُليم، والثالثة: في جمادى الأولى منها في مائة
وسبعين، فتلقى عِيراً لقريش، وأسروا أبا العاص بن الربيع، والرابعة: في جمادى
الآخرة منها إلى بني ثعلبة، والخامسة إلى حُسْمَى - بضم المهملة، وسكون المهملة
مقصوراً - في خمسمائة إلى أناس من بني جُذام، بطريق الشام، كانوا قطعوا
الطريق على دِحية، وهو راجع من عند هرقل، والسادسة: إلى وادي القرى،
والسابعة: إلى ناس من بني فَزارة، وكان خرج قبلها في تجارة، فخرج علیه ناس
من بني فزارة، فأخذوا ما معه، وضربوه، فجهزّه النبيّ وَّ إليهم، فأوقع بهم،
وقتل أم قِرْفة - بكسر القاف، وسكون الراء، بعدها فاء - وهي فاطمة بنت ربيعة بن
بدر، زوج مالك بن حذيفة بن بدر، عمّ عيينة بن حصن بن حذيفة، وكانت مُعَظّمة
فيهم، فيقال: ربطها في ذنب فرسين، وأجراهما، فتقطعت، وأَسَر بنتها، وكانت
جميلةً. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/٩ - ٣٨٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٧٠).

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ◌َدُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٨٩/٤٧ و٤٦٩٠] (١٨١٥)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٢٧٠ و٤٢٧١ و٤٢٧٢ و٤٢٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٤/٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٦/٤)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٠٥/٤
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٢٨٢ و٦٢٨٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٧١٧٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢١٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٤٠ - ٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٩٤١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ فِي كِلْتَيْهِمَا: سَبْعَ غَزَوَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً.
و((حاتم)) ذُكر قبله، والإسناد من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو (٣٢٩)
من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية قُتيبة، عن حاتم بن إسماعيل هذه ساقها البيهقيّ تَّهُ في
((الکبری))، فقال:
(١٧٦٧٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد الفقيه، ثنا
أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا محمد بن عباد المكيّ (ح) وأخبرنا أبو
عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن
سعيد، قالا: ثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع
قال: ((غزوت مع النبيّ وَل سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث سبع
مرّات، علينا مرّةً أبو بكر، ومرّةً علينا أسامة بن زيد)). لفظ حديث قتيبة.
وقال محمد في الثانية: تسع غزوات، رواه البخاريّ، ومسلم في

٦١١
(٤٨) - بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ
((الصحيح)) عن قتيبة بن سعيد، ورواه مسلم عن محمد بن عباد المكيّ.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية قتيبة هذه أخرجها البخاريّ ◌َظُّ في
((صحيحه))، بلفظ ((تسع)) في الثانية))، فقال:
(٤٢٧٠) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد،
قال: سمعت سلمة بن الأكوع يقول: غزوت مع النبيّ ◌َ ل ير سبع غزوات،
وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرّةً علينا أبو بكر، ومرّةً علينا
أسامة.
ولعلّ قتيبة كان عنده بالوجهين، فحدّث البخاريّ بلفظ: ((تسع))، وحدّث
مسلماً بلفظ: ((سبع))، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٨) - (بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ)
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في وقت هذه الغزوة، وفي سبب
تسميتها على أقوال، والراجح أنها كانت بعد خيبر، وأن سبب تسميتها كون
لَفّوا الْخِرَق على أقدامهم لَمَّا نَقِبت، كما سيأتي في حديث
الصحابة
الباب.
قال الإمام البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)): ((باب غزوة ذات الرقاع، وهي
غزوة مُحاربٍ خَصَفَة من بني ثعلبة، من غطفان، فنزل نخلاً، وهي بعد خيبر؛
لأن أبا موسى جاء بعد خيبر)). انتهى(٢).
قال في ((الفتح)): هذه الغزوة اختُلِف فيها، متى كانت؟ واختُلف في سبب
تسميتها بذلك، وقد جَنَح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستَدَلّ لذلك في
هذا الباب بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري هل تعمّد ذلك؛
تسليماً لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، كما سيأتي، أو أن ذلك من الرُّواة
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٤٠/٩.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٧٩/١٠.

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عنه؟ أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسماً لغزوتين مختلفتين؟ كما
أشار إليه البيهقيّ على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر،
مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة
أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله وَّل بعد غزوة بني النضير شهر ربيع،
وبعض جمادى - يعني: من سنته - وغزا نجداً يريد بني محارب، وبني ثعلبة من
غطفان، حتى نزل نخلاً، وهي غزوة ذات الرقاع.
وعند ابن سعد، وابن حبان أنها كانت في المحرّم سنة خمس.
وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق
الصنيع البخاريّ، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس،
فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها .
وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردّد في
وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر، أو بعدها، أو قبل أُحُد، أو بعدها؟
وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛
لأنه تقدّم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعت، وقد ثبت وقوع
صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فدلّ على تأخرها بعد الخندق.
وقول البخاريّ كََّثُ: ((وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر))
هكذا استدلّ به، وقد ساق حديث أبي موسى بعدُ، وهو استدلال صحيح،
وذلك أن أبا موسى إنما قَدِم من الحبشة بعد فتح خيبر، فقد قال: فوافقنا
النبيّ ◌َله حين افتتح خيبر، وإذا كان كذلك ثبت أن أبا موسى شَهِد غزوة ذات
الرقاع، ولزم أنها كانت بعد خيبر.
قال الحافظ تَّثُ: وعَجِبْت من ابن سيد الناس، كيف قال: جَعَل
البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن
خيبر؟ قال: وليس في خبر أبي موسى ما يدلّ على شيء من ذلك. انتهى،
وهذا النفي مردود، والدلالة من ذلك واضحة، كما مرّ، وأما شيخه الدمياطي
فادَّعَى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد قدّمت
أنهم مختلفون في زمانها، فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح،
وقد ازداد قوّة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر، كما سيأتي.

٦١٣
(٤٨) - بَابُ غَزْوَةٍ ذَاتِ الرِّقَاعِ
وقد قيل: إن الغزوة التي شهدها أبو موسى، وسُمّيت ذات الرقاع، غير
غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف؛ لأن أبا موسى قال في
روايته: إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان
المسلمون فيها أضعاف ذلك.
والجواب عن ذلك: أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان
موافقاً له من الرامة (١)، لا أنه أراد جميع من كان مع النبيّ وَلّ﴾.
واستُدلّ على التعدد أيضاً بقول أبي موسى: إنها سميت ذات الرقاع لِمَا
لَقُّوا في أرجلهم من الخِرَق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أموراً غير
هذا، قال ابن هشام وغيره: سمّيت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل:
بشجر بذلك الموضع، يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا
نزلوا بها كانت ذات ألوان، تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد
وبياض، قاله ابن حبان، وقال الواقديّ: سمّيت بجبل هناك فيه بُقَعٌ، وهذا لعله
مستَند ابن حبان، ويكون قد تصحّف ((جبل)) بـ((خيل)).
وبالجملة فقد اتفقوا على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس
ذلك مانعاً من اتحاد الواقعة، ولازماً للتعدد.
وقد رَجَّح السهيليّ السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك النوويّ، ثم
قال: ويَحْتَمِل أن تكون سُمّيت بالمجموع.
وأغرب الداوديّ، فقال: سميت ذات الرقاع؛ لوقوع صلاة الخوف فيها،
فسميت بذلك؛ لترقيع الصلاة فيها .
ومما يدلّ على التعدد: أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم
صَلَّوا صلاة الخوف، ولا أنهم لَقُوا عدوّاً، ولكن عدم الذُّكر لا يدل على عدم
الوقوع، فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى؛ لأنه إنما جاء إلى النبيّ وَّ،
فأسلم والنبيّ وَّ بخيبر، ومع ذلك فقد ذكر في حديثه أنه صلى مع النبيّ وَلِّلـ
صلاة الخوف في غزوة نجد، وكذلك عبد الله بن عمر ذكر أنه صلى مع
النبيّ وَّ صلاة الخوف بِنَجْد، وقد تقدّم أن أول مَشاهده الخندق، فتكون ذات
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعله مصحّف من ((الرُّماة))، فليُحرّر.

٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الرقاع بعد الخندق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح أن غزوة ذات الرقاع
كانت بعد خيبر؛ لِمَا استدلّ به البخاريّ من شهود أبي موسى ◌َظُه إياها، وأن الأصحّ
في سبب تسميتها ما ذكره أبو موسى الأشعريّ ◌ُبه في حديث الباب، من كونهم لفّوا
على أقدامهم الخِرَق؛ لكونها نقِبت؛ لأنه في ((الصحيحين))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩١] (١٨١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلـ
فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، قَالَ: فَتَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، فَتَقِبَتْ قَدَمَايَ،
وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلَّقُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمَِّتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا
كُنَّا نُعَصِّبُ(٢) عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا
الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ، قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ. قَالَ أَبُو
أُسَامَةَ: وَزَادَنِ غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللهُ يَجْزِي بِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن
أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في
((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، أحد مشايخ الجماعة بلا
واسطة، تقدّم قبل بابین.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) هو: بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى
الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
(١) ((الفتح)) ٢٢٣/٩ - ٢٢٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٢٨).
(٢) وفي نسخة: ((نَعْصِبُ)).

٦١٥
(٤٨) - بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ - حديث رقم (٤٦٩١)
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر،
وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ
الشهير، مات رظ ◌ُلُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّه لبريد، لا أبوه،
وصحابيّه هو المشهور من أكابر الصحابة ﴿ه، وكان حسن الصوت قال له
النبيّ وَّهِ: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ،عَلَله))، متّفقٌ عليه، وأمّره
عمر، ثم عثمان، وكان أحد الْحَكَمين في صفّين رضي الله عنهم أجمعين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس ◌َلُله أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ) - بفتح الغين المعجمة - بمعنى الغزو، وقوله: (وَنَحْنُ
سِتَّةُ نَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، قال الحافظ تَخّْتُهُ: لم أقف على
أسمائهم، وأظنّهم من الأشعريين. انتهى (١). (بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ)؛ أي: نركبه
عُقْبَةً عُقْبَةً، وهو أن يركب هذا قليلاً، ثم ينزل، فيركب الآخر بالنوبة، حتى
يأتي على سائرهم. (قَالَ) أبو موسى ◌َُّبِهِ (فَتَقِبَتْ أَقْدَامُنَا) - بفتح النون، وكسر
القاف، بعدها موحّدة -؛ أي: قَرِحَت من الْحَفَاءِ، وَرَقْت جلودها، وتخرّقت
من شدّة المشي، يقال: نَقِب الخفّ يَنْقَبُ، من باب تَعِبَ: إذا رَقْ، ونَقِبَ
أيضاً: إذا تخرّق، فهو ناقبٌ، ويتعدّى بالحركة، فيقال: نَقَبْتُهُ نَقْباً، من باب
قَتَل: إذا خَرَقته(٢). (فَتَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ) - بضمّ اللام -،
يقال: لَفّ الشيءَ بالشيء، من باب نصر: إذا ضمّه إليه، ووصله به(٣). (عَلَى
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٢٨).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٢٠/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ١١٨٢.

٦١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ) - بكسر، ففتح -: جمع خِرْقة - بكسر، فسكون - وهي القطعة
من الثوب، ونحوه. (فَسُمِّيَتْ) تلك الغزوة (غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ)
يَحْتَمِل أن يكون من التعصيب، أو من العصب، من بابَ ضرب؛ أي: نشُدّ
(عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ) هذا صريح في أن سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم
ما وقع لهم من لفّ الخِرَق على أقدامهم، وهو أصحّ ما قيل في ذلك، كما
أسلفته أول الباب، وقال النوويّ تَّثُ: هذا هو الصحيح في سبب تسميتها،
وقيل: سُمّيت بذلك بجبل هناك، فيه بياض، وسواد، وحمرة، وقيل: سُمّيت
باسم شجرة هناك، وقيل: لأنه كان في ألويتهم رِقاع، ويَحْتَمِل أنها سمّيت
بالمجموع. انتهى (١).
(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) موصول بالسند المذكور، كما قال في ((الفتح)). (فَحَدَّثَ
(بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ گرِهَ ذَلِك) بکسر الراء، من باب
أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ◌َـ
فَهِمَ؛ أي: كرِهِ أبو موسى ربه التحديث بهذا؛ لِمَا يتضمّنه من تزكية النفس،
وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَنََّ﴾ [النجم: ٣٢]. (قَالَ)
أبو بردة (كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً) هكذا في جميع النسخ التي بين أيدينا ((شيئاً)»
بالنصب، فيكون منصوباً على أنه خبر ((يكون))، واسمها محذوف، تقديره:
وكره أن يكون ما دلّ عليه هذا الحديث شيئاً أفشاه، وقد جاء بالرفع في كلّ ما
وقفنا عليه من نُسخ ((صحيح البخاريّ))، ووجهه ظاهر.
(مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ) وإنما كره أبو موسى ◌َُّه الإفشاء؛ لأن كَتْم عمل البرّ،
وما أُصيبَ به الإنسان في ذات الله أفضل من إظهاره، وأدنى أن لا يداخله
العُجب الذي يُحبط العمل، إلا أن توجد هناك مصلحة راجحة، كمن يكون
ممن يُقْتَدَى به، فلو أظهره لاقتدى به غيره، فعند ذلك ينبغي أن يُظهره بهذا
القصد، والله وَلَ من وراء القصد، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]،
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
(قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ) الذي في هذا السند،
ولم يتبيّن لي من هو غير بُريد، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/١٢.

٦١٧
(٤٨) - بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّفَاعِ - حديث رقم (٤٦٩١)
وقوله: (وَاللّهُ يَجْزِي بِهِ) مفعول ((زادني)) محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، يعني أن
غير بريد بن عبد الله ممن روى له هذا الحديث زاده في آخره قوله: ((والله
يجزي به))، يثيب بهذا العمل، ولا نطلب به أجراً من غيره آ .
وقوله: ((يجزي)) بفتح الياء، من الجزاء، ثلاثيّاً؛ أي: يكافئه على عمله،
قال المجد تَخْلَتُهُ: الجزاء: المكافأة على الشيء، وقال الراغب: هو ما فيه
الكفاية، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ، كالجازية، بوزن العافية، يقال: جزاه
كذا، وبه، وعليه جزاءً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَّكَى﴾ [طه: ٧٦]،
وقوله: ﴿فَهُ جَزَآءَ الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨]، وقوله: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
(٣)﴾ [الإنسان: ١٢]، وقوله:
[الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَجَزَّهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا
﴿أُوْلَتِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]. انتهى. بزيادة من الشرح(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َهُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٩١/٤٨] (١٨١٦)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤١٢٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٢/٤)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٢٩٠/١٣) و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٣٤)، و(أبو نعيم) في
(الحلية)) (٢٦٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٨/٥)، و(ابن عساكر) في
((تاريخه)) (٣٥/٣٢، ٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): فيه جواز ركوب المركوب بالتناوب إذا لم يُضرّ به.
٢ - (ومنها): جواز إخبار المرء بما كابده من المشاقّ في سبيل الله رَحَمّ،
إذا ترتّبت عليه مصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء، والتنبيه على الاقتداء به
(١) ((القاموس المحيط)) (٢١٥)، و(تاج العروس)) ٧٣/١٠.

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فيه، ونحو ذلك، وعلى هذا يُحْمَل ما وُجد للسلف من الأخبار بذلك.
٣ - (ومنها): استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يكابده العبد من
المشاقّ في طاعة الله تعالى ولا يُظهر شيئاً من ذلك إلا لمصلحة راجحة، كما
أشرنا إليه آنفاً .
٤ - (ومنها): أنه يدل على ما كان عليه الصحابة ه، من شدّة الصبر،
والْجَلَد، وتَحَمُّل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية
إظهار أعمال البرّ، والتحدث بها إذا لم تَدْع إلى ذلك حاجة، والله أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤٩) - (بَابُ كَرَاهَةِ الاِسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ)
[٤٦٩٢] (١٨١٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ
الأَسْلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ، أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ
جُرْأَةٌ، وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَِّ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ، قَالَ
لِرَسُولِ اللهِ وََّ: جِئْتُ لِأَتْبِعَكَ، وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((تُؤْمِنُ
بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ، أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َه
كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: ((فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ
بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: ((تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَانْطَلِقْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم قريباً.

٦١٩
(٤٩) - بَابُ كَرَاهَةِ الاِسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ - حديث رقم (٤٦٩٢)
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم
أيضاً قريباً .
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الحجة رأس
المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام المجتهد، رأس [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨.
٦ - (الْفُضَيْلُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) المدنيّ، مولى الْمَهْريّ - بفتح الميم،
وسكون الهاء - ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عبد الله بن نِيَار الأسلميّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
وروى عنه مالك، ويُكير بن الأشجّ، وأبو بكر بن أبي سَبْرة.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نِيَارٍ) - بكسر النون، بعدها تحتانيّة خفيفة - ابن مكرم -
بضمّ، فسكون - الأَسْلَمِيُّ، ثقةٌ [٣].
روى عن أبيه، وخاله عمرو بن شاس، وله صحبة، وعن أبي هريرة،
وسليمان بن ربيعة، وعروة بن الزبير، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم.
وروى عنه عبد الرحمن بن حرملة، والفضيل بن أبي عبد الله، والقاسم بن
عباس، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، وأبو بكر بن أبي الجهم، وعدّة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مدنيّ رَوَى عنه
مالك، كذا قال، وقال ابن معين: عبد الله بن نيار، عن عمرو بن شاس ليس
هو بمتصل.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، ولیس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريباً .
٩ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ثّا، تقدّمت أيضاً قريباً.

٦٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من تساعيّات المصنّف، وهو من أَنْزل الأسانيد له؛ إذ أَنْزَلُها على الإطلاق
العُشاريات، وفيه عائشة طيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌ِه ◌ِفْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَّهِ قِبَلَ
بَدْرٍ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة -؛ أي: جِهَته، وفي رواية ابن الجارود في
(المنتقى)): ((أن رجلاً قال لرسول الله وَّه، وهو يريد بدراً: أَخْرُج معك؟))(١).
(فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ) («الْحَرّة)» - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء، و «الْوَبَرة»
بفتح الواو، والباء الموحّدة بعدها راء، وبسكون الموحّدة أيضاً -: موضع على
أربعة أميال من المدينة(٢).
وقال النوويّ تَخُّْ: هكذا ضبطناه بفتح الباء، وكذا نقله القاضي عن
جميع رواة مسلم، قال: وضَبَطه بعضهم بإسكانها، وهو موضع على نحو من
أربعة أميال من المدينة(٣).
وقال ابن الأثير تَخْذَتُهُ: ((حَرّة الْوَبرة)) هي بفتح الواو، وسكون الباء: ناحية
من أعراض المدينة، وقيل: هي قرية ذات نخيل. انتهى(٤).
(أَدْرَكَهُ رَجُلٌ) هو خبيب بن يَسَاف، قاله الواقديّ في ((مغنيه)) عن أشياخه،
وذكره ابن بشكوال، وقد أسلم هذا الرجل(٥)، كما صرّح في رواية مسلم هنا.
(قَدْ كَانَ يُذْكَرُ) بالبناء للمفعول، (مِنْهُ)؛ أي: من الرجل (جُرْأَةٌ) - بضمّ الجيم -؛
أي: شجاعة، قال المجد كَُّهُ: الْجُرْأةُ، كالْجُرْعَةِ، والثُّبَةِ، والْكَرَاهَة،
والْكَرَاهِيَةِ، والْجَرَايَةُ بالياء نادرٌ: الشجاعة، جرُؤَ، كَكَرُمَ، فهو جريء، جَمْعه
أَجْراءٌ. انتهى (٦)، وقد نظمت ما ذُكر بقولي:
وَكَالْكَرَاهِيَةِ وَالْكَرَاهَةِ
وَجُرْأَةٌ كَجُرْعَةٍ وَثُبَةٍ
جَرَايَةٌ فَكُنْ بِذَا مُعْتَنِيَا
هِيَ الشَّجَاعَةُ وَنَادِرِيٌ بِيَا
(١) ((المنتقى لابن الجارود)) ١/ ٢٦٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٢.
(٥) («تنبيه المعلم)) ص ٣٢٠.
(٢) ((نيل الأوطار)) ٤٥/٨.
(٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٤٤/٥.
(٦) ((القاموس المحيط)) ص٢٠٣.