Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (٤٤) - بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ - حديث رقم (٤٦٧١) بالتقدير الحديث سبعة كيلو مترات تقريباً، حال كونهم (مُتَسَلِّحِينَ)؛ أي: لابسين السلاح، وهو آلة الحرب. (يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ بَلّ) - بكسر الغين المعجمة -؛ أي: خِدْعته في حال غفلته، يقال: غَرّه غَرّاً، وغُرُوراً، وغِرّةً، بالكسر: إذا خدعه، فهو مغرور، وغَرِير، كأمير (١). (وَ) غِرّة (أَصْحَابِهِ) والمعنى: أنهم أرادوا أن يصادفوا النبيّ وَّر، وأصحابه في غفلة من التأهّب لهم؛ ليتمكّنوا من الغدر والفتك بهم. (فَأَخَذَهُمْ) النبيّ وَلَّ حيث أرسل إليهم من يأسرهم، فأُخذوا دون أن يقاتلوا، وفي رواية عبد بن حميد: ((أن ثمانين رجلاً هبطوا على رسول الله، وَلهم وأصحابه من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، وهم يريدون أن يقتلوه، فأُخذوا أَخذاً، فأعتقهم رسول الله (وَلآت). وقوله: (سَلَماً) قال النوويّ كَّتُهُ: ضبطوه بوجهين: أحدهما: بفتح السين، واللام، والثاني: بإسكان اللام، مع كسر السين، وفتحها، قال الحميديّ: ومعناه الصلح، قال القاضي عياضٍ في ((المشارق)): هكذا ضبطه الأكثرون، قال فيه، وفي ((الشرح)): الرواية الأُولى أظهر؛ ومعناها: أسرهم، والسَّلَمُ: الأَسْرُ، وجزم الخطابيّ بفتح اللام، والسين، قال: والمراد به الاستسلام، والإذعان، كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]؛ أي: الانقياد، وهو مصدرٌ يَقَعُ على الواحد، والاثنين، والجمع، قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصّة، فإنهم لم يُؤخذوا صُلْحاً، وإنما أُخذوا قَهْراً، وأسلموا أنفسهم عَجْزاً، قال: وللقول الآخر وجه، وهو أنه لَمّا لم يَجر معهم قتال، بل عَجَزوا عن دفعهم، والنجاة منهم، فَرَضُوا بالأسر، فكأنهم قد صُولحوا على (٢) ذلك. انتهى ٠ (فَاسْتَحْيَاهُمْ)؛ أي: أبقاهم النبيّ وَّرِ أحياءً، وتركهم، ولم يُعاقبهم بالقتل، ولا بغيره، يقال: استحييته بياءين: إذا تركته حيّاً، فلم تقتله، ليس فيه إلا هذه اللغة، وحَبِيَ منه حَيَاءً بالفتح والمدّ، فهو حَيِيّ، على فَعِيل، واستحيا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٩٤٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٢. ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان، إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم، بياء واحدة، قاله الفيّوميّ(١). (فَأَنْزَلَ اللهُ رَت: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةً مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤]). قال الإمام ابن جرير الطبريّ كَّثُ في ((تفسيره)»: يقول تعالى ذِكْرُهُ لرسوله وَ﴿، والذين بايعوا بيعة الرضوان: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾؛ يعني: أن الله كَفّ أيدي المشركين الذين كانوا خَرَجوا على عسكر رسول الله وَيه بالحديبية، يلتمسون غِرَّتهم؛ ليصيبوا منهم، فَبَعَث رسول الله بِهِ، فأُتِي بهم أَسْرى، فَخَلَّى عنهم رسول الله بِّهِ، ومَنَّ عليهم، ولم يقتلهم، فقال الله تعالى للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم. انتهى(٢). وقال الحافظ ابن كثير تَُّ: قوله ◌َلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾. الآية امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كَفّ أيدي المشركين عنهم، فلم يَصِل إليهم منهم سوء، وكَفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلّ من الفريقين، وأوجد بينهم صلحاً، فيه خير للمؤمنين، وعاقبةٌ لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع ربه حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوثقوهم بين يدي رسول الله وَّر، فنظر إليهم، فقال: ((أرسلوهم، يكن لهم بَدْهُ الفجور، وثِنَاؤه))، قال: وفي ذلك أنزل الله رَك: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد المصنّف نَخْذَتْهُ . (١) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ١٩٣/٤. (٢) ((تفسير الطبريّ)) ٩٣/٢٦. (٤٤) - بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ - حديث رقم (٤٦٧١) ٥٤٣ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤ / ٤٦٧١] (١٨٠٨)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (١٨٠٨)، و(الترمذي) في ((التفسير)) (٣٢٦٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥/ ٢٠٢ و٤٦٤/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٥/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٣ و٢٩٠) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩١/٤)، و(الرويانيّ) في (مسنده)) (٣٩٠/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٨/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف الأخبار في سبب نزول الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية: حديث أنس رضيُه هذا صريح في أن الآية نزلت في قصّة هبوط هؤلاء الثمانين من جبل التنعيم، وقد تقدّم من حديث سلمة بن الأكوع في الباب الماضي أنها نزلت لَمّا قُتل ابن زُنيم، فجاء سلمة بأربعة من المشركين، يسوقهم، وجاء عمه عامر ظُه برجل من العَبَلات، يقال له: مِكرز، في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله وَله، فقال: ((دعوهم يكن لهم بَدْء الفجور وثِناه))، فعفا عنهم، فنزلت الآية. وذكر في ((صحيح البخاريّ)) أنها نزلت في قصّة أبي بصير رَظ ◌ُه، قال في (الفتح)) عند قوله: ((فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيَدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾)) ما نصّه: كذا هنا، وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم، من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك أيضاً - يعني: حديث الباب، والباب الماضي - وأخرجه أحمد، والنسائيّ، من حديث عبد الله بن مغفل، بإسناد صحيح، أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غِرَّةً، فظَفِروا بهم، فعفا عنهم النبيّ وَّه، فنزلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك. انتهى(١). وأخرج أحمد بسند صحيح، عن عبد الله بن مُغَفَّل المزنيّ ◌َُّه قال: كنا مع رسول الله وي في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله رَحفتر، الحديث، وفيه: فبينا نحن (١) ((الفتح)) ٦/ ٦٥٥، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١). ٥٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ◌َ، فأخذ الله تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال رسول الله وَّيقول: ((هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً؟)) فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيَدِيَهُمْ عَنَكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِنَظْنِ مَكَّةً مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية(١). وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن رجلاً من أصحاب رسول الله وَعليه، يقال له: زُنَيم (٢) اطّلع الثنية زمان الحديبية، فرماه المشركون، فقتلوه، فبعث رسول الله وَ ﴿ خيلاً، فأتوا باثني عشر فارساً، فقال لهم رسول الله وَل: ((هل لكم عهد، أو ذمّة؟))، قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ الآية. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذه الأخبار لا تتعارض؛ لإمكان الجمع بكون الآية نزلت فيها كلّها؛ لأنها وقائع متقاربة، فلا يُستبعد نزولها شاملةً لها كلّها، فتأملها بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٥) - (بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٢] (١٨٠٩) - (حَذَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمِ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنِ خِنْجَراً، فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُّذِهِ أُمُّ سُلَيْم، مَعَهَا خَنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟))، قَالَت: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دُّنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ، انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يا ◌ُمَّ سُلَيْمِ، إِنَّ اللهَ قَدْ كَفَى، وَأَحْسَنَ))). (١) ((تفسير ابن كثير)) ١٩٢/٤ - ١٩٣. (٢) تقدّم أنه ابن زُنيم، ولعله ممن اختلف في اسمه، والله تعالى أعلم. ٥٤٥ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٢) رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، سوى شيخه، فتقدّم قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َُّهُ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْم) بنت مِلْحَان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنس المذكور، اشتهرت بكنيتها، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، أو رُميلةُ، أو رُميثة، أو مُليكة، وقيل غير ذلك، تزوّجت مالك بن النضر في الجاهليّة، فولدت له أنساً، وأسلمت هي مع السابقين من الأنصار، فغضب زوجها مالك، وخرج إلى الشام، ومات بها مشركاً، فخطبها أبو طلحة، وهو مشرك، فأبت عليه، إلا أن يُسلم، فأسلم، فتزوّجها، ولم تطلب منه صداقاً، سوى الإسلام، وقصّتها في ذلك مشهورةٌ، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، وهي التي قدّمت أنساً رَُّله لخدمة النبيّ وَّل، ماتت ◌َّا في خلافة عثمان رُه(١) تقدّمت ترجمتها في ((الحيض)) ٧١٦/٧. (اتَّخَذَتْ) بالبناء للفاعل، (يَوْمَ حُنَيْنِ) ظرفٌ لِمَا قبله؛ أي: يوم غزوة حُنين، وقال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا هو في النسخ المعتمدة: ((يومَ حُنَين)) بضم الحاء المهملة، وبالنونين، وفي بعضها: ((يوم خيبر)) بفتح الخاء المعجمة، والأول هو الصواب. انتهى (٢). ومما يردّ النسخة الثانية سياق القصّة، مِنْ ذِكْر الطلقاء، فإن غزوة خيبر وقعت قبل فتح مكة، وما ورد من ذكر انهزامهم، إنما وقع في غزوة حنين، لا في خيبر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (خِنْجَراً) بكسر الخاء، وفتحها، ولم يذكر القاضي عياض في ((الشرح)) إلا الفتح، وذكرهما معاً في ((المشارق))، ورَجَّح الفتح، ولم يذكر الجوهريّ غير الكسر، فهما لغتان، وهي سِكِّين كبيرة، ذات حَدَّين(٣) . (فَكَانَ) ذلك الخنجر (مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن (١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٤١/٤ - ٤٤٢. (٢) (شرح النوويّ)) ١٨٧/١٢ - ١٨٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٢. ٥٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير حرام الأنصاريّ الخزرجيّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدراً، وما بعدها، مات سنة (٣٤هـ) تقدّم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْم، مَعَهَا خَنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟))، قَالَت) أم سليم (أَتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ)؛ أي: شققت (بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ (رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا)؛ أي: الذين أسلموا بعد إسلامنا بمدّة طويلة، وهو يوم الفتح، (مِنَ الطُّلَقَاءِ) - بضم الطاء، وفتح اللام - وهم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سُمُّوا بذلك؛ لأن النبيّ وَلِ مَنَّ عليهم، وأطلقهم، وقال لهم: ((اذهبوا، فأنتم الطلقاء))، وكان في إسلامهم ضَعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقّوا القتل بانهزامهم، وغيره. (انْهَزَمُوا بِكَ) الباء بمعنى ((عن))؛ أي: انهزموا عنك على حدّ قوله تعالى: ﴿فَسَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان]؛ أي: عنه، وقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيَدِيهِمْ وَيَأَيْفَتِهِ﴾ [الحديد: ١٢]؛ أي: عن أیمانهم، ومنه قول ابن دُرید: وَسَائِلِي بِمُزْعِجِي عَنْ وَطَنِي مَا ضَاقَ بِي جَنَابُهُ وَلَا نَبَا ويَحْتَمِل أن تكون للسبيّة؛ أي: انهزموا بسببك؛ لنفاقهم، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قولها: ((انهزموا بك))؛ أي: انهزموا حتى اتَّصَلت هزيمتُهم بك، أو انهزموا عنك، بمعنى فرُّوا، مُنْكِرةً ذلك عليهم، ومُقَبِّحةً لما فعلوا، ظانَّةً أنهم يستحقون القتل على ذلك، وبأنهم لم يتحققوا في الإسلام. (١) انتھی (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يا أُمَّ سُلَيْم، إِنَّ اللهَ قَدْ كَفَى)؛ أي: كفانا الله رَحَمّ شرّ المشركين، والمنافقين، وشرّ كَّلّ من يكيد للإسلام، والمسلمين، (وَأَحْسَنَ))) إلينا حيث فتح الله علينا فتحاً مبيناً، ونصرنا على أعدائنا نصراً عزيزاً، وأراد وَ# بذلك أنه لم يُصب المسلمين بانهزامهم ضرر، بل كانت العاقبة لنا، كما وعد الله رَّ بذلك، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا ٥١ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (١) ((المفهم)) ٣/ ٦٨٤. ٥٤٧ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٢) [الصافات: ١٧١ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ الْمُرْسَلِينَ ١٧٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس (المسألة الثانية): في تخريجه: به هذا من أفراد المصنّف تَّلُهُ . أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٧٢/٤٥ و٤٦٧٣] (١٨٠٩)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٧١٨)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٠٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٥٢٤/١٤ و٥٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٢/٣ و١١٤ و١٩٠ و١٩٨ و٢٧٩ و٢٨٦)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٦١/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٨٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣١/٤)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (١٣٦/٦ و٢٢٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٧/٣)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٥٣/٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٢٥/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٦/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة غزو النساء مع الرجال، قال النوويّ ◌َّلُهُ: وهو مُجْمَعٌ عليه(١) . ٢ - (ومنها): بيان فضل أم سُليم، وشجاعتها، وأنها أخذت آلة الحرب؛ لتشارك الرجال في قتل المشركين، ففرح بذلك رسول الله وَل﴾، وضحك تعجّباً من شجاعتها ٣ - (ومنها): بيان أن الله خلق أنجز ما وعده رسوله وَل﴿ من النصر، والإعزاز، وقَهْر العدوّ، وجَعْل ذريتهم، وأموالهم غنيمة للمسلمين، ولذا قال ◌َله: ((إن الله قد كفى، وأحسن)). ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّ﴿ من الحلم والصبر، امتثالاً لأمر الله تعالى له بذلك، حيث قال: ﴿خُذِ الْعَفَوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٢. ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الْجَهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩]، فإن معظم الذين انهزموا يوم حنين هم (199 الطلقاء؛ لعدم رسوخ إيمانهم، ومع ذلك، فقد عفا عنهم، مع استحقاقهم المعاقبة، كما قالت أم سُليم ◌ّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ فِي قِصَّةٍ أُمِّ سُلَيْمِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ). ء رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. والباقون تقدّموا قبل بابين، و((محمد بن حاتم)) هو: ابن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، و((بهز)) هو ابن أسد الْعَمّيّ البصريّ. وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ)؛ أي: حديث أنس الماضي. [تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك هذه ساقها الإمام أحمد تَّتُ في ((مسنده))، فقال: (١٤٠٠٧) - حدّثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء، والصبيان، والإبل، والغنم، فجعلوها صفوفاً، يُكْثِرُون على رسول الله وَّر، فلما التقوا وَلَّى المسلمون مدبرين، كما قال الله وم، فقال رسول الله وَالر: ((يا عباد الله، أنا عبد الله، ورسوله))، ثم قال: ((يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله))، قال: فَهَزَم الله المشركين، ولم يُضرَبوا بسيف، ولم يُطعَنوا برمح، قال: وقال رسول الله وَّله يومئذٍ: ((من قتل كافراً، فله سلبه))، قال: فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلاً على حبل (١) هو ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه. ٥٤٩ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٤) العاتق(١) وعليه دِرْع له، وأُجْهِضْتُ عنه (٢) وقد قال حماد أيضاً: فأُعجلت عنه، فانظر من أخذها، قال: فقام رجل، فقال: أنا أخذتها، فأرْضِه منها، وأعطِنيها، وكان رسول الله وسل ◌ّ لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، أو سكت، قال: فسكت رسول الله وَله، قال: فقال عمر: والله لا يُفيئها الله على أَسَد من أُسْدِهِ، ويعطيكها، قال: فضَحِك النبيّ وَّر، وقال: ((صدق عمر))، ولقي أبو طلحة أم سُليم، ومعها خِنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا معك؟ قالت: أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أَبْعَجَ به بطنه، فقال أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ قالت: يا رسول اقتُل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، فقال: ((إن الله قد كَفَى، وأحسن، يا أم سليم)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٤] (١٨١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَغْزُو بِأُمُّ سُلَيْمِ، وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ، إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضّبعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنّه يتشيّع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. والباقيان ذُكرا في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّتُهُ، وهو (٣٢٧)، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل البصرة، وفيه أنس ظُه من المكثرين (١) هو موضع الرداء من العنق. (٢) بالبناء للمفعول، من الإجهاض، بمعنى الإزالة؛ أي: بُعِّدتُ عنه. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٧٩/٣. ٥٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَغْزُو بِأُمَّ سُلَيْم) والدة أنس المذكورة في الحديث الماضي، (وَنِسْوَةٌ) بالجرّ عطفاً على ((أمّ سُليم))ً، أو بالرفع والواو حاليّة، فقوله: ((معه)) على هذا لتأكيد المصاحبة. (مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ)؛ أي: ويغزو بجماعة من نساء الأنصار غير أمّ سُليم، وقد أخرج البخاري في (صحيحه)) عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ الأنصاريّة ﴿ّا، قالت: كنا نغزو مع النبيّ وََّ، فنسقي القوم، ونخدُمهم، ونَرُدُّ الجرحى، والقتلى إلى المدينة(١). وأخرج أيضاً عن أم عطيّة الأنصاريّة ﴿ّا أنها غزت مع النبيّ وَّر في ست غزوات، قالت: ((كنا نُداوي الْكَلْمَى، ونقوم على المرضى ... )) الحديث. ويأتي لمسلم عن أم عطية الأنصارية ﴿ّا قالت: غزوت مع رسول الله وَل سبع غزوات، أَخْلُفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى. وأخرج البخاريّ عن ثعلبة بن أبي مالك: إنّ عمر بن الخطاب ظُه قسم مُرُوطاً بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرْط جَيِّد، فقال له بعض من عنده: یا أمير المؤمنين أَعْطِ هذا ابنة رسول الله وَ﴿ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت عليّ، فقال عمر: أم سليط أحقّ، وأم سليط من نساء الأنصار، ممن بايع رسول الله وَّ، قال عمر: فإنها كانت تَزْفِر لنا القِرَب يوم أُحد، قال أبو عبد الله: تزفر: تَخِيط . وأخرج الشيخان عن أنس ظ به قال: لَمّا كان يوم أُحد انهزم الناس عن النبيّ وَلّ قال: ((ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لَمُشَمِّرتان، أرى خَدَم سُوقهما، تَنْقُزان الْقِرَب)» - وقال غيره(٢) -: ((تنقلان القِرَب (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٠٥٦/٣. (٢) المراد غير أبي معمر الواقع في السند. ٥٥١ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٤) على متونهما، ثم تُفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان، فتملآنها، ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم ... )) الحديث، ويأتي لمسلم في الباب التالي. ويأتي أيضاً له في الباب التالي حديث ابن عبّاس ◌ًَّا: ((كان رسول الله وَ ل يغزو بهنّ، فيداوين الجرحى، ويُخْذَين من الغنيمة ... )) الحديث. ووقع في حديث آخر مرسل، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ قال: ((كان النساء يَشْهَدن مع النبيّ وَّهِ المشاهد، ويَسقين المقاتلة، ويُداوين الجرحى))، ولأبي داود، من طريق حَشْرِج بن زياد، عن جدّته: ((أنهن خرجن مع النبيّ ◌َّ في خيبر، وفيه أن النبيّ ◌َِّ سألهنّ عن ذلك، فقلن: خرجنا نغزل الشعر، ونُعين في سبيل الله، ونُداوي الجرحى، ونُناول السهام، ونَسقي السويق)). (إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ) بفتح حرف المضارعة، وضمّها، مضارع سَقَين، وأسقين، ثلاثيّاً، ورُباعيّاً، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: [الجن: ١٦]، والمفعول الأول محذوف؛ ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةٍ غَدَقًا ( أي: يسقين العِطاشَ الماءَ، (وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى) جمع جريح، كقتيل وقتلى، كما قال في ((الخلاصة)): فَعْلَى لِوَصْفٍ كَـ«قَتِيلٍ)) وَ(زَمِنْ)) وَ((هَالِكِ)) و((مَيِّتٌ)) بِهِ فَمِنْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أنس بن مالك ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّفُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٧٤/٤٥] (١٨١٠)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٣١)، و(الترمذي) في ((السير)) (١٥٧٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٩/٤ و٢٧٨/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣١/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٠/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز خروج النساء مع الرجال في الأسفار، قال ابن ٥٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير عبد البرّ تَخْتُ: وخروجهنّ مع الرجال في الغزوات، وغير الغزوات مباح، إذا كان العسكر كبيراً يُؤْمَن عليه الغلبة. انتهى (١). وقال في ((تحفة الأحوذيّ)): في الحديث دليل على أنه يجوز خروج النساء في الحرب؛ لهذه المصالح. والجهاد ليس بواجب على النساء، يدلّ على ذلك حديث عائشة ؤنا، عند أحمد، والبخاريّ قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ((لكُنّ أفضل الجهاد: حجّ مبرور))، قال ابن بطال تَخْلُ: دلّ حديث عائشة ها على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله: ((أفضل الجهاد حج مبرور))، وفي رواية البخاريّ: ((جهادكنّ الحج)) ما يدلّ على أنه ليس لهنّ أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن واجباً؛ لِمَا فيه من مغايرة المطلوب منهنّ من الستر، ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحجّ أفضل لهنّ من الجهاد. انتهى (٢). ٢ - (ومنها): جواز خروجهنّ في الغزو، والانتفاع بهنّ في السقي، والمداواة، ونحوهما، قال النوويّ كََّثُ: وهذه المداواة لمحارمهنّ، وأزواجهنّ، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مَسّ بشرة، إلا في موضع الحاجة. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث الربيع بنت معوّذ ﴿يَّا المتقدّم: وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبيّ؛ للضرورة، قال ابن بطال: ويَختصّ ذلك بذوات المحارم، ثم بالمتجالّات منهنّ؛ لأن موضع الجرح لا يُلتذّ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، فإن دَعَت الضرورة لغير المتجالّات، فليكن بغير مباشرة، ولا مسّ، ويدلّ على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت، ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمسّ، بل يغسلها من وراء حائل، في قول بعضهم، كالزهريّ، وفي قول الأكثر تُيَمَّمُ، وقال الأوزاعيّ: تُدْفَنُ كما هي، قال ابن الْمُنَيِّر: الفرق بين حال المداواة، وتغسيل الميت، أن الغسل عبادةٌ، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. انتهى(٤). (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٦٦/١٩. (٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٦٤/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٢. (٤) ((الفتح)) ١٦٠/٧ - ١٦١، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٨٣). ٥٥٣ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٥) قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مداواة النساء الأجنبيّات للجرحى عند فَقْد من يقوم بذلك من ذوات المحرم، أو الرجال جائز؛ لأن هذا من الضرورات، أباحها الشرع، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهْ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٥] (١٨١١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَى النَّبِّ وَّهِ مُجَوِّبٌ(١) عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاًّ رَامِياً، شَدِيدَ النَّوْعِ، وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُزُّ مَعَهُ الْجُعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللهِ وَهِ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ، لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرَِ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّ سُلَيْمِ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانٍ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ثُمَّ تَرْجِعَانٍ، فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ(٢)، إِمَّ مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّ ثَلَاثاً، مِنَ النُّعَاسِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) صاحب ((المسند))، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو أَبُو مَعْمَرِ الْمِنْقَرِيُّ) هو: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجّاج التميميّ، أبو معمر الْعَقَديّ الْمِنْقَريّ مولاهم، واسم أبي الحجاج: ميسرة، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر [١٠]. (١) وفي نسخة: ((مجوّباً)). (٢) وفي نسخة: ((بين يدي أبي طلحة)). ٥٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رَوَى عن عبد الوارث بن سعيد، وهو راويته، وعبد الوهاب الثقفيّ، وأبي زبيد عبثر بن القاسم، وعبد العزيز الدراورديّ، وأبي الأشهب جعفر بن حيان العطارديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أحمد بن الحسن بن خِرَاش، وحجاج بن الشاعر، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، والفضل بن سهل الأعرج، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن الجنيد عن يحيى: ثقةٌ نبيلٌ عاقلٌ، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتاً صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، وكان غالياً على عبد الوارث، قال عليّ ابن المدينيّ: قد كتبت كُتُبَ عبد الوارث، عن عبد الصمد، يعني: ابنه، وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر، وقال الآجريّ، عن أبي داود: بلغني عن عليّ أنه قال: أبو معمر في عبد الوارث أحبّ إليّ من عبد الوارث في رجاله، قال أبو داود: سمعت أبا معمر يقول ليحيى بن معين: شيخٌ كَتَب عني كتابَ الحروف، قال أبو داود: وكان الأزديّ لا يحدّث عن أبي معمر لأجل القَدَر، وكان لا يتكلم فيه، قال أبو داود: وأبو معمر أثبت من عبد الصمد مراراً، وقال العجليّ: ثقةٌ، وكان يرى القدر، وقال أبو حاتم: صدوقٌ متقنٌّ، قويّ الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قَدْرٌ عند أهل العلم، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي ذرّ: كان ثقةً حافظاً، قال عبد الغنيّ: يعني أنه كان متقناً، وقال ابن خِرَاش: كان صدوقاً، وكان قَدَريّاً، وذكره ابن حبان في الثقات. قال أبو حسان الزياديّ، والبخاريّ: مات سنة أربع وعشرين ومائتين. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا ثلاثة أحاديث، هذا برقم (١٨١١)، وحديث (١٨١٣): ((لا أُلفيَنّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير ... )) الحديث، وحديث (٢٧١٧): ((اللهمّ لك أسلمت، وبك آمنت ... )) الحديث. [فائدة]: الْمِنْقَريّ - بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف ـ: نسبة إلى مِنْقَر بن عبيد بن مقاعس - واسمه الحارث - ابن عمرو بن كعب بن سعد بن ٥٥٥ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٥) زيد مناة بن تميم بن مرّة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضَرَ بن نزار بن عدنان(١). ٣ - (عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُهَ ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَظْلَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فسمرقنديّ، وقد دخل البصرة، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، وفيه أنس ظُه تقدّم القول فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) ((كان)) هنا تامّة، لا تحتاج إلى خبر؛ أي: لَمّا وقَعَ، أو جاء يوم أُحُد، قال الحريريّ في «ملحته)) : وَإِنْ تَقُلْ ((يا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرِ)) فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ وقال ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)): وَذُو تَمَامِ مَا بِرَفْعِ يَكْتَفِي ويَحْتَمِل أن تكون تامّة، وخبرها محذوف؛ أي: لَمّا كان يَومُ أُحد واقعاً، وقوله: (انْهَزَمَ نَاسٌ) جواب (لمّا))، ونكّر ((ناس)) إشارة إلى تقليلهم؛ أي: إنما انهزم بعض المسلمين، لا كلّهم، وقوله: (مِنَ النَّاسٍ)؛ أي: من المسلمين، وفي رواية البخاريّ: ((انهزم الناس))، قال في ((الفتح))؛ أي: بعضهم، أو أطلق ذلك باعتبار تفرّقهم، كما تقدَّم بيانه، والواقع أنهم صاروا ثلاث فِرَق: فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفضّ القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٥]، وفرقة صاروا حَيَارَى لَمَّا سَمِعوا أن النبيّ وَّ قُتِل، فصار غاية (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٦٤/٣، و((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٢. ٥٥٦ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الواحد منهم أن يَذُبّ عن نفسه، أو يستمرّ على بصيرته في القتال إلى أن يُقْتَلَ، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبيّ ◌َّ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئاً فشيئاً لَمّا عَرَفُوا أنه حَيّ، قال: وبهذا يُجمَع بين مختلف الأخبار في عِدّة من بقي مع النبيّ ◌َّو، فعند محمد بن عائذ من مرسل المطلب بن حنطب: (لم يبق معه سوى اثني عشر رجلاً))، وعند ابن سعد: «ثبت معه سبعةٌ من الأنصار، وسبعة من قریش)). وفي مسلم من حديث أنس ظه: ((أُفْرِد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش: طلحة، وسعد))، وقد سرد أسماءهم الواقديّ، واقتصر أبو عثمان النَّهْديّ على ذكر طلحة، وسعد، وهو في الصحيح. وأخرج الطبريّ من طريق السُّدّيّ أن ابن قَمِئَة لَمّا رَمَى النبيّ ◌َِّ، وكَسَر رَبَاعيته، وشَجّه في وجهه، وتفرّق الصحابة منهزمين، وجَعَل يدعوهم، فاجتمع إليه منهم ثلاثون رجلاً، فذكر بقية القصة. انتهى(١). وقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ◌َ) متعلّق بـ«انهزَمُوا))، (وَأَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريّ، زوج أمّ سُليم والدة أنس، تقدّم قريباً، وكان أنس به حمل هذا الحديث عنه، فـ((أبو طلحة)) مبتدأ خبره قوله: (بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ بََّ) وقوله: (مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ) خبر بعد الخبر، وفي بعض النسخ: ((مُجَوِّباً))، وهو منصوب على الحال، وهو بضم أوله، وفتح الجيم، وتشديد الواو المكسورة، بعدها موحّدة؛ أي: مترِّسٌ عنه؛ ليقيه سلاحَ الكفّار، ويقال للتُّرْس: جَوْبَة، قاله في ((الفتح)) (٢)، وقيل: أصل التجويب: الاتّقاء بالجَوْب، بوزن الثوب، وهو الترس. (بِحَجَفَةٍ) بفتحات؛ أي: بتُرس. (قَالَ) أنس (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِياً)؛ أي: عالماً بالرمي، (شَدِيدَ النَّزْع) - بفتح النون، والزاي الساكنة، ثم المهملة -؛ أي: شديد الرَّمْي بالسهام، وفي رواية عند البخاريّ في ((الجهاد)) من وجه آخر بلفظ: ((كان أبو طلحة حَسَنَ الرمي، وكان يتترّس مع النبيّ (١) ((الفتح)) ١٣٤/٩ - ١٣٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٦٤). (٢) ((الفتح)) ١٣٤/٩ - ١٣٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٦٤)، و((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٢. ٥٥٧ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٥) (يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ، أَوْ ثَلَاثاً)؛ أي: من شدّة بِتُرْس واحد»، (وَكَسَرَ) أبو طلحة (يَمُُّ مَعَهُ الْجُعْبَةُ) - بضم الجيم، الرمي. (قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ) من الصحابة وسكون العين المهملة، بعدها موحّدة -: هي الآلة التي يُوضع فيها السهام، وقوله: (مِنَ النَّبْلِ) بيان للمراد بالجُعبة، و((النَّبْلُ)) - بفتح النون، وسكون الموحّدة -: السهام العربيّة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سَهْمٌ، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى(١). (فَيَقُولُ) النبيّ وَ﴿ لذلك الرجل («انْتُرْهَا) - بضمّ الثاء المثلّثة، وكسرها: يقال: نثرته نَثْراً، من باب قَتَلَ، وضَرَبَ: رَمَيتُ به متفرِّقًا، فانتثر(٢). (لأَبِي طَلْحَةَ))، قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللهِ وَطِّ) بضمّ حرف المضارعة، من الإشراف: يقال: أشرفتُ عليه؛ أي: اطّلعتُ، وقوله: (يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْم) جملة في محلٌ نصب على الحال من الفاعل، (فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ) ◌َبه (يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) قال ابن منظور تَخْتُ: الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسمٌ، فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره: أنت مَفْدِيٌّ بأبي وأمي، وقيل: هو فعلٌ، وما بعده منصوب؛ أي: فَدَيتك بأبي وأمي، وحُذف هذا المقدَّر تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، وعِلْم المخاطب به. انتهى(٣). (لَا تُشْرِفْ) بالجزم؛ لأن ((لا)) ناهية، وهو بضم أوله، وسكون المعجمة، من الإشراف، ولأبي الوقت: بفتح أوله، وثانيه، وتشديد الراء، وأصله تَتَشَرّف؛ أي: لا تطلب الإشراف عليهم. (لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ) بجزم ((يُصِبْ)) على أنه جواب النهي، والتقدير: إن لا تُشرِفْ، لا يُصِبْكَ ... إلخ، قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ غَيْرِ النَّهي جَزْماً اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ ((أنْ)) قَبْلَ ((لَا)) دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ وَشَرْطُ جَزْمٍ بَعْدَ نَهْىٍ أَنْ تَضَعْ ولغير أبي ذر في رواية البخاريّ: (يصيبك)) بالرفع، وهو جائز على تقدير: كأنه قال مثلاً: لا تُشْرِف، فإنه يصيبك، أفاده في ((الفتح))(٤). (١) ((المصباح المنير)) ٥٩١/٢. (٣) ((لسان العرب)) ١٤/ ٩. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٢/٢. (٤) ((الفتح)) ١٣٥/٩. ٥٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال في ((العمدة)): قوله: ((يصبك)) مجزوم؛ لأنه جواب النهي، نحو: لا تَدْنُ من الأسد يأكلك، ويُرْوَى: ((يصيبك)) على تقدير: السهم يصيبك. انتهى (١). وقوله: (مِنْ سِهَامِ الْقَوْم) بيان أن ذلك السهم من سهام العدوّ. (نَحْرِي دُونَ نَحْرِلَكَ)؛ أي: أَفْديك بنفسي، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): قوله: ((نحري دون نحرك))؛ أي: صدري عند صدرك؛ أي: أَقِفُ أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك، هكذا فسّره الكرمانيّ. قال العينيّ: الأوجه أن يقال: هذا نحري قُدّام نحرك، يعني: أقف بين يديك، بحيث إن السهم إذا جاء يصيب نحري، ولا يصيب نحرك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: اعتراض العينيّ على الكرمانيّ مما لا وجه له، فإن مؤدَّى عبارتيهما واحد، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. قال النوويّ كَّثُ: هذا من مناقب أبي طلحة نظراته الفاخرة. (قَالَ) أنس ◌َتُه (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) ﴿هَا (وَأُمَّ سُلَيْم) وهي والدته، وقوله: (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانٍ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن عائشة، وأم سُليم ﴿ه مشمّرتان، تثنية على صيغة اسم الفاعل من شَمَّرت ثيابي: إذا رفعتها، واللام فيه للتأكيد(٣). (أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا) - بفتح الخاء المعجمة، والدال المهملة -: جمع خَدَمَةٍ، وهي الخلاخيل، وقيل: الخدمة أصل الساق، والسُّوق بالضمّ: جمع ساق، وهي مؤنّثةٌ، وهي: ما بين الركبة، والقَدَم، وتصغيرها سُويقةٌ (٤). ثم إن رؤية سوقهما محمول على أنه كان قبل الحجاب، وقال النوويّ ◌َُّهُ: وهذه الرؤية للخدم لم يكن فيها نهيٌ؛ لأن هذا كان يوم أُحد قبل أمر النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهنّ، ولأنه لم يَذكر هنا أنه تعمَّد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فَجْأَةً بغير قصد، ولم يَسْتَدمها. انتهى(٥) . (١) ((عمدة القاري)) ٢٧٤/١٦. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٧٤/١٦. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٧٤/١٦. (٤) ((المصباح المنير)) ٢٩٦/١. ٥٥٩ (٤٥) - بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ - حديث رقم (٤٦٧٥) وقال القرطبيّ كَّتُهُ: و((الْخَدَم)) هنا: جمع خَدَمة، وهي الخلخال، و(سوقهما)): جمع ساق، وقيل في الخدم: هي سُيور من جُلود تُجعل في الرِّجل، وقيل: أريد به ها هنا: مخرج الرِّجل من السراويل، ومنه: فَرَسٌ مُخَدَّم: إذا كان أبيض الرُّسغين، وكان هذا منهن لضرورة ذلك العمل في ذلك الوقت، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، وقد يتمسك بظاهره مَن يرى أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس بصحيح؛ فإن النبيّ وَّل في حديث أم سلمة؛ الذي رفعه أبو داود حين سئل: ما تصلي فيه المرأة؟ فقال: ((تصلي في الدِّرْع السابغ الذي يغطي ظهور قدميها))(١)، وقد أُمرت المرأة أن ترخي ثوبها شبراً، فإن خافت أن تنكشف أَرْخته ذراعاً. انتهى(٢). (تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ) - بكسر القاف، وفتح الراء -: جمع قِرْبة، مثلُ سِدْرَةٍ، وسِدَرٍ، وهي ظرف من جِلْدٍ يُخْرَزُ من جانب واحد، وتُستعمل لحفظ الماء، أو اللبن، أو نحوهما(٣). ثم إن رواية المصنّف بلفظ ((تنقلان)) من النقل، ورواية البخاريّ بلفظ (تنقزان))، قال في ((العمدة)): قوله: ((تنقُّزان)) بالنون الساكنة، والقاف المضمومة، وبالزاي، من النَّقْز، وهو النقل، وقال الداوديّ؛ أي: تنقلان، وقال الخطابيّ: إنما هو ((تزفران))؛ أي: تَحْمِلان، قال: وأما النقز: فهو الْوَثْب البعيد، وقال ابن قرقول: ((تزفران)) بالزاي، والفاء، والراء، يقال: ازْفِرْ(٤) لنا القِرَبَ؛ أي: احملها مَلْأَى على ظهرك، وفي ((المطالع)): ((تنقزان القِرَب على ظهورهما)) هكذا جاء في حديث أبي مَعْمَر، قال البخاريّ: وقال غيره: ((تنقلان))، وكذا رواه مسلم، قيل: معنى ((تنقزان)) على الرواية الأولى: تَثِبان، والنَّقْزُ: الْوَثْبُ، والْقَفْزُ، كأنه من سرعة السير، وضَبَط الشيوخ ((الْقِرَبَ)) بنصب الباء، ووَجْهُه بعيد على الضبط المتقدّم، وأما مع ((تنقلان)) فصحيح، وكان (١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٦٣٩). (٢) ((المفهم) ٦٨٦/٣. (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢، و((المعجم الوسيط)) ٧٢٣/٢. (٤) بكسر الفاء: أمرٌ من زَفِر الشيءَ يَزْفِرِه، من باب ضرب: إذا حمله. ٥٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بعض شيوخنا يقرأ هذا الحرف بضم باء ((القربُ))، ويجعله مبتدأً، كأنه قال: والقِرَبُ: على متونهما، والذي عندي في الرواية اختلال، ولهذا جاء البخاريّ بعدها بالرواية البيّنة الصحيحة، وقد تُخَرَّج رواية الشيوخ بالنصب على عدم الخافض، كأنه قال: تَنْقُزان القربَ؛ أي: تحرّكان القِرَب بشدة عَدْوهما بها، فكانت القِرَب ترتفع، وتنخفض، مثل الوثب على ظهورهما. انتهى(١). (عَلَى مُتُونِهِمَا) بضم الميم، وهو الظّهر؛ أي: على ظهورهما، (ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ) بضمّ أوله، من الإفراغ، أو التفريغ، يقال: أفرغت الإناء إفراغاً، وفَرّغته، بالتشديد تفريغاً: إذا قَلَبت ما فيه، والمعنى: أنهما يصبّان الماء الذي في القِرَب (فِي أَفْوَاهِهِمْ)؛ أي: أفواه الْجَرْحَى من المسلمين، (ثُمَّ تَرْجِعَانٍ) إلى محلّ الماء (فَتَمْلَآنِهَا)؛ أي: القِرَب، (ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ)؛ يعني: الجرحى. (وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ) بتثنية ((يدي))، وفي رواية البخاريّ: ((من يد أبي طلحة)) بالإفراد، وفي بعض النسخ هنا: (بين يدي أبي طلحة))، (إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثاً). وقوله: (مِنَ النُّعَاسِ) هو ما يكون في الرأس، والسِّنَةُ: ما يكون في العين، قاله القرطبيّ (٢)، وهذا بيان لسبب وقوع السيف من يد أبي طلحة ﴿ه؛ يعني: أن سبب وقوعه هو النعاس الذي غشيه في تلك الحالة، وفي رواية للبخاريّ من وجه آخر، عن أنس، عن أبي طلحة: (كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مراراً)»، ولأحمد، والحاكم، من طريق ثابت، عن أنس: (رَفَعْتُ رأسي يوم أُحد، فجعلت أنظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت حَجَفته، من النعاس))، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِنْهُ﴾ الآية [الأنفال: ١١]، قال ابن إسحاق: أنزل الله تعالى النعاس أَمَنَةً لأهل اليقين، فهم نيامٌ، لا يخافون، والذين أهمّتهم أنفسهم أهل النفاق، في غاية الخوف، والذعر. انتهى(٣). والحاصل أن هذا النعاس هو الذي منّ الله تعالى به يوم أُحد على أهل الصدق واليقين من المؤمنين، فإنه تعالى لَمّا عَلِم ما في قلوبهم من الغمّ، (١) ((عمدة القاري)) ٢٧٤/١٦. (٢) ((المفهم)) ٦٨٦/٣. (٣) ((الفتح)) ١٣٦/٩ و١٣٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٦٤ و٤٠٦٨).