Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩) (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ))) قال النوويّ نَّتُهُ: ضبطنا هذه اللفظة هنا في مسلم بوجهين، وذكرهما القاضي أيضاً. الصحيح المشهور الذي عليه جماهير رواه البخاريّ ومسلم: ((مَشَى بها)) بفتح الميم، وبعد الشين ياء، وهو فعل ماض من المشي، وبها جار ومجرور، ومعناه: مشى بالأرض، أو في الحرب. والثاني: مُشابهاً بضم الميم، وتنوين الهاء، من المشابهة؛ أي: مُشابهاً لصفات الكمال في القتال، أو غيره مثلَه، ويكون مشابهاً منصوباً بفعل محذوف؛ أي: رأيته مشابهاً، ومعناه: قَلَّ عربيّ يشبهه في جميع صفات الكمال. وضبطه بعض رواة البخاريّ: ((نشأ بها)) بالنون والهمز؛ أي: شَبَّ، وكَبِرَ، وهاء عائدة إلى الحرب، أو الأرض، أو بلاد العرب، قال القاضي: هذه أوجه الروايات. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((قَلَّ عربيٍّ مَشَى بها مثلُهُ)) كذا في هذه الرواية بالميم، والقصر، من المشي، والضمير للأرض، أو المدينة، أو الحرب، أو الخصلة . قال: ورواه قتيبة بلفظ: ((نشأ)) بنون، وهمزة، وحَكَى السهيليّ أنه وقع في رواية: ((مُشابِهاً)) بضم الميم اسم فاعل من الشبه؛ أي: ليس له مشابهٌ في صفات الكمال في القتال، وهو منصوب بفعل محذوف، تقديره: رأيته مشابهاً، أو على الحال من قوله: ((عربيّ))، قال السهيليّ: والحال من النكرة يجوز إذا كان في تصحيح معنى، وقال السهيليّ أيضاً: ورُوِيَ: ((قَلَ عربيّاً نشأ بها مثلُهُ)» والفاعل ((مثلُهُ))، وعربيّاً منصوب على التمييز؛ لأن في الكلام معنى المدح، على حَدِّ قولهم: ((عَظُم زيدٌ رجلاً، وقَلَّ زيدٌ أدباً)). انتهى (٢). وقوله: (وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد شيخه الأول (مُحَمَّداً)؛ أي: ابن عبّاد شيخه الثاني الذي ساق متن الحديث بلفظه كما صرّح به في أول الإسناد، (فِي (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٢. (٢) ((الفتح)) ٢٩٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦). ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الْحَدِيثِ)، وفي بعض النسخ: ((من الحديث))، والأولى أوضح. (فِي حَرْفَيْنِ) أحدهما قوله: ((شَاحِباً))، بدل ((ساكتاً)) في قوله: ((رآني رسول الله وَّه ساكتاً))، والثاني قوله: ((نشأ بها)) بدل قوله: ((مشى بها))، وإلى الثاني أشار البخاريّ بعد أن أخرجه عن عبد الله بن مسلمة، عن حاتم بن إسماعيل: بقوله: ((حدّثنا قُتيبة، حدّثنا حاتم، قال: نشأ بها)). انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكرته من أن المراد بالحرفين اللذين خالف فيهما قتيبةُ محمد بن عبّاد الكلمتان المذكورتان هو الأولى من حمل بعضهم الحرفين على زيادة الياء والنون في قوله: ((وألْقِيَن)) الآتي بعده، وإطلاق الحرف على مطلق الكلمة سائغ في الاستعمال، فتنبّه. [تنبيه]: رواية قتيبة التي أشار إليها المصنّف أخرجها البخاريّ في (الأدب)) من «صحیحه))، فقال: (٦١٤٨) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع رسول الله وَّر إلى خيبر، فَسِرْنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيهاتك؟ قال: وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم، يقول: وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءَ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فقال رسول الله صلى: ((من هذا السائق؟)) قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: ((يرحمه الله))، فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو أمتعتنا به، قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم، حتى أصابتنا مَخْمَصةٌ شديدٌ، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس اليوم الذي فُتِحت عليهم، أوقدوا نيراناً كثيرةً، فقال رسول الله صلى: ((ما هذه النيران؟ على أيّ شيء توقدون؟)) قالوا: على لحم، قال: ((على أيّ لحم؟)) قالوا: على لحم حُمُرٍ إنسيّةٍ، فقال رسول الله وَله: ((أهرقوها، واكسروها))، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها، ونغسلها؟ قال: ((أو ذاك))، فلما تصافّ القوم، كان سيف عامر فيه قِصَرٌ، فتناول به يهوديّاً ٤٤٣ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩) ليضربه، ويرجعُ ذُباب سيفه، فأصاب ركبة عامر، فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله وَ﴿ شَاحِباً، فقال لي: ((ما لك؟)) فقلت: فِدَى لك أبي وأمي، زعموا أن عامراً حَبِطَ عمله، قال: ((من قاله؟)) قلت: قاله فلان، وفلان، وفلان، وأُسيد بن الْحُضير الأنصاريّ، فقال رسول الله وَله: ((كَذَب من قاله، إن له لأجرين)) - وجَمَع بين إصبعيه - ((إنه لجاهدٌ، مجاهدٌ، فَلَّ عربيّ نشأ بها مثلُهُ)). انتهى(١) . وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ)؛ أي: محمد بن عبّاد شيخه الثاني، (وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا) لكنه غير موافق للوزن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع (المسألة الثانية): في تخريجه: ◌َُّهُ هذا مُتّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٥٩/٤١ و٤٦٦٠] (١٨٠٢)، وسيأتي في ((كتاب الصيد والذبائح)) بعد الحديث رقم (١٩٣٩)، و(البخاريّ) في ((المظالم)) (٢٤٧٧) و((المغازي)) (٤١٩٦) و((الذبائح والصيد)) (٥٤٩٧) و((الأدب)) (٦١٤٨) و((الدعوات)) (٦٣٣١) و((الديات)) (٦٨٩١)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢١٧٦)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٣١٥١)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٣١٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٧/٤ و٤٨ و٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده) (٣١٤/٤ و٣٥٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٢/٧) و((الأوسط)) (٧٨/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٦/٤)، و(ابن حزم) في ((المحلّى)) (١٠٨/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إنشاء الأراجيز وغيرها من الشِّعر، وسماعها، ما لم يكن فيه كلام مذموم، ففي حديث عائشة ﴿يا قالت: ((سُئل رسول الله وَله (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٧٧/٥. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير عن الشعر، فقال: ((هو كلامٌ، فحسنه حسنٌ، وقبيحه قبيح))(١). ٢ - (ومنها): استحباب الْحُداء في الأسفار؛ لتنشيط النفوس، والدوابّ على قطع الطريق، وإشغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير. ٣ - (ومنها): بيان حكم من قاتل في سبيل الله، ثم ارتدّ عليه سيفه، فقتله، وهو أنه لا ينقص ذلك من أجره شيئاً، بل له أجره كاملاً. ٤ - (ومنها): بيان فضل عامر بن الأكوع ﴿ه، حيث شَهِد له رسول الله وَ له بأنه مات جاهداً مُجاهداً ﴿لله. ٥ - (ومنها): الإنكار على من أخطأ رأيه الصواب، والردّ عليه بالتكذيب، بمعنى التخطئة. ٦ - (ومنها): جواز استعمال الإشارة توضيحاً للمقصود، فقد أشار وعقله بإصبعيه إلى مضاعفة أجر عامر بّه . ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: هذا الحديث يدلّ على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقد سبق بيان هذا الحديث، وشرحه مع بيان هذه المسألة في ((كتاب النكاح))، ومختصرُ الأمر بإراقته أن السبب الصحيح فيه أنه أمر بإراقتها؛ لأنها نجسة محرّمة، والثاني: أنه نهى للحاجة إليها، والثالث: لأنهم أخذوها قبل القسمة، وهذان التأويلان هما لأصحاب مالك، القائلين بإباحة لحومها، والصواب ما قدمناه. انتهى (٢). ٨ - (ومنها): وجوب غسل الإناء الذي طُبخت به النجاسة، قال ابن الجوزيّ كَّلُ: أراد النبيّ وَّر التغليظَ عليهم في طبخهم ما نُهِي عن أكله، فلما رأى إذعانهم اقتَصَر على غسل الأواني، وفيه ردٌّ على من زَعَم أن دِنَان الخمر لا سبيل إلى تطهيرها؛ لِمَا يداخلها من الخمر، فإن الذي داخل القدور من (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ٢٠٠/٨، والدارقطنيّ في ((سننه)) ١٥٥/٤ - ١٥٦، والبيهقيّ في ((الكبرى)) ٢٣٩/١٠، وذكره الهيثميّ في ((مجمع الزوائد))، وعزاه لأبي يعلى، وقال: فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثّقه جماعة، وضعّفه ابن معين، وغيره، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، وحسّنه الشيخ الألبانيّ. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٢. ٤٤٥ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٦٠) الماء الذي طُبخت به الخمر يُطَهِّرِه، وقد أَذِنَ ﴿ في غسلها، فدَلّ على إمكان تطهيرها. انتهى(١). ٩ - (ومنها): بركة دعاء النبيّ وَطّور حيث قال لعامر بن الأكوع (يرحمه الله))، فاستُشهد بذلك. ◌َىالّه من اعتقادهم في النبيّ ١٠ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة واستيقانهم أن الله رَك يستجيب دعاءه، فإنهم لَمّا سمعوا منه قوله: ((يرحمه الله)) قالوا: لولا أمتعتنا به؛ لِعِلْمهم أن دعاءه مستجاب، وأنه سيُستشهد في تلك الغزوة، فتمنّوا عدم دعائه له بذلك حتى يعيش معهم، ويقاتل الأعداء في المعارك القادمة، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أبو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنٍ وَهْبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالاً شَدِيداً، مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ، وَشَكَّوا فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللهِوَهِ مِنْ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اثْذَنْ لِي أَنْ أَرْجُزَ لَكَ(٢)، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اِعْلَمْ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((صَدَقْتَ)). وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنَّ سَكِينَةً عَلَيْئًا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْئًا قَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((مَنْ قَالَ هَذَا؟))، قُلْتُ: قَالَهُ (١) راجع: ((الفتح)) ٢٩٩/٦ - ٣٠٠، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٧٧). (٢) وفي نسخة: «ائذن لي أرجُز لك)). ٤٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ الهِ وَهِ: ((يَرْحَمُهُ اللهُ))، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نَاساً (١) لَيَهَابُونَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَاتَ جَاهِدً، مُجَاهِداً))، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنَاً لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ - حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاساً يَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ -: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِداً، مُجَاهِداً، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ))، وَأَشَارَ پِإِصْبَعَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] مات في خلافة هشام بن عبد الملك (خ م د س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥٩/١٣. و ((سَلَمَةَ بْنَ الأَمْوَع» «زُبُ ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. وقوله: (وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ ... إلخ) قال النوويّ تَخْثُهُ: هكذا هو في جميع نسخ ((صحيح مسلم))، وهو صحيحٌ، وهذا من فضائل مسلم، ودقيق نظره، وحسن خِبْرته، وعظيم إتقانه، وسببُ هذا أن أبا داود، والنسائيّ، وغيرهما من الأئمة، رووا هذا الحديث بهذا الإسناد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله بن كعب بن مالك، عن سلمة، قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: الصواب: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، (١) وفي نسخة: ((والله إن ناساً)). ٤٤٧ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٦٠) وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث، وغيره، وهو راويه عن ابن وهب، قال الحفاظ: والوَهْم في هذا من ابن وهب، فجَعَل عبد الله بن كعب راوياً عن سلمة، وليس هو كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة، وإنما عبد الله والده، فذكر في نسبه؛ لأن له روايةً في هذا الحديث، فاحتاط مسلم ◌َُّهُ، فلم يذكر في روايته عبد الرحمن، وعبد الله، كما رواه ابن وهب، بل اقتصر على عبد الرحمن، ولم ينسبه؛ لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه، فقال: قال غير ابن وهب: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، فحَصَل تعريفه من غير إضافة للتعريف إلى ابن وهب، وحَذَف مسلم ذِكْر عبد الله من رواية ابن وهب، وهذا جائز، فقد اتَّفَقَ العلماء على أنه إذا كان الحديث عن رجلين، كان له حَذْف أحدهما، والاقتصار على الآخر، فأجازوا هذا الكلام، إذا لم يكن عُذْر، فإذا كان عُذْر بأن كان ذُكِر ذلك المحذوف غَلَطاً، كما في هذه الصورة، كان الجواز أَولى. انتهى كلام النوويّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: وقد نبّه النسائيّ أيضاً على هذا الغلط، فقال في ((الكبرى)): قال أبو عبد الرحمن: وهذا عندنا خطأٌ، والصواب: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن سلمة بن الأكوع، والله أعلم. انتهى (٢). وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ في ((التقييد)) بعد أن ذكر كلام مسلم المذكور هنا ما نصّه: قال أبو عليّ: كان ابن وهب يَهِمُ في إسناد هذا الحديث، فيقول: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وعبد الله ابنَيْ كعب، فغيّره مسلم، وأصلحه، ولذلك قال: نسبه غير ابن وهب، هكذا قال أحمد بن صالح وغيره عن ابن وهب. حدّثناه حَكَم بن محمد، قال: نا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا محمد بن زبان، قال: نا أبو الطاهر، قال أبو بكر: وحدّثنا عليّ بن أحمد علان، نا عَمْرو بن سَوَّاد، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله ابنا كعب، أن سلمة بن الأكوع قال: لَمّا كان يوم خيبر، وذكر تمام الخبر. (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٢ - ١٧٠. (٢) ((السنن الكبرى)) ١٣٦/٦. ٤٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال أبو الحسن الدارقطنيّ: خالف ابن وهب في هذا القاسم بن مبرور، رواه عن يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن سلمة بن الأكوع، قال: وهذا هو الصواب. قال أبو عليّ: وقد نبّه أبو داود في ((كتاب السنن)) على وَهْم ابن وهب في هذا الإسناد، وكذلك فعَلَ أبو عبد الرحمن النسائيّ، وذكر الصواب في ذلك. انتهى كلام الجيّانيّ ◌َُّ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. قوله: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) ((كان)» هنا تامّة، و ((يوم)» مرفوع على الفاعليّة؛ أي: جاء يومُ خيبر. وقوله: (قَاتَلَ أَخِي ... إلخ) تقدّم أنه عمه، قال الحافظ في ((الإصابة)): يمكن التوفيق بأن يكون أخاه من أمّه على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاعة. انتهى(٢). وقوله: (فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِنَّهِ فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن قتل عامر نفسه بنفسه. وقوله: (وَشَكّوا فِيهِ) بتشديد الكاف، والجملة معترضة بين القول ومقوله، ويَحْتَمِل أن تكون حاليّةً؛ أي: والحال أنهم شكّوا في صحّة شهادته. وقوله: (رَجُلُ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ) خبر لمحذوف؛ أي: هو رجل ... إلخ، و((في)) بمعنى الباء، ولفظ النسائيّ: ((مات بسلاحه))، والجملة في محلّ نصب مقول القول؛ أي: قالوا: هو رجلٌ مات بسبب ضربه نفسَهُ بسلاحه. وقوله: (وَشَكُّوا فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ) تأكيد لِمَا قبله. وقوله: (أَنْ أَرْجُزَ لَكَ) وفي بعض النسخ: ((ائذن لي أَرْجُزْ لك))، وللنسائيّ: ((أن أرتجز بك))، والمعنى: أُنشِد عندك شِعراً من بحر الرَّجَز؛ لتنشيط الجمال ونحوه، والرجز: نوع من البحور الشعريّة السّة عشر بحراً المعروفة في ((فنّ العَروض والقافية))، وأجزاؤه ((مستفعلن)) ستّ مرّات. (١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٨٨٠ - ٨٨٢. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٨٠/٥ - ٢٨١. ٤٤٩ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٦٠) وقوله: (فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فَأَذن لي رسول الله ◌َلته . وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ) أمرٌ من عِلِم يَعْلَم، فهمْزتُه وصل، والمعنى: تثبّت فيما تقوله عنه بَّه، فإنّه مما ينبغي التثبّت له، فإن قول الشعر أمام رسول الله وَليه ليس أمراً هيّناً، هذا هو الذي يظهر لي من معنى هذه العبارة. ونظير هذا ما تقدّم في ((كتاب الصلاة)) من قول عمر بن عبد العزيز العروة بن الزبير لَمّا قال له عروة: أمَا إن جبريل قد نزل، فصَلّى إمام رسول الله وَ﴿، فقال له عمر: ((اعْلَمْ ما تقول يا عروة ... إلخ))، فمعناه: تأكّد وتثبّت مما تُحدّث به، فإن هذا الأمر مهمّ. وذكر بعض الشرّاح(١) أن قوله: ((أَعْلَمُ)) بصيغة المضارع للمتكلّم، ومعناه: أعلم أنا ما تقول، وتُنشد يا سلمة إلى آخر ما قاله، وهذا عندي بعيد مما عُرف من سيرة عمر ظله أنه كان كثيراً ما يُنكر إنشاد الشعر أمامه وَلتر، وكذا في المساجد، فالصواب هنا حَمْله على الإنكار، لا على الإقرار. وقد ثبت إنكاره؛ لإنشاد الشعر في مواطن أخرى، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن عمر مَرّ بحسّان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فَلَحَظ إليه، فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله وَل﴾ يقول: ((أَجِبْ عني، اللهم أيّده بروح القدس))، قال: اللهمّ نعم. وأخرج النسائيّ وغيره، وصحّحه ابن خزيمة، عن أنس رُه قال: دخل النبيّ ◌َّ مكة في عمرة القضاء، وابنُ رواحة بين يديه يقول: الَيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ ضَرْباً يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيْلِهِ فقال عمر: يا ابن رواحة، أفي حرم الله، وبين يدي رسول الله وَعليه تقول هذا الشعر؟ فقال النبيّ وَّهُ: ((خَلِّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده، لكلامه (١) هو صاحب ((تكملة فتح الملهم))، وتبعه الشيخ الهرري. ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أشدّ عليهم من وقع النَّبْل)). انتهى(١). فبهذا يتبيّن أن الصواب في قول عمر هنا ((اعلم)) أنه بصيغة الأمر، وأن مراده الإنكار؛ لإنشاده الشعر أمامه والقهر، وأنه لا ينبغي أن يقوله؛ لأنه في نَظَره ليس من الأمور المستحسَنة التي تقال عند رسول الله وَلتر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: ((يَرْحَمُهُ الله)) دعاء من النبيّ وَّوَ لعامر بأن يرحمه الله تعالى؛ مكافأةً على إحسانه بهذا الرجز المتضمّن للمعاني السامية. وقوله: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نَاساً) وفي نسخة: ((والله إن ناساً)). وقوله: (لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ)؛ أي: ليخافون أن يترحّموا عليه، ويَدْعُوا له بالرحمة والمغفرة، أو هابوا أن يصلّوا عليه صلاة الجنازة يومٍ مات، فالمضارع بمعنى الماضي، وعلى الثاني ففيه دليل لمن يقول: يُصلَّى على الشهيد، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه من ((كتاب الجنائز))، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (يَقُولُونَ)؛ أي: في بيان سبب هيبتهم من الصلاة عليه. وقوله: (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ)؛ أي: فلا يستحقّ الصلاة عليه؛ لكونه قَتَل نَفْسَه بزعمهم. وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الراوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك في هذا السند. وقوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ ابْناً لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمِل أن يكون إياس بن سلمة، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. خـ (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٨٨/٢. (٢) ((تنبيه المعلم)) ص٣١٦. ٤٥١ (٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ وقوله: (وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ)؛ أي: تأكيداً لثبوت الأجر مرّتين، بموته جاهداً في طاعة الله تعالى، ومجاهداً أعداء الله في سبيل الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٢) - (بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ) ((الأحزاب)): جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزب الناس: اجتمعوا، والحزب من القرآن: جملة مجتمعة منه، ويوم الأحزاب عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق(١). قال العلّامة ابن القيّم كَظُّ: وكانت غزوة الأحزاب في سنة خمس من الهجرة في شوال، على أصح القولين؛ إذ لا خلاف أن أُحُداً كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله وَ﴿ في العام المقبل، وهو سنة أربع، ثم أخلفوه لأجل جَدْب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي. وخالفهم موسى بن عقبة، وقال: بل كانت سنة أربع، قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شكّ فيه، واحتَجَّ عليه بحديث ابن عمر . في ((الصحيحين)) أنه عُرِض على النبيّ ◌َّه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزه، ثم عُرِض عليه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه، قال: فصَحَّ أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. قال ابن القيّم: وأجيب عن هذا بجوابين: [أحدهما]: أن ابن عمر ما أخبر أن النبيّ وَ﴿ رَدّه لَمّا استصغره عن القتال، وأجازه لمّا وصل إلى السنّ التي رآه فيها مطيقاً، وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. (١) ((المفهم)) ٦٤٣/٣. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [الثاني]: أنه لعله كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة. وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لمّا رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أُحُد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للعام المقبل، خرج أشرافهم، كسَلّام بن أبي الْحُقَيق، وسَلَّام بن مِشْكَم، وكِنانة بن الربيع، وغيرهم إلى قريش بمكة، يُحَرِّضونهم على غزو رسول الله وَالر، ويؤلّبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غَطَفان، فدعوهم، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافتهم بنو سُلَيم بِمَرّ الظَّهْران، وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مُرّة، وجاءت غطفان، وقائدهم عُيينة بن حِصْن، وكان مَن وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف. فلما سمع رسول الله صل* بمسيرهم إليه استشار الصحابة ﴿ه، فأشار عليه سلمان الفارسيّ ظُه بحفر خندق يحول بين العدوّ وبين المدينة، فأمر به رسول الله وَ﴿، فبادر إليه المسلمون، وعَمِل بنفسه فيه، وبادروا هجومَ الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوّته وَله، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به، وكان حَفْر الخندق أمام سَلْع، وسَلْعٌ: جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار، وخرج رسول الله و 18 في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم. وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة، قال ابن القيّم: وهذا غَلَطّ من خروجه يوم أحد. وأمر النبيّ وَّه بالنساء، والذراريّ، فجُعلوا في آطام المدينة، واستَخْلَف عليها ابن أم مكتوم. وانطلق حُيَّيّ بن أخطب إلى بني قريظة، فدنا من حصنهم، فأبى كعب بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، فلما دخل عليه، قال: لقد جئتك بعزّ الدهر، جئتك بقريش، وغطفان، وأسد، على قادتها لحرب محمد، قال كعب: جئتني والله بذُلّ الدهر، وبِجَهَام(١) قد هراق ماؤه، فهو يرعد، (١) هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ٤٥٣ (٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ ويبرق، ليس فيه شيء، فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله وَ﴾، ودخل مع المشركين في محاربته، فَسُرّ بذلك المشركون، وشَرَط كعب على حُيَيّ أنه إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك، ووفّى له به، وبلغ رسول الله وَليتر خبر بني قريظة، ونَقْضهم للعهد، فبَعَث إليهم السعدين، وخَوَّات بن جُبير، وعبد الله بن رواحة؛ ليعرفوا هل هم على عهدهم، أو قد نقضوه؟ فلما دَنَوْا منهم، فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبّ، والعداوة، ونالوا من رسول الله وَيقر، فانصرفوا عنهم، ولَحَنُوا إلى رسول الله وَلَّ لَحْناً يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد، وغَدَروا، فعَظُم ذلك على المسلمين، فقال رسول الله وَله عند ذلك: ((الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين))، واشتدّ البلاء، ونجم النفاق، واستأذن بعض بني حارثة رسول الله وير في الذهاب إلى المدينة، وقالوا: ﴿إِنَّ بُتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب ١٣]، وَهَمَّ بنو سَلِمَة بالفَشَل، ثم ثَبَّت الله الطائفتين، وأقام المشركون محاصرين رسول الله وَيه شهراً، ولم يكن بينهم قتال؛ لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وَدّ، وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلمّا وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمَّموا مكانا ضَيِّقاً من الخندق، فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وَدَعَوْا إلى الْبِرَاز، فانتدب لعمرو عليّ بن أبي طالب ظه، فبارزه، فقتله الله على يديه، وكان من شجعان المشركين، وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم، وكان شعار المسلمين يومئذ: ((حمّ لا ینصرون)). ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله ويالقر أن يصالح عُيينة بن حِصْن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما، وَجَرَت المراوضة على ذلك، فاستشار السَّعْدَين في ذلك، فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعةً، وإن كان شيئاً تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن، وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وهم لا يَطمعون أن يأكلوا منها ثمرة، إلا قِرَى، أو بَيْعاً، فحين ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فَصَوَّب رأيهما، وقال: ((إنما هو شيء أصنعه لكم؛ لمّا رأيت العرب قد رَمَتکم عن قَوْسٍ واحدة)». ثم إن الله ◌َ - وله الحمد - صنع أمراً من عنده خَذَل به العدوّ، وهَزَم جموعهم، وفَلّ حَدَّهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان، يقال له نعيم بن مسعود بن عامر ربه جاء إلى رسول الله وصل*، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، فَمُرْني بما شئت، فقال رسول الله وَّه: ((إنما أنت رجل واحد، فَخَذِّل عنّا ما استطعت، فإن الحرب خُذْعة))، فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عَشِيراً لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فُرْصةً انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين، وتركوكم ومحمداً، فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قريش، فقال لهم: تعلمون وُدِّي لكم، ونُصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود قد نَدِمُوا على ما كان منهم، من نقض عهد محمد ◌ّله وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن، يدفعونها إليه، ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن، فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال، بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراع، والْخُفّ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب مَن قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا، فإنا لا نقاتل معكم، حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان، وأرسل الله على المشركين جنداً من الريح، فجعلت تُقَوِّض خيامهم، ولا تَدَع لهم قِدْراً إلا كفأتها، ولا ◌ُنُباً إلا قلعته، ولا يَقِرّ لهم قرار، وجُنْد الله من الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله وَله حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيئوا للرحيل، ٤٥٥ (٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦١) فرجع إلى رسول الله وَلقره، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله وَ له وقد رَدّ الله عدوّه بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعزّ جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة، ووضع السلاح، فجاءه جبريل علّله، وهو يغتسل في بيت أمّ سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعدُ أسلحتها، انهض إلى غزوة هؤلاء - يعني: بني قريظة - فنادى رسول الله وَله: ((مَن كان سامعاً مطيعاً، فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة))، فخرج المسلمون سراعاً، وكان من أمْره وأمْر بني قريظة ما قدَّمناه، واستُشهد يوم الخندق، ويوم قريظة، نحو عشرة من المسلمين، والله تعالى أعلم(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦١] (١٨٠٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ(٢) بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ((وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْئًا إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْئًا قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: إِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)) وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و((أبو إسحاق)) هو: عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ الكوفيّ. (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٢٦٩/٣ - ٢٧٥. (٢) وفي نسخة: ((وقد وارى التراب)). ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان، وأن شيخيه كلاهما من التسعة الذين اتّفق أصحاب الكتب الستّة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) ﴿به (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَفِ يَوْمَ الأَحْزَابِ)؛ أي: يوم تجمّع الأحزاب، كما أخبر الله رَك به بقوله: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠]، قالت عائشة يتا: كان ذلك يوم الخندق. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس ﴿يًّ: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: عيينة بن حِصْن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب. وبيَّن ابن إسحاق في ((المغازي)) صفة نزولهم، قال: نزلت قريش بِمُجْتَمَع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة، وتهامة، ونزل عيينة في غَطَفان، ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أُحُد، بباب نعمان، وخرج رسول الله وَّر، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجعل النساء والذراريّ في الآطام، قال: وتوجه حُيَيّ بن أخطب إلى بني قريظة، فلم يزل بهم، حتى غَدَروا، وبلغ المسلمين غَدْرُهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبيّ وَ﴿ أن يعطي عيينة بن حِصْن، ومن معه ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة، وقالا: كنا نحن وَهُمْ على الشرك لا يطمعون منا في شيء من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله رَك بالإسلام؟ وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا؟، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتد بالمسلمين الحصار، حتى تكلم مُعَثِّب بن قُشير، وأوس بن قَيْظِيّ، وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا الآيات [الأحزاب: ١٢]، قال: وكان الذين وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا (@) ٤٥٧ (٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦١) جاءوهم من فوقهم: بنو قريظة، ومن أسفل منهم: قريش، وغطفان، قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب، إلا مُراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عَبْد وَدّ العامريّ اقتحم هو ونَفَر معه خيولهم، من ناحية ضَيِّقة من الخندق، حتى صاروا بالسَّبَخَة، فبارزه عليّ، فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ، فبارزه الزبير، فقتله، ويقال: قتله عليّ، ورجعت بقية الخيول منهزمةً. ورَوَى البيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق زيد بن أسلم، أن رجلاً قال لحذيفة: أدركتم رسول الله و18َ، ولم ندركه، فقال: يا ابن أخي، والله لا تدري، لو أدركته، كيف تكون؟ لقد رأيتنا ليلة الخندق، في ليلة باردة مطيرة، فقال رسول الله وَله: ((من يذهبُ، فَيَعْلَم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟))، فوالله ما قام أحدٌ، فقال لنا الثانية: ((جعله الله رفيقي))، فلم يَقُم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: ((اذهب))، فقلت: أخشى أن أُؤسَرَ، قال: ((إنك لن تؤسر))، فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، ((وبَعَث الله عليهم الريح، فما تَرَكَتْ لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته))، وقد تقدّم حديث حذيفة ظُّه هذا عند مسلم قبل سبعة أبواب برقم [٤٦٣١/٣٤] (١٧٨٨). ومن طريق عمرو بن سَرِيع بن حذيفة نحوه، وفيه أن علقمة بن عُلاثة صار يقول: يا آل عامر إن الريح قاتلتي، وتحملت قريش، وإن الريح لَتَغْلبهم على بعض أمتعتهم. وروى الحاكم من طريق عبد العزيز بن أخي حذيفة، عن أبي حذيفة، قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، وأبو سفيان، ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشدّ ظلمةً، ولا ريحاً منها، فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: ﴿إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، فمرّ بي النبيّ ◌َِّ، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة، فقال: ((اذهب، فأتني بخبر القوم))، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني الْقُرّ، والفزع، فدخلت عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبراً، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله رمَك كفاه القوم (١). (١) راجع: ((الفتح)) ٩/ ١٩٤ - ١٩٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٠٦). ٤٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (يَنْقُلُ) وَ (مَعَنَا التُّرَابَ) وفي رواية البخاريّ: (ينقل من تراب الخندق))، (وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ) وفي بعض النسخ: ((وقد وارى التراب))؛ أي: غطّى التراب (بَيَاضَ بَطْنِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((حتى وارى عني الترابُ جِلْدة بطنه، وكان كثير الشعر))، وفي رواية شعبة، عن أبي إسحاق: ((كان النبيّ وَّ ينقُّل التراب يوم الخندق، حتى أغمر بطنه، أو اغبرّ بطنُهُ))، قال في ((الفتح)): كذا وقع بالشكّ بِالْغَين المعجمة فيهما، فأما التي بالموحّدة، فواضح من الغبار، وأما التي بالميم، فقال الخطابيّ: إن كانت محفوظة، فالمعنى: وارى التراب جلدة بطنه، ومنه غِمَار الناس، وهو جَمْعهم، إذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض، قال: ورُوِيَ: ((اغْفَرَّ)) بمهملة، وفاء، والْعَفَر بالتحريك: التراب. وقال عياض: وقع للأكثر بمهملة، وفاء، ومعجمة، وموحّدة، فمنهم من ضبطه بنصب ((بطنَهُ))، ومنهم من ضبطه برفعها، وعند النسفيّ: ((حتى غَبَرَ بطنُهُ، أو اغْبَرَّ» بمعجمة فيهما، وموحّدة، ولأبي ذرّ، وأبي زيد: ((حتى أغمر))، قال: ولا وجه لها، إلا أن يكون بمعنى سَتَرَ، كما في الرواية الأخرى: ((حتى وارى عني الترابُ بطنَهُ))، قال: وأَوْجَهُ هذه الروايات: ((اغْبَرَّ)) بمعجمة، وموحّدة، وبرفع ((بَطْنُهُ)) . قال الحافظ: وفي حديث أم سلمة ﴿ّا عند أحمد، بسند صحيح: ((كان النبيّ وََّ يعاطيهم اللَِّنَ يوم الخندق، وقد اغْبَرّ شعر صدره)). وفي رواية عند البخاريّ: ((حتى وارى عني الغبارُ جِلدة بطنه، وكان كثير الشَّعر))، وظاهر هذا أنه كان كثير شَعْر الصدر، وليس كذلك، فإن في صفته وَل أنه كان دقيق الْمَسْرُبة؛ أي: الشّعر الذي في الصدر إلى البطن، فيمكن أن يُجمع بأنه كان مع دِقّته كثيراً؛ أي: لم يكن منتشراً، بل كان مستطيلاً، والله (١) أعلم. انتهى(١). (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال، ((وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) هذه الأبيات من شِعر عبد الله بن رواحة ظه، ففي رواية يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه، عند البخاريّ: ((فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة)). (١) ((الفتح)) ١٩٥/٩ - ١٩٦، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٠٦). ٤٥٩ (٤٢) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ - حديث رقم (٤٦٦١) [تنبيه]: قال ابن بطال كخّلُهُ: ((لولا)) عند العرب يمتنع بها الشيء لوجود غيره، تقول: لولا زيد ما صِرْتُ إليك؛ أي: كان مصيري إليك من أجل زيد، وكذلك لولا الله ما اهتدينا؛ أي: كانت هدايتنا من قبل الله تعالى(١). وقال الراغب تَّهُ: لوقوع غيره، ويلزم خبره الحذف، ويُستغنى بجوابه عن الخبر، قال: وتجيء بمعنى ((هَلَّا))، نحو: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، ومثله: ((لوما)) بالميم بدل اللام. وقال ابن هشام كثّثُ: ((لولا)) تجيء على ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن تدخل على جملة؛ لتربط امتناع الثانية بوجود الأولى، نحو: لولا زيدٌ لأكرمتك؛ أي: لولا وجوده، وأما حديث: ((لولا أن أشقّ))، فالتقدير: لولا مخافة أن أشقّ لأمرت أمْر إيجاب، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. [والوجه الثاني]: أنها تجيء للحضّ، وهو طلب بحثّ، وإزعاج، وللعرض، وهو طلب بلِين، وأدب، فتختص بالمضارع، نحو: ﴿لَوْلَا نَسْتَغْفِرُونَ [النمل: ٤٦]. اللَّهَ﴾ [والوجه الثالث]: أنها تجيء للتوبيخ، والتندّم، فتختص بالماضي، نحو: ﴿لَوْلَا جَهُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ١٣]؛ أي: هلّا. انتهى. وذكر أبو عبيد الهرويّ كَُّ في ((الغريبين)) أنها تجيء بمعنى: ((لِمَ لا))، وجعل منه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨]، والجمهور أنها من القسم الثالث(٢)، والله تعالى أعلم. (وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) السكينة السكون، والثبات، والطمأنينة. وقوله: (إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا)، وفي رواية عبد الرحمن بن مهديّ التالية: ((إن الأَلَى قد بَغَوْا علينا))، وعلى الروايتين، فليس بموزون، والموزون (١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٢٩١/١٠. (٢) ((الفتح)) ٨٥/١٧ - ٨٦، كتاب ((التمنّ)) رقم (٧٢٣٦). ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أن يقول: ((إن الَّذِين قد أبوا علينا))، أو ((بغوا علينا))، و((الألى)) بضمّ الهمزة، بمعنى: الذين. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إن الأولى قد بَغَوا علينا)) كذا صحَّت الرواية (الأولى)) بالقصر، فَيَحْتَمِل أن يريد به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشرّ بغوا علينا. ويَحْتَمِل أن تكون ((الألى)) هي الموصولة بمعنى: الذين، كما قال أبو ذؤيب [من الطويل]: وَيَأْشِبُنِي(١) فِيهَا الأُلَى لَا يَلُونَهَا وَلَوْ عَلِمُوا لَمْ يَأْشِبُونِي بِبَاطِلٍ وقال ابن درید: إَنَّ الأُلَى فَارَقْتُ عَنْ غَيْرٍ قِلَى مَا زَاغَ قَلْبِي عَنْهُمُ وَلَا هَفَأَ (٢) ويكون خبر ((إن)) محذوفاً، تقديره: إن الذين بَغَوا علينا ظالمون، وقيل: إن هذا تصحيف من بعض الرواة، وإن صوابه: ((أولاء)) ممدود، التي الإشارة الجماعة، وهذا صحيح من جهة المعنى، والوزن، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). (قَالَ) الراوي، ويَحْتَمل أن يكون البراء، أو من دونه (وَرُبَّمَا قَالَ: إِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا) قال النوويّ ◌َُّهُ: ((الملأ)»: هم أشراف القوم، وقيل: هم الرجال، ليس فيهم نساء، وهو مهموز، مقصور، كما جاء به القرآن ومعنى: ((أبوا علينا)): امتنعوا من إجابتنا إلى الإسلام(٤). (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا، وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((ويرفع بها صوته: أَبَيْنا، أبينا))، وفي هذا الحديث استحباب الرجز، ونحوه من الكلام، في حال البناء، ونحوه، وفيه عمل الفضلاء في بناء المساجد، ونحوها، ومساعدتهم في أعمال البرّ. انتهى(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء ظ ته هذا متّفقٌ عليه. (١) ((يأشْبني)) من بابي نصر، وضرب؛ أي: يلومونني، ويعيبونني. (٢) يقال: هنا الفؤاد: إذا ذهب في أثر الشيء، وطَرِب. (٣) ((المفهم)) ٦٤٤/٣ - ٦٤٥. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٧١/١٢ - ١٧٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧١/١٢ - ١٧٢.