Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦١)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٦١/٤٢ و٤٦٦٢] (١٨٠٣)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٢٨٣٦ - ٢٨٣٧ و٣٠٣٤) و((المغازي)) (٤١٠٤ و٤١٠٦) و((القدر))
(٦٦٢٠) و((التمنّي)) (٧٢٣٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٩/٥)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٧١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٥/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٢١/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧١٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٥٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٧٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أصاب النبيّ وَّر، وأصحابه في سبيل الدعوة إلى الله
تعالى من الجهد، والتعب، ومكالبة الأعداء.
٢ - (ومنها): بيان ما منّ الله تعالى على المؤمنين في تلك الغزوة، فقد
صرف الله تعالى شرّ أعدائهم مع كثرة عددهم، وعُدَدهم، إلا أنهم خُذِلوا بما
بعث الله عليهم من جنوده، فانقلبوا خاسرين، وقد نبّه الله تعالى على ذلك في
كتابه الكريم، فقال: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُودٌ
فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحًا وَجُنُودًّا لَّمْ تَرَوَهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن
فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ
[الأحزاب: ٩ - ١٠]، وقال أيضاً: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ
الْقُلُونَا
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم
٢٥
يَنَالُواْ خَيْ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اُلْقِتَالَّ وَكَانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزً
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ
وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَتُوُهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
فَريقًا (®
قَدِیرًا
[الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].
٣ - (ومنها): مشروعيّة التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ
بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل،
ولا ينقص منه، فقد كان النبيّ وَي على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل
عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يَظْرح الأسباب، ولا مقتضى العادات

٤٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
على ما يراه جُهّال المتزهدين أهل الدّعاوى الممخرقين(١).
وقال في ((العمدة)): فيه من الفوائد أن للحفر في سبيل الله وتحصين
الديار وسدّ الثغور منها أجراً كأجر القتال، والنفقةُ فيه محسوبة في نفقات
المجاهدين إلى سبعمائة ضعف، وفيه استعمال الرجز والشعر، إذا كانت فيه
إقامة النفوس، وإثارة الأَنَفَة. انتهى(٢).
٤ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر المباح، وجواز الاستماع إليه، قال
القرطبيّ تَخْفُهُ: وقد يَستدل بإنشاد النبيّ وَّه وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها
أهلُ الْمُجُون والْبِدَع من المتصوّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل
على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات، فكيف بأهل الديانات؟! كالطارات،
والشبابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان،
والرقص بالأكمام، وهزّ الأقدام، كما يفعله الفسقة الْمُجَّان، ومجموع ذلك
يُعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة
دليل ولا برهان، وقد كتبنا في ذلك جزءاً حسناً سميناه: ((كشف القناع عن
حكم مسائل الوَجْد والسَّماع)). انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ
الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) وهو ابن
(٧٣) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨.
والباقون هم المذكورون في السند الماضي.
(١) ((المفهم)) ٦٤٥/٣.
(٣) («المفهم)) ٦٤٥/٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٣١/١٤.

٤٦٣
(٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦٣)
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٣] (١٨٠٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَنَحْنُ نَحْفِّرُ الْخَنْدَقَ، وَنَنْقُلُ الثُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) البصريّ، مدنيّ الأصل، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
تقدّم أيضاً قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو (٣٢٤) من رباعيّات الكتاب، وهو
مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره، وشيخه، وإن سكن البصرة، إلا أنه مدنيّ
الأصل، وقد سكنها مدّةً، وصحابيّه ابن صحابيّ، وهو آخر من مات من
الصحابة بالمدينة على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ◌َهَا، أنه (قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَنَحْنُ
نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ)؛ كجَعْفَرِ: حَفِيرٌ حولَ أسوار المدن، معرَّب كَنْدَه، قاله المجد (١).
قد تقدَّم ذِكر السبب في حفر الخندق، وأنهم حفروه بإشارة سلمان
الفارسيّ ◌َّهِ، ولمّا بلغ النبيَّ وَّرَ جَمْعُهم أخذ في حفر الخندق حول المدينة،
(١) (القاموس المحيط)» ص٣٩٨.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ووضع يده في العمل معهم، مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ، وعند موسى بن
عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريباً من عشرين ليلة، وعند الواقديّ أربعاً
وعشرين، وفي ((الروضة)) للنوويّ خمسة عشر يوماً، وفي ((الهدي)) لابن القيِّم:
أقاموا شهراً (١).
(وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا) بفتح الهمزة: جمعُ كَتِفٍ، كَفَرِحٍ، ويجوز
تخفيفه، كمِثْلٍ، وَحَبْلٍ، وفي رواية البخاريّ: ((على أكتادنا))، قال في ((الفتح)):
بالمثناة: جمع كَتِدٍ، بفتح أوله، وكسر المثناة، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر،
وفي حديث أنس: ((على متونهم))، والمتن مُكتنِف الصُّلب بين اللحم والعَصَب،
وَوَهِم ابن التين، فعزا هذه اللفظة لحديث سهل بن سعد، ووقع في بعض
النسخ: ((على أكبادنا)) بالموحّدة، وهو مُوَجَّه على أن يكون المراد به: ما يلي
الْكَبِد من الجنب. انتهى(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ)؛ أي: لا عيش باقٍ، أو لا عيش
مطلوب (إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ)، قال ابن بطال: هو قول ابن رواحة؛ يعني: تمثّل
به النبيّ وَ ﴿، ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك النبيّ وَلقر شاعراً. قال: وإنما
يسمى شاعراً مَنْ قَصَده، وعَلِم السبب، والوتد، وجميع معانيه من الزحاف،
ونحو ذلك، قال الحافظ: كذا قال، وعِلْمُ السببِ، والوتدِ إلى آخره، إنما
تلقَّوه من العَروض التي اختَرَع ترتيبها الخليل بن أحمد، وقد كان شِعر
الجاهلية، والمخضرمين، والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن
يصنفه الخليل، كما قال أبو العتاهية: أنا أقْدَم من العروض؛ يعني: أنه نظم
الشعر قبل وضعه، وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب:
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلِيلُ
قَدْ كَانَ شِعْرُ الْوَرَى قَدِيماً
وقال الداوديّ فيما نقله ابن التين: إنما قال ابن رواحة: ((لَا هُمَّ إِنَّ
الْعَيْشَ)) بلا ألف ولام، فأورده بعض الرواة على المعنى، قال الحافظ: كذا
قال، وحَمَله على ذلك ظنّه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك،
(١) ((الفتح)) ١٨٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٨).
(٢) ((الفتح)) ١٨٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٨).

٤٦٥
(٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦٤)
بل يكون دخله الْخَزْم، ومن صُوَره: زيادة شيء من حروف المعاني في أول
الجزء. انتهى (١).
(فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ))) هذا قاله النبيّ ◌َِّه، مجيباً لهم حين قالوا:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّداً عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَداً
وفي حديث أنس الآتي بعده: ((فاغفر للأنصار والمهاجرة))، وكلاهما غير
موزون، ولعله ◌َ﴿ تعمّد ذلك، ولعل أصله: ((فاغفر للأنصار والمهاجرة))
بتسهيل لام ((الأنصار))، وبالتاء المربوطة في ((المهاجرة))، وفي الرواية الأخرى:
((فَبَارِْ)) بدل ((فاغفر))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٦٣/٤٢] (١٨٠٤)، و(البخاريّ) في ((فضائل
الصحابة )) (٣٧٩٧) وفي ((المغازي)) (٤٠٩٨) و((الرقاق)) (٦٤١٤)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٠/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٦/٦)، و(ابن
سعد) في ((الطبقات)) (٧١/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/٩)، وفوائده
تُعلم مما سَبَق، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٤] (١٨٠٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
الْمُثَّى - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ:
((اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقةٌ
فقيهٌ [٣] (ت١١٣) وهو ابن (٧٦) سنةً (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها))
١٨٥٣/٣٦.
(١) ((الفتح)) ١٨٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٨).

٤٦٦
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَّه تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبل حديثين، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢ /٤٦٦٤ و٤٦٦٥ و٤٦٦٦ و٤٦٦٧] (١٨٠٥)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٣٤ و٢٨٣٥ و٢٩٦١) و((مناقب الأنصار)) (٣٧٩٥
و٣٧٩٦) و((المغازي)) (٤٠٩٩) و((الرقاق)) (٦٤١٣) و((الأحكام)) (٧٠٢١)،
و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (٦٣/١ - ٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٨٠/٥ و٤٠٠/٦ و٣٧٧/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٠/٣ و١٧٢ و١٨٧
و٢٠٥ و٢١٦ و٢٥٢ و٢٧٦ و٢٨٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٤٦/٤)،
و(ابن الجعد) في («مسنده)) (١٤٧/١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١/
٣٩٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٨٩ و٧٢٥٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٣٣٢٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٨/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٤٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/٩) و((شعب الإيمان)) (٣٢٥/٧)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ))، قَالَ شُعْبَةُ: أَوْ قَالَ:
فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»).
((اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةْ
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه قبله، ولله الحمد والمنّة.

٤٦٧
(٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، قَالَ بَحْيَى:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ،
قَالَ: كَانُوا يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللهِ وَهِ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ
وَفِي حَدِيثٍ شَيْبَانَ بَدَلَ ((فَانْصُرْ)): فَاغْفِرْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)
وله بضع و(٩٠) سنة (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
و((أنس بن مالك څته)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى يحيى،
فنيسابوريّ.
وقوله: (كَانُوا يَرْتَجِزُونَ)؛ أي: يقولون شعراً من بحر الرجز، وفيه أن في
إنشاد الشعر تنشيطاً في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما
يستعملون في ذلك الرجز.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّاهُ بْنُ
سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ مُّحَمَّدٍ وَلِ كَانُوا يَقُولُونَ يَوْمَ
الْخَنْدَقِ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّداً عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَداً
أَوْ قَالَ: عَلَى الْجِهَادِ، شََكَ حَمَّدٌ، وَالنَّبِيُّ وَهِ يَقُولُ:
فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ»).
(«اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةْ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداميّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ
فاضلٌ، ربّما وَهِم [١٠] (َت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
و ((أنس ﴿﴿ه)) ذُكر قبله.
وقوله: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّداً) قوله: ((بايعوا)) صلة ((الذين))،
فباعتباره ذُكِر بصيغة الماضي للجمع الغائبين، ولو كان باعتبار لفظ ((نحن))
لقيل: بايعنا، قاله في ((العمدة))(١) .
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قولهم: ((نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما
بقينا أبداً)): تذكير منهم لأنفسهم بعهد البيعة، وتجديد منهم لها، وإخبار منهم
له بالوفاء بمقتضاها، ولمّا سمع و 18 منهم ذلك أجابهم ببشارة: ((لا عيش إلا
عيش الآخرة))، وبدعاء: ((فاغفر للأنصار والمهاجرة))، و((المهاجرة)) أجراها
صفة مؤنثة، على موصوف محذوف، فكأنه قال: للجماعة المهاجرة، الرواية:
((والمهاجرة)) بألف بعد الواو، وقبل اللام، وهو غير موزون؛ لأنه سجع، ولا
(١) ((عمدة القاري)) ١٧/ ١٧٨.

٤٦٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا
يُشترط فيه الوزن، ولو اشتُرط فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى
لُ﴾ [يس: ٦٩]، ولو قال: وللمهاجرة - بلامين - لاتَّزن، إذا نقل حركة
((الأنصار)) إلى الساكن. انتهى كلام القرطبيّ كَذّفُهُ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٣) - (بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا)
قوله: ((ذِي قَرَد)) - بفتح القاف والراء، وحُكِي الضمّ فيهما، وحُكِي ضم
أوله، وفتح ثانيه -، قال الحازميّ: الأول ضَبْط أصحاب الحديث، والضم عن
أهل اللغة، وقال البلاذريّ: الصواب الأول، وهو ماءٌ على نحو بَرِيد مما يلي
بلاد غَطَفان، وقيل: على مسافة يوم (٢).
وقال البخاريّ تَخْذَلُ في ((صحيحه)): ((باب غزوة ذات القرد))، ((وهي
الغزوة التي أغاروا على لقاح النبيّ وَّر قبل خيبر بثلاث)).
قال في ((الفتح)): قوله: وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبيّ وَل
قبل خيبر بثلاث: كذا جزم به، ومُستنده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن
الأكوع، عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من
طريقه: ((قال: فرجعنا - أي: من الغزوة - إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة
إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر))، وأما ابن سعد، فقال: كانت غزوة ذي
قَرَد في ربيع الأول، سنة ستّ قبل الحديبية، وقيل: في جمادى الأولى، وعن
ابن إسحاق: في شعبان منها، فإنه قال: كانت بنو لحيان في شعبان سنة ستّ،
فلما رجع النبيّ و8َّ* إلى المدينة، فلم يُقِم بها إلا ليالي، حتى أغار عيينة بن
حصن على لقاحه.
قال القرطبيّ شارح مسلم في الكلام على حديث سلمة بن الأكوع: لا
(١) ((المفهم)) ٦٤٥/٣ - ٦٤٦.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).

٤٧٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
يَختلف أهل السِّير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في
حديث سلمة من وَهَم بعض الرواة، قال: ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن يقال: يَحْتَمِل
أن يكون النبيّ وَّ كان أغزى سريّة، فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل
فَتْحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه؛ يعني: حيث قال: ((خرجنا
إلى خيبر))، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبيّ وَّ أغزى إليها عبد الله بن
رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى.
قال الحافظ: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: ((حين
خرجنا إلى خيبر، مع رسول الله (َ (9)): فجعل عامر يرتجز بالقول، وفيه قول
النبيّ وَّ: ((مَن السائق؟))، وفيه مبارزة عليّ لمرحب، وقَتْل عامر، وغير ذلك،
مما وقع في غزوة خيبر، حين خرج إليها النبيّ ◌َّ، فعلى هذا ما في
((الصحيح)) من التاريخ لغزوة ذي قرد أصحّ مما ذكره أهل السِّير.
ويَحْتَمِل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح
وقعت مرتين: الأولى: التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية:
بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن
عيينة، كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيّده أن الحاكم ذكر في ((الإكليل)) أن
الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأُولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد،
وفي الثانية خرج إليها النبيّ 18َّ في ربيع الآخر، سنة خمس، والثالثة هذه
المختلَف فيها. انتهى، فإذا ثبت هذا قَوِي هذا الجمع الذي ذكرته. انتهى كلام
الحافظ تَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٨] (١٨٠٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَائِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ
إِسْمَاعِيلَ - عَنْ بَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَْوَعِ يَقُولُ:
خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ وَ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ، قَالَ:
فَلَقِيَنِي غُلاَمٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقُلْتُ:
(١) ((الفتح)) ٢٨٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).

٤٧١
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٨)
مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: فَطَفَانُ، قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ، قَالَ:
فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي، حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي
قَرَدٍ (١)، وَقَدْ أَخَذُوا يَشَّقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي، وَكُنْتُ رَامِياً،
وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَأَرْتَجِزُ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ
مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ وَّةِ، وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا
نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ، فَقَالَ:
(يَا ابْنَ الأَْوَعِ مَلَكْتَ، فَأَسْجِخْ))، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا، وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى
نَاقَتِهِ، حَتَّى دَخَلَّنَا الْمَدِينَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي، ومن لطائفه أنه من رباعيّات
المصنّف نَخْذَثُهُ، وهو (٣٢٣) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بن الأكوع، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ
سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ) تقدّم أنه سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه، (يَقُولُ:
خَرَجْتُ)، وفي رواية للبخاريّ: ((خرجت من المدينة ذاهباً نحو الغابة))، (قَبْلَ
أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى)؛ يعني: صلاة الصبح، (وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ نََّ) ((اللقاح))
- بكسر اللام، وتخفيف القاف، ثم حاء مهملة -: ذوات الدَّرّ من الإبل،
واحدها لِقْحَةٌ، بالكسر، وبالفتح أيضاً، واللَّقُوحِ الْحَلُوب(٢).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: ((اللقاح)) بالكسر، والفتح: اسمٌ، واللِّقْحة بالكسر:
الناقة ذات لبن، والفتح لغة، والجمع: لِفَحٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، أو مثلُ قَصْعَةٍ
وقِصَعِ، واللَّقُوحِ بفتح اللام، مثلُ اللَّقْحَة، والجمع لِقَاحٌ، مثلُ قَلُوصٍ وقِلَاصٍ،
وقالَ ثعلبٌ: اللِّقَاحِ: جمع لِقْحة، وإن شئتَ لَقُوحٌ، وهي التي نُتِجَت، فهي
(١) وفي بعض النسخ: ((أدركتهم، وقد أخذوا)).
(٢) ((الفتح)) ٢٩٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
لَقُوحٌ شَهْرين، أو ثلاثة، ثم هي لَبُون بعد ذلك. انتهى(١).
وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لِقحة، قال: وكان فيهم ابن أبي ذَرّ،
وامرأته، فأغار المشركون عليهم، فقتلوا الرجل، وأسروا المرأة(٢).
(تَرْعَى) بفتح أوله، مبنيّاً للفاعل: مضارع رَعَت الماشيةُ رَغْياً، فهي
راعيةٌ: إذا سَرَحَتْ بنفسها، ورعيتُها أرعاها، يُستَعْمَل لازماً ومتعدّياً، والفاعل
راعٍ، والجمع رُعاةٌ بالضمّ، مثلُ قاضٍ وقُضاةٍ، وقيل أيضاً: رِعَاءٌ بالكسر
والّمدّ، ورُعيانٌ، مثلُ رُغْفانٍ، وقيل للحاكم، والأمير: راع؛ لقيامه بتدبير
الناس، وسياستهم، والناس رعيّةٌ، والرِّعْيُّ وزانُ حِمْلٍ، والْمَرْعَى معنّى، وهو
ما ترعاه الدواب، والجمع: المراعي(٣) .
(بِذِي قَرَدٍ) تقدّم أن الصواب في ضبطه فتح القاف والراء. (قَالَ)
سلمة ◌ُ (فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ظُه، قال الحافظ: لم أقف
على اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون هو رَبَاحاً غلام رسول الله بَطير، كما في رواية
مسلم، وكأنه كان مُلك أحدهما، وكان يَخْدُم الآخر، فنُسِب تارة إلى هذا،
وتارة إلى هذا. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ويَحْتَمل أن يكون رباحاً ... إلخ)) فيه
نظر؛ لأنه سيأتي أن عبد الرحمن بن عيينة أغار على ظهر رسول الله وَيهِ،
فاستاقه، وقتل راعيه، فقال سلمة: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس، وأبلغه
طلحة ... إلخ، فهذا نصّ بأن ذلك الغلام غير رباح، فتنبّه، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(فَقَالَ: أُخِذَتْ) بالبناء للمفعول، (لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ وَ لَهِ، فَقُلْتُ: مَنْ
أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ) - بفتح الغين المعجمة، والطاء المشالة المهملة، والفاء -
وسيأتي بيان نَسَبهم في ((غزوة ذات الرقاع)) بعد أربعة أبواب - إن شاء الله
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٥٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١.
(٤) ((الفتح)) ٩/ ٢٩٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).

٤٧٣
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٨)
تعالى - وفي رواية للبخاريّ: ((غَطَفَانُ، وفَزَارة))، وهو من الخاصّ بعد العامّ؛
لأن فزارة من غطفان.
ويأتي للمصنّف في الحديث التالي، من رواية إياس بن سلمة، عن أبيه:
((قَدِمنا الحديبية، ثم قَدِمنا المدينة، فبعث رسول الله وَّ هِ بظهره، مع رَبَاح
غلامه، وأنا معه، وخرجت بفرس لطلحة أُنَدِّيه، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن
الْفَزَاريّ».
ولأحمد، وابن سعد من هذا الوجه: ((عبد الرحمن بن عيينة بن حِصْن
الفزاريّ، وقد أغار على ظهر رسول الله وَّ، فاستاقه أجمع، وقَتَل راعيه،
قال: فقلت: يا رَبَاح خذ هذا الفرس، وأبلغه طلحة، وأبلِغْ رسول الله وَلـ
الخبر)) .
وللطبرانيّ من وجه آخر، عن سلمة: ((خرجت بقوسي، ونَبْلي، وكنت
أرمي الصيد، فإذا عُيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول الله وَلآ،
فاستاقها)).
ولا منافاة، فإن كُلّ من عيينة، وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم.
وذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق أن مَسعدة الفزاريّ كان أيضاً رئيساً
في فزارة في هذه الغزاة. انتهى(١).
(قَالَ) سلمة رَظُهُ: (فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ) وفي رواية المستملي:
((بثلاث صرخات)) بزيادة الموحّدة، وهي للاستغاثة. (يَا صَبَاحَاهْ) هي كلمة تقال
عند استنفار من كان غافلاً عن عدوّه.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يا صباحاه)): هو منادى مستغاثٌ، والألف
للاستغاثة، والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثةً بهم في وقت الصباح،
وقال ابن الْمُنَيِّر: الهاء للندبة، وربما سقطت في الوصل، وقد ثبتت في
الرواية، فيوقف عليها بالسكون، وكانت عادتهم يُغيرون في وقت الصباح،
فكأنه قال: تأهبوا لِمَا دَهَمَكُم صباحاً. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٩٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).
(٢) ((الفتح)) ١٦٤/٦.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال في ((العمدة)): قوله: ((يا صباحاه))؛ يعني: أَغير عليكم في الصباح،
أو: قد أصبحتم، فخذوا حِذْرَكم.
وقال القرطبيّ: معناه: الإعلام بهذا الأمر المهمّ الذي دَهَمَهم في
الصباح، قيل: لأنهم كانوا يُغيرون وقت الصباح، وكأنه قيل: جاء وقت
الصباح، فتأهبوا للقاء، فإن الأعداء يتراجعون عن القتال في الليل، فإذا جاء
النهار عاودوه، والهاء فيه للندبة، تَسقُط في الوصل، والرواية إثباتها، فتقف
على الهاء، وهو مُنَادَى مستغاثٌ، والألف فيه للاستغاثة، وقيل: الهاء فيه
للسكت؛ كأنه نادى الناس استغاثةً بهم في وقت الصباح؛ أي: وقت الغارة،
والحاصل أنها كلمة يقولها المستغيث. انتهى(١).
(قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ) تثنية لابة، وهي الْحَرّة، وهي
الأرض ذات الحجارة السُّود، والمدينة واقعة بين حرّتين عظيمتين، وأراد بذلك
أنه أسمع بصرخاته جميع أهل المدينة، كما يريد جميعَ القرآن من يقول:
حفظت ما بين دَفّتي المصحف.
وفيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدّاً، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من
خوارق العادات، وسيأتي في رواية إياس بن سلمة التالية: ((ثم قُمت على
أَكَمَةً، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثاً: يا صباحاه))، وللطبرانيّ: ((فصَعِدت في
سَلْع، ثم صِحْتُ: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبيّ ◌ِّ، فنُودي في
الناس: الفزعَ الفزعَ»، وهو عند ابن إسحاق بمعناه.
(ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي)؛ أي: لم ألتفت يميناً ولا شمالاً، بل أسرعت
الجري، وكان شديد العَدْو كما سيأتي بيانه في الحديث التالي. (حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ)
وفي رواية للبخاريّ: ((حتى ألقاهم، وقد أخذوها))؛ يعني: اللقاح، وذَكَره بهذه
الصيغة مبالغةً في استحضار الحال.
(بِذِي قَرَدٍ) تقدّم أنه اسم موضع قرب المدينة (وَقَدْ أَخَذُوا)، وفي بعض
النسخ: ((حتى أدركتهم، وقد أخذوا بذي قَرَد))، (يَسْقُونَ) بفتح أوله، وضمّه،
يقال: سقاه، وأسقاه، ثلاثيّاً، ورُباعيّاً؛ أي: يسقون أنفسهم، ودوابّهم (مِنَ
(١) ((عمدة القاري)) ١٤/ ٢٨٥.

٤٧٥
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٨)
الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ)، وللبخاريّ: ((فأقبلت أرميهم))؛ أي: أقبلت عليهم،
أرميهم، (بِنَبْلِي) بفتح، فسكون: هي السهام العربيّة، وهي مؤنّئةٌ، ولا واحد
لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى(١).
(وَكُنْتُ رَامِياً)؛ أي: مُجيداً للرمي، وحاذقاً فيه، (وَأَقُولُ) جملة حاليّة من
((أرميهم))، (أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع) - بضم الراء، وتشديد الضاد
المعجمة -: جمع راضع، وهو اللئيم، فمعناه: اليومُ يوم اللئام؛ أي: اليوم يوم
هلاك اللئام، والأصل فيه أن شخصاً كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب
ناقته، ارتضع من ثديها؛ لئلا يَحْلُبها، فيسمعَ جيرانه، أو مَن يَمُرّ به صوتَ
الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل: بل صنع ذلك؛ لئلا يتبدد من اللبن شيء،
إذا حلب في الإناء، أو يبقى في الإناء شيء، إذا شربه منه، فقالوا في المثل:
((ألأم من راضع))، وقيل: بل معنى المَثَل: ارتضع اللؤمَ من بطن أمه، وقيل:
كلُّ من كان يوصف باللؤم يوصف بالمصّ، والرَّضاع، وقيل: المراد من يَمُصّ
طرف الخلال، إذا خَلَّلَ أسنانه، وهو دال على شدّة الحرص، وقيل: هو
الراعي الذي لا يَستصحب مِحْلَباً، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا مِحْلَب معه،
وإذا أراد أن يشرب ارتضع ثديها .
وقال أبو عمرو الشيبانيّ: هو الذي يرتضع الشاة، أو الناقة عند إرادة
الحلب، من شدة الشرَهِ، وقيل: أصله الشاة تَرضع لبن شاتين من شدّة الجوع،
وقيل: معناه: اليومُ يُعرَف من ارتضع كريمةً، فأنجبته، ولئيمةً فَهَجَّنته، وقيل:
معناه: اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتَدَرّب بها من غيره.
وقال الداوديّ: معناه: هذا يومٌ شديدٌ عليكم، تفارِق فيه المرضعة من
أرضعته، فلا تجد من ترضعه.
وقال السهيليّ: قوله: ((اليومُ يومُ الرُّضَّع)) يجوز الرفع فيهما، ونَصْب
الأول، ورَفْع الثاني على جعل الأول ظرفاً، قال: وهو جائز إذا كان الظرف
واسعاً، ولا يضيق على الثاني، قال: وقال أهل اللغة: يقال في اللؤم: رَضَع
۔ بالفتح ۔ یرضُع ۔ بالضم - رضاعةً، لا غیر، ورَضِعَ الصبيّ - بالكسر - ثدي
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩١/٢.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أمه، يَرْضَع - بالفتح - رَضَاعاً، مثلُ سَمِع يَسْمَع سماعاً. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: رَضِعَ الصبيُّ رَضَعاً، من باب تَعِبَ في لغة نجد،
وَرَضَعَ رَضْعاً، من باب ضَرَبَ لغةٌ لأهل تهامة، وأهلُ مكة يتكلّمون بها،
وبعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة كسر الضاد، وإنما السكون
تخفيفٌ، مثلُ الْحَلِفِ، والْحَلْفِ، وَرَضَعَ يَرْضَعُ - بفتحتين - لغة ثالثةٌ. انتهى (٢).
وفي رواية إياس الآتية: ((فأقبلت أرميهم بالنبل، وأرتجز))، وفيه: ((فألحق
رجلاً منهم، فأَصُكّه بسهم في رجله، فخَلَص السهم إلى كعبه، فما زلت
أرميهم، وأعقرهم، فإذا رجع إليّ فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في
أصلها، ثم رميته، فعقرت به، فإذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، عَلَوت
الجبل، فرميتهم بالحجارة)).
وعند ابن إسحاق: ((وكان سلمة مثل الأسد، فإذا حَمَلت عليه الخيل فَرَّ،
ثم عارَضَهم، فنضحها عنه بالنَّبْل)).
(فَأَرْتَجِزُ)؛ أي: أقول شعراً من بحر الرجز، وتقدّم أنه مستفعلن ستّ
مرّات. (حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ)؛ أي: خَلَّصتُ، قال المجد تَدْتُ: النَّقْذُ: التخليصُ،
والتنحيةُ؛ كالإنقاذ، والتنقيذ، والاستنقاذ، والتنقّذ. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ: أنقذته من الشرّ: إذا خلّصته منه، فَنَقِذَ نَقَذاً، من باب
تَعِبَ: تخلّص منه، والنَّقَذُّ بفتحتين: ما أنقذته. انتهى(٤).
وكتب الطرابلسيّ في هامش النسخة التركيّة: أن استنقذ استفعل بمعنى
المجرّد؛ أي: أنقذت، وكذا قوله: ((استلبتُ)). انتهى.
(اللِّقَاحَ) بالنصب على المفعوليّة، (مِنْهُمْ)؛ أي: من المشركين الذين
استلبوها، (وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ)؛ أي: أَخَذَ من هؤلاء المشركين، يقال: سلبته،
واستلبته: إذا أخذته. (ثَلَاثِينَ بُرْدَةً) منصوب على التمييز، قال المجد نَّتُهُ:
الْبُرْدُ بالضمّ: ثوبٌ مخطّطٌ، جمعه أبرادٌ، وأبرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسيةٌ يُلْتَحَفُ بها،
(١) ((الفتح)) ٢٩١/٩ - ٢٩٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٩/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٢٠.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٣٠٨.

٤٧٧
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٨)
الواحدة بِهاء. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: الْبُرْدُ: معروفٌ، وجمعه أبراد، وبُرُودٌ، ويضاف
للتخصيص، فيقال: بُرْدُ عَصَبٍ، ويُرْدُ وَشْي، والْبُرْدة: كساء صغيرٌ، مربّعٌ،
ويقال: كساءٌ أسود صغير. انتهى(٢).
وفي رواية إياس الآتية: ((فما زلت كذلك أتبعهم، حتى ما خلق الله من
بعير، من ظهر رسول الله وَل﴾ إلا خلّفته وراء ظهري، وخلّوا بيني وبينه، ثم
اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحاً، يستخفّون)).
(قَالَ) سلمة رَظُهُ: (وَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَالنَّاسُ)؛ أي: الصحابة ﴿ه، وفي
رواية إياس التالية: ((وأتاني عمّي عامر بن الأكوع بسطيحة، فيها ماء، وسطيحة
فيها لبن، فتوضأت، وشربت، ثم أتيت النبيّ وَلّ، وهو على الماء الذي
أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء استنقذته منهم، ونَحَر له بلال ناقته)).
(فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ)؛ أي: منعتهم من الشرب
منه، يقال: حَمَيتُ المكانَ من الناس حَمْياً، من باب رَمَى، وحِمْيَةً بالكسر: إذا
منعته منهم، والْحِمَايَةُ اسم منه(٣).
(وَهُمْ عِطَاشٌ) بالكسر: جمع عَظْشَانَ، يقال: عَطِشَ عَطَشاً، من باب
فَرِحَ، فهو عَطِشُ، وعَظْشَانُ، وامرأةٌ عَطِشَةٌ، وعَظْشَى، ويُجمعان على عِطَاشٍ
بالكسر، ومكانٌ عَطِئٌ ليس به ماء، وقيل: قليل الماء، قاله الفيّوميّ(٤).
(فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ)؛ أي: لاستئصالهم جميعاً، وفي رواية إياس:
((فقلت: يا رسول الله، خَلُّني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتّبِعْهم، فلا يبقى
منهم مُخْبِرٌ إلا قتلته، قال: فضَحِك رسول الله و 8* حتى بدت نواجذه في ضوء
النار))، وعند ابن إسحاق: ((فقلت: يا رسول الله لو سَرَّحتني في مائة رجل،
لأخذت بأعناق القوم)). (فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الأَْوَعِ مَلَكْتَ، فَأَسْجِحْ))) - بهمزة قطع،
وسين مهملة ساكنة، وجيم مكسورة، بعدها مهملة -؛ أي: سَهِّل، والمعنى:
(١) ((القاموس المحيط)» ص٩٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٥٣/١.
(٢) ((المصباح المنير) ٤٣/١.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٤١٦/٢.

٤٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قَدَرت فاعفُ، والسَّجَاحة: السهولة، والمعنى: قَدَرت على أعدائك، فاعف
عنهم، وارفق بهم.
وهذه الكلمة صارت مثلاً للتحريض على العفو عند المقدرة، تمثّلت بها
عائشة رضيّا لعليّ بن أبي طالب رَؤُه يوم الجمل، حين ظهر على الناس، فدنا
من هودجها، ثم كلّمها بكلام فأجابته: ((ملكتَ، فأسجِحْ))؛ أي: ظَفِرت،
فأحسِنْ، فجهّزها عند ذلك بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأةً، وقيل:
سبعين، حتى قَدِمت المدينة(١) .
زاد في رواية للبخاريّ: ((إن القوم لَيُقْرَوْنَ في قومهم))، وفي رواية: ((من
قومهم)) .
وفي رواية إياس التالية: ((إنهم الآن لَيُقْرَون في أرض غَطَفان))، و((يُقْرَون))
- بضم أوله، وسكون القاف، وفتح الراء، وسكون الواو - من الْقِرَى، وهي
الضيافة .
ولابن إسحاق: فقال: ((إنهم الآن لَيُغْبَقُون في غطفان))، وهو بالغين
المعجمة الساكنة، والموحدة المفتوحة، والقاف، من الْغَبُوق: وهو شُرْب أول
الليل، والمراد: أنهم فاتوا، وأنهم وصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم
الآن يذبحون لهم، ويُطعمونھم.
وفي رواية إياس: ((قال: فجاء رجل من غطفان، فقال: نَحَر لهم فلان
جَزوراً، فلمّا كَشفوا جِلْدها، رأوا غباراً، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا
هاربین)) .
(قَالَ) سلمة رَُّه: (ثُمَّ رَجَعْنَا)؛ أي: إلى المدينة، (وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللهِ وَلمه
عَلَى نَاقَتِهِ)، وفي رواية إياس: ((ثم أردفني رسول الله وَّر وراءه على العضباء))،
وفيه تشجيع لسلمة به، ومكافأة لِمَا فعل في الأعداء ظُه. (حَتَّى دَخَلْنَا
الْمَدِينَةَ)، وفي رواية إياس: ((فقال رسول الله وَّى: خير فرساننا اليوم أبو قتادة،
وخير رَجّالتنا اليوم سلمة، قال سلمة: ثم أعطاني سهم الراجل والفارس
(١) راجع: كتاب ((الأمثال)) لأبي عُبيدة ص١٥٤ رقم (٤٣٩)، و((المستقصى))
للزمخشريّ ٣٤٨/٢، و((مجمع الأمثال)) للميدانيّ ٢٨٣/٢.

٤٧٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٨)
جميعاً))، ورَوَى الحاكم في ((الإكليل))، والبيهقيّ من طريق عكرمة بن قتادة بن
عبد الله بن عكرمة بن عبد الله بن أبي قتادة، حدّثني أبي، عن أبيه، عن
عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة اشترى فرسه، فلقيه مَسعدة الفزاريّ،
فتقاولا، فقال أبو قتادة: أسأل الله أن يُلْقِنيك وأنا عليها، قال: آمين، قال:
فبينما هو يَعْلِفها؛ إذ قيل: أُخذت اللقاح، فركبها حتى هَجَم على العسكر،
قال: فطلع على فارس، فقال: لقد ألقانيك الله يا أبا قتادة، فَذَكر مصارعته له،
وظَفَرَه به، وقَتْله، وهَزْمَ المشركين، ثم لم يَنْشَب المسلمون، أن طلع عليهم أبو
قتادة يَحُوش اللقاح، فقال النبيّ وَلاير: ((أبو قتادة سيد الفرسان))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٦٨/٤٣] (١٨٠٦)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٣٠٤١) و((المغازي)) (٤١٩٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٨١/٣)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٠/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٨/٤)، و(النسائيّ) في
((عمل اليوم والليلة)) (٩٧٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٢٨٤)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٤٥٢٩ و٧١٢٩)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٣٠٣/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى) (٢٣٦/١٠) و((دلائل النبوة)) (١٨٠/٤ - ١٨٢)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز الصُّرَاخ بـ((ياصباحاه))؛ للإنذار بالعدوّ، ونحوه.
٢ - (ومنها): جواز الْعَدْو الشديد في الغزو، والإنذار بالصياح العالي.
٣ - (ومنها): جواز تعريف الإنسان نفسه، إذا كان شُجاعاً؛ لِيُرعِب
خصمه .
٤ - (ومنها): جواز إنشاد الرجز، والْحُداء؛ للتنشيط، وإفزاع الأعداء،
وإدخال الرعب في قلوبهم.
٠

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٥ - (ومنها): استحباب العفو عند المقدرة، فقد قال صل المسلمة
((ملکت، فأسجح)).
٦ - (ومنها): جواز الإرداف خلفه على الدابّة، إذا كانت تُطيق ذلك،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٦٩] (١٨٠٧) - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ
الْقَاسِمِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أبو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ
عِكْرِمَةً بْنِ عَمَّارٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ -
أَخْبَرَنَا أبو عَلِيِّ الْحَتَفِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ
عَمَّارٍ - حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً، لَا تُرْوِيهَا، قَالَ:
فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَصَقَ(١) فِيهَا، قَالَ:
فَجَاشَتْ، فَسَقَيْنَا، وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهَِ﴿ِ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ، فِي أَصْلِ
الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ، وَبَابَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ
النَّاسِ، قَالَ: ((بَايِعْ يَا سَلَمَةُ))، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ
النَّاسِ، قَالَ: ((وَأَيْضاً)، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللهِ وَهِ عَزِلاً - يَعْنِي: لَيْسَ مَعَهُ
سِلَاحُ - قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَجَفَةً - أَوْ دَرَقَةً - ثُمَّ بَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ
فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ))، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ
فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ: ((وَأَيْضاً))، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ
لِي: ((يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ - أَوْ دَرَقَتُكَ - الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلاً، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِ،
وَقَالَ: (إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِي حَبِيباً، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي)). ثُمَّ
إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ(٢)، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ، وَاصْطَلَحْنَا، قَالَ:
٠
(١) وفي نسخة: ((وإما بسق)).
(٢) وفي نسخة: ((بالصلح)).