Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٤)
الهمزة، وبالخاء، والشين المعجمتين -: هما جبلا مكة: أبو قُبيس، والذي
يقابله، وكأنه قُعيقعان، وقال الصغانيّ: بل هو الجبل الأحمر الذي يُشرف على
قُعيقعان.
قال الحافظ تَّتُهُ: ووَهِمَ من قال: هو ثور؛ كالكرمانيّ، وسُمِّيا بذلك؛
الصلابتهما، وغِلَظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما: أن يلتقيا على مَن بمكة،
ويَحْتَمِل أن يريد أنهما يصيران طبقاً واحداً. انتهى(١).
(فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لمَلَك الجبالِ عَه، (رَسُولُ اللهِ وَلِ) لا أريد هذا، (بَلْ
أَرْجُو) كذا هو عند البخاريّ للأكثرين، وللكشميهني: ((أنا أرجو))، (أَنْ
يُخْرِجَ اللهُ) بضم الياء، من الإخراج، (مِنْ أَصْلَابِهِمْ) - بفتح الهمزة: جمع
صُلْب؛ أي: ظهورهم، قال المجد تَّتُ: ((الصُّلْب)) بالضمّ، وبالتحريك: عظمٌ
من لدن الكاهل إلى الْعَجْب؛ كالصَّالب، جمعه: أَضْلُبِّ، وأَصلابٌ، وصِلَبَةٌ.
انتهى (٢). (مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ) منصوب على الحال، وإن كان معرفةً؛ لتأويله
بالنكرة؛ أي: منفرداً، كما قال ابن مالك تَقّتُهُ في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ«وَحْدَكَ اجْتَهِدْ)»
وقوله: (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)) تفسير لـ((وحْدَهُ))، وقد حقّق الله تَلَ رجاءه،
فأخرج الله تعالى من أصلابهم رجالاً كانوا يعبدونه حقّ عبادته، قاموا
بالتوحيد، ونَشْر الدعوة إلى الله وَك في أصقاع الأرض، ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تَرَةٌ
وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وهم: مِن الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: وإذا تأمّلتَ هذا الحديث انكشف لك من حاله وَل
[الأنبياء: ١٠٧](٣)،
معنى قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِّنا هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٥٣٠/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٢٢٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٧٤٧.
(٣) ((المفهم)) ٦٥٤/٣.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٤٤/٣٧] (١٧٩٥)، و(البخاريّ) في ((بدء
الخلق)) (٣٢٣١) و((التوحيد)» (٧٣٨٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٥/٤)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٥٦١)، و(أبو نعيم) في ((دلائل النبوّة)) (٣١٢)،
و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٤٧ - ٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٣٤٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٧٠/٨)، و(الآجرّيّ) في ((الشريعة))
(ص٤٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص١٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما لاقاه النبيّ وَليل من أذى قومه له، وإدبارهم عن قبول
الدعوة، وشدّة صبره على ذلك حتى فتح الله عليه، ودخل الناس في دين الله
أفواجاً، فحقّق الله تعالى له ما وعده بقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
[الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقوله:
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ
إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (@) الآية
[غافر: ٥١].
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الابتلاء
بقومهم حتى يعظم لهم الأجر، وتُرفع درجاتهم عند الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ وَّ﴿ على قومه، ومزيد صبره، وحِلْمه، وهو
موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله:
[الأنبياء: ١٠٧].
وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
٤ - (ومنها): حِرص عائشة ﴿ّا، وشدّة رغبتها في طلب العلم.
٥ - (ومنها): إثبات صفة العلم لله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٥] (١٧٩٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أبو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ
سُفْيَانَ، قَالَ: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضٍٍ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ، فَقَالَ:

٣٤٣
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٥)
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ))).
((هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعُ دَمِيتِ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٢ - (الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) العَبديّ، ويقال: العجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ
[٤] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٣٠/٣٦.
٣ - (جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان، نُسب لجدّه،
البجليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله الصحابيّ، نزل الكوفة، ثم البصرة (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
والباقيان تقدّما قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَهُ، وهو (٣١٦) من رباعيات الكتاب، وله
فيه شيخان، وأن صحابيّه ممّن نُسب إلى جدّه.
شرح الحديث:
(عَنْ جُنْدُبٍ) - بضمّ أوله، والدال تُفتح، وتُضمّ - (ابْنِ سُفْيَانَ) تقدّم أنه
ابن عبد الله بن سفيان، فهو في هذا السند منسوب إلى جدّه، (قَالَ: دَمِيَتْ)
- بفتح الدال، وكسر الميم -؛ أي: جُرِحِت، وخَرَج منها الدم، قال
الفيّوميّ ◌َْتُ: دَمِيَ الجرحُ دَمًّى، من باب تَعِبَ، وَدَمْياً أيضاً على التصحيح:
خرَجَ منه الدم، فهو دَم، على النقص، ويتعدَّى بالألف والتشديد(١). (إِصْبَعُ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ﴾ قال بعضهم: الإصبع فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث
الموحّدة، والعاشرة: أُصبوع، بوزن عُصْفُور، وأشهرها كسر الهمزة، مع فتح
الموحّدة، وهو الذي ارتضاه الفُصحاء.
قال الفيّوميّ: ((الأُصْبَعُ)): مؤنثة، وكذلك سائر أسمائها، مثلُ الخنصر،
والبنصر، وفي كلام ابن فارس ما يدلّ على تذكير الإصبع، فإنه قال: الأجود
في أصبع الإنسان التأنيث، وقال الصغانيّ أيضاً: يُذَكَّر، ويؤنّث، والغالب
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٠/١.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
التأنيث. انتهى(١).
(فِي بَعْضٍ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ) جمع مَشْهَد، بالفتح؛ کمَحْضَرٍ وزناً ومعنى،
والمراد: مكان الغزوات؛ أي: في بعض أماكن الغزوات التي شهدها
النبيّ ◌َط1، وفي الرواية التالية: ((كان رسول الله وَ ﴿ في غار، فنُكِبت إصبعه))،
وسيأتي الكلام عليه، وفي رواية للبخاريّ: ((بينما النبيّ وَّر يمشي، إذ أصابه
حجرٌ، فَعَثَرَ، فَدَمِيت إصبَعهُ))، وفي رواية: ((خرج إلى الصلاة))، وفي رواية
الطيالسيّ، وأحمد: ((كنت مع النبيّ وَّ في غار))، (فَقَالَ) وَرِ ((هَلْ أَنْتِ) بكسر
التاء خطاباً للإصبع، و((هل)) هنا للنفي، كما في قوله تعالى: ﴿مَلْ جَزَآءُ
٤)﴾ [الرحمن: ٦٠]، قال ابن هشام الأنصاريّ تَظّلهُ: يراد
اَلْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ
بالاستفهام بـ((هل)) النفي، ولذلك دخلت على الخبر بعدها ((إلا))، كما في الآية
المذكورة (٢). (إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتٍ)؛ أي: خرج منك الدم، (وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا
لَقِيتٍ))) قال النوويّ كَُّ: لفظ ((ما)) هنا بمعنى ((الذي))؛ أي: الذي لقيته
محسوب في سبيل الله، وقد سبق في (باب غزوة حُنين)) أن الرجز هل هو
شعر؟ وأن من قال: هو شعر قال: شَرْط الشعر أن يكون مقصوداً، وهذا ليس
مقصوداً، وأن الرواية المعروفة: ((دَمِيتْ))، و((لَقِيتْ)) بكسر التاء، وأن بعضهم
أسکنها. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا البيث أنشده النبيّ وَّير، وهو لغيره، قيل: إنه
الوليد بن المغيرة، وقيل: لعبد الله بن رواحة، ولو كان من قوله، فقد تقدَّم
العذر عنه في غزوة حنين. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: فقال:
((هَلْ أَنْتِ إِلَّ إِصْبَعْ دَمِيْتٍ
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ))
هذان قسمان من رجز، والتاء في آخرهما مكسورة، على وفق الشعر،
وجزم الكرمانيّ بأنهما في الحديث بالسكون، وفيه نظرٌ، وزعم غيره أن
النبيّ وَّ تعمّد إسكانهما؛ ليُخْرِجِ القِسْمَين عن الشعر، وهو مردود، فإنه يصير
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٣٢/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٢ - ١٥٦.
(٢) ((مغني اللبيب)) ٦٥٩/١.
(٤) ((المفهم)) ٦٥٥/٣.

٣٤٥
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ وَّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٥)
من ضرب آخر من الشعر، وهو من ضروب البحر الملَّقَّب ((الكامل))، وفي
الثاني زِحاف جائز، قال عياض: وقد غَفَل بعض الناس، فرَوَى (دَمِیت))،
و(لقيت))، بغير مدّ، فخالف الرواية؛ لِيَسْلَم من الإشكال، فلم يُصِبْ، وقد
اختُلِف هل قاله النبيّ وَّ﴿ متمثلاً، أو قاله من قبل نفسه، غيرَ قاصد لإنشائه،
فخرج موزوناً؟ وبالأول جزم الطبريّ وغيره، ويؤيده أن ابن أبي الدنيا في
((محاسبة النفس)) أوردهما لعبد الله بن رواحة، فذكر أن جعفر بن أبي طالب لَمّا
قُتِل في غزوة مؤتة، بعد أن قُتل زيد بن حارثة، أخذ اللواء عبد الله بن رواحة،
فقاتل، فأصيب إصبعه، فارتجز، وجعل يقول هذين القِسْمين، وزاد:
هَذِي حِيَاضُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتٍ فَقَدْ لَقِيتٍ
وهكذا جزم ابن التين بأنهما من شعر ابن رواحة.
وذكر الواقديّ أن الوليد بن الوليد بن المغيرة كان رافق أبا بَصِير في
صلح الحديبية، على ساحل البحر، ثم إن الوليد رجع إلى المدينة، فعَثَرَ
بالْحَرَّة، فانقطعت إصبعه، فقال هذين القسمين.
وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر موصولٍ بسند ضعيف، وقال ابن هشام
في زيادات ((السيرة)): حدّثني من أثق به أن النبيّ وَّه قال: ((مَنْ لي بعباس بن
أبي ربيعة؟))، فقال الوليد بن الوليد: أنا، فذكر قصةً فيها: فعَثَرَ، فَدَمِيت
إصبعه، فقالهما، وهذا إن كان محفوظاً احْتَمَلَ أن يكون ابن رواحة ضَمّنهما
شعره، وزاد عليهما، فإن قصة الحديبية قبل قصة مؤتة، وقد تقدم نحو هذا
الاحتمال في أوائل غزوة خيبر في الرجز المنسوب لعامر بن الأكوع:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وأنه نُسِب في رواية أخرى لابن رواحة.
وقد اختُلف في جواز تمثّل النبيّ وَّ بشيء من الشعر، وإنشاده، حاكياً
عن غيره، فالصحیح جوازه.
وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرد))، والترمذيّ، وصحّحه،
والنسائيّ، من رواية الْمِقْدام بن شُريح، عن أبيه، قلت لعائشة: أكان
رسول الله ◌َ﴿ يتمثّل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثّل من شعر ابن رواحة:

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
وأخرج ابن أبي شيبة نحوه، من حديث ابن عباس، وأخرج أيضاً من
مرسل أبي جعفر الخطميّ، قال: كان رسول الله وَّو يبني المسجد، وعبد الله بن
رواحة يقول :
أَفْلَحَ مَنْ يُعَالِجُ الْمَسَاجِدَا
فيقولها رسول الله وَّله، فيقول ابن رواحة:
يَثْلُو الْقُرْآنَ قَائِماً وَقَاعِدَا
فيقولها رسول الله وَ﴿، وأما ما أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) عن
عائشة ٹا :
تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا يُقَالُ لِشَيءٍ كَانَ إِلَّا تَحَقَّقْ
قال: وإنما لم يُعربه؛ لئلا يكون شعراً (١)، فهو شيء لا يصحّ، ومما يدلّ
على وهائه التعليل المذكور.
يؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة نظرته، قال: قال النبيّ وَّر:
((أصدق كَلِمَة قالها الشاعر كلمةُ لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ))
وأنه وسي * كان يجوز له أن يَحْكي الشعر عن ناظمه، وقد تقدم في غزوة
حنین قوله {په :
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وأنه دلّ على جواز وقوع الكلام منه منظوماً من غير قصد إلى ذلك، ولا
يُسَمَّى ذلك شعراً، وقد وقع الكثير من ذلك في القرآن العظيم، لكن غالبها
أشطار أبيات، والقليل منها وقع وَزْن بيت تامّ، فمن التام قوله تعالى:
﴿التَّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّنَّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]،
و﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَا عَرْشُّ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، و﴿مُسْلِمَتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَئِنَتٍ
تَبَتٍ عَنِدَاتٍ سَبِحَتٍ﴾ [التحريم: ٥]، و﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
٢٦
(١) ولفظ البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) ٤٣/٧: قالت عائشة وثها: ولم يقل تحققًا؛ لئلا
يعربه فيصير شعراً. انتهى.

٣٤٧
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٥)
[الحجر: ٤٩]،
٤٩
ت: ٢٦]، و﴿َيِّئْ عِبَادِىٌّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
و﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، و﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن
يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم﴾ [الأنفال: ٣٨]، و﴿وَحِفَانِ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣]،
و﴿وَأَتَّقُونِ يَكَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، و﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
٥٤
[صّ: ٥٤]، و﴿تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥]، و﴿فَقِمْ وَجْهَكَ
٤٩
◌ِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، و﴿وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِذْبَرَ النُّجُومِ
[الطور: ٤٩]، وكذلك السجود، و﴿ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ﴾
[البقرة: ٢١٣]، و﴿إِنِّ وَجَدتُ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا﴾ الآية
[النمل: ٢٣]، و﴿يَأْنِيَكُمُ الْتَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةُ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ﴾
الآية [البقرة: ٢٤٨]، و﴿وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَرٌ مِّنَ الله﴾ الآية [آل عمران: ١٥]،
و﴿وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية [التوبة: ١٤]،
و﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ اَلْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [الصافات: ٧١]، و﴿وَدَائِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ
[الإنسان: ١٤]، و﴿ وَتَأْكُلُونَ الثَُّثَ أَكْلًا لَّمَّا ﴿ وَتُحِبُّونَ
قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا
[الفجر: ١٩ - ٢٠]، والواو في كل منهما وإن كانت زائدة.
اُلْعَالَ حُبَّا جَمًّا (®
على الوزن، لكنه يجوز في النظم، ويسمى الْخَزْم بالزاي، بعد الخاء المعجمة.
وأما الأشطار فكثيرة جدّاً، فمنها:
﴿فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا
كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]،
﴿فِىّ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أَمَّمٌ﴾ [الرعد: ٣٠]، ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِ فِيَةِ﴾
[يوسف: ٣٢]، ﴿فَنِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ
٤٦
[الحجر: ٤٦]، ﴿كَانَ وَعْدُهُ، مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨]، ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾
[البقرة: ١٠٩]، ﴿أَلَ بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِلنََّارِ﴾
[الأنعام: ٦٠]، ﴿وَتَرَنَّهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى: ٤٥]، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
اٌلْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، ﴿وَاَللَّهُ أَرَّكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿حَتَّى يَخُوضُواْ
ج
فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿أَلَا
إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٣]، ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَهِزِ اُلْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ﴿نَقْذِفُ بِالخِّ عَلَى الْبَطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ﴿اَلْيَوْمَ

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١]، ﴿لَيْن
﴿ثَانِى
[عبس: ١٧]،
١٧
[إبراهيم: ٧]، ﴿قُئِلَ الْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ﴾ [ق: ٤]،
﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]، ﴿إِنَّ رَبِّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:
٥٠]، ﴿وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ٣]، ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ (٣)﴾ [العلق:
٢]، ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
[إبراهيم: ٢٨]، ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ
اَلْحَمِدُونَ الشَنَبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن
يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم﴾ [الأنفال: ٣٨]، ﴿كُلُّمَا أَضَآءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ
يَوْمَئِذٍ﴾ [طه: ١٠٢]، ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿يَأَيُّهَا الْإِسَنُ مَا غَرَّكَ﴾
[الانفطار: ٦]، ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا
[ص: ١٩]، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَضِرَاتٌ
عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح]، ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلِّ لَّهُ، أَوَبٌ
١﴾ [ص: ٥٢]، ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]،
اُلْطَرْفِ أَنْرَابُ
السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ﴿أَنْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]،
﴿ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ [النحل: ٦٧]، ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ٢].
١٠٦
ومن التامّ أيضاً: ﴿وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَ مُكْثٍ وَزَّْنَهُ نَزِيلًا
[الإسراء: ١٠٦]، وإذا انتهى إلى ﴿النَّاسِ﴾ تمّ أيضاً، وأيضاً: ﴿لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى
مُكْتٍ وَنَّْتَهُ نَزِيلًا﴾ .
وقيل في الجواب عن الحديث: إن وقوع البيت الواحد من الفصيح، لا
يُسَمَّى شعراً، ولا يسمى قائله شاعراً. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحث
مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله بن سُفيان ◌َتُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٥٤٢.

٣٤٩
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ وَهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٦)
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٤٥/٣٧ و٤٦٤٦] (١٧٩٦)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٢٨٠٢) و((الأدب)) (٦١٤٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٤٥)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٣/٦ و١٥٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١/
١٢٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧١٦/٨) و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٧٧٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٤ و٣١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٥٧٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧٠٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل
الآثار)) (٢٩٩/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠١/٣)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٣٤١/٤ و٣٤٢)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (١٣٨/٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٣/٧) و(«دلائل النبوّة)) (٤٣/٧ - ٤٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٤٠١)، وفوائده تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وََّ فِي غَارٍ، فَتُكِبَتْ إِصْبَعُه).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وکلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي غَارٍ، فَنُكِبَتْ إِصْبَعُه) كذا هو في الأصول
((في غار))، قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكنانيّ: لعله ((غازياً))،
فتصحّف، كما قال في الرواية الأخرى: ((في بعض المشاهد))، وكما جاء في
رواية البخاريّ: ((بينما النبيّ وَّ يمشي إذا أصابه حجرٌ))، قال القاضي: وقد
يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا الغار الذي هو الكهف، فيوافق رواية:
(بعض المشاهد))، ومنه قول عليّ ◌ُبه: ((ما ظنّك بامرئ بين هذين الغارين))؛
أي: العسكرين، والجمعين. انتهى (١).
وقال القرطبيّ نَّثُهُ: قوله: ((في غار، فنُكبت إصبعه))؛ أي: أصابتها
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٥٦.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
نَكْبة، دَمِيت لأجلها، وفي الرواية الأخرى: أنه كان في بعض المشاهد، وفي
البخاريّ: (بينا النبيّ وَلَه يمشي إذْ أصابه حجر))، فقال البيت المذكور، ظاهر
هاتين الروايتين مختلف، وأنهما قضيتان، ولكن العلماء حملوا الروايتين على
أنهما قضية واحد، فقال القاضي أبو الوليد: لعل قوله: ((في غار)) مصحّف من
غزو، وقال القاضي عياض: قد يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا واحد
غيران التي هي الكهوف، فيوافق قوله: ((في بعض المشاهد))، وقوله: ((يمشي))،
ولا يُعَدّ ذلك وهماً.
قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ إذ الغار ليس من أسماء الجيش.
(١)
.
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ليس من أسماء الجيش)) فيه نظر لا
يخفى، بل إطلاق الغار على الجمع والجيش ذكره أهل اللغة، فقال الجوهريّ:
والغارُ: الجيش، يقال: التقى الغاران؛ أي: الجيشان(٢)، وذكر المجد أيضاً
من معاني الغار: الجمع الكثير من الناس، والجيش(٣).
والحاصل أن ما أوَّل به القاضي عياض تأويل صحيح، وعليه فلا حاجة
لدعوى تعدّد القصّة، بل هي قصّة واحدة، فتأمل بالإمعان، والله تعالى وليّ
التوفيق.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الأسود بن قيس ساقها أبو بكر بن أبي
شيبة تَّثهُ في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٦٠٧١) - حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن
سفيان، أن النبيّ ◌َ﴿ كان في غار، فنُكِبت إصبعه، فقال:
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ))(٤)
((هَلْ أَنْتِ إِلَّ إِصْبَعْ دَمِيتٍ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٧] (١٧٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُباً يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ
(١) ((المفهم)) ٦٥٥/٣ - ٦٥٦.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٩٦٥.
(٢) ((الصحاح)) ص٧٨٨.
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٨٠/٥.

٣٥١
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َِهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٧)
الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَالضُّحَى
وَدَّعَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ -٣]).
وَلَّيْلِ إِذَا سَجَى
مَا
٢
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وهم المذكورون قبله، و((سفيان)) هو: ابن عيينة، والسند من رباعيّات
المصنّف تَخْتُ، وهو (٣١٧) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَظُّ في ((تقييده)) بعد إيراد الإسناد
المذكور ما نصّه: هكذا إسناده عند الجلوديّ، والكسائيّ: إسحاق بن إبراهيم
وحده، عن ابن عيينة، وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ من حديث مسلم،
وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن
إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب، زاد في الإسناد
رجلاً، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، قال أبو عليّ: ورواية الجماعة أولى.
(١)
انتھی(١).
شرح الحديث:
(عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العَبْدِيّ، أو العجليّ (أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُباً)؛ أي: ابن
عبد الله بن سفيان عظُّهَ (يَقُولُ: أَبْطَأَ)؛ أي: تأخّر (جِبْرِيلُ) عَلَُّ (عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾)؛ يعني: أنه تأخّر مجيؤه إليه، قيل: إن اشتكاء النبيّ رَّــ كما
يأتي في الرواية التالية - كان سببه استبطاء الوحي، وبه يُجمع بين الروايتين.
(فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) وفي رواية للبخاريّ: ((قال: احتَبَسَ جبريل عن النبيّ وَّه
فقالت امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه ... )) الحديث، وفي رواية الطبريّ:
((فقالت امرأة من أهله)).
قال في ((الفتح)): ولا مخالفة بينها؛ لأنهم قد يُطلقون لفظ الجمع،
ويكون القائل، أو الفاعل واحداً، بمعنى أن الباقين راضون بما وقع من ذلك
(٢)
الواحد. انتهى
(١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٨٨٠.
(٢) ((الفتح)) ٩٥/١١ - ٩٦، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٥٠).

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وتلك المرأة هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، كما يأتي بيان
ذلك، وجاء في بعض الروايات أنها خديجة، فقد وقع في رواية عند الحاكم:
((فقالت خديجة))، وأخرجه الطبريّ من طريق عبد الله بن شدّاد: ((فقالت
خديجة: ولا أرى ربّك))، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه: ((فقالت خديجة
لِمَا ترى من جَزَعه))، قال في ((الفتح)): وهذان طريقان مرسلان، ورواتهما
ثقات، فالذي يظهر أن كُلّاً من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل
عَبَّرت؛ لكونها كافرة بلفظ: ((شيطانك))، وخديجة عَبَّرت؛ لكونها مؤمنة بلفظ
(ربك))، أو ((صاحبك))، وقالت أم جميل شماتةً، وخديجة توجعاً. انتهى(١).
(قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ) ببناء الفعل للمفعول، من التوديع؛ أي: تُرك، يعنون أن
المَلَك الذي كان يجيؤه ودّعه، وترك المجيء إليه، (فَأَنْزَلَ اللهُ رَق) ردّاً على
مزاعمهم (﴿وَالضُّحَى ﴾﴾) قَسَمٌ من الله عَلَ بوقت الضحى، وما جعل فيه من
الضياء، قال الفرّاء: الضحى: النهار، (﴿وَِّلِ إِذَا سَجَى﴾)؛ أي: سكن،
فأظلم، وادْلَهَمَّ، وقال الفرّاء: ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا سَجَى @
: إذا أظلم، وركد في
طوله، تقول: بحر ساج، وليلٌ ساج: إذا سكن، وروى الطبريّ عن قتادة:
﴿إِذَا سَجَى﴾: إذا سكن بالخلق، كذا في ((الفتح))(٢)، وجواب القسم قوله: (﴿مَا
وَدَّعَكَ﴾) بتشديد الدال؛ أي: تركك، وعن ابن عبّاس ﴿هَا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾؛
أي: ما قطعك منذ أرسلك، (﴿وَمَا قَلَى﴾)؛ أي: وما أبغضك.
[تنبيه]: قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ هو بتشديد الدّال، على القراءات
الصحيحة المشهورة التي قرأ بها القُرّاء السبعة، وقُرئ في الشاذّ بتخفيفها، قال
أبو عبيد: هو من وَدَعَه يَدَعه، معناه: ما تركك، قال القاضي عياض:
النحويون ينكرون أن يأتي منه ماضٍ، أو مصدرٌ، قالوا: وإنما جاء منه
المستقبل، والأمر، لا غيرُ، وكذلك يَذَرُ، قال القاضي: وقد جاء الماضي،
والمستقبل منهما جميعاً، وفي ((صحيح مسلم)): ((لَيَنتهِيَنَّ قوم عن وَدْعِهِم
الجمعة))، وفيه أيضاً: ((إن شرّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من وَدَعه
(١) ((الفتح)) ٩٦/١١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٥١).
(٢) ((الفتح)) ٩٤/١١، كتاب ((التفسير".

٣٥٣
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٧)
الناس، أو تركه الناس اتّقاء فُحْشهِ))، وقال الشاعر:
وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأنفُسِهِمْ أَكْثَرُ نَفْعاً مِنَ الَّذِي وَدُعوا
وقال الآخر:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ
((غاله)) بِالْغَين المعجمة؛ أي: أخذه(١).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعاً: تركته، وأصل المضارع الكسر،
ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتِح؛ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين:
وزعمت النّحاة أن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، وقد
قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلة، ويزيد النَّحويُّ: (مَا وَدَعَك
رَبُّكَ) بالتّخفيف، وفي الحديث: (لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ))؛ أي: عن
تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقِلت من طريق القرّاء،
فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله فيجوز
القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الفيّوميّ تَخْذُ تحقيق نفيسٌ جدّاً.
والحاصل أن وَدَعَ ماضياً ثابت فصيح، غير أنه قليل الاستعمال، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَىِ ﴾؛ أي: ولَلدار الآخرة خير لك
من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله و لم أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها
اطِّراحاً كما هو معلوم بالضرورة من سيرته بَّه، ولمّا خُيِّر بَّرَ في آخر عمره
بين الخلد في الدنيا إلى آخرها، ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله رحبت اختار
ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.
أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عبد الله بن مسعود .
قال: اضطجع رسول الله وَ﴿ على حصير، فأَثَّر في جنبه، فلما استيقظ جعلتُ
أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟
(١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٠ - ١٧١، و((شرح النوويّ)) ١٥٧/١٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٥٣.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فقال رسول الله وَيقول: ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب ظَلّ تحت
شجرة، ثم راح، وتركها))، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾؛ أي: في الدار الآخرة
يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر
الذي حافّتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، وطينه مسكٌ أذفر.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي
المهاجر المخزوميّ، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عُرِض
على رسول الله وَيقر ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزاً كنزاً، فَسُرّ بذلك،
فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾، فأعطاه في الجنة ألف ألف
قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير، من
طريقه .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثلُ هذا ما
يقال إلا عن توقيف.
وقال السديّ، عن ابن عباس: من رضاء محمد ◌َّ و ألا يدخل أحد من
أهل بيته النار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال الحسن: يعني بذلك: الشفاعة. وهكذا قال أبو جعفر الباقر.
ثم قال تعالى يعدد نعَمه على عبده ورسوله محمد وَّ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا
فَشَاوَى (3﴾، وذلك أن أباه تُوفّي وهو حَمْلٌ في بطن أمه، وقيل: بعد أن
وُلد نَّهِ، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في
كفالة جدّه عبد المطلب، إلى أن تُوُفّي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو
طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويَرفع من قَدره وَيُوقّره، ويكفّ عنه أذى قومه
بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه
من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقَدَر الله وحُسن تدبيره، إلى أن تُوفي أبو طالب
قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجُهالهم، فاختار الله له الهجرة من
بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنَّته على
الوجه الأتم والأكمل، فلما وصل إليهم آوَوه ونَصَرُوه وحاطوه وقاتلوا بين يديه،
رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.

٣٥٥
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٧)
﴾؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ
٧
وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
أَمْرِنَّأْ مَا كُنْتَ نَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَّأَ
[الشورى: ٥٢]، ومنهم من قال: [إن] المراد
٥٢
وَإِنَّكَ لَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
بهذا أنه علَّا، ضلّ في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع، وقيل: إنه ضلّ وهو
مع عمه في طريق الشام، وكان راكباً ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن
الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل
بالراحلة إلى الطريق، حكاهما البغوي.
وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَبِلًا فَأَغْنَ ﴾﴾؛ أي: كنت فقيراً ذا عيال، فأغناك الله
عمن سواه، فجمع له بين مقامي: الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله
وسلامه عليه.
وقال أبو عبيدة: ﴿عَآَيِلًا﴾: ذا عيال، وقال الفرّاء: معناه فقيراً، وقد وجدتها
في مصحف عبد الله: (عَدِيماً)، والمراد: أنه أغناه بما أرضاه، لا بكثرة المال(١).
وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمَّ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾﴾ قال: كانت هذه منازل الرسول و ﴿ قبل أن
يبعثه الله رَّك. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وفي الصحيحين - من طريق عبد الرزاق - عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَّه
قال: هذا ما حَدّثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله وَّيقول: ((ليس الغنى عن كثرة
العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس)).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: ((قد
أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقتّعه الله بما آتاه)).
ثم قال: ﴿فَمَّا الْيَتِيَمَ فَلَا نَقْهَرْ ﴾﴾؛ أي: كما كنت يتيماً، فآواك الله فلا
تقهر اليتيم؛ أي: لا تُذِلَّه، وتنهره، وتُهِنْه، ولكن أحسِنْ إليه، وتلطف به.
قال قتادة: کن للیتیم کالأب الرحیم.
السَّابِلَ فَلَا
◌َ
أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر
ٹنهر
السائل في العلم المسترشد.
(١) ((الفتح)) ٩٤/١١، كتاب ((التفسير)).

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال ابن إسحاق: ﴿وَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴾﴾؛ أي: فلا تكن جباراً، ولا
متكبراً، ولا فَخَّاشاً، ولا فَظّاً على الضعفاء من عباد الله.
وقال قتادة: يعني: رُدَّ المسكين برحمة ولين.
﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾﴾؛ أي: وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله،
فحدِّث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: ((واجعلنا شاكرين
لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمّها علينا)).
وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن مِنْ شكر
النِّعم أن يحدّث بها .
وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَلقر قال: ((لا يشكر الله
من لا يشكر الناس))، وقال الترمذيّ: حديث صحيح(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله ظه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٤٧/٣٧ و٤٦٤٨ و٤٦٤٩] (١٧٩٧)،
و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٢٤ و١١٢٥) و((التفسير)) (٤٩٥١) و((فضائل
القرآن)) (٤٩٨٣)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٤٤٢/٥)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٥١٧/٦)، و(الصنعانيّ) في ((تفسيره)) (٣٧٩/٣)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٣٤٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢١/٤ و٣١٣)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٧٣/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٢/٤ و٣٤٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٤/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول هذه السورة الكريمة، وأنه إبطاء جبريل
لـ
على النبيّ ◌َط98، ويأتي في الرواية التالية: ((أنه وَّر اشتكى، فلم يقم ليلتين، أو
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) تختمُ ٤٢٣/٨ - ٤٢٨.

٣٥٧
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌ِ ﴿ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٧)
ثلاثاً، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد
تركك ... )) الحديث، قال الحافظ تَُّ في ((الفتح)): لم تُرِد الشكوى المذكورة
بعينها، وأن من فَسَّرها بإصبعه التي دَمِيت لم يُصِب، ووجدت الآن في
الطبرانيّ بإسناد فيه مَن لا يُعْرَف أن سبب نزولها وجود جِرْوٍ كلبٍ تحت
سريره 143 لم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصّة إبطاء جبريل بسبب كون
الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذٌ
مردود بما في ((الصحيح))، والله أعلم.
وورد لذلك سبب ثالث، وهو ما أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن
ابن عباس ظما قال: ((لمّا نزل على رسول الله صل﴿ القرآن أبطأ عنه جبريل
أياماً، فتغيّر بذلك، فقالوا: وَدَّعَهُ ربه، وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ
وَمَا قَلَى (®)))، ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: ((فَتَرَ الوحي حتى شَقَّ
ذلك على النبيّ وَّ﴿، وأحزنه، فقال: لقد خَشِيت أن يكون صاحبي قلاني،
فجاء جبريل بسورة: والضحى))، وذكر سليمان التيميّ في ((السيرة)) التي
جمعها، ورواها محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال:
((وفَتَر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لَتَتَابَع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله:
و﴿أَلَرَ نَشْرع﴾ بكمالهما)).
﴿وَالضُّحَى ﴾
وكل هذه الروايات لا تثبت، والحقّ أن الفترة المذكورة في سبب نزول
﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أياماً، وهذه
لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثاً، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك
ما بيّنته، وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد.
ووقع في ((سيرة ابن إسحاق)) في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى ﴾﴾ شيء آخر،
فإنه ذكر أن المشركين لمّا سألوا النبيّ وَّر عن ذي القرنين، والروح، وغير
ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة، أو
أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة: والضحى،
٣٣
وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا
إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. انتهى، وذِكْر سورة الضحى هنا بعيد،
لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقارباً، فضمّ بعض الرواة إحدى

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث، وإنما كان بعد
ذلك بمدّة، والله أعلم. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان عناية الله تعالى بنبيّه وَله، حيث أنزل عليه هذه السورة
العظيمة لَمّا قال المشركون: ودّعه ربه.
٣ - (ومنها): ماكان عليه المشركون من التربّص برسول الله وَله،
وبأصحابه؛ كي يطعنوا فيهم، ويلمزوهم، ويغمزوهم، وفيهم أنزل الله رغبتك:
﴿وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَقْ لُزَوْ (
﴾ إلى آخر السورة.
٤ - (ومنها): أن من حكمة تأخّر جبريل عليه عن النبيّ ◌َّقو؛ ليشتاق إليه
أشدّ اشتياق، ويُقبل عليه أتمّ إقبال، وأيضاً فإنه لا ينزل إلا بأمر الله ◌ُعَالَ، فقد
أخرج البخاريّ عن ابن عباس ◌ً أن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((يا جبريل ما يمنعك أن
تزورنا أكثر مما تزورنا؟))، فنزلت: ﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا
خَلْفَنَا﴾ إلى آخر الآية [مريم: ٦٤].
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: إن تأخير نزول الوحي أحياناً إنما كان يقع
الحكمة تقتضي ذلك، لا لِقَصْد تركه أصلاً، فكان نزوله على أنحاء شتى، تارةً
يتتابع، وتارة يتراخى، وفي إنزاله مفرَّقاً وجوه من الحكمة:
[منها]: تسهيل حفظه؛ لأنه لو نزل جملة واحدة على أمة أمية، لا يقرأ
غالبهم، ولا يكتب لشقّ عليهم حفظه، وأشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله
ردّاً على الكفار: وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ﴾ - أي:
أنزلناه مفرقاً - ﴿لِيُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ
لِنَقْرَأَهُ، عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
[ومنها]: ما يستلزمه من الشرف له، والعناية به؛ لكثرة تردّد رسول ربه
إليه، يُعْلِمه بأحكام ما يقع له، وأجوبة ما يُسأل عنه، من الأحكام،
والحوادث.
[ومنها]: أنه أُنزل على سبعة أحرف، فناسب أن ينزل مفرّقاً؛ إذ لو نزل
دَفْعَةً واحدةً لشقّ بيانها عادةً.
(١) ((الفتح)) ٩٤ - ٩٦، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٥٠).

٣٥٩
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٨)
[ومنها]: أن الله قدَّر أن يَنسَخ من أحكامه ما شاء، فكان إنزاله مفرَّقاً
لينفصل الناسخ من المنسوخ أولى من إنزالهما معاً.
وقد ضَبَطِ النَّقَلة ترتيب نزول السور، ولم يَضبطوا من ترتيب نزول الآيات
إلا قليلاً، وقد تقدّم في ((تفسير اقرأ باسم ربك)) أنها أول سورة نزلت، ومع
ذلك فنزل من أولها أولاً خمس آيات، ثم نزل باقيها بعد ذلك، وكذلك سورة
المدّثر التي نزلت بعدها، نزل أولها أولاً، ثم نزل سائرها بعدُ، وأوضحُ من
ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه الحاكم وغيره، من حديث
قال: كان النبيّ ◌َّ تنزل عليه الآيات، فيقول:
ابن عباس عن عثمان
((ضعوها في السورة التي يُذكَر فيها كذا)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع - وَاللَّفْظُ
لِابْنِ رَافِع - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَخْبَى بْنُ أَدَمَ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنٍ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْذَّبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثاً، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي
لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَ:
(
٣
، (جَ مَا وَدَّمَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَتِلِ إِذَا سَجَى
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ)ً بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ، فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، و(زُهير)) هو: ابن معاوية بن حُديج.
شرح الحديث:
(عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ) هو جندب بن
عبد الله بن سفيان، نُسبَ لجدّه، كما أسلفته في الحديث الماضي، وقبله.
(١) ((الفتح)) ١٦٢/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨٣).

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهَِِّ)؛ أي: مَرِضَ، قال المجد رَّتُهُ: الشَّكْوُ،
والشَّكْوَى، والشَّكْوَاءُ، والشَّكَاةُ، والشَّكَاءُ: الْمَرَضُ(١).
ووقع في رواية قيس بن الربيع بلفظ: ((مَرِضَ))، قال الحافظ تَخُّْ: ولم
أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية، لكن وقع في
الترمذيّ من طريق ابن عيينة، عن الأسود، في أول هذا الحديث، عن جندب،
قال: ((كنت مع النبيّ ◌ََّ في غار، فَدَمِيَت إصبعه، فقال:
هَلْ أَنْتِ إِلَّ إِصْبَعْ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ
قال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمد، فأنزل الله:
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾)). انتهى، فظَنَّ بعض الشراح أن هذا بيان للشكاية المجملة في
((الصحيح))، وليس كما ظَنّ، فإن في طريق عبد الله بن شداد أن نزول هذه
السورة كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبيّ وَّ إلا متأخراً، كما
حكاه البغويّ في ((معجم الصحابة))، عن الإمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان،
حكاهما جندب: إحداهما: مرسلة، والأخرى موصولة؛ لأن الأُولى لم
يحضرها، فروايته لها مرسلة، من مراسيل الصحابة، والثانية: شهدها، كما ذكر
أنه كان مع النبيّ وَ *، ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية
سفيان اتِّحادهما، والله أعلم. انتهى(٢).
(فَلَمْ يَقُمْ)؛ أي: لصلاة التهجّد، فلم يقرأ القرآن في الليل، (لَيْلَتَيْنِ، أَوْ
ثَلَاثاً، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) هي أم جميل بنت حرب العوراء امرأة أبي لهب، وأخت
أبي سفيان، (فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ) تريد - قبّحها الله
تعالى - بذلك جبريل لعلّها. (قَدْ تَرَكَكَ)؛ أي: لا يأتيك بالوحي، وفي رواية
للبخاريّ في ((فضائل القرآن)): ((فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك
إلا قد تركك))، وله في ((التفسير)): ((قال: قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرى
صاحبك إلا أبطأ عنك))، وزاد النسائيّ في أوله: ((أبطأ جبريل على النبيّ وَّل،
فقالت امرأة ... )) الحديث.
(١) ((القاموس المحيط)) ص٧٠٢.
(٢) ((الفتح)) ٥١٢/٣ - ٥١٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢٥).