Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٥)
وخوف كَرّة الأعداء، صرفهم عن ذلك بإنزال النعاس عليهم؛ لئلا يوهنهم
الغمّ والخوف، ويُضعف عزائمهم، وأما المنافقون والذين في قلوبهم
مرض، فلم يُنزل عليهم النعاس، بل شغلتهم أنفسهم، وأوحى إليهم
الشيطان ظنّ السوء بالله تعالى، كما بيّن الله ذلك في كتابه، فقال: ﴿ثُمَّ
أَنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً تُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ وَطَآَيِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِلَِّ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَْءُ
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّ قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
إِلَى مَضَاجِعِهِمِّ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
[آل عمران: ١٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
١٥٤
بِذَاتِ الصُّدُورِ
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظ به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٧٥/٤٥] (١٨١١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٨٨٠) و((مناقب الأنصار)) (٣٨١١) و((المغازي)) (٤٠٦٤)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٣٢/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز غزو النساء مع الرجال؛ لمساعدتهم فيما ينوبهم
من آثار الحرب، كمداواة الجرحى، وسقيهم الماء، ونقلهم إلى مكان الأمن.
قال النوويّ تَخُّْ: وفي هذا الحديث اختلاط النساء في الغزو برجالهنّ
في حال القتال؛ لسقي الماء ونحوه. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان ما نزل بالمسلمين يوم أحد من الهزيمة، وتَرْكهم
النبيّ ◌َّ، وذلك بسبب تركهم أمره وَليل بحفظ الرماة مكانهم، كما بيّنه الله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٢.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَبَتَكُم ◌ُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
وَلَقَدْ
[آل عمران: ١٦٥]، وقال أيضاً:
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٥)
صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ اٌلْأَمْرِ
وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدٍ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الْآَخِرَةً ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو
[آل عمران: ١٥٢].
(١٥٢)
فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
٣ - (ومنها): بيان صبر الرسول ﴿ على الأذى الذي يُصيبه في سبيل الله
تعالى، وعدم قلقه بما أصابه من كسر رباعيته، وشجّ وجهه الكريم، وتولّي الناس
عنه، فكل ذلك يدلّ على كمال شجاعته، وقوّته على الجهاد في سبيل الله مك
٤ - (ومنها): بيان منقبة الصحابيّ أبي طلحة الأنصاريّ، وشدّة شجاعته،
وعِلمه بطريق حرب الأعداء، وشدّة دفاعه عن النبيّ وَچ، وكمال محبّته له،
حيث كان يَفديه بأبيه، وأمه، ونفسه، فيقول: بأبي أنت وأمي، ويقول: نحري
دون نحرك.
٥ - (ومنها): بيان فضيلة الصحابيّتين عائشة أم المؤمنين، وأم سُليم والدة
أنس ها، حيث قاما بخدمة المرضى، والجرحى، ونقل القِرَب على
ظهورهما .
٦ - (ومنها): بيان ما أنعم الله على المسلمين في ذلك الشديد البلاء
والامتحان، حيث أنزل عليهم نعاساً أَمَنَةً منه، وأنزل عليهم المطر؛ لتطهيرهم،
وإذهاب رجز الشيطان، وتثبيت أقدامهم على الأرض، كما فصّل الله تعالى كلّ
ذلك، وبيّنه بقوله: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِّنْهُ وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
◌ِطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ
[الأنفال: ١١].
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: وكان طنين هذا النعاس الذي أُلقي عليهم في يوم
أُحد لطفاً بهم من الله تعالى، أزال به خوفهم، واستراحوا به من شدّة التعب،
وقَوِيت به نفوسهم، وهكذا فعل الله بهم يوم بدر، وهو الذي دلّ عليه قوله
تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةُ مِّنْهُ﴾ الآية [الأنفال: ١١]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٦٣
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٦)
(٤٦) - (بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، وَالنَّهْي
عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧٦] (١٨١٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ
نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ، يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلًا أَنْ
أَكْتُمَ عِلْماً، مَا كَتَبْتُ إِلَّيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمِ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ
الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى بَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟، وَعَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَّ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ
عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ،
فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْم فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَهِ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَّانَ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى
يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخْذِ لِنَفْسِهِ،
ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنَّهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ(١) مَا يَأْخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ
الْيُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ(٢) هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا
قَوْمُنَا ذَاَكَ(٣)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الحارثيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
(١) وفي نسخة: ((من مصالح)).
(٣) وفي نسخة: ((ذلك)).
(٢) وفي نسخة: ((وإنا نقول)).

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق،
صدوقٌ فقيهٌ إمام [٦] (ت١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر
الهاشميّ المدنيّ المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع و(١١٠) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦١.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى بني ليث، وقيل: عفّان،
وقيل: آل أبي ذُباب، وقيل: إنه يزيد الفارسيّ، والصحيح أنه غيره، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبان بن عثمان.
ورَوَى عنه الزهريّ، وسعيد المقبريّ، وأبو جعفر محمد بن عليّ،
وقيس بن سعد، والحارث بن أبي ذُباب، والمختار بن صيفيّ، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان على المولى يوم الحرّة، ومات بعد ذلك، وكان ثقة
إن شاء الله تعالى، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال محمد بن إسحاق،
عن الزهريّ: حدّثني يزيد بن هُرمز، وكان من الثقات، وقال ابن أبي حاتم:
اختلفوا هل هو يزيد الفارسيّ، أو غيره؟ فقال ابن مهديّ، وأحمد: هو ابن
هرمز، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحداً، وسمعت أبي يقول:
يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسيّ، هو سواه، فأما ابن هرمز فهو والد
عبد الله بن يزيد بن هرمز، وكان من أبناء الفرس الذين جالسوا أبا هريرة،
وليس بحديثه بأس، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨١٢) وكرّره ثلاث مرّات، وحديث
(٢٦٥٢): ((احتجّ آدم وموسى عند ربّهما ... )) الحديث.
ـئه سنة (٦٨) (ع)
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر، مات (
ء
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَثُ، وهو مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس ◌َّ حبر الأمة، وبحرها،

٥٦٥
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٦)
وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ) المدنيّ (أَنَّ نَجْدَةَ) - بفتح النون، وسكون الجيم،
بعدها دالٌ مهملة، ثم هاء - ابن عامر الحنفيّ، من بني حنيفة، خارجيّ من
اليمامة، وأصحابه النجَدَات - محرّكةً - وهم قومٌ من الحروريّة، ويقال لهم
أيضاً: النَّجْديّة، قاله في ((القاموس))، و((شرح))(١).
ونجدة هذا هو الْحَرُوريّ، رئيس طائفة من الخوارج، له مقالات معروفةٌ،
وأتباعٌ انقرضوا، وكان مع نافع بن الأزرق، ففارقه لإحداثه في مذهبه، ثم
خرج مستقلاً باليمامة سنة (٦٦هـ) أيّام عبد الله بن الزبير في جماعة كثيرة، فأتى
البحرين، واستقرّ بها، وتَسَمّى بأمير المؤمنين، ووجَّهَ إليه مصعب بن الزبير
خيلاً بعد خيل، وجيشاً بعد جيش، فهزمهم، ونَقِمَ عليه أصحابه أموراً،
فخلعوه، وقتلوه، وقيل: قتله أصحاب ابن الزبير، قُتل سنة (٧٢هـ) (٢)، والله
تعالى أعلم.
(كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا، وفي رواية النسائيّ: أن نجدة الْحَروريّ حين
حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عبّاس ﴿ّ إلخ.
وقال النوويّ ◌َُّهُ: وقد صرَّح في ((سنن أبي داود)) في رواية له بأن سؤال
نَجْدة لابن عباس ﴿ها عن هذه المسائل كان في فتنة ابن الزبير، وكانت فتنة
ابن الزبير بعد بضع وستين سنة من الهجرة. انتهى (٣).
[تنبيه]: سبب فتنته ريبه أنه لمّا أراد أن يبايع معاوية رُه عنه لولده
يزيد بن معاوية امتنع ابن الزبير، وتحوّل إلى مكة، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه
يزيدُ سليمانَ أن يُبايع له، فأبى، ولقّب نفسه عائذَ الله، فلما كانت وقعة الحرّة،
وفَتَك أهلُ الشام بأهل المدينة، ثم تحوّلوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير،
واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية،
(١) ((القاموس)) وشرحه (تاج العروس)) ٥١١/٢.
(٢) راجع: ترجمته في ((الكامل)) للمبرّد ١٨٦/٢، وابن الأثير ٨٨/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/١٢.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فتوادعوا، ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة، وأرسل
إلى أهل الأمصار يُبايعهم إلا بعض أهل الشام، فسار مروان، فغلب على بقيّة
الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان، فغلب على
العراق، وقَتل مصعب بن الزبير، ثم جهّز الْحَجّاجَ بن يوسف إلى ابن الزبير،
فقاتله إلى أن قُتِلَ ابنُ الزبير في جمادى الأولى، سنة (٧٣) من الهجرة، وهذا
هو المحفوظ، وهو قول الجمهور، وقيل غير ذلك في سنة قتله. ذكره في
((الإصابة))(١) .
(يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسٍ خِلَالٍ) - بكسر الخاء المعجمة -: جمع خَلّة بالفتح،
كخَصْلة وزناً ومعنَى، (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْماً، مَا كَتَبْتُ
إِلَيْهِ)؛ أي: إلى نجدة الحروريّ، من الخوارج، قال النوويّ تَخْذَّمُهُ: معناه: أن
ابن عباس يَكره نجدة؛ لبدعته، وهي كونه من الخوارج الذين يَمْرُقون من
الدين مُرُوق السهم من الرَّمِيّة، ولكنْ لمّا سأله عن العلم لم يمكنه کَتْمه،
فاضطر إلى جوابه، وقال: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه؛ أي: لولا أني
إذا تركت الكتابة، أصير كاتماً للعلم، مستحقّاً لوعيد كاتمه، لَمَا كتبت إليه.
(٢)
.
انتھی
(كَتَبَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن عبّاس ◌ِؤُهَا، (نَجْدَةُ الْحَروريّ، وقوله: (أَمَّا
بَعْدُ ... إلخ) مفعول ((كتَبَ)) محكيّ؛ لقصد لفظه، و((أمّا)) تقدّم أنها بفتح الهمزة،
وتشديد الميم، وقد تُبدل الميم الأولى ياء، كقوله [من الطويل]:
رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَرَضَتْ فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ
وهي حرف توكيد، وشرط، وتفصيل، وهي نائبة عن ((مهما يكن من
شيء))، و((بعد)) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لِقَطعه عن الإضافة لفظاً، ونيّة
معناها، والفاء في قوله: (فَأَخْبِرْنِي) هي الداخلة في جوابها، وإلى هذا كلّه
أشار ابن مالك تَخْلَثُ في ((خلاصته))، حيث قال:
(أمَّا)) كَـ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ)) وَفَا لِتِلْوٍ تِلِوِهَا وُجُوباً أُلِفَا
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٨٨/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٢.

(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٦)
٥٦٧
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
وقال شيخنا المناسيّ تَظُّ في ((نظم المغني)):
وَقَلْبُ مِيمٍ سِابِقٍ يَاءً يَصِحٌ
((أمَّا)) بِشَدِّ الْمِيم وَالْهَمْزُ فُتِحْ
وَوَضْعُهَا لِلَشَّرْطِ مِنْ ذَا يُعْلَمُ
وَالْفَا لِتَالِي الثَّالِي حَتْماً تَلْزَمُ
وَهْوَ اضْطِرَارٌ دُونَهُ أَوْ نَادِرُ
وَحَذْفُ ذِي الْفَا مَعَ قَوْلٍ يَكْثُرُ
مِنْ سِتَّةٍ مُبْتَدٍَ أَوْ مُسْنَدٍ
وَفُصِلَتْ عَنْ فَائِهَا بَأَحَدٍ
وَجُمْلَةِ الشَّرْطِ وَمَا فِيهِ عَمِلْ
وَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ قَدْ تَعَلَّقَا
جَوَابُهَا وَمَا بِمَحْذُوفٍ عُمِلْ
بِلَفْظِ ((أمَّا)) مِثْلَ فِعْلِ حُقِّقَا
(هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟)؛ أي: يستصحبهنّ، ويخرجن معه
القتال الأعداء، (وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْم؟)؛ أي: وإذا قُلتَ: يغزو بهنّ،
فهل كان يجعل لهنّ سهماً، كالرجال؟، (وَهَلَّ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟)؛ أي: أولاد
المشركين إذا غزاهم، (وَمَتَى يَنْقَضِي)؛ أي: ينتهي (يُتْمُ الْيَتِيم؟)؛ أي: ينتهي
حُكم يُتمه بحيث يجب على وليّه دفع ماله إليه، ويستقلّ هو بالتّصرّف فيه، وأما
نَفْسُ اليُتم، فإنه ينتهي بالبلوغ.
و((الْيُتْمُ)): بضمّ أوله، أو فتحها، وإسكان ثانيه، مصدر يَتُمَ، يقال: يَتُمَ
بَيْتُمُ، من بابيّ تَعِبَ، وقَرُبَ يَتْماً، بضمَ الياء، وفتحها .
و((الْيَتِيمُ)) بفتح الياء، وكسر التاء: هو في الناس من قِبَل الأب؛ أي: من
مات أبوه، فيقال: صغير يتيمٌ، والجمع أَيتامٌ، ويتامَى، وصغيرة يتيمةٌ، وجَمْعها
يَتَامَى، وأما في غير الناس فهو من قبل الأمّ، وأيتمت المرأة إيتاماً، فهي
مؤتِمٌّ: صار أولادها يتامَى، فإن مات الأبوان، فالصغير لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه
فقط، فهو عَجِيّ، قاله الفيّومي ◌َُّهُ(١) .
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((متى ينقضي يُتم اليتيم)): معناه: متى ينقضي
حكم اليتم، ويستقلّ بالتصرف في ماله؟ وأما نفس اليتم فينقضي بالبلوغ، وقد
ثبت أن النبيّ وَِّ قال: ((لا يُتْمَ بعد الحُلُم)) (٢).
(١) (المصباح المنير)) ٦٧٩/٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) عن علي بن أبي طالب
=

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال: وفي هذا دليل للشافعيّ، ومالك، وجماهير العلماء، أن حكم اليتم
لا ينقطع بمجرد البلوغ، ولا بعلوّ السنّ، بل لا بدّ أن يظهر منه الرُّشد في
دينه، وماله، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً زال عنه حُكم
الصبيان، وصار رشيداً يتصرف في ماله، ويجب تسليمه إليه، وإن كان غير
ضابط له، وأما الكبير إذا طرأ تبذيره، فمذهب مالك، وجماهير العلماء،
وجوب الحَجْر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يُحجر، قال ابن القصار وغيره:
الصحیح الأول، وکأنه إجماع. انتھی(١).
(وَعَنِ الْخُمْسٍ)؛ أي: وسأله أيضاً عن خمس الغنيمة (لِمَنْ هُوَ؟)؛ أي:
من الذي يستحقّه من الناس؟ (فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ُهَا، قائلاً: (كَتَبْتَ
تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟) وجوابهُ قوله: (وَقَدْ كَانَ يَغْزُو
بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى)؛ يعني: أن مهمتهنّ بحضور الغزو هو مداواتهنّ
الجرحى، لا مقاتلتهنّ العدوّ، (وَيُحْذَيْنَ) بضمّ الياء، وإسكان الحاء المهملة،
وفتح الذال العجمة؛ أي: يُعطين، و((الْحذْوة) بكسر الحاء، وضمّها: هي
العطيّة (مِنَ الْغَنِيمَةِ) ما يراه الإمام دون تحديد مقدار العطيّة، وتُسمّى الرضخ.
(وَأَمَّا بِسَهْم)؛ أي: وأما الضرب لهن بسهم من سهام الغنيمة (فَلَمْ يَضْرِبْ)
بالبناء للمفَّعول، (لَهُنَّ)؛ يعني: أنه وَّه كان يعطيهنّ ما يراه، ولا يجعل لهنّ
مثل سهام المقاتلين، قال النوويّ كَّتُهُ: وفي هذا أن المرأة تستحقّ الرَّضْخ،
ولا تستحقّ السهم، وبهذا قال أبو حنيفة، والثوريّ، والليث، والشافعيّ،
وجماهير العلماء، وقال الأوزاعيّ: تستحقّ السهم، إن كانت تقاتِلُ، أو تداوي
الجرحى، وقال مالك: لا رَضْخَ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث
الصحيح الصريح. انتهى (٢).
(وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ) بل كان ينهى عن ذلك، وهذا
إذا لم يقاتلوا، وكذا النساء، فأما إذا قاتلوا، فيجوز قتلهم. (فَلَا تَقْتُل) أنت
= قال: حَفِظتُ عن رسول اللهِ وَله: ((لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمات يوم إلى
الليل)). انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٢.

٥٦٩
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٦)
(الصِّبْيَانَ) للنهي عنه، قال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا مذهب كافة العلماء أن الصبيان
لا يُقتلون، إلا أن يُبَيَّت العدوّ، فيصاب صبيانهم معهم، وقد تقدَّم أن الصبيان
لا يُقتلون؛ لأنه لا يكون منهم قتال غالباً، ولأنهم مال. انتهى(١).
وقال ابن عبّاس ﴿ه: (وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيم؟) المراد:
حُكم يُتْمِه؛ لأن يُتمه ينقضي ببلوغه، كما مرّ آنفاً. (فَلَعَمْرِي) الَلام هي لام
القَسَم، و((عَمري)) بفتح العين لا غيرُ هنا، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: عَمِرَ يَعْمَرُ، من
باب تَعِبَ عُمْراً، بفتح العين، وضمّها: إذا طال عُمره، فهو عامرٌ، ويتعدّى
بالحركة، والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله يَعْمُرُهُ، من باب قَتَلَ، وعَمَّرَهُ تَعْمِيراً؛
أي: أطال عُمْرَهُ، وتدخل لام القَسَم على المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك
لأفعلَنَّ، والمعنى: وحياتِكَ، وبقائك. انتهى(٢).
[فإن قلت]: كيف قال ابن عبّاس ﴿ّ: ((فلعَمْري)) مع أنه ورد النهي عن
الحَلِف بغير الله تعالى؟.
[الجواب]: أن هذا ليس مما يراد به اليمين، وإنما هو مجرّد تأكيد
الكلام، كقوله وَلّ: ((أفلح وأبيه))، و: ((تربت يداك))، و((عَقْرَى))، و((حَلْقَى))،
مما يجري على الألسنة، ولا يُراد حقيقته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ) بكسر اللام: الشعر النازل على الذقن،
والجمع: لِحَى، مثلُ سِذْرةٍ وسِدَرٍ، وتُضمّ اللام أيضاً، مثلُ حِلْيَةٍ وحُلَّى (٣).
(وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخْذِ لِنَفْسِهِ)؛ أي: لا يقدر أن يتقاضى حقّه من الناس؛ لعدم
رُشده، (ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا)؛ أي: من نفسه، يعني: أنه لا يؤدّي من نفسه إلى
الناس ما يستحقّون عليه؛ لِمَا ذُكر. (فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحٍ) وفي بعضِ
النسخ: ((من مصالح)) (مَا يَأْخُذُ النَّاسُ)؛ يعني: أنه إذا كان حافظاً لماله، عارفاً
بوجوه التصرّف في الأخذ من الناس لنفسه، وإعطائه لهم حقّهم، (فَقَدْ ذَهَبَ
عَنْهُ الْيُتْمُ)؛ أي: زال عنه حكم الْيُتْم، وهو الحَجْر في ماله، فيكون من أهل
التصرّف التامّ فيه، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦٨٩/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٥١/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٩/٢.

٥٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال ابن عبّاس ◌ِ﴿ّ: (وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟) قال
النوويّ كَّتُهُ: معناه خُمس خُمس الغنيمة الذي جعله الله لذوي القربى، وقد
اختَلَف العلماء فيه، فقال الشافعيّ مثل قول ابن عباس خبًا، وهو أن خمس
الخمس من الفيء والغنيمة يكون لذوي القربى، وَهُم عند الشافعيّ، والأكثرين:
بنو هاشم، وبنو المطلب. انتھی(١).
وقال القرطبيّ تَخّثُ: هذا الخُمس المسؤول عنه، هو خمس الخمس، لا
خمس الغنيمة، ولا يقول ابن عباس، ولا غيره: إن خمس الغنيمة يُصرف في
القرابة، وإنما يُصرف إليهم خمس الخمس على قول من يَقسم خمس الغنيمة
على خمسة أخماس؛ على ما تقدَّم من مذهب الشافعيّ، وهو الذي أشار إليه
ابن عباس، وهو مذهب أحمد بن حنبل. انتهى(٢).
(وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ) وفي نسخة: ((وإنا نقول)) (هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاَ)
وفي بعض النسخ: ((ذلك))؛ أي: رأوا أنه لا يتعيّن صرفه إلينا، بل يصرفونه في
المصالح، قال النوويّ: وأراد بقومه: ولاة الأمر من بني أمية، وقد قال
الشافعيّ ◌َّلهُ: يجوز أن ابن عباس أراد بقوله: ((أبى ذاك علينا قومنا)) مَن بعد
الصحابة ، وهم يزيد بن معاوية، وأهله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ابن عبّاس ◌ًَّا أراد بقومه
عمر بن الخطّاب، ومن كان معه، فقد صرّح بذلك في ((سنن النسائيّ))، ولفظه:
عن يزيد بن هرمز: أن نجدة الحروريّ حين خرج في فتنة ابن الزبير، أرسل إلى
ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن تراه؟ قال: هو لنا لقربى
رسول الله وَّ، قَسَمه رسول الله وَ لّ لهم، وقد كان عُمر عَرَض علينا شيئاً،
رأيناه دون حقّنا، فأبينا أن نَقْبله، وكان الذي عَرَض عليهم أن يُعين ناكحهم،
ويقضي عن غارمهم، ويُعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. انتهى(٣).
والحاصل أن ابن عبّاس ها الذي أبى عليه، لكن هذا اجتهاد اختلف فيه
ابن عبّاس وذووه مع الخليفة عمر ظه، فرأى هو أنهم يستحقّونه بالحاجة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١٢ - ١٩٢.
(٣) ((سنن النسائيّ - المجتبى ـ)) ١٢٨/٧.
(٢) ((المفهم)) ٦٨٨/٣ - ٦٨٩.

٥٧١
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٦)
فقط، وهم يقولون: هو حقّنا، ولو كنّا غير محتاجين؛ لأنه وَلّ قَسَمه بيننا،
على ظاهر الآية: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى
الْقُرْبَ﴾ الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا من أفراد المصنّف تخذله .
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦ / ٤٦٧٦ و٤٦٧٧ و ٤٦٧٨ و٤٦٧٩ و٤٦٨٠
و٤٦٨١] (١٨١٢)، و(أبو داود) في ((الخراج)) (٢٩٨٢)، و(الترمذي) في
((السير)) (١٢٥/٤)، و(النسائيّ) في ((قَسْم الفيء)) (١٢٨/٧ - ١٢٩) و((الكبرى))
(٤٤/٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٢٢/٢ - ١٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٢٤/١ و٣٠٨ و٣٢٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٧١)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٨٢٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٥٥٠ و٢٦٣٠ و٢٧٣٩)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣٤/١٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٦/٤)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٥/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٧٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٢/٦ و٣٤٤)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنّة)) (٢٧٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز أخذ العلم بالمكاتبة، والمراسلة.
٢ - (منها): إفتاء العالم لأهل البدع، إذا كان فيه مصلحة، أو خاف
مفسدة، لو لم يُفتِهِم، فإن ابن عبّاس ظًّا قال: ((فلولا أن يقع في أُحموقة ما
کتبت إلیه)).
٣ - (ومنها): بيان قسم الفيء.
٤ - (ومنها): حِلّ الغنائم.
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((ولا يُسهم لهنّ ... إلخ)) هذا
مذهب جمهور العلماء، أن المرأة لا يُضرَب لها بسهم، وإن قاتلت، ما خلا
الأوزاعيّ؛ فإنه قال: إن قاتلت أُسْهِم لها، وقد مال إليه ابن حبيب من

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
المالكيّة، وهل يُحْذَين؛ أي: يُعْطَين من الغنيمة بغير تقدير؟ فالجمهور على
أنهن يُرْضَخ لهنّ، وقال مالك: لا يُرضخ لهنّ، ولم يبلغني ذلك، وكذلك
الخلاف في العبد سواء؛ غير أن القائل بأنه يُسهم له إن قاتَل؛ هو الْحَكَم،
وابن سيرين، والحسن، وإبراهيم، وقد تقدَّم أن اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد
الأب، وفي البهائم من قِبَل فَقْد الأم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت من حديث ابن عبّاس طيّ المذكور
في الباب أن المرأة يُرضخ لها، وأما نفي مالك له فلأنه لم يبلغه الخبر، كما
صرّح هو به، فمن حَفِظ حجةٌ على من لم يحفظ، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن القربى رسول الله وَل﴿ل سهماً خاصّاً بهم، يستحقّونه، وهو
خمس الخمس، كما قال ابن عبّاس ﴿ هنا، وبهذا قال الشافعيّ، وذوو
القربى هُمْ عند الشافعيّ ◌َ﴿ه، والأكثرين: بنو هاشم، وبنو المطّلب.
٧ - (ومنها): أنه اختُلف في زوال يُتْم اليتيم، قال القرطبيّ ◌َُّهُ:
مقتضى كلام ابن عباس ﴿يا هذا، ومذهب مالك، وأصحابه، وكافة العلماء
أن مجرد البلوغ لا يخرجه عن اليتم، بل حتى يؤنَس رُشده، وسَداد تصرّفه،
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، دَفع إليه ماله وإن كان غير
ضابط له.
قال: وهل من شرط رفع الحجر عنه العدالة، أو يكفي ذلك حسن
الحال، وضبط المال؟ الأول: للشافعيّ، والثاني: للجمهور، وهو مشهور
مذهب مالك، ثم إذا كان عليه مقدَّم، فهل بنفس صلاح حاله يخرج من
الولاية، أو لا يخرج منها إلا بإطلاق حاكم أو وصيّ؟ في كل واحد منهما
قولان عن مالك والشافعيّ، غير أن المشهور من مذهب مالك أنه لا يَخرج
منها إلا بإطلاق من حاكم أو وصيّ، وكافةُ السَّلف، وأهل المدينة، وأئمة
الفتوى على أن الكبير السفيه يَحْجُر عليه الحاكم، وشذ أبو حنيفة فقال: لا
يحجر عليه، وقد حَكَى ابن القصَّار في المسألة الإجماع، ويعني به إجماع أهل
المدينة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ٦٨٧/٣.
(٢) ((المفهم)) ٦٨٧/٣ - ٦٨٨.

٥٧٣
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٧)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ خِلَالٍ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ
بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ حَاتِمٍ: وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ(١)،
فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، إِلَّ أَنْ تَكُونَّ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ، وَزَادَ
إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ، وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ) وفي بعض النسخ: ((لَيَقْتُلَ الصبيان)).
وقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ) اسمه
حيسور(٢)، ويقال: جيسور، وقيل غير ذلك.
قال النوويّ كَّتُهُ: معناه: أن الصبيان لا يحلّ قتلهم، ولا يحلّ لك أن
تتعلق بقصة الخضر، وقَتْله صبيّاً، فإن الخضر ما قَتَله إلا بأمر الله تعالى له على
التعيين، كما قال في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَنْهُ, عَنْ أَمْرِئَ﴾ [الكهف: ٨٢]، فإن كنت
أنت تعلم من صبي ذلك فاقتله، ومعلوم أنه لا عِلم له بذلك، فلا يجوز له
القتل. انتهى(٣) .
وقوله: (وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ، وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ) قال النوويّ كَذُ:
معناه: من يكون إذا عاش إلى البلوغ مؤمناً، ومن يكون إذا عاش كافراً، فمن
(١) وفي نسخة: ((ليقتل الصبيان)).
(٢) كذا صرّح به ابن جريج في ((صحيح البخاريّ)).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/١٢.

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عَلِمتَ أنه يبلغ كافراً فاقتله، كما عَلِم الخضر أن ذلك الصبيّ لو بلغ لكان
كافراً، وأعْلَمَه الله تعالى ذلك، ومعلوم أنك أنت لا تعلم ذلك، فلا تقتل
صبيّاً. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد هذه ساقها
البيهقيّ ◌َّتُ في ((الكبرى))، فقال:
(١٧٥٨٩) - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر أحمد بن
الحسن، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ
الشافعيّ، أنبأ حاتم - يعني: ابن إسماعيل - عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن
عباس ◌ًّا: إن ناساً يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني
أخاف أن أكتم علماً لم أكتب إليه، فكتب نجدة إليه: أما بعدُ فأخبرني هل كان
رسول الله وَ* يغزو بالنساء؟ وهل كان رسول الله وَّهُ يَضْرب لهنّ بسهم؟ وهل
كان يَقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يُتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه
ابن عباس: إنك كتبت تسألني هل كان رسول الله وَل* يغزو بالنساء؟ وقد كان
يغزو بهنّ، يداوين المرضى، ويُحْذَين من الغنيمة، وأما السهم فلم يُضْرَب لهنّ
بسهم، وأن رسول الله وَ﴿ لم يقتل الولدان، فلا تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم
ما عَلِم الخضر من الصبي الذي قَتَل، فتميّز بين المؤمن والكافر، فتقتل الكافر،
وتَدَع المؤمن، وكتبت: متى ينقضي يُتْم اليتيم؟ ولَعَمري إن الرجل لتنبت لحيته،
وإنه لضعيف الأخذ، ضعيف الإعطاء، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ
الناس، فقد ذهب عنه الْيُتْم، وكتبت تسألني عن الخمس، وإنا كنا نقول: هو
لنا، فأبى ذلك علينا قومنا، فصبرنا عليه. انتهى (٢)
.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/١٢.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٢/٩.

٥٧٥
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَّا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٧٨)
الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ
يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَعَنِ الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوِي
الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ لِيَزِيدَ: الْتُبْ إِلَيْهِ، فَلَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ
إِلَيْهِ، اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ، يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ
يُقْسَمُ لَهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَتْلِ
الْوِلْدَانِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ لَمْ يَقْتُلُهُمْ، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلُهُمْ، إِلَّا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا
عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَطِعُ
عَنْهُ اسْمُ الْيُْمِ؟ وَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَكَتَبْتَ
تَسْأَلُنِي عَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا أَنَّا هُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً .
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قبل خمسة أبواب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أُميّة الأمويّ
المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٤ - (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ) هو: سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد
المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في
«الإیمان)» ٣٦/ ٢٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (الْحَرُورِيُّ) - بفتح الحاء - نسبة إلى حَرُوراء، وهي موضع بقرب
الكوفة، خرج منه الخوارج على عليّ رَُّبه، وفيها قُتلوا، وكان نجدة هذا
منهم، وعلى رأسهم؛ لذلك استَثْقَل ابن عبّاس ﴿ه مجاوبته، وكَرِهها، لكن
أجابه مخافة جَهْل يقع له، فيُقْتي، ويَعمل به(١).
(١) ((المفهم)) ٦٨٧/٣.

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقوله: (يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ)؛ أي: الغنيمة، كناية عن حضورهما المعركة،
التي تحصل بها الغنيمة.
وقوله: (فِي أَحْمُوقَةٍ) - بضم الهمزة والميم - أُفعولة من الْحُمْق؛ أي:
خصلة ذات حُمْق، وحقيقة الحمق: وضع الشيء في غير موضعه، مع العلم
بقبحه (١)، ويُطلق اسم الأحموقة أيضاً على الرجل البالغ في الْحُمْق، والمراد:
أنه يَفعل فِعْلاً من أفعال الحمقى، ويَرَى رأياً كرأيهم، كأن يقتل الصبيان،
ونحوهم.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا) بالبناء للمفعول؛ أي: يُعطيا، يقال: أحذيته أُحْذيه
إحذاءً: إذا أعطيته، وهي الْحُذْيا، والْحَذِيّةُ، أفاده ابن الأثير(٢).
وقوله: (اسْمُ الْيُتْم) المراد حكمه؛ أي: لا ينقطع عنه حكم اليتم حتى
يُعلم منه كونه رشيداً، مصلحاً لماله.
وقوله: (حَتَّى يَبْلُغَ)؛ أي: يبلغ مبلغ الرجال، وذلك بالاحتلام، ونحوه.
وقوله: (وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: آنستُ الشيءَ
بالمدّ: إذا عَلِمته، وآنسته: إذا أبصرته؛ أي: حتى يُعلم، ويُبصر من ذلك
الصبيّ كونه رشيداً، و((الرُّشْدُ)) بضمّ، فسكون، أو بفتحتين: هو الصلاح، وهو
خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ويقال: رَشِدَ يَرْشَدُ رَشَداً، من
باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قتل، فهو راشد، والاسم: الرَّشَاد(٣).
والمعنى: حتى يُعلم منه كمال العقل، وسَداد الفعل، وحسن التصرّف،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَإِنَّا زَعَمْنَا)؛ أي: قلنا، أو اعتقدنا، فإن الزعم يُطلق على القول،
ومنه قول سيبويه في ((كتابه)): زعم الخليل كذا؛ أي: قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ
تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢]؛ أي: كما أخبرت بذلك، ويُطلق الزعم
أيضاً على الاعتقاد، ومنه قوله رَت: ﴿زَعَمَ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ [التغابن: ٧].
وقوله: (أَنَّا هُمْ)؛ أي: أنا نحن ذوو القربى الذين جعل الله تعالى لهم
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٦٨/١٠.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ١/ ٢٢٧.
(٢) راجع: ((النهاية)) ٣٥٨/١.

٥٧٧
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ،وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ- حديث رقم (٤٦٧٩ - ٤٦٨٠)
خمس الخمس من الغنيمة في قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، والمراد:
ذوو قرباه ولقد .
وقوله: (فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا)؛ أي: امتنعوا، ورأوا أنه لا يتعيّن صرفه
إلينا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: قَالَ:
كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
قال أبو إسحاقَ: حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْرٍ، حدَّثَنَا سُفْيَانُ، بهذا
الحَديثِ، بطولِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوري، ثقة من صغار
[١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٩.
والباقون ذُكروا قبله، و(سفيان)) هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان بن عيينة هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو إبراهيم محمد بن سفيان تلميذ المصنّف
راوي ((صحيحه)) عنه، وقد تقدّم قبل بابين، وغرض أبي إسحاق بهذا بيان العلوّ،
فإنه وصل إلى ابن عيينة من طريق مسلم بواسطتين، مسلم، وشيخه، وهنا وصل
إليه بواسطة، وهو عبد الرحمن بن بشر، شيخ مسلم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ
حَازِمِ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً، يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، حَدَّثَنِي
قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ،ً عَنْ بَزِيدَ بْنٍ هُرْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامٍِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ، وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :

٥٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وَاللهِ لَوْلًا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنِ يَقَعُ فِيهِ، مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَكَتَبَ
إِلَيْهِ: إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي ذَكَرَ اللهُ، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ
قَرَابَةَ رَسُولِ اللهِ نِِّ هُمْ نَحْنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَنِيمِ مَتَى
يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ، وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ، فَقَدِ اَنَّقَضَى
يُتْمُهُ، وَسَأَلْتَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقْتُلُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ (١) أَحَدَأَ؟ فَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَداً، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَداً، إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلَامِ حِينَ قَتَلَهُ، وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ، هَلْ
كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ؟ فَإِنَّهُمْ (٢) لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِلَّا
أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِ الْقَوْمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِم) الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
٢ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف [٦] (١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٣ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله المكيّ، ثقةٌ [٦]
مات سنة بضع (١١٠) (خت م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
والباقون ذكروا في الباب وقبله، وإسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه،
و((بهز)) هو: ابن أسد العمّيّ.
وقوله: (وَاللهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ) - بفتح النون، وسكون التاء -؛
يعني بالنتن الفعل القبيح، وكلُّ مستقبح يقال له: النتن، والخبيث، والرِّجْس،
والقَذَر، والقاذورة، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: قوله: ((عَنْ نَتْنٍ))؛ أي: عن
فعل فاحش يستقبحه من سَمِعه من العلماء، ويستخبثه، كما يستخبث الشيء
(٣)
النتن. انتهى(٣).
(١) وفي نسخة: ((من أولاد المشركين)).
(٣) ((المفهم)) ٦٩٠/٣.
(٢) وفي نسخة: ((وإنهم)).

٥٧٩
(٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٨٠)
وقال في ((المشارق)): ((عن نتن يقع فيه))؛ أي: عن رأي سَوْءٍ، ومذهب سَوْءٍ
منكر، والنتن يقع على كلّ مُستقبح، ومستنكر، من القول، والعمل. انتهى (١).
وقال المجد ◌َّتُ: ((النَّتْنُ)): ضِدُّ الفَوْحِ، نَثْنَ: ككَرُمَ، وضَرَبَ، نَتَانَةً،
وأَنْتَنَ، فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ، بكسْرَتَيْنِ، وبضَمَّتَيْنِ، وكقِنْدِيلٍ. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: نَتْنَ الشّيءُ - بالضّم - نُتُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِينٌ، مثل
قريب، ونَتَنَ نَتْناً، من باب ضرب، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌّ، من باب تَعِبَ، وأَنْتَنَ
إِنْتَاناً، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضَمُّ التاء إتباعاً
للميم قليلٌ. انتهى(٣).
وقوله: (وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ)؛ أي: لم أجاوبه إرادةَ مسرّة عينه، أو إرادة
تنعّمها، وتمتّعها، و((النُّعْمة)) - بضم النون، وفتحها -: مَسَرّة العين(٤)، ومعناه:
لا تُسَرّ عينه، يقال: أنعم الله عينك؛ أي: أقرّها، فلا يَعْرِض لك نَكَدٌ في شيء
من الأمور(٥).
وقال المجد كَثْتُهُ: ونَعِمَ اللهُ تعالى بِكَ، كَسَمِعَ، ونَعِمَكَ، وأنْعَمَ بِكَ
عَيْناً: أقَرَّ بِكَ عَيْنَ من تُحِبُّهُ، أو أقَرَّ عَيْنَكَ بِمَنْ تُحِبُّهُ، ونَعْمُ عَيْنٍ، ونَعْمَةُ،
ونَعامُ، ونَعيمُ، بفَتْحِهِنَّ، ونُعْمَى، ونُعَامَى، ونُعامُ، ونُعْمُ، ونُعْمَةُ، بضمِّهِنَّ،
ونِعْمَةُ، ونِعَامُ، بكسرهما، ويُنْصَبُ الكُلُّ بإضمار الفِعْلِ؛ أي: أفْعَلُ ذلك إنْعَاماً
لعَيْنِكَ، وإكراماً. انتهى (٦).
وقال القرطبيّ تَُّ: الرواية بضم النون، وفيها لغات: نَعمة - بفتح
النون -، ونَعْمُ عينٍ، ونُعمُ، ونُعْمَى عين، ونُعامى عين، ونَعِيم عين، ونِعَامُ،
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٥٩٦/١.
(١) ((مشارق الأنوار)) ٣/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٢.
(٤) تعقّب بعضهم هذا التفسير، فقال: فسّر النوويّ النعمة مفتوحة النون، ومضمومتها
بالمسّرة، وهو لا يستقيم إلا باعتبار أن التنعّم والمسرّة متلازمان، وإلا فإن النَّعْمة
بالفتح التنعّم، وبالضمّ المسرّة، وبالكسر الإنعام، نصّ على ذلك الزمخشريّ في
(الكشّاف)). انتهى.
(٥) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٢ - ١٩٤.
(٦) ((القاموس المحيط)) - (ص١٢٩٨).

٥٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وكل ذلك بمعنى واحد؛ أي: فلا أُنْعِم عينه، ولا أُريها ما يَسُرّها، وهي
منصوبة على المصدر. انتهى (١).
وقوله: (الَّذِي ذَكَرَ اللهُ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ, وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اُلْسَبِيلِ إِن كُتُمْ
ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَفَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
(@)﴾ [الأنفال: ٤١].
شَىْءٍ قَدِيرٌ
وقوله: (إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ) عبّر عنهما بضمير الجمع؛ اعتباراً بالمعنى؛
لأن المراد جنسهما، وعبّر عنهما بضمير التثنية في قوله: ((هل كان لهما؟))،
وقوله: ((الَّا أَنْ يُخْذَيَا)) باعتبار أنهما صنفان.
وقوله: (وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللهَِّهِ هُمْ نَحْنُ)؛ يعني: أننا كنّا
نرى أن خُمس الخمس من الغنيمة يستحقّه ذوو القرابة من رسول الله وَّظهره، سواء
كانوا أغنياء، أو فقراء، وهذا مذهب ابن عبّاس ◌َبًا، وبه أخذ الشافعيّ،
فقال: إن خمس الغنيمة يُقسم على خمسة سهام، السهم الواحد منها حقّ لذوي
القرابة من رسول الله صل*، يستوي فيه غنيّهم، وفقيرهم، ويُقسم بينهم للذكر مثل
حظّ الأنثيين، ويكون لبني هاشم، وبني المطّلب، دون غيرهم، وهو مذهب
الإمام أحمد، وحكاه صاحب ((المغني)) عن عطاء، ومجاهد، والشعبيّ،
والنخعيّ، وقتادة، وابن جريج(٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَّتُهُ في ((تفسيره)): اختَلَف العلماء في كيفية
قَسْم الخُمس على أقوال ستة:
[الأول]: قالت طائفة: يُقسم الخُمس على ستة، فيُجعل السدس للكعبة،
وهو الذي لله.
والثاني لرسول الله وَ﴾، والثالث لذوي القربى، والرابع لليتامى،
والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل.
وقال بعض أصحاب هذا القول: يُردّ السهم الذي لله على ذوي الحاجة.
[الثاني]: قال أبو العالية، والربيع: تُقسم الغنيمة على خمسة، فيُعزل منها
(١) ((المفهم)) ٦٩٠/٣.
(٢) راجع: ((المغني)) ٧/ ٣٠٠.