Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) رَسُولَ اللهِ وَ لِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ) - بفتح السين، وسكون الراء -: المال الراعي، تسميةً بالمصدر، يقال: سَرَحَت الإبل سَرْحاً، من باب نَفَعَ، وسُرُوحاً أيضاً: رَعَت بنفسها، وسَرَحتُها يتعدّى، ولا يتعدَّى، وسرّحتها بالتثقيل مبالغة وتكثيرٌ(١). وقال القرطبيّ: السَّرْحُ: الإبل التي تسرح في المرعى. (قَالَ) سلمة (ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ) - بفتحات -: هي التّلّ، وقيل: شُرْفَةٌ كالرابية، وهو ما اجتَمَعَ من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظَ، وربّما لم يَغْلُظ، والجمع أَكَمٌّ، وأَكَمَاتٌ، مثلُ قَصَبٍ وقَصَبٍ، وقَصَبَات، وجمع الأَكَم إِكَامٌ، مثلُ جَبَلٍ وجِبالٍ، وجمع الإِكَامِ أُكُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، وجمعُ الأُكُم آكامٌ، مثلُ عُنُقٍ وأَعْناق(٢). (فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ)؛ أي: واجَهْتُها، (فَنَادَيْتُ ثَلَاثاً: يَا صَبَاحَاهْ) قال القرطبيّ تَظُّ: هاؤها ساكنة، وهو يُشبه المنادى المندوب، وليس به، ومعناه هنا: الإعلام بهذا الأمر المهمّ الذي قد دَهَمَهُم في الصباح. انتهى(٣). (ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ) بالمدّ جمع أَثَرِ بفتحتين، أو بكسر، فسكون، يقال: جئتُ في أَثَرِهِ، وإِثْرِه؛ أَي: تبِعته عن قُرْبٍ (٤)، وقوله: (أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ) جملة حاليّة، وتقدّم معنى النبل قريباً، وقوله: (وَأَرْتَجِزُ) عطفٌ على الجملة الحاليّة، ثم بيّن معنى ارتجازه بقوله: (أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَّوَعِ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: الْكَوَع: اعوجاج في اليدين، قيل: الكوع، والوكع في الرِّجْل أن تميل إبهامها على أصابعها، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير، وهو أبو سلمة، على ما ذكره محمد بن سعد، وقيل: اسم أبي سلمة عمرو بن الأكوع، وهو جدّ سلمة، فُنُسب إليه. انتهى(٥). (وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ) قال القرطبيّ تَخْذُ: الرُّضع: جمع راضع، وهو اللئيم، وأصله: أن رجلاً كان يرضع الإبل، ولا يحلبها؛ لئلا يُسمَع صوت (١) ((المصباح المنير)) ٢٧٣/١. (٣) ((المفهم)) ٦٧٣/٣. (٥) ((المفهم)) ٦٧٣/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ١٨/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٤/١. ٥٠٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الحلب فيُقصَدَ، فعبّروا عن كل لئيم بذلك، وعليه قالوا في المَثَل: لئيم راضع، وقيل: لأنه يرضع اللؤم من أمه، وهو مطبوع عليه، وقيل: معناه: اليومُ يُظْهِر من أرضعته كريمة أو لئيمة، وقيل: اليوم يُعْرَف من أرضعته الحربُ من صغره. انتهى(١)، وقد تقدّم بأطول من هذا في الحديث الماضي. وقوله: (فَأَلْحَقُ) معطوف على ((خرجت))، وإنما اختار صيغة المضارع؛ لأجل حكاية الحال الواقعة إذ ذاك، ومثله قوله: ((فأصكٌ)). (رَجُلاً مِنْهُمْ)؛ أي: من المشركين الذين أغاروا على السرح، (فَأَصُُّك)؛ أي: أضرب (سَهْماً فِي رَحْلِهِ) الرحل: مَرْكَبُ الإبل، (حَتَّى خَلَصَ)؛ أي: بلغ، ووصل (نَصْلُ السَّهْم)؛ أي: حديدته، (إِلَى كَتِفِهِ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة: (رَحْله)) بالحاء، و((كتفه)) بالتاء، بعدها فاء، وكذا نقله صاحب ((المشارق))، و((المطالع))، وكذا هو في أكثر الروايات، والأول هو الأظهر، وفي بعضها: ((رجله)) بالجيم، و((كعبه)) بالعين، ثم الباء الموحَّدة، قالوا: والصحيح الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: ((فأصكه بسهم في نُغْضٍ كتفه))، قال القاضي عياض في ((الشرح)): هذه رواية شيوخنا، وهو أشبه بالمعنى؛ لأنه يمكن أن يُصيب أعلى مؤخرة الرحل، فيصيب حينئذ إذا أنفذ كتفه، ومعنى ((أصُكّ)): أَضْرِبُ. انتهى(٢) . وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((في رحله)) كذا روايتنا فيه بالحاء المهملة، ويعني به: أن سهمه أصاب آخرة رحله، فنفذها، ووصل إلى كتفه، وفي بعض النسخ: ((فأصكّه سهماً في رجله حتى خلص إلى كعبه))، والأول أشبه. (٣) انتھی(٣). (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ) سلمة (فَوَ اللهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ)؛ أي: بالنبل، (وَأَعْقِرَ بِهِمْ) خيلهم، ومنه: ((فعقر بعبد الرحمن فرسه))، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أَصِيح بهم، من قولهم: رَفَعَ عَقِيرته؛ أي: صوته، قاله القرطبيّ(٤)، وقال النوويّ؛ أي: أعقر خيلهم، (١) ((المفهم)) ٣/ ٦٧٣ - ٦٧٤. (٣) ((المفهم)) ٦٧٤/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٢ - ١٧٩. (٤) ((المفهم)) ٦٧٤/٣ - ٦٧٥. ٥٠٣ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) ومعنى ((أرميهم))؛ أي: بالنبل، قال القاضي: ورواه بعضهم هنا: ((أُرديهم)) (١) بالدال. انتهى(١) . وكتب في هامش ((التركيّة)) ما نصّه: قوله: ((وأَعْقِر بهم)) مفعول ((أعقر)) محذوف، والتقدير: وأعقر بهم أفراسهم، قال في ((النهاية)): يقال: عَقَرتُ به: إذا قتلت مركوبه، وجعلته راجلاً. انتهى، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير، أو الشاة، ثم اتُّسِع حتى استُعمل في القتل، كما وقع هنا، وحتى صار يقال: عقرت البعير؛ أي: نحرته. انتهى(٢). (فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ) وفي بعض النسخ: ((فإذا أتى إليّ فارس))؛ أي: راكب فرس، قال الفيّوميّ تَخْفُهُ: ((الفارس)): الراكب على الحافر، فَرَساً كان، أو بَغْلاً، أو حماراً، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مَرَّ بنا فارس على بغل، وفارس على حمار، وفي ((التهذيب)): فارس على الدابة بَيِّنُ الْفُرُوسيّة، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِنِّي امْرُؤْ لَلْخَيْلِ عِندِي مَزِيَّةٌ عَلَى فَارِسِ الْبِرْذَونِ أَوْ فَارِسِ الْبَغْلِ وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل، والحمار: فارس، ولكن أقول: بَغَّالٌ، وحَمَّارٌ، وجَمْع الفارس: فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذٍّ؛ لأن فَوَاعِلَ إنما هو جمع فاعلة، مثل ضاربة، وضوارب، وصاحبة وصواحب، أو جمع فاعلٍ، صفةً لمؤنث، مثلُ حائض وحوائض، أو كان جَمْع ما لا يَعْقِل، نحو: جَمَّلٍ بازِلٍ وبَوَازلَ، وحائط وحوائطَ، وأما مذكرُ مَن يَعْقل، فقالوا: لم يأت فيه فواعلُ إلا فوارس، ونواكسُ، جَمْعُ ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلِّف، وقوم ناجعة، ونَواجِعُ، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى (٣). وإلى قاعدة الجمع بفواعل أشار ابن مالك تَخُّْهُ في ((الخلاصة)) بقوله: وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلٍ فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلٍ وَفَاعَلٍ وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ وَخَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٢. (٣) ((المصباح المنير))٢/ ٤٦٩. (٢) هامش ((النسخة التركيّة)) ١٩٢/٥. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (أَتَيْتُ شَجَرَةً، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ)؛ أي: الفارس، (فَعَقَرْتُ بِهِ)؛ أي: قتلت فرسه، (حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ) التضايق: ضدّ الاتّساع؛ أي: تدانى، وقرُب. (فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ)؛ أي: في المحلّ المتضايق منه بحيث يَستترون به عنه، فصار لا يبلغهم ما يرميهم به من السهام. (عَلَوْتُ الْجَبَلَ)؛ أي: صعدت فيه، (فَجَعَلْتُ أُرَدِّهِمْ بِالْحِجَارَةِ)؛ أي: أرميهم بالحجارة التي تُسقطهم، وتُنزلهم؛ يعني: أنه لمّا امتنع عليه رميهم بالسهام عدل عنه إلى رميهم من أعلى الجبل بالحجارة التي تُسقطهم، وتهوّرهم، يقال: رَدّى الفرس راكبه: إذا أسقطه، وهَوَّره. (قَالَ) سلمة (فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَعِيرٍ) ((من)) هنا زائدة أُتي بها لتأكيد العموم، وقد يؤتى بها للتنصيص على العموم في نحو: ما رأيتُ من رجل، فإنه قَبْل دخولها يَحْتَمِلُ نفي الجنس، ونفي الوحدة، ولهذا يصحّ أن يقال: بل رجلين، وبعد دخولها تعيّن لنفي عموم الرجال، وإنما سُمّيت زائدةً؛ لأن الكلام يستقيم بدونها، فيصحّ أن يقال: حتى ما خلق الله بعيراً(١)، وأما ((من)) في قوله: (مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) فهي بيانيّة، والمعنى: أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كلّ بعير أخذوه، من إبل رسول الله وَلَه. (إِلَّا خَلَّقْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي)؛ أي: تركته ورائي، يريد: أنه جعله في حَوْزته، وحَالَ بينهم وبينه، كما قال: (وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: كان له خالصاً لا ينازعه منهم أحد. (ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ) هكذا هو في أكثر النسخ: ((اتّبعتهم)) بهمزة الوصل، وتشديد التاء، وفي نسخة: ((ثمّ أَتْبَعتهم)) بهمزة القطع، وهي أشبه بالكلام، وأجْوَد موقعاً فيه، وذلك أن ((تَبَعَ)) المجرّد، و((اتّبعه)) المشدّد التاء بمعنى: مشى خلفه على الإطلاق، وأما ((أتبع)) الرباعيّ، فمعناه: لَحِقَ به بعد أن سبقه، قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِحُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]؛ أي: لَحِقهم مع جنوده بعد أن سبقوه، وتعبيره هنا بـ(ثُمّ)) المفيدة للتراخي يُشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل، توقّف عن اتّباعهم، ولعلّ ذلك ريثما جَمَعَ الإبل، وأقامها على طريقٍ يَأْمَن عليها فيه، والمعنى على هذا الوجه: وبعد أن توقّفتُ عن اتّباعهم حتى سبقوني تَبِعْتُهم، (١) راجع: هامش ((النسخة التركيّة)) ١٩٢/٥. ٥٠٥ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) فلحقت بهم، قاله بعض المحقّقين(١). (حَتَّى أَلْقَوْا)؛ أي: طرحوا، ورموا (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، وَثَلَاثِينَ رُمْحاً، يَسْتَخِفُّونَ)؛ أي: يطلبون بإلقائها الخفّة حتى يتمكّنوا من الفرار، (وَلَا يَطْرَحُونَ)؛ أي: يُلقون، ويرمون (شَيْئاً، إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَاماً مِنَ الْحِجَارَةِ) بهمزة ممدودة، ثمّ راء مفتوحة: هي الأعلام، وهي حجارة تُجمع، وتُنصبُ في المفازة، يُهتدى بها، واحدها: إِرَمٌّ، كعِنَبٍ وأعناب(٢). وقال ابن منظور ◌َّلُهُ: الإِرَمُ، كعِنَبِ: حجارةٍ تُنصبُ عَلَماً في المفازة، والجمع آرامٌ، وأُرُومٌ، مثلُ ضِلَعٍ، وأضلاع، وضُلُوع، قال: وكان من عادة الجاهليّة أنهم إذا وجدوا شيئاً فيّ طريقهم، ولا يُمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها، حتى إذا عادوا أخذوه. انتهى باختصار(٣). (يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ)؛ أي: يعرف تلك العلامات التي وضعها على تلك الأشياء التي طرحوها استخفافاً، (حَتَّى أَتَوْا مُتَضَابِقاً) يَحْتَمِل أن يكون بضمّ أوله، وكسر ثالثه، بصيغة اسم الفاعل، مِنْ يتضايق؛ كتَضَارَب، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح ثالثه، بصيغة اسم المفعول على أنه مصدر ميميّ من تضايق أيضاً؛ أي: أتوا مكاناً ضيّقاً، أو ذا تضايقٍ، وقوله: (مِنْ ثَنِيَّةٍ) بيان لـ«متضايقاً))، وهو - بفتح الثاء المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة -: الطريق في الجبل؛ أي: حتى أتوا طريقاً في الجبل متضايقاً، (فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ) ((إذا)) هنا للمفاجأة؛ أي: ففاجأهم إتيان فلان بن بدر من قبيلة فزارة، وفلان هذا قيل: هو حبيب بن عيينة بن بدر الفزاريّ، قاله صاحب ((التنبيه))(٤). (فَجَلَسُوا يَتَضَخَّوْنَ) قال المجد تَخْذُهُ: وتضخّى: أكل في الضحى، وضَخَّيته أنا تضحيةً: أطعمته فيها(٥)، وهذا المعنى موافق لِمَا فسّر به بعض الرواة هنا بقوله: (يَعْنِي: يَتَغَدَّوْنَ)؛ أي: يأكلون غداءهم، وهو بالفتح، والمدّ: الطعام الذي يؤكل في الغداة؛ أي: وقت الضحوة. (قال) سلمة (وَجَلَسْتُ عَلَى (١) من هامش ((النسخة التركيّة)) ١٩٢/٥. (٣) ((لسان العرب)) ١٤/١٢. (٥) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٧٧١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٢. (٤) ((تنبيه المعلم)) ص٣١٨. ٥٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رَأْسِ قَرْزٍ) - بفتح القاف، وإسكان الراء -: هو كلّ جبل صغير، منقطع عن الجبل الكبير، قاله النوويّ (١)، وفي ((اللسان)): الْقَرْنُ: الْجُبيلُ المنفردُ، وقيل: هو قطعة تنفرد من الجبل، وقيل: هو الجبل الصغير، وقيل: الجبيل الصغير المنفرد، والجمع: قُرُون، وقِرانٌ، قال أبو ذُيب: تَوَفَّى بِأَظْرَافِ الْقِرَانِ وَطَرْفِهَا كَطَرْفِ الْحُبَارَى أَخْطَأَتْهَا الأَجَادِلُ(٢) قال الجامع عفا الله عنه: ضَبْط القَرْن - بفتح، فسكون - هو الصواب الذي يقتضيه نصّ ((اللسان))، و((القاموس))، و((شرحه))، وأما ما ذكره بعض الشرّاح(٣) من ضَبْطه بفتحتين، فليس بصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ الْفَزَارِيُّ)؛ أي: الرجل الذي أتاهم، (مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟)؛ أي: أيُّ شيء هذا الذي أراه جالساً، فـ((ما)) استفهاميّة، قيل: عبّر بهذا دون ((مَنْ)) تحقيراً له. (قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ) - بفتح الموحّدة، وإسكان الراء -؛ أي: الشدّة، (وَاللهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ) - بفتحتين -: ظلام آخر الليل؛ أي: ما فارقنا من الليل، (يَرْمِينَا، حَتَّى انْتَزَعَ)؛ أي: حتى أخرج (كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، قَالَ) ذلك الفزاريّ (فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ) بدل من («نفرٌ ». (قَالَ: فَصَعِدَ) - بكسر العين المهملة - يقال: صَعِدَ في السُّلَّم، كسَمِعَ صُعُوداً، وصَعَّد بالتشديد في الجبل، وعليه تصعيداً: رَقِيَ، ولم يُسمَعِ صَعِدَ فيه، قاله المجد(٤). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولم يُسمع صَعِدَ فيه)) فيه نظر، فقد أثبته الفيّوميّ بقلّة، ودونك عبارته: وصَعِدَ في السلّم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُوداً، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا عَلَوته، وصَعِدتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ. انتهى(٥). (إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ، قَالَ) سلمة (فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَام)؛ أي: جعلوني قادراً على إبلاغهم كلامي، وإسماعهم إياه، يقال: أمكنه من الشيء، ومكَنه: إذا جعله له عليه قدرة، ومعناه: فلما قربوا منّي بحيث صاروا يسمعون (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٢. (٢) ((لسان العرب)) ٣٣٤/١٣. (٣) هو صاحب (تكملة فتح الملهم))، وتبعه الشيخ الهرريّ. (٤) ((القاموس)) ص٧٣٩. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٤٠/١. ٥٠٧ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) كلامي، (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟) هكذا في بعض النسخ: ((تعرفوني)) بنون واحدة على حذف نون الوقاية، أو نون الرفع، وحَذْف إحداهما في مثل هذا الفعل جائز، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون، بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وهو أيضاً جائز، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوّ أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] في قراءة من شدّد، ووقع في النسخ: ((تعرفونني)) بنونين على الأصل، وهو ظاهر، وإلى قاعدة نون الوقاية أشار ابن مالك تَظّتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله: نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي)) قَدْ نُظِمْ وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ وَمَعْ (لَعَلَّ) اعْكِسْ وَكُنْ مُخَيَّرَا وَ(لَيْتَنِي)) فَشَا وَ(لَيْتِي)) نَدَرَا (مِنِّي)) وَ(عَنِّي)) بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفَا فِي الْبَاقِيَاتِ وَاضْطِرَاراً خَفَّفَا (قَدْنِي)) وَ((قَطْنِ)) الْحَذْفُ أَيْضاً قَدْ يَفِي وَفِي (لَدُنِّي)) (لَدُنِي)) قَلَّ وَفِي (قالوا: لَا) نعرفك (وَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَع) فيه جواز تعريف الإنسان بنفسه إذا كان معروفاً بالشجاعة؛ ليُدخل الرِعَب في قلب خصمه. (وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ وٍَّ لَا أَطْلُبُ رَجُلاً مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَيُدْرِكَنِي) بالنصب بـ((أن)) مضمرةً وجوباً بعد الفاء السببيّة في جواب النفي، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ) بحذف مفعوليه؛ لدلالة القرينة عليهما؛ أي: أظنّ ذلك واقعاً، وإلى جواز هذا الحذف أشار في ((الخلاصة)) بقوله: وَلَا تُجِزْ هُنَا بَلَا دَلِيلٍ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنٍ أَوْ مَفْعُولٍ إذ مفهومه أنه إن دلّ الدليل على المحذوف جاز حَذْفهما معاً، أو حَذْف أحدهما، ومِن حَذْفهما معاً لدلالة ما قبلهما عليهما قول الشاعر [من الطويل]: بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وَتَحْسَبُ أي وتحسَب حبَّهم عاراً عليّ، ومِنْ حَذْف أحدهما للدلالة قوله [من الكامل]: وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ ٥٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أي: فلا تظنّي غيره واقعاً . وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: وقوله: ((أنا أظنُّ))؛ أي: أتيقَّن، كما قال تعالى: [الحاقة: ٢٠]؛ أي: تحققت، وأيقنت، ويَحْتَمِل ﴿إِنّ ◌َنَنْتُ أَنِّى مُلَقٍ حِسَلَِةْ البقاء على أصل الظنّ الذي هو تغليب لأحد المحتملين، وقد اقتُصِر عليها، ولم يُذكر لها هنا مفعول، ويَحْتَمِل أن يكون حَذَف مفعولها؛ للعِلم به، وهو: ((ذاك)) الذي هو إشارة إلى المصدر الذي يُكْتَفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننت ذاك، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما قدّمته من تقدير المفعولين بقولي؛ أي: أظنّ ذاك واقعاً، والله تعالى أعلم. (قَالَ) سلمة (فَرَجَعُوا)؛ أي: رجع الأربعة الذين صَعِدوا إليه خوفاً منه لمّا علموا شجاعته، (فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي) بكسر الراء، من تَعِبَ؛ أي: لم أزل، ولم أنتقل من مكاني الذي كنت فيه إلى مكان آخر، (حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) تقدّم أنه جمع فارس، وهو من شواذٌ الجمع. (يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ)؛ أي: يمرّون من خلالها، والخلال: جمع خَلَل بفتحتين، وهو الفرجة بين الشيئين. (قَالَ) سلمة (فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ) ((إذا)) تقدّم قريباً أنها للمفاجأة. و ((الأخرم الأسديّ)) هذا هو: مُحرز بن نَضْلَة بن عبد الله بن مُرَّة بن كثير بن غَنْم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسديّ، أبو نضلة، ويُعرف بالأخرم، ذَكَره موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما فيمن شَهِدَ بدراً، قال في ((الإصابة)): وثَبَت ذِكْره في حديث سلمة بن الأكوع الطويل عند مسلم، وفيه: ((فما بَرِحت مكاني، حتى رأيت فوارس رسول الله وَله يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسديّ، وعلى أثره أبو قتادة))، فساق القصّة، كما هنا(٢). (عَلَى إِثْرِهِ) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ) هو الحارث بن رِبْعِيّ بن بُلْدُمة، وقيل في اسمه (١) ((المفهم)) ٦٧٥/٣. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧٨٣/٥. ٥٠٩ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) غيره، شَهِدَ أُحُداً وما بعده، ولم يصحّ شُهُوده بدراً، ومات في السنة (٤٨) تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. (وَعَلَى إِثْرِهِ)؛ أي: بعد أبي قتادة (الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهرانيّ، ثم الكنديّ، ثم الزهرانيّ، حالف أبوه كِنْدة، وتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين إلى الإسلام، لم يثبت أنه کان ببدر فارس غيره، مات سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنةً، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٨١/٤٣. (قَالَ) سلمة (فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَم)؛ أي: بعنان فرسه، وهو - بكسر العين المهملة، وتخفيف النون -: سَيْرُ اللِّجَام الّذِي تُمْسك به الدابّةُ، جَمْعه: أَعِنَّةٌ، وعُنُقٌ(١). وأما الْعَنَان بفتح العين، فهو السحاب وزناً ومعنّى، ولا يُناسب هنا. وإنما أخذ سلمة بعنان فرس الأخرم، ليحبسه عن اتّباع المشركين وحده إلى أن يلحق به النبيّ ◌َلّ وأصحابه (قَالَ) سلمة (فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ) حال مؤكّد لعامله، كما في قوله تعالى: وَلَا [البقرة: ٦٠]. قال في ((الخلاصة)): تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ (لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا)) (قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ)، وقوله: (لَا يَقْتَطِعُوَكَ)؛ أي: لا يأخذوك، وينفردوا بك، فيفصلوك عن أصحابك، ويَحُولوا بينك وبينهم، فقوله: ((لا يقتطعوك)) مجزوم بالطلب قبله، واختُلف في جازمه، والأصحّ أنه بشرط مقدّر؛ أي: إن تحذرهم لا يقتطعوك. (حَتَّى يَلْحَقَ) من باب تَعِب، (رَسُولُ اللهِ إِليه وَأَصْحَابُهُ، قَالَ) الأخرم (يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقُّ، فَلَا تَخُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ)؛ أي: اتركني وحدي أقاتلهم حتى يقتلوني، وأُستشهد على أيديهم، وفيه ما كان عليه أصحاب رسول الله ﴿ من إيثارهم الآخرة على الدنيا، وتَبادُرهم إلى الشهادة في سبيل الله ، واستهانتهم بالحياة الدنيا، وكأن الجنّة ونعيمها بمرأى من (١) ((القاموس المحيط)) ص٩٢١. ٥١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أعينهم، وكأن هذه الدنيا سجنٌ، يُحبّون الفرار منه رضي الله عنهم أجمعين. (قَالَ) سلمة (فَخَلَّيْتُهُ)؛ أي: خليت سبيله حتى ينال ما أراده، (فَالْتَّقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ. (قَالَ) سلمة (فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ)؛ أي: جرح الأخرمُ الأسديّ فرسَ عبد الرحمن الفزاريّ، وضرب قوائمه، يقال: عَقَرَه عقْراً، من باب ضرب: جرحه، وعَقَرَ البعيرَ بالسيف عَقْراً: ضَرَب قوائمه به، لا يُطلق الْعَقْرُ في غير القوائم، قاله الفيّوميّ(١). (وَطَعَنَهُ)؛ أي: الأخرمَ الأسديَّ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ، فـ((عبد الرحمن)) مرفوع على الفاعليّة لـ((طَعَنَ))، (فَقَتَلَهُ)؛ يعني أن عبد الرحمن الفزاريّ قتل الأخرم الأسديّ بعدما عقَر الأسديُّ فرسه، (وَتَحَوَّلَ) عبدُ الرحمن (عَلَى فَرَسِهِ)؛ أي: فرس الأخرم، (وَلَحِقَ) بكسر الحاء المهملة، (أَبُو قَتَادَةَ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (فَارِسُ رَسُولِ اللهِ بَّهَ) نعت لـ((أبو قتادة))، (بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ (فَطَعَنَهُ)؛ أي: طعن أبو قتادة الفزاريَّ (فَقَتَلَهُ، فَوَ الَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ بِّهِ لَتَبِعْتُهُمْ) بفتح اللام، وهي الداخلة على جواب القسم، كقوله تعالى: ﴿وَقَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَكُرُ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقوله: (أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كوني مسرعاً في المشي، قال الفيّوميّ تَخْذُّهُ: عدا في مشيه يَعْدو عَدْواً، من باب قال: قارب الْهَرْوَةَ، وهو دون الْجَرْي. انتهى (٢). (حَتَّى مَا) نافيةٌ، (أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ نَّهِ، وَلَا غُبَارِهِمْ)؛ أي: وما أرى من الغبار الذي تثيره دوابّهم (شَيْئاً) أراد بذلك أنه أمعن في شدّة عَدْوه، وملاحقته المشركين، والجري خلفهم إلى أن بعُد عن أصحاب رسول الله وَّهِ بُعْداً شاسعاً بحيث إنه لا يرى منهم أحداً، ولا من غبارهم شيئاً، وقوله: (حَتَّى يَعْدِلُوا) غاية لمتابعته لهم، (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ) - بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والجمع: شِعابٌ(٣). (فِيهِ)؛ أي: في ذلك الشِّعْب (مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ) - بفتحتين - تقدّم أنه موضع قرب المدينة النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة - (لِيَشْرَبُوا) متعلّق (١) ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٣١٣/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢. ٥١١ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) (بيَعْدِلوا))، (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الماء، وقوله: (وَهُمْ عِطَاشرٌ) جملة حاليّة، وهو - بكسر العين -: جمع عَطِشٍ، أو عطشان، يقال: عَطِشَ عَطَشاً، فهو عَطِشُ، وعَظْشَان، وامرأةٌ عَطِشَةٌ وعَظْشَى، ويُجمعان على عِطاشٍ بالكسر(١). (قَالَ) سلمة (فَنَظَرُوا) وفي نسخة: ((نَظَرِوا))، (إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ) جملة حاليّة؛ أي: حال كوني مسرعاً خلفهم، (فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ) - بحاء مهملة، ولام مشدّدة، غير مهموز -؛ أي: طردتهم عن ذلك الماء(٢)، يقال: حلأت الرجل من الماء: إذا منعته من شُربه، وجلٌ مُحَلٌّ؛ أي: مَذُود عن الماء مصدود، فقُلبت الهمزة ياء على غير قياس، كما سيأتي، وفسّره بعض الرواة بقوله: (يَعْنِي: أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) بالجيم من الإجلاء، وهو الإخراج، قال القاضي عياض: كذا روايتنا فيه هنا: ((فحلّيتهم)) غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهّله، وقد جاء مهموزاً بعد هذا في هذا الحديث(٣). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وحلّيتهم)) كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصله الهمز، قال القرطبيّ: وصوابه الهمز، وهو أصله، وهذا تسهيل لا يقتضيه القياس، وروايتي فيه بالهمز على الأصل، ومعناه: طردتهم عن الماء. (٤) انتھی(٤). وقال ابن الأثير تَخْدَتُهُ: هكذا جاء ((حلّيتهم)) في الرواية غير مهموز، فَقَلَب الهمزة ياءً، وليس بالقياس؛ لأن الياء لا تُبدل من الهمزة إلا أن يكون ما قبلها مكسوراً، نحو بِيرٍ، وإِيلاف، وقد شذّ: قَرَيتُ في قرأت، وليس بالكثير، والأصل الهمز. انتهى(٥). (فَمَا) نافية، (ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ) سلمة (وَيَخْرُجُونَ) المضارع هنا وفيما بعده بمعنى الماضي؛ أي: وخرجوا، فاشتدّوا، وإنما عبّر بالمضارع؛ لاستحضار الحال الواقعة إذ ذاك، وتمثيلها للسامع، وكذلك قوله: ((فأعدو، فألحق))، وقوله: ((فأصكّه)) كلّه بمعنى الماضي، وإنما اختار صيغة المضارع (١) ((المصباح المنير)) ٤١٦/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٢. (٤) ((المفهم)) ٣ /٦٧٥ - ٦٧٦. (٥) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٢١/١. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير للغرض المذكور. (فَيَشْتَدُّونَ)؛ أي: يَجْرُون (فِي ثَنِيَّةٍ) تقدّم أنها الطريق، أو الطريق في الجبل. (قَالَ) سلمة (فَأَعْدُو)؛ أي: جريت في المشي، (فَأَلْحَقُ)؛ أي: لحقت (رَجُلاً مِنْهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَأَصُكَّهُ)؛ أي: ضربته، وأصل الصّ هو: الضرب باليد مبسوطةً، يقال: صَكّه صَكّاً: إذا ضرب قفاه، ووجهه بيده مبسوطةً، قاله الفيّوميّ(١). وقال المجد تَّقُ: صَكّه: ضربه شديداً بعريض، أو عامٌّ. انتهى(٢). (بِسَهْم فِي نُغْضٍٍ كَتِفِهِ) - بنون مضمومة، ثمّ غين معجمة ساكنة، ثمّ ضاد معجمة - هَّو العظم الرقيق على طرف الكتف، وأصله من التحرّك، يقال: نغَضَ الشيءُ، كنصر، وضرب نَعْضاً، ونُغُوضاً ونَغَضَاناً، ونَغَضاً بالتحريك: إذا تحرّك، واضطرب، كأنغض، وتنغّض، ويتعدّى بنفسه، يقال: نغضه: إذا حرّكه، كأنغضه(٣)، وسُمّي بذلك العظم المذكور؛ لكثرة تحرّكه، وهو الناغض أيضاً(٤). (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: خُذْهَا) وفي نسخة: ((قلت: نعم خذها))؛ أي: الضربة، (وَأَنَا ابْنُ الأَّوَع)؛ أي: المشهور بالشجاعة، (وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع)؛ أي: يوم هلاك اللئيم، وتقدّم الخلاف في معناه، فلا تغفل. (قَالَ) ذلك الرجل المصكوك: (يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ) الثُّْلُ: فَقْدُ الولد، ومراده: الدعاء عليه بالموت، و((يا)) للنداء، والمنادى بها محذوفٌ، تقديره: يا قوم، أو يا هؤلاء، أو هي لمجرّد التنبيه. (أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ؟) وفي بعض النسخ: ((أأكوعه؟)) بهمزتين؛ أي: أنت ابن الأكوع الذي كان معنا أول النهار؟. قال النوويّ تَخْلَّتُهُ: معنى ((ثكلته أمه)): فَقَدَتْه، وقوله: ((أَكْوَعُهُ)) هو برفع العين؛ أي: أنت الأكوع الذي كنت بكرةَ هذا النهار، ولهذا قال: نعم، و(بُكْرَةَ)) منصوب غير منوَّن، قال أهل العربية: يقال: أتيته بُكْرَةً بالتنوين: إذا أردت أنك لقيته باكراً في يوم غير معيَّن، قالوا: وإن أردت بُكرةَ يوم بعينه، قلت: ((أتيتُه بُكْرَةَ)) غير مصروف؛ لأنها من الظروف غير المتمكنة. انتهى(٥). وقال بعض المحقّقين فيما كتبه على هامش النسخة التركيّة ما نصّه: (١) ((المصباح المنير)) ٣٤٥/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٧٤٧. (٣) راجع: ((القاموس المحيط)) (١٣٠٠)، و((المصباح المنير)) ٦١٥/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٨١. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٨١. ٥١٣ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) قوله: ((أَكْوَعه بُكرةَ)) هكذا في عامّة النسخ التي بأيدينا ((أَكْوَعُهُ)) بالإضافة إلى ضمير الغَيْبة، ومعناه: هذا الأكوع الذي كان يرتجز لنا به صباح هذا النهار قد عاد يرتجز لنا به آخره، وقد علمتَ أنه كان أول ما لحقهم صاح بهم بهذا الرجز، ووقع في رواية ((البهجة)): ((أَكْوَعُنَا بكرةَ)) بالإضافة إلى ضمير المتكلّمين؛ أي: أنت الأَكْوَُ الذي كنت تتبعنا بكرةً اليوم؟ قال: نعم أنا أَكْوَعك بكرة، ولعلّ هذه الرواية أقرب إلى الصواب؛ الاتّصال آخر الكلام فيها بأوله، وموافقة صَدْره لِعَجُزه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولعلّ هذه الرواية أقرب إلى الصواب)) لا داعي إلى هذا الكلام، فإن رواية مسلم صواب، لا ركاكة فيها، فمعناها: أأنت أكوع هذا اليوم، أو هذا الأمر الذي كنت معنا بهذا الرجز أول اليوم؟، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال القرطبيّ تَخَّثُهُ: قوله: ((أكوعه بكرة)) الضمير في ((أكوعه)) يعود على المتكلم، على تقدير الغَيبة، كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فَهِمَ منه هذا سلمة، حيث أجابه بقوله: ((أكوعك بكرةَ))، فخاطبه بذلك، و((بكرةَ)) منصوب، غير منوَّن على الظرف؛ لأنه لا ينصرف؛ للتعريف والتأنيث؛ لأنه أُريدَ بها بُكرة معيَّنة، وكذلك: غُدْوَةُ، وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمتُ. انتهى (٢). (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ)؛ أي: متخذ نفسه عدوّاً حیث یرید أن يدخلها في نار جهنّم بِشِرْكه، (أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ)؛ أي: أنا الأكوع الذي كنت معك منذ أول النهار. (قَالَ) سلمة (وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنٍ عَلَى ثَنِيَّةٍ) قال ابن الأثير تَخْلُ: أرديته: رميته، وتركته، والمراد: أنهم من خوفهم تركوا من خيلهم فرسين، ولم يقفوا عليهما هرباً، وخوفاً أن يلحقهم. انتهى. وقال القاضي عياض ◌َخْذَلُهُ: كذا رواية الكافّة بالدال المهملة، ورواه بعضهم بالمعجمة، قال: وكلاهما متقارب المعنى، فبالمعجمة معناه: خَلَّفُوهما، والرَّذِيّ: الضعيف من كل شيء، وبالمهملة معناه: أهلكوهما، (١) من هامش النسخة التركيّة ١٩٣/٥. (٢) («المفهم)) ٦٧٧/٣. ٥١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وأتعبوهما، حتى أسقطوهما، وتركوهما، ومنه الْمُتَرَدِّيةُ، وأَرْدَتِ الخيلُ الفارسَ: أسقطته. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((وأرذوا فرسين))، روايتي فيه بالذال المعجمة، ومعناه: تركوا فرسين مَعِيبين لم يقدرا على النهوض، من الضعف والْكَلال، والرَّذِيّة: المعيبة، وجَمْعها: رَذَايا، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَهُنَّ رَذَايَا فِي الطَّرِيقِ وَدَائِعُ وقد رُوي بالدال المهملة: ((أردوا))؛ أي: تركوهما هلكى، من الرَّدَى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: ((فأقبلت بهما أسوقهما))، فدل على أنهما لم يهلكا، وإنما ثَقُلا كَلالاً، وإعياءً. انتهى (٢). (قَالَ) سلمة (فَجِئْتُ بِهِمَا)؛ أي: بالفرسين، (أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ) سلمة (وَلَحِقَنِي) بكسر الحاء، (عَامِرٌ) ابن الأكوع، وهو عمّه، (بِسَطِيحَةٍ) - بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين -: إناء من جلود سُطح بعضها على بعض، (فِيهَا)؛ أي: في تلك السطيحة، (مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنِ) ((الْمَذْقَةُ)) - بفتح الميم، وإسكان الذال المعجمة: القليل من اللبن الممزوج بماء، (وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ)؛ أي: بالماء (وَشَرِبْتُ)؛ أي: من اللبن الممزوج بالماء. (ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ﴾ وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ) جملة حاليّة من رسول الله؛ أي: والحال أنه وَّ جالس على الماء (الَّذِي حَلْأَتُهُمْ عَنْهُ)؛ أي: أجليتهم، وطردتهم عن ذلك الماء، قال النوويّ كَّتُهُ: كذا هو في أكثر النسخ: ((حَلاتهم)) بالحاء المهملة، والهمز، وفي بعضها: ((حلّيتهم عنه)) بلام مشدّدة، غير مهموز، وقد سبق بيانه قريباً. (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وََّ) تقدّم أن ((إذا)) هي الفجائيّة، (قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِبِلَ)؛ أي: التي استنقذها سلمة من أيدي المشركين الذين أغاروا عليها، (وَكُلَّ شَيْءٍ) بالنصب عطفاً على ((تلك))، (اسْتَنْقَذْتُهُ)؛ أي: خلّصته (مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْح وَبُرْدَةٍ) بنصب ((كلَّ)) أيضاً كسابقه، (وَإِذَا بِلَالْ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِبِلِ الَّتِي اسْتَنْقَّذْتُ مِنَ الْقَوْم) كذا في النسخة الهنديّة بلفظ ((التي))، وهو الصواب، ووقع في أكثر النسخ: بلفظ: ((الذي)) بدل ((التي))، قال (١) ((إكمال المعلم)) ١٩٩/٦. (٢) («المفهم)) ٦٧٧/٣. ٥١٥ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) النوويّ تَّثُ: كذا في أكثر النسخ: ((الذي))، وفي بعضها: ((التي))، وهو أوجَهُ؛ لأن الإبل مؤنّئةٌ، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين، والأول صحيح أيضاً، وأعاد الضمير إلى الغنيمة، لا إلى لفظ الإبل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((والأول صحيح أيضاً ... إلخ)) لا يخفى ما فيه من التعسّف، فالصواب أن لفظ ((التي)) هو الصواب، كما قال صاحب ((البهجة))(٢)، فتأمل، والله تعالى أعلم. (وَإِذَا هُوَ يَشْوِي) بفتح أوله، يقال: شويتُ اللحم أَشْويه شَيّاً، فانشوى، مثلُ كسرته، فانكسر، وهو مَشْويّ، وأصله مَفْعُولٌ، وأشويته بالألف لغةٌ، واشتويتُ على افتعلتُ، مثلُ شَوَيته، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فاشتوى، على افتَعَلَ، فإن الافتعال فِعْلُ الفاعل، والشِّوَا فِعَالٌ، بمعنى مفعول، مثلُ كتاب، وبِساطٍ، بمعنى مكتوب، ومبسوط، وله نظائر كثيرة، وأشويتُ القومَ بالألف: أطعمتهم الشِّوَاء، قاله الفيّوميّ(٣). (لِرَسُولِ اللهِ لهِ مِنْ كَبِدِهَا) ((من)) تبعيضيّة، أو بعض كبد تلك الناقة، و((الكبد)) من الأمعاء معروف، وهي أنثى، وقال الفرّاء: تُذكَّرُ، وتؤنّثُ، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلاً(٤). (وَسَنَامِهَا)؛ أي: بعض سنامها، والسّنام للبعير كالأَلْيَة للغنم، والجمع أسنِمَةٌ، وسُنِمَ البعير، وأُسْنِمَ بالبناء للمفعول: عَظُمَ سَنامه، ومنهم من يقول: أَسْنَمَ بالبناء للفاعل(٥). (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّنِي)؛ أي: اتركني (فَأَنْتَخِبُ) يُروى بالنصب بـ((أن)) مضمرة وجوباً؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ويُروى بالرفع، على أن الفاء لمجرّد العطف(٦). (مِنَ الْقَوْم)؛ أي: من ثُّ، (مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ)؛ أي: المشركين (فَلاَ يَبْقَى مِنْهُمْ الصحابة (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١٢. (٢) راجع: ما كُتب في هامش النسخة التركيّة ١٩٣/٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. (٥) ((المصباح المنير)) ٢٩١/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢. (٦) راجع: هامش التركيّة ١٩٣/٥. ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير مُخْبِرٌ)؛ أي: أحدٌ ممن يُخبر قومه في بلده بما جرى لهم من هلاك هؤلاء (إِلَّا قَتَلْتُهُ، قَالَ) سلمة (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ تعجّباً من شدّة بغضه للمشركين، ومحبته لظهور الإسلام في بقاع الأرض، (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) جمع ناجذ، وهو السنّ بين الضِّرْس والناب، قال ثعلبٌ: المراد: الأنياب، وقيل: الناجذ: آخر الأضراس، وهو ضِرْسُ الْحُلُم؛ لأنه يَنْبُتُ بعد البلوغ، وكمالِ العقل، وقيل: الأضراس كلُّها نواجذ، قال في البارع: وتكون النواجذ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الْخُفّ: الأنياب(١). ثم إن ظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويُحْمَل ما ورد في صفته ولا أن ضحكه كان تبسّماً على غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لم يَزِد على التبسم(٢)، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي ضَوْءِ النَّارِ) متعلّق بـ«بَدَتْ))، (فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ، أَتْرَاَ)؛ أي: أنظُنّك (كُنْتَ فَاعِلاً؟)؛ أي: ما ذكرته لو أذِنت لك بذلك؟ (قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ) بَرِ ((إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: ليُضافون، يقال: قَرَيتُ الضيف أَقريه، مِن رَمَى قِرَى بالكسر، والقصر: أضفته، والاسم: الْقَرَاءُ بالفتح، والمدّ(٣). (فِي أَرْضٍ غَطَفَانَ)؛ أي: عند قومهم؛ يعني: أنهم قد بلغوا بني غطفان، وهم يُقرونهم بتقديم طعام وغيره، وهذا من معجزات النبيّ ◌َّر، حيث أخبر بما وقع لهم بعد غيابهم عنه وََّ، ووُجد واقعاً كما أخبر به ◌َّه. (قَالَ) سلمة (فَجَاءَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه، (مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ) قال صاحب ((التنبيه)): قيل: هو حبيب بن عيينة بن بدر الفزاريّ، كما وُجد بخط بعض الفضلاء. انتهى (٤). (١) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٧١/٤، كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٣٦). (٣) ((المصباح المنير)) ٥٠١/٢، و((القاموس)) ص١٠٥٣. (٤) ((تنبيه المعلم)) ص٣١٨. ٥١٧ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) قال الجامع عفا الله عنه: لم يذكر بعض الفضلاء مستنده، فهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم. (جَزُوراً) - بفتح الجيم -: هو البعير، أو خاصّ بالناقة المجزورة، كما تقدّم بيانه. (فَلَمَّا كَشَفُوا)؛ أي: سلخوا (جِلْدَهَا)؛ أي: جلد تلك الجزور، (رَأَوْا غُبَاراً، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ) يعنون المسلمين، النبيّ ◌َّ، وأصحابه (فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا) بالضمّ: جمع فارس، (الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعِيّ ◌َظُهُ، (وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا) بفتح الراء، وتشديد الجيم: جمع راجل، وهو خلاف الفارس، (سَلَمَةُ) بن الأكوع ظُه، قال النوويّ تَخْلُهُ: وفيه استحباب الثناء على الشجعان، وسائر أهل الفضائل؛ لِمَا فيه من الترغيب لهم، ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل، وهذا كلّه في حقّ من تُؤْمَن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه. انتهى(١). (قَالَ) سلمة (ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْفَارِسِ، وَسَهْمُ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعاً) قال النوويّ تَظُّهُ: هذا محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نَفَلاً، وهو ظُه حقيقٌ باستحقاق النّفَل؛ لبديع ما صنعه في هذه الغزوة (٢) . وقال القرطبيّ تَخُّْ: أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبيّ وَّهِ إِيَّاه؛ لشدّة غَنَائه، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم، وهو الذي تَنَزَّل منزلة الجيش فيما فَعَل، ولم يُسمع بمن فَعَل مثل فِعله في تلك الغزاة، ثم لعل النبيّ ◌َّ إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن كان أعطاه من الغنيمة، فذلك خصوص به؛ لخصوص فعله. انتهى(٣). وقال بعض المحقّقين: أما سهم الراجل، فهو حقّه، وأما سهم الفارس، فهو شيء نفّله النبيّ وَّ إياه؛ لحسن بلائه، والتنفيل: تخصيص الإمام من له أثرٌ في الحرب بشيء من المال زيادةً على سهمه، وقد اختَلَفَ العلماء فيه، فقال بعضهم: يُعطى النفل من أصل الغنيمة، وقال آخرون: بل من الخُمس، (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١٢. (٣) ((المفهم)) ٦٧٨/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٨٢. ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقيل: من خمس الخمس، وقيل: مما عدا الخمس، ونَقَل الزقانيّ! عن الشافعيّ أنه قال بتفويضه لرأي الإمام، يَعمَل بما يرى فيه المصلحة؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١]. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله الإمام الشافعي تَظَّتُ هو الأقرب؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَرْدَفَنِي)؛ أي: أركبني (رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ) اسم ناقة النبيّ ◌َ، وأصل العضباء: هي الناقة المشقوقة الأذن، وليست ناقته الطفل كذلك، وإنما هذا لَقَبُها؛ لنجابتها، لا لشقّها، فتنبّه. (رَاجِعِينَ)؛ أي: حال (فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ) كوننا راجعين (إِلَى الْمَدِينَةِ) النبويّة. (قَالَ) سلمة ◌َ﴾ سلمة (وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لا يُعرف اسمه (٢)، (لَا يُسْبَقُ) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يسبقه أحد من الناس (شَدّاً)؛ أي: عَدْواً على الرجلين؛ يعني: أنه كان شديد الجري بحيث لا يسبقه أحدٌ في العدو. (قَالَ) سلمة (فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ ذلك الرجل (يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ: قيّدنا ((ألا)) مفتوحاً بغير تنوين؛ لأنها ((لا)) التي للنفي، والتبرئة، زيدت عليها همزة الاستفهام، وأُشربت معنى التمني؛ كما قالوا: ألا سيفَ صارمٌ، ألا ماءَ باردٌ؛ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد [من الطويل]: ألا ◌ِعَانَ، ألا فُرْسانَ عادِيَةً إِلَّا تجشُّؤُكُمْ حَوْلَ الثَّانِيرِ (٣) ويجوز الرفعُ على أن تكون ((ألا)) استفتاحاً، ويكون ((مسابقٌ)) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَا هنا مسابق، أو نحوه. انتهى(٤). قال الجامع عفا الله عنه: ((ألا)) في البيت المذكور للتوبيخ والإنكار، ويَحْتَمِلُ أن تكون ((ألا)) هنا للتمنّي، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: (١) من هامش التركيّة ١٩٤/٥. (٢) ((تنبيه المعلم)» ص٣١٨. (٣) ((الطعان)): الضرب بالرمح، و((الفرسان العادية)): كثيرو العدو، سريعوه، والتجشؤ: صوت يصدر عن امتلاء المعدة، والتنانير: جمع تنوّر، وهو الموقد الذي يُخبز فيه. (٤) ((المفهم)) ٦٧٨/٣ - ٦٧٩. ٥١٩ (٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩) أَلَا عُمْرَ وَلَّى مُسْتَطَاعْ رُجُوعُهُ فَيَرْأَبَ مَا أَثْأَتْ يَدُ الْغَفَلَاتِ (١) يدلّ على ذلك قوله: ((هل من مسابق؟))(٢)، والله تعالى أعلم. (هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ) من الإعادة، وهو التكرار؛ أي: يردّده مرّةً بعد أخرى. (قَالَّ) سلمة (فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيماً؟، وَلَا تَهَابُ شَرِيفاً؟) قال القرطبيّ: قول سلمة هذا يدلّ على أنه فَهِمَ من قول الرجل: ((ألا مسابقٌ؟)) النفي، فكأنه قال: لا أحدَ يسبقني، فلذلك أنكر عليه سلمة، ولو كان عرضاً فقط لم يكن فيه ما يُنكره. انتهى(٣). (قَالَ) الرجل (لَا)؛ أي: لا أُكرم كريماً، ولا أهاب شريفاً، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) الكريم المهاب (رَسُولَ اللهِ وَِّ﴾ فـ((رسولَ)) منصوب على أنه خبر ((يكون))، ووقع في بعض النسخ مضبوطاً بالرفع أيضاً، وعليه فهو اسم ((يكون))، وخبرها محذوف؛ أي: مسابقاً لي، فأهابه. (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي وَأُمِّي) متعلّق بمحذوف؛ أي: أَفديك بأبي وأمي، أو أنت مفديّ بأبي وأمي، (ذَرْنِي)؛ أي: (اتركني فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ) وفي بعض النسخ: «فلأَسْبِقَ الرجل))، وهو منصوب بلام ((كي))، على زيادة الفاء، أو اللام زائدة، والفاء سببيّة، والفعل منصوب بعد الفاء السببيّة بـ((إن)) مضمرة وجوباً، كما مرّ قريباً. (قَالَ) وَ﴾ ((إِنْ شِئْتَ)))؛ أي: إن شئت أن تسابقه، فافعل، قال النوويّ كَّلُهُ: وفي هذا دليلٌ لجواز المسابقة على الأقدام، وهو جائز بلا خلاف، إذا تسابقا بلا عِوَضٍ، فإن تسابقا على عوض، ففي صحّتها خلافٌ، والأصحّ عند الشافعيّة لا تصحّ. انتهى(٤). (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: اذْهَبْ) هذا خطاب للرجل الطالب للمسابقة؛ أي: اشرع في العدو، وقوله: (إِلَيْك) متعلّق بـ((اذهب))؛ أي: اذهب إلى الجهة التي تريد المسابقة فيها، ويَحْتَمِل أن يكون ((إِليك)) اسم فعل، بمعنى: تنحّ، وأبعُد عني، حتى ينفصل جريك عن جربي، وهذا من شدّة وثوق سلمة ظُّه بأن هذا المتسابق لا يغلبه، وقد وقع كذلك. (١) قوله: ((يرأب))؛ أي: يصلح، وقوله: ((ما أثأت))؛ أي: ما أفسدت. (٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ١٤٤/١ - ١٤٦. (٣) ((المفهم)) ٦٧٩/٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٨٣. ٥٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((اذهب إليك)): قيّدناه على من يوثق بعلمه على الأمر؛ أي: انفُذ لوجهك، وخذ في الجري، يقوله سلمة، وهو راكب خلف النبيّ ◌َ ﴿ للرَّجل الذي قال: ألا مسابق، ولذلك قال: وثنيت رجليّ؛ أي: نزلت عن ظهر العضباء، و((إليك)) على هذا معمول لـ ((اذهب))؛ أي: انفذ لوجهك. انتهى(١). (وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ)؛ أي: عطَفتهما؛ لأتمكّن من الجري، (فَطَفَرْتُ)؛ أي: وثبت، وقفزت، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: طَفَرَ طَفْراً، من باب ضرب، وطُفُوراً أيضاً، والطَّفْرة أخصّ من الطَّفْر، وهو الوثوب في ارتفاع، كما يَطْفِرُ الإنسان الحائطَ إلى ما وراءه، قاله الأزهريّ وغيره، وزاد الْمُطَرّزيّ على ذلك، فقال: ويدلّ على أنه وَثْبٌ خاصّ قول الفقهاء: زالت بَكَارتها بوتْبَةٍ، أو طَفْرة، وقيل: الوَثْبةُ من فوقُ، والطَّفْرة إلى فوقُ. انتهى(٢). (فَعَدَوْتُ)؛ أي: أسرعتُ. (قَالَ) سلمة (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: حَبَستُ نفسي عن الجري الشديد، (شَرَفاً، أَوْ شَرَفَيْنِ) الشرَفُ بفتحتين: ما ارتفع من الأرض، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: أي: طَلَقَاً، أو طَلَقَين، والطّلَق بفتحتين: الشوط الواحد من سباق الخيل، وقال الفيّوميّ: الطلق بفتحتين: جَرْيُ الفرس، لا تحتبس إلى الغاية، فيقال: عَدَا الفرسُ طَلَقاً، أو طَلَقين، كما يقال: شَوْطاً، أو شَوْطين. انتهى(٣). والمراد أنه حبس نفسه مقدار شَرَف، أو شرفين، ثم جرى بعده، وفسّر القرطبيّ: ((ربطت)) بشددت عليه، والظاهر أنه غير مناسب، بل ظاهر السياق يؤيّد تفسيره بحبستُ، فتأمل بالإمعان. (أَسْتَبْقِي نَفَسِي) بفتح الفاء؛ يعني: أنه حبس نَفَسه؛ إبقاء له، لئلا ينقطع من شدّة الجري، والمراد أنه لم يبذل في بداية الأمر قصارى قوّته في الجري؛ لئلا ينقطع نفسه، بل استبقاه؛ ليتمكّن من الإسراع عندما يقترب من الرجل. وقال القرطبيّ: قوله: ((أستبقي نفسي)) رويناه بفتح الفاء، وسكونها، ففي (١) ((المفهم)) ٦٨٠/٣. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٧٦/٢ - ٣٧٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٧٤/٢.