Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٨) قال الحافظ دخّلُهُ: وهذه المرأة فيما ظهر لي غير المرأة السابقة؛ لأن هذه المرأة عَبّرت بقولها: ((صاحبك))، وتلك عبّرت بقولها: ((شيطانك))، وهذه عبّرت بقولها: ((يا رسول الله))، وتلك عبّرت بقولها: ((يا محمد))، وسياق الأُولى يُشعر بأنها قالته تأسّفاً، وتوجّعاً، وسياق الثانية يُشعر بأنها قالته تَهَّماً، وشماتةً. وقد حَكَى ابن بطال عن ((تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد))، قال: قالت خديجة للنبيّ وَلّ حين أبطأ عنه الوحي: ((إن ربك قد قلاك))، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى . وقد تعقّبه ابن المنير، ومن تَبِعَه بالإنكار؛ لأن خديجة قوية الإيمان، لا يليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ، أخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكامه))، والطبريّ في ((تفسيره))، وأبو داود في ((أعلام النبوة)) له، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة، والإسناد إليه صحيح، وأخرجه أبو داود أيضاً من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبّرت بقولها: ((شيطانك))، وهذه هي اللفظة المستنكرة في الخبر. وفي رواية إسماعيل وغيره: ((ما أرى صاحبك)) بدل (ربك))، والظاهر أنها عَنَت بذلك جبريل. وأغرب سُنيد بن داود فيما حكاه ابن بشكوال، فَرَوَى في تفسيره، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة ﴿ّا قالت للنبيّ وَّ ذلك، وغَلِطَ سُنيد في ذلك، فقد رواه الطبريّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن هشام. قال: وأما المرأة المذكورة في حديث سفيان التي عَبّرت بقولها: (شيطانك)) فهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب، كما رَوَى الحاكم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: قالت امرأة أبي لهب - لَمّا مَكَثَ النبيّ وَّ أياماً لم يَنزل عليه الوحي -: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد قلاك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى ﴾﴾، ورجاله ثقات. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وفي ((تفسير الطبريّ)) من طريق المفضل بن صالح، عن الأسود، في حديث الباب: ((فقالت امرأة من أهله، ومن قومه))، ولا شك أن أم جميل من قومه؛ لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر: أنها إحدى عماته، ومُستنده في ذلك هو ما أخرجه قيس بن الربيع، في ((مسنده)) عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الفريابيّ شيخ البخاريّ في ((تفسيره)) عنه، ولفظه: ((فأتته إحدى عماته، أو بنات عمه، فقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد وَدَّعَك)). انتهى(١). (لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ) - بكسر الراء - يقال: قَرِبِه يَقْرَبه - بفتح الراء - متعدياً، ومنه: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأما قَرُب - بالضم - فهو لازم، تقول: قَرُب الشيءُ؛ أي: دنا، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((بكسر الراء)» يوهم أنه لا يجوز غير الكسر، وفيه نظر، فقد نصّ الفيّوميّ تَّقُ على أن فتح الراء لغةٌ، وعبارته: قَرُبَ الشيءُ منّا قُرباً، وقَرَابةً، وقُربةً، وقُرْبَى، ويقال: الْقُرْب في المكان، والقربة في المنزلة، والْقُربى، والقَرَابة في الرحم، قال: وقَرِبتُ الأمرَ أَقْربه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ قِرْباناً - بالكسر - فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَ نَقْرَبُواْ الزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني قولهم: ((لا تَقْرَب الْحِمَی))؛ أي: لا تدنو منه. انتهى (٣). وكذا نصّ على الفتح محمد مرتضى الزبيديّ كَّثُ في (تاج العروس)) (٤) عند قول المجد: ((قَرِب؛ كسَمِع))، فزاد مرتضى: ((وقرُبَ؛ كنصَرَ))، فنصّ على جواز الفتح أيضاً . فقوله: ((وفي لغة من باب قَتَلَ))، وكذا قول مرتضى: ((كنصر)) يدلان على أن قولها: ((قَرِبك)) يجوز فيه الوجهان: كسر الراء، وفتحها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٥١٣/٣ - ٥١٤، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢٥). (٢) ((الفتح)) ٩٦/١١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٥٠). (٣) ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢. (٤) راجع: ((التاج)) ١/ ٤٢٢. (٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٩) ٣٦٣ ٢ (مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثٍ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ رَتْ ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّمَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾) تقدّم شرح الآيات قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٤٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، ◌ِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمًا). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْمُلَائِيُّ) هو: الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول، أبو نُعيم الْمُلائيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ١٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩١. [تنبيه]: قوله: ((الملائيّ)) بضمّ الميم، وبعد اللام ألف: نسبة إلى الْمُلاءة التي تستتر بها النساء، قال السمعانيّ: وظنّي أنها نسبة إلى بيعها، واشتهر بهذه النسبة أبو بكر عبد السلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ، والفضل بن دُكين الأحول الملائيّ، كان شريك عبد السلام بن حرب الملائيّ في دُكّان يبيعان الملاءة. انتهى(١). [تنبيه آخر]: كون الملائيّ في هذا السند هو أبا نعيم الفضل بن دكين هو الصواب، كما نصّ عليه الحافظ المزّيّ كَّتُهُ في ((تحفة الأشراف)) (٤٣٩/٢)، وقد أخطأ بعض الشرّاح(٢)، فترجم هنا لعبد السلام بن حرب، وهو غلط، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٧/٣ - ٢٧٨. (٢) هو الشيخ محمد أمين الهرريّ في شرحه لهذا الكتاب، راجع: شرحه ٣٣٢/١٩ -٣٣٣. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير والباقون كلّهم ذُكروا في الباب، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((سفيان)) هو: الثوريّ. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) ضمير التثنية هنا يرجع إلى شعبة، وسفيان الثوريّ؛ يعني: أن كلّاً من شعبة، وسفيان روى هذا الحديث عن الأسود بن قيس بسنده الماضي. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمَا) ضمير التثنية هنا يرجع إلى سفيان بن عيينة، وزُهير بن معاوية في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: أما رواية شعبة عن الأسود بن قيس، فقد ساقها البخاريّ رَّتُهُ في ((صحیحه))، فقال: (٤٦٦٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جُندباً البجليّ، قال: قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلا أبطأك، فنزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ). انتهى(١). 3 وأما رواية سفيان، عن الأسود بن قيس، فقد ساقها البخاريّ تَُّهُ أيضاً، فقال: (٤٩٨٢) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جندباً يقول: اشتكى النبيّ وَّهِ، فلم يقم ليلةً، أو ليلتين، فأتت امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله وجل: ﴿وَالضُّحَى )﴾. انتهى (٢). وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣٨) - (بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِّ وَّهَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٠] (١٧٩٨) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ رَافِع - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخِّرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنَّ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزَّوَةَ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ (١) ((صحيح البخاريّ)) ٤/ ١٨٩٢. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٩٠٦/٤. ٣٦٥ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّنَّهِ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ رَكِبَ حِمَاراً، عَلَيْهِ إِكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَالَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ، فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِّيٍّ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ◌َهَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَّأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً، فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ(١) إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا، فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْيَهُودُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَائَبُوا، فَلَمْ يَزَّلِ النَّبِيُّ وَهِ يُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: ((أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أبو حُبَابٍ؟ - يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ - قَالَ: كَذَا وَكَذَ))، قَالَ: اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَاصْفَحْ، فَوَ اللهِ لَقَدْ أَعْطَاَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِِّ﴾. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َ﴿ًّا، مات سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. (١) وفي نسخة: ((فارجع)). ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصل، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وأن چيا. صحابيّه حِبّ رسول الله وَّو، وابن حِبّه شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﴿يَا (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ وَهْ رَكِبَ حِمَاراً، عَلَيْهِ إِكَافٌ) - بكسر الهمزة، ويقال: وِكاف أيضاً، قاله النوويّ(١)، وقال الفيّوميّ: الإِكاف للحمار معروف، والجمع أُكُفُ بضمّتين، مثلُ حمار وحُمُر، وآكفته بالمدّ: جَعَلتُ عليه الإكاف، والْوِكَافُ على البدل لغةٌ جارية في جميع تصاريف الكلمة. انتهى (٢)، وقال المجد: إِكاف الحمار، ككتاب، وغُراب، ووِكافه: بَرْذَعته، والأَكّاف: صانعه، وآكفَ الحمارَ إيكافاً، وأَكّفه تأكيفاً: شدّه عليه، وأَكّف الإكافَ تأكيفاً: اتّخذه. انتهى(٣)، وجملة ((عليه إكاف)) في محلّ نصب نعتٌ لـ((حماراً))، وأما قوله: (تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ) فيحتَمِل أن يكون نعتاً ثانياً، وأن يكون حالاً، و((القَطِيفة)) - بفتح القاف، وكسر الطاء المهملة -: دِثَارٌ له خَمْلٌ، والجمع: قَطائف، وقُطُفٌ بضمّتين (٤). (فَدَكِيَّةٌ)؛ أي: منسوبة إلى البلدة المسمّاة بفدك، وهو بفتح الفاء، والدال المهملة، آخره كاف، وهي على مرحلتين، أو ثلاث من المدينة، قاله النوويّ(٥)، وقال الفيّوميّ: فَدَك بفتحتين: بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله وَّر، وتنازعها عليّ والعبّاس في خلافة عمر، فقال عليّ: جعلها النبيّ وَّ ﴿ لفاطمة، وولدها، وأنكر العبّاس، فسلّمها عمر لهما . انتهى(٦). وقال في ((الفتح)): قوله: ((على قطيفة فدكيّة))؛ أي: كساء غليظ، منسوب (١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٥٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧. (٣) (القاموس المحيط)) ص٥٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٠٩/٢. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/١٢. (٦) ((المصباح المنير)) ٤٦٥/٢. ٣٦٧ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِّوَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) إلى فدك - بفتح الفاء، والدال ـ وهي بلد مشهور على مرحلتين من المدينة. (١) انتھی(١) . (وَأَرْدَفَ)؛ أي: أركب، يقال: أردفته إردافاً: إذا أركبته، والرَّدِيف: هو الذي تَحْمله خلفك على ظهر الدابّة؛ أي: أركب النبيّ وَِّ (وَرَاءَهُ)؛ أي: خلفه، (أُسَامَةَ) بن زيد ◌ًَّا، وقوله: (وَهُوَ يَعُودُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أنه وَلَه يزور (سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) - بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - ابن دُليم بن حارثة الأنصاريّ الْخَزرجيّ سيّد الخزرج، تقدّمت ترجمته في ((الصلاة)) ٩١٢/١٧. وقوله: (فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه ساكناً في منازلهم، وبنو الحارث بن الخزرج هم قوم سعد بن عبادة. (وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ)؛ أي: قبل غزوتها، (حَتَّى مَرَّ) وَلَّهَ (بِمَجْلِسٍ، فِيهِ أَخْلَاطٌ) - بفتح الهمزة -، قال المجد لَّقُ: وأخلاطٌ من الناس، وخَلِيطٌ، وخُلَّيْطَى، كَسُمَّيْهَى، ويُخَفَّفُ: أوباشٌ مُختلطون، لا واحد لهنّ. انتهى (٢)، وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ((أخلاط))، (وَالْمُشْرِكِينَ) عطف على ((المسلمين))، وقوله: (عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بدل من (المشركين))، و((عَبَدَة)) - بفتحات -: جمع عابد، ويُجمع أيضاً على عُبّاد، مثلُ كافر، وكفّار، وكَفَرَة، و((الأوثان)) - بالفتح -: جمع وَثَن - بفتحتين - وهو: الصنم، سواء كان من خشب، أو حجر، أو غيره، ويُجمع أيضاً على وُثُنٍ، مثلُ أَسَدٍ وأُسُدٍ (٣)، وقوله: (وَالْيَهُودِ) بالجرّ، عطفاً على ((عَبَدَةِ))، أو على ((المشركين))، وهو أظهر؛ لأن اليهود مُقِرّون بالتوحيد، نَعَم مِنْ لازم قول من قال منهم: عُزِيرٌ ابن الله - تعالى الله عن قولهم - الإشراكُ، فالأَولى كونه معطوفاً على ((المشركين))، فيكون قد فسّر ((المشركين)) بعَبَدَة الأوثان، وباليهود، وإنما عَطْفُهم ليكون تنويهاً بهم في الشر(٤). (١) ((الفتح)) ١٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٣٨٧ - ٣٨٨. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٧. (٤) راجع: ((الفتح)) ١٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (فِيهِمْ)؛ أي: في أولئك الأخلاط، وهو خبر مقدّم لقوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ) - بضم الهمزة، وتخفيف الباء الموحّدة، وتشديد الياء - رأس المنافقين، وفي رواية للبخاريّ: ((حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول))، وسَلُول - بفتح السين المهملة، وضم اللام - اسم أمّ عبد الله، فلا بُدّ أن يُقرأ: ((ابنُ سَلُول)) بالرفع؛ لأنه صفة لـ((عبد الله))، لا صفة لـ(أُبَيّ))(١). (وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثَعْلبة بن امرىء القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، شَهِد بدراً، واسْتُشْهِد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، له ذِكرْ في هذا الكتاب، ولا رواية له، وتقدّمت ترجمته في ((الجنائز)) ٢١٦١/١٠. (فَلَمَّا غَشِيَتِ) - بفتح أوله، وكسر ثانيه ـ، مبنيّاً للفاعل؛ أي: غطّى (الْمَجْلِسَ) بالنصب على المفعوليّة، (عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بالرفع على الفاعليّة، وهو بفتح العين المهملة، وتخفيف الجيم الأولى: هي ما ارتفع من غبار حوافرها(٢). (خَمَّرَ) - بتشديد الميم -؛ أي: غطّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبَيِّ أَنْفَهُ) وفي رواية: ((وجهه))، (بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا) - بضمّ أوله، وتشدّيد الموحّدة -، من التغبير، ويَحْتَمِل أن يكون بتخفيف الموحّدة، من الإغبار، يقال: غبّرت، تغبيراً، وأغبرتُ إغباراً؛ أي: أثرتُ الْغُبار، أفاده الجوهريّ(٣)، والمعنى: لا تُثيروا الغبار (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ)؛ أي: على الأخلاط من المشركين، واليهود، والمسلمين الجالسين في ذلك المجلس، (النَّبِيُّ وَّه) يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين، إذا كان معهم كفار، وينوي حينئذ بالسلام المسلمين، ويَحْتَمِل أن يكون الذي سَلَّم به عليهم صيغة عموم، فيها تخصيص؛ كقوله: ((والسلام على من اتَّبَع الهدى))(٤). (ثُمَّ وَقَفَ)؛ أي: توقّف النبيّ وََّ، وكفّ عن المسير إلى مكان حاجته التي خرج من أجلها، وهي عيادة سعد بن عبادة ظه، (فَنَزَلَ) عن دابّته (فَدَعَاهُمْ)؛ أي: الأخلاط، (إِلَى اللهِ)؛ أي: إلى الدخول في دين الله، (١) ((عمدة القاري)) ٢٢١/٢١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٢. (٣) راجع: ((الصحاح)) ص٧٦٤. (٤) (الفتح)) ١٩/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). ٣٦٩ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَِّّوَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) والاستجابة لطاعته، (وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ: أَيُّهَا الْمَرْءِ) يريد النبيّ وَُّ، (لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) قال النوويّ كَُّ: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، بألف في ((أَحْسَنَ))؛ أي: ليس شيءٌ أحسن من هذا، وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم، قال: ووقع للقاضي أبي عليّ: ((لأحسنُ من هذا)) بالقصر، من غير ألف، قال القاضي: وهو عندي أشبه بِصِلة قوله: ((إن كان ما تقول حقّاً))، وإلا فكيف يشكّ في قوله: ((حقّاً))، ويصفه بأنه لا شيء أحسن منه؟ وإنما مراده - والله أعلم - لأَحْسَنُ مِنْ قصدك لنا، وتسوّرك علينا في مجالسنا، إن كان الذي تأتي به حقّاً لا تؤذنا، وتقعد في رحلك، فمن جاءك أسمعته ما عندك. وهو أليق بمقصود المنافق الشاكّ - والله أعلم - وقد قيل: إن ابن أُبيّ لم يكن حينئذ بعدُ إلا على شركه، لم يُظهر الإسلام بعدُ، وهو دليل لفظ الحديث ومساقه، ولقوله: ((لا تؤذنا به))؛ يعني: القرآن، ولقوله: ((في أخلاط من المشركين والمسلمين)). انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: ((لا أحسن مما تقول))، قال في ((الفتح)): بنصب ((أحسنَ))، وفتح أوله، على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في ((أَحسنُ)) الرفع، على أنه خبر ((لا))، والاسم محذوف؛ أي: لا شيءَ أحسنُ من هذا، قال: ووقع في رواية الكشميهنيّ بضم أوله، وكسر السين، وضم النون، ووقع في رواية أخرى: ((لأَحسنُ))، بحذف الألف، لكن بفتح السين، وضم النون، على أنها لام القسم، كأنه قال: أحسن من هذا أن تقعُد في بيتك، حكاه القاضي عياض، عن أبي عليّ، واستحسنه، وحَكَى ابن الجوزيّ تشديد السين المهملة، بغير نون من الْحِسّ؛ أي: لا أعلم منه شيئاً. انتهى (٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((لا أحسن مما تقول)): لفظ ((أحسن)) أفعل تفضيل، و((من)) في ((مما)) زائدة، قال التيميّ؛ أي: ليس أحسنُ مما تقول؛ أي: إنما تقول حسن جدّاً، قال ذلك استهزاءً، ويُرْوَى: ((لا أُحْسِنُ)) بلفظ فعل المتكلم من المضارع، و((ما تقول)) مفعوله، وقوله: ((إن كان حقّاً)) يصحّ تعلقه (١) ((إكمال المعلم)) ١٧٢/٦ - ١٧٣، و ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٢. (٢) ((الفتح)) ١٩/١٠، كتاب (التفسير)) رقم (٤٥٦٦). ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بما قبله، وبما بعده. انتهى(١). وقال محمد تقيّ كَّتُهُ: قوله: ((لا أحسن من هذا))؛ أي: ليس شيء أحسن من هذا إن كان حقّاً، ولكنه لم يقبل أنه حقّ، فكأنه أراد أن يردّ دعوة رسول الله ◌َ﴾ بكلام ظاهره التحسين، وباطنه الردّ عليها، فعَلّق كونها حسنةً على كونها حقّاً، هذا على الرواية المشهورة، وقد رواه بعضهم ((لأَحسِنُ)) بغير ألف بين اللام والهمزة، واللامُ حينئذ للتأكيد، والمراد: أن الأحسن من هذا أن تقعد في بيتك ... إلخ، واستَحسن القاضي عياض هذه الرواية؛ لكون معناها أظهر. انتهى (٢). (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً، فَلَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ) وفي بعض النسخ: ((فارجع)) (إِلَى رَحْلِكَ) - بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة -؛ أي: إلى منزلك، ويقال: الرَّحْلُ: مسكن الرجل، وما يستصحبه من الأثاث(٣). (فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا، فَاقْصُصْ عَلَيْهِ)؛ أي: حدّثه به، يقال: قَصَصْتُ الخبرَ قَصّاً، من باب نصر: حدّثتُ به على وجهه، والاسم: الْقَصَصُ بفتحتين (٤). (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) ◌َهُبه ردّاً على ابن أُبيّ خطابه البذيء، (اغْشَنَا) بوصل الهمزة، وفتح الشين المعجمة: أمْرٌ مِن غَشِيَه يَغْشاه، من تَعِبَ: إذا أتاه، والاسم: الْغِشْيَانُ بالكسر(٥)؛ أي: ائتنا (فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ) أسامة بن زيد ◌َِّ (فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْيَهُودُ)؛ أي: شَتَم بعضهم بعضاً (حَتَّى هَمُّوا)؛ أي: قصدوا (أَنْ يَتَوَائَبُوا)؛ أي: يَئِب بعضهم على بعض، والتواثُب: تَفَاعُلٌ، من الْوُثوب، يقال: وَثَبَ وَثْباً، من باب وَعَدَ: قَفَزَ، ووُثُوباً، ووَثِيباً، فهو وَثّابٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أوثبتُهُ، وواثبته: بمعنى ساورته(٦)، (١) ((عمدة القاري)) ٢٢١/٢١. (٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٠٨/٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٢١/٢١. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٤٤٨/٢. (٦) المساورة: المواثبة، وفي ((التهذيب)): والإنسان يُساور إنساناً: إذا تناول رأسه، ومعناه: المغالبة. اهـ. ((المصباح المنير)) ٢٩٤/١ - ٢٩٥. (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِّلَهَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) ٣٧١ من الوثوب، والعامّة تستعمله بمعنى المبادرة، والمسارعة(١). وفي رواية البخاريّ: ((يتشاورون))، قال في ((الفتح)): قوله: ((يتشاورون)) بمثلّثة؛ أي: يتواثبون؛ أي: قاربوا أن يَئِبَ بعضهم على بعض، فيقتتلوا، يقال: ثار: إذا قام بسرعة، وانزعاج. انتهى (٢). (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ وَّهِ يُخَفِّضُهُمْ) - بتشديد الفاء، من التخفيض؛ أي: يُسكّتهم، ويُسهّل الأمر بينهم، زاد في رواية البخاريّ: ((حتّى سكنوا))، قال في ((الفتح)): قوله: ((حتى سكنوا)) بالنون، كذا للأكثر، وعند الكشميهنيّ بالمثناة، ووقع في حديث أنس: أنه نزل في ذلك: ﴿وَإِنْ طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ﴾. الآية [الحجرات: ٩]. انتهى. (ثُمَّ رَكِبَ) بَِّ (دَابَّتَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةً) ((أَيْ سَعْدُ) ((أي)) حرف نداء، كما في قول الشاعر: (فَقَالَ) أَلَمْ تَسْمَعِي أَيْ عَبْدَ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى بُكَاءَ حَمَامَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ واختُلِف فيها، هل هي للقريب، أو للبعيد، أو للمتوسّط(٣)؟ وفي رواية البخاريّ: ((أيا سعدُ)). (أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أبو حُبَابٍ) - بضمّ الحاء المهملة، وبموحّدتین، الأولى خفيفةٌ، وهي كُنية عبد الله بن أَبِيّ، كما بيّنه بقوله: (يُرِيدٌ)؛ أي: يقصد النبيّ وَّه بقوله: ((أبو حباب)) (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ)، وإنما كناهِ وَّ في تلك الحالة، وإن كان وضع الكنية للتشريف؛ لكونه مشهوراً بها، أو لمصلحة التألّف(٤). (قَالَ)؛ أي: أبو حباب (كَذَا وَكَذَا))) كناية عما سبق له من الكلام، حيث قال: ((أيها المرء لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقّاً، فلا تؤذنا في مجالسنا ... إلخ)). (١) ((المصباح المنير)) ٦٤٧/٢. (٢) ((الفتح)) ١٩/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). (٣) راجع: ((مغني اللبيب)) ١٥٩/١ - ١٦٠. (٤) ((الفتح)) ١٩/١٠ - ٢٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (قَالَ) سعد بن عبادة رَظُبه (اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَاصْفَحْ)؛ أي: تجاوز عنه، وأصل الصفح: هو الإعراض بصَفْحة الوجه، كأنه أعرض بوجهه عن ذنبه، قال ابن الأثير(١). (فَوَ اللهِ لَقَدْ أَعْطَاَكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاَكَ) من النبوّة والرسالة، (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ)؛ أي: اتّفَقَ (أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ) بصيغة التصغير، قال القاضي عياض: ورويناه في غير مسلم: ((الْبَحْرَة)) غير مصغّر(٢). وفي رواية للبخاريّ: ((أهل هذه البحرة) بالتكبير، قال في ((الفتح)): هذا اللفظ يُطلق على القرية، وعلى البلد، والمراد به هنا: المدينة النبوية، ونقل ياقوت أن البحرة من أسماء المدينة النبوية. انتهى. وقال في ((العمدة)): قوله: ((البحرة)) - بفتح الباء الموحّدة، وسكون الحاء المهملة -: البلدة، يقال: هذه بحرتنا؛ أي: بلدتنا. انتهى (٣). (أَنْ يُتَوِّجُوهُ)؛ أي: يجعلوا التاج على رأسه، وهو كناية عن المُلك؛ أي: يجعلونه مَلِكاً، (فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ)؛ أي: يَشُدّوا عِصَابة السيادة على رأسه، وقال النوويّ كَُّهُ: معناه: اتّفقوا على أن يجعلوه مَلِكهم، وكان من عادتهم إذا ملّكوا إنساناً أن يُتوّجوه، ويعصّبوه. انتهى (٤). وقال القاضي عياض: ((يُعصّبوه))؛ أي: يسوّدوه، وكانوا يُسمّون السيّد المطاع: مُعصّباً؛ لأنه يُعَصّب بالتاج، أو يُعصّب به أمور الناس، وكان أيضاً يقال له: الْمُعَمَّم، والعمائم تيجان العرب، وهي العصائب، قال: قد يكون هنا: ((يُعصّبوه)) على وجهه، لا سيّما مع قوله: ((بالعصابة))، وهذا بيان أنه حقيقة لا مجازٌ؛ أي: يربطون له عصابة الرئاسة والملك، فقد ذكر ابن إسحاق، وأصحاب السير في هذا الخبر: ((فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظم له الْخَرَز؛ لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً)). انتهى(٥). (١) ((النهاية)) ٣٤/٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٣. (٣) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٢٦٨/٣١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٢ - ١٥٩. (٥) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٤. ٣٧٣ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ بَهَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) وقال في ((الفتح)): قوله: ((على أن يتوِّجوه فيعصبوه بالعصابة)): يعني: يُرَنِّسوه عليهم، ويُسَوِّدوه، وسُمِّي الرئيس مُعَصَّباً؛ لِمَا يُعَصَّب برأسه من الأمور، أو لأنهم يُعَصِّبون رؤوسهم بعِصابة، لا تنبغي لغيرهم، يمتازون بها، قال: ووقع في رواية بلفظ: ((فيعصبونه)) بنون الرفع، والتقدير: فهم يعصبونه، أو فإذا هم يعصبونه، وعند ابن إسحاق: «لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الْخَرَز لنتوجه))، فهذا تفسير المراد، وهو أولى مما تقدم. انتهى (١). (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ)؛ أي: التدبير الذي دبّره لابن أُبيّ، (بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ) - بفتح المعجمة، وكسر الراء -؛ أي: غُصّ به، وهو كناية عن الْحَسَد، يقال: غُصَّ بالطعام، وشُجِي بالعظم، وشَرِقَ بالماء: إذا اعتَرَض شيء من ذلك في الحلق، فمنعه الإساغة، قاله في ((الفتح)). وقال في ((اللسان)): والشَّرَقُ بالماء والريق، ونحوهما؛ كالْغَصَص بالطعام، وشَرِقَ شَرَقاً، فهو شَرِقٌ، قال عديّ بن زيد [من الرمل]: لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقُ كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِي (٢) (فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ وََّ) امتثالاً لأمر الله تعالى له بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث ما نصّه: وكان النبيّ وَلَه وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله رَى: ﴿وَلَتَتْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً﴾ الآية [آل عمران: ١٨٦]، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندٍ أَنفُسِهِم﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٠٩]، وكان النبيّ وَ﴿ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله وَ لقول بدراً، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أُبَيّ ابنُ سَلُول، ومن معه من المشركين، وعَبَدة (١) ((الفتح)) ٢٠/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). (٢) ((لسان العرب)) ١٠/ ١٧٧. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الأوثان: هذا أمر قد تَوَجَّه، فبايعُوا الرسول ◌ََّ على الإسلام، فأسلموا. انتهى . قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان النبيّ وَّه، وأصحابه يَعْفُون عن المشركين، وأهل الكتاب)) هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم في ((التفسير)) عن الذي قبله، وإن كان الإسناد متّحداً، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصراً عليه، ولم يُخرِج شيئاً من هذا الحديث الآخر. قوله: ((وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) إلى آخر الآية)): ساق في رواية أبي نعيم في ((المستخرج)) من وجه آخر عن أبي اليمان بالإسناد المذكور الآية، وبما بعد ما ساقه البخاريّ منها تتبيّن المناسبة وهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]. قوله: ((حتى أَذِن الله فيهم))؛ أي: في قتالهم؛ أي: فترك العفو عنهم، وليس المراد أنه تركه أصلاً، بل بالنسبة إلى ترك القتال أوّلاً، ووقوعه آخراً، وإلا فعفوه ◌َّ ﴿ عن كثير من المشركين واليهود بالمنّ والفداء، وصَفْحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير. قوله: ((صناديد)) بالمهملة، ثم نون خفيفة: جمع صِنديد بكسر، ثم سکون، وهو الكبير في قومه. قوله: هذا أَمْر قد توجّه؛ أي: ظهر وجهه. قوله: ((فبايِعُوا)) بلفظ الماضي، ويَحْتَمِل أن يكون بلفظ الأمر، والله (١) أعلم. انتهى (١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُسامة بن زيد ◌ِّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٥٠/٣٨ و٤٦٥١] (١٧٩٨)، و(البخاريّ) في (١) ((الفتح)) ٢٠/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٦٦). ٣٧٥ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِّ وَّهَإِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ -حديث رقم (٤٦٥٠) (التفسير)) (٤٥٦٦) و((المرضى)) (٥٦٦٣) و((الأدب)) (٦٢٠٧) و((الاستئذان)) (٦٢٥٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٥٠٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٨٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٠٣/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٨١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢١/٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٣/٤ و٣٤٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٠٢/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٤٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨/٤ و١٠/٩) و((دلائل النبوّة)) (٥٧٦/٢ - ٥٧٨)، و(تمّام الرازيّ) في ((فوائده)) (١٨٦/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ مل من التواضع، حيث كان يُردف خلفه. ٢ - (ومنها): بيان جواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب إذا كانت الدابّة تطيق ذلك. ٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة عيادة المريض، وعيادة الكبير بعض أتباعه في داره. ٤ - (ومنها): جواز العيادة راكباً . ٥ - (ومنها): أن ركوب الحمار ليس بنقص في حقّ العظماء. ٦ - (ومنها): جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار، قال النوويّ: وهذا مجمع عليه، قال القرطبيّ: وينبغي أن ينوي المسلمين(١). ٧ - (ومنها): أن فيه الاستراحةَ ببثّ الشكوى للصاحب، ولمن يُتَسَلَّى بحديثه، وینتفع برأيه. ٨ - (ومنها): جواز ذكر الكافر بكنيته إذا اشتهر بها، قال الإمام البخاريّ تَكْثُ في (صحيحه)): ((باب كنية المشرك))، فقال الحافظ في ((شرحه)): قوله: ((باب كنية المشرك))؛ أي: هل يجوز ابتداءً؟ وهل إذا كانت له كنية تجوز مخاطبته، أو ذكره بها؟ وأحاديث الباب مطابقة لهذا الأخير، ويلتحق به الثاني في الحكم. (١) ((المفهم)) ٦٥٨/٣. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال النوويّ في ((الأذكار)) بعد أن قَرّر أنه لا تجوز تكنية الكافر إلا بشرطين ذكرهما: وقد تكرر في الحديث ذكر أبي طالب، واسمه عبد مناف، وقال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾، ثم ذكر حديث الباب وقوله فيه: ((أبو حباب))، قال: ومحلّ ذلك إذا وُجد فيه الشرط، وهو أن لا يُعْرَف إلا بكنيته، أو خيف من ذكر اسمه فتنة، ثم قال: وقد كتب رسول الله ◌َلاقه إلى هرقل، فسمّاه باسمه، ولم يَكنه، ولا لَقَّبه بلقبه، وهو قيصر، وقد أُمرنا بالإغلاظ عليهم، فلا نَكنيهم، ولا نَلِين لهم قولاً، ولا نُظهر لهم وُدّاً. قال الحافظ: وقد تُعُقِّب كلامه بأنه لا حصر فيما ذَكَر، بل قصّة عبد الله بن أُبَيّ في ذكره بكنيته دون اسمه، وهو باسمه أشهر، ليس لخوف الفتنة، فإن الذي ذُكِر بذلك عنده كان قويّاً في الإسلام، فلا يُخشى معه أن لو ذُكر عبد الله باسمه أن يَجُرّ بذلك فتنة، وإنما هو محمول على التألَّف، كما جزم به ابن بطال، فقال: فيه جواز تكنية المشركين على وجه التألَّف، إما رجاءَ إسلامهم، أو لتحصيل منفعة منهم. وأما تكنية أبي طالب فالظاهر أنه من القبيل الأول، وهو اشتهاره بكنيته، دون اسمه . وأما تكنية أبي لهب، فقد أشار النوويّ في ((شرحه)) إلى احتمالٍ رابعٍ، وهو اجتناب نسبته إلى عبودية الصنم؛ لأنه كان اسمه عبد العزى، وهذا سَبَّق إليه ثعلبٌ، ونقله عنه ابن بطال، وقال غيره: إنما ذُكر بكنيته دون اسمه؛ للإشارة إلى أنه سيصلى ناراً ذات لهب، قيل: وإن تكنيته بذلك من جهة التجنيس؛ لأن ذلك من جملة البلاغة، أو للمجازاة، أشير إلى أن الذي يفخر به في الدنيا من الجمال والولد، كان سبباً في خزيه وعقابه. وحَكَى ابن بطال عن أبي عبد الله بن أبي زمنين، أنه قال: كان اسم أبي لهب: عبد العزى، وكنيته أبو عتبة، وأما أبو لهب، فلَقَبٌّ لُقِّب به؛ لأن وجهه كان يتلألأ، ويلتهب جمالاً، قال: فهو لقبٌ، وليس بكنية، وتُعُقّب بأن ذلك يقوّي الإشكال الأول؛ لأن اللقب إذا لم يكن على وجه الذم للكافر لم يصلح من المسلم. وأما قول الزمخشريّ: هذه التكنية ليست للإكرام، بل للإهانة؛ إذ هي ٣٧٧ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٠) كناية عن الجهنميّ؛ إذ معناه: تبت يدا الجهنميّ، فهو مُتَعقَّب؛ لأن الكنية لا نظر فيها إلى مدلول اللفظ، بل الاسم إذا صُدِّر بأمّ، أو أب، فهو كنية. سلَّمنا لكن اللهب لا يختص بجهنم، وإنما المعتمد ما قاله غيره أن النكتة في ذكره بكنيته، أنه لمّا عَلِم الله تعالى أن مآله إلى النار ذات اللهب، ووافقت كنيته حاله حَسُن أن يُذكر بها . وأما ما استشهد به النوويّ من الكتاب إلى هرقل، فقد وقع في نفس الكتاب ذِكْره بـ((عظيم الروم))، وهو مشعر بالتعظيم، واللقبُ لغير العرب؛ كالكنى للعرب، وقد قال النوويّ في موضع آخر: [فرع]: إذا كَتَب إلى مشرك كتاباً، وكَتَب فيه سلاماً، أو نحوه، فينبغي أن يَكتب كما كَتب النبيّ وَّ﴿ إلى هرقل، فذَكَر الكتاب، وفيه: ((عظيم الروم))، وهذا ظاهره التناقض. قال الحافظ: وقد جمع أَبِي تَُّ في نُكَت له على ((الأذكار)) بأن قوله: ((عظيم الروم)) صفة لازمة لهرقل، فإنه عظيمهم، فاكتفى به وَل عن قوله: ((ملك الروم))، فإنه لو كتبها لأمكن هرقل أن يتمسك بها في أنه أقرّه على المملكة، قال: ولا يَرِدُ مثل ذلك في قوله تعالى حكاية عن صاحب مصر: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف: ٤٣]؛ لأنه حكاية عن أمر مضى، وانقضى، بخلاف هرقل. انتهى. قال الحافظ: وينبغي أن يُضَمّ إليه أن ذِكْر عظيم الروم، والعدول عن ملك الروم، حيث كان لا بُدّ له من صفة تميزه عند الاقتصار على اسمه؛ لأن من يتسمى بهرقل كثير، فقيل: ((عظيم الروم))؛ ليميّز عمن يتسمى بهرقل، فعلى هذا فلا يُحتجّ به على جواز الكتابة لكل ملك مشرك بلفظ: ((عظيم قومه))، إلا إن احتيج إلى مثل ذلك للتمييز، وعلى عموم ما تقدم من التألّف، أو من خشية الفتنة يجوز ذلك بلا تقييد، والله أعلم. وإذا ذَكَر قيصر، وأنه لقب لكل من ملك الروم، فقد شاركه في ذلك جماعة من الملوك، ككسرى لملك الفرس، وخاقان لملك الترك، والنجاشيّ لملك الحبشة، وتُبّع لملك اليمن، وبطليوس لملك اليونان، والقطنون لملك اليهود، وهذا في القديم، ثم صار يقال له: رأس الجالوت، ونمرود لملك الصابئة، ودهمي لملك الهند، وقور لملك السند، ويعبور لملك الصين، وذو ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير يَزَن، وغيره من الأنواء لملك حمير، وهياج لملك الزنج، وزنبيل لملك الخزر، وشاه أرمن لملك أخلاط، وكابل لملك النوبة، والأفشين لملك فرغانة، وأسروسنة، وفرعون لملك مصر، والعزيز لمن ضَمّ إليها الإسكندرية، وجالوت لملك العمالقة، ثم البربر، والنعمان لملك الغرب من قِبَل الفرس، نُقِل أكثر هذا الفصل من السيرة لمغلطاي، وفي بعضه نظر. انتهى كلام الحافظ تَخَذْتُهُ(١). ٩ - (ومنها): ما كان يلقاه النبيّ وَله، وأصحابه ﴿ه من المنافقين من الأذى، ولكنهم يعفون عنهم، ويصفحون، عملاً بقول الله ربك: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ١٠ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قول سعد بن عُبادة ◌ُه للنبيّ وَله ما قال في عبد الله بن أبيّ إنما كان على جهة الاستلطاف، والاستمالة؛ ليستخرج منه ما كان في خُلُقه الكريم، من العفو، والصفح عن الجهال، فلا جرم عفا، حتى تَمّ له ما أراد، وصفا، وصبر حتى ظَفِر صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذُّ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء (١) ((الفتح)) ٩٥/١٤ - ٩٦، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٧). ٣٧٩ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِّلَهَ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥١) خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٥) (ع م « ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الفقيه الشهير [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) (في)) بمعنى الباء؛ أي: بإسناد الزهريّ المذكور قبله، وهو: ((عن عروة، عن أسامة بن زيد ﴾)). وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل حديث معمر، عن الزهريّ. وقوله: (وَزَادَ) فاعل ((زاد)) ضمير عُقيل. [تنبيه]: رواية عُقيل، عن الزهريّ، ساقها البخاريّ ◌َُّ في ((صحیحه))، فقال : (٥٣٣٩) - حدّثني يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُروة، أن أسامة بن زيد أخبره، أن النبيّ وَل ﴿ رَكِب على حمار، على إِكَاف، على قَطِيفة فَذَكِيَة، وأردف أسامة وراءه، يعود سعد بن عُبادة، قبل وقعة بدر، فسار حتى مَرّ بمجلس فيه عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ، وذلك قبل أن يُسلم عبد الله، وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، عَبَدة الأوثان، واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غَشِيت المجلس عَجَاجة الدابة، خَمَّر عبد الله بن أُبَيّ أنفه بردائه، قال: لا تُغَبِّروا علينا، فسَلَّم النبيّ وَل﴿، ووقف، ونزل، فدعاهم إلى الله، فقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أُبَيّ: يا أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقّاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، وارجع إلى رَحْلك، فمن جاءك فاقصص عليه، قال ابن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغْشَنَا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبّ المسلمون، والمشركون، واليهود، حتى كادوا يتشاورون، فلم يزل النبيّ ◌َلّ يُخَفِّضهم حتى سكتوا، فركب النبيّ وَّ دابته، حتى دخل على سعد بن عُبادة، فقال له: ((أي سعدُ، ألم تسمع ما قال أبو حُبَاب؟))، يريد عبد الله بن أُبَيّ، ٣٨٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال سعد: يا رسول الله اعْفُ عنه، واصفح، فلقد أعطاك الله ما أعطاك، ولقد اجتَمَع أهل هذه الْبَحْرة أن يُتوِّجوه، فيعصبوه، فلما رُدّ ذلك بالحق الذي أعطاك، شَرِقَ بذلك، فذلك الذي فَعَل به ما رأيت. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٢] (١٧٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ، وَرَكِبَ حِمَاراً، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَ اللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارَِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَطْيَبُ رِيحاً مِنْكَ، قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ، وَبِالأَيَّدِي، وَبِالنِّعَالِ(٢)، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) څته، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ؛ كالأسانيد الأربعة الآتية بعده، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٣١٨) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس بن مالك ظله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات (٢ أو ٩٣)، وقد جاوز مائة سنة. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٣/٥. (٢) وفي نسخة: ((والنعال)).