Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
باطن ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشّره
النبيّ وَّه بالفتح، فسكن جأشه، وطابت نفسه. انتهى(١).
(فِي) أمر (دِبنِنَا، وَنَرْجِعُ) إلى المدينة، (وَلَمَّا) نافية؛ أي: لم (يَحْكُم اللهُ
بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ؟) بإظهار الحقّ، ودحض الكفر، (فَقَالَ) وَّهِ ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي
رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَداً))؛ أي: بعدم نصري، وإظهار الإسلام، وفي
رواية للبخاريّ: ((قال: إني رسول الله، ولست أعصيه))، وهذا تنبيه منه وَلقه
لعمر رظُه؛ أي: إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة،
وإني لست أفعل ذلك برأيي، وإنما هو بوحي.
(قَالَ: فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (عُمَرُ) رَُّبُه (فَلَمْ يَصْبِرْ)؛ أي: لم يحبس
نفسه في مجلس النبيّ وَّ، بل ذهب، وقوله: (مُتَغَيِّظاً) حال من ((عمر))؛ أي:
انطلق من المجلس حال كونه ممتلىء الغيظ من الصلح، و((الغيظ)): شدّة
الغضب، قال الفيّوميّ تَّقُهُ: الغَيْظُ: الغضب المحيط بالْكَبِد، وهو أشدّ الْحَنَقِ،
وفي التنزيل: ﴿قُلّ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو مصدر مِنْ غَاظَهُ
الأمرُ، من باب سار، قال ابن الأعرابيّ - كما حكاه الأزهريّ -: غَاظَهُ يَغِيظُهُ،
وأَغَاظَهُ بالألف، واسم المفعول من الثلاثيّ مَغِيظٌ، قال الشاعر [من البسيط]:
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ
واغْتَاظَ فلان من كذا، ولا يكون الغَيْظُ إلا بوصول مكروه إلى المُغْتَاظِ،
وقد يقام الغَيْظُ مقام الغضب في حقّ الإنسان، فيقال: اغْتَاظَ من لا شيءٍ، كما
يقال: غَضِب من لا شيءٍ، وكذا عكسه. انتهى(٢).
(فَأَتَّى) عمر ◌َّهِ (أَبَا بَكْرٍ) الصدّيقِ رَبُه (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَسْنَا عَلَى
حَقِّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ) أبو بَكَر ◌َبُهُ (بَلَى، قَالَ) عمر ◌َظُهُ (أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي
الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) أبو بكر (بَلَى، قَالَ) عمر (فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي
دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمُ اللهُ بَيْئَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ) أبو بكر
وعنه
(يَا ابْنَ
الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنَّ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَداً) قال النوويّ كَّتُ: قال العلماء:
لم يكن سؤال عمر ظه، وكلامه المذكور شكّاً، بل طلباً لكشف ما خفي
(١) ((المفهم) ٦٤٠/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٩/٢.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عليه، وحَثّاً على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عُرِف من خُلُقه
وقوّته في نُصرة الدين، وإذلال المبطلين، وأما جواب أبي بكر حظوته لعمر بمثل
جواب النبيّ ◌َّ فهو من الدلائل الظاهرة على عَظِيم فضله، وبارع علمه،
وزيادة عرفانه، ورسوخه في كل ذلك، وزيادته في ذلك كلُّه على غيره ◌َظُله.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: لم يراجع عمر ظه أحداً في ذلك بعد
رسول الله وَ ل غير أبي بكر الصديق ◌َظُه، وذلك لجلالة قدره، وسعة علمه
عنده، وفي جواب أبي بكر لعمر ﴿هَا بنظير ما أجابه النبيّ وَّهِ سواءً دلالة على
أنه كان أكمل الصحابة ﴿ه، وأعرفهم بأحوال رسول الله وَليل، وأعلمهم بأمور
الدين، وأشدّهم موافقةً لأمر الله تعالى، وقد وقع التصريح في هذا الحديث بأن
المسلمين استنكروا الصلح المذكور، وكانوا على رأي عمر في ذلك، وظهر من
هذا الفصل أن الصدّيق لم يكن في ذلك موافقاً لهم، بل كان قلبه على قلب
رسول الله وَ﴿ سواءً، وفي الهجرة أن ابن الدَّغِنَة وَصَفَ أبا بكر الصديق
بنظير ما وصفت به خديجة رسول الله وَ * سواءً، من كونه يَصِل الرحم،
ويَحْمِلِ الْكَلّ، ويعين على نوائب الحقّ، وغير ذلك، فلما كانت صفاتهما
متشابهة من الابتداء استمرّ ذلك إلى الانتهاء. انتهى (٢).
(قَالَ) سهل بن حُنيف ◌َّهِ (فَتَزَلَ الْقُرْآنُ) المراد أنه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (٣)﴾ [الفتح: ١]، ففيه إطلاق القرآن على بعضه، (عَلَى
رَسُولِ اللهِّهِ بِالْفَتْح)؛ أي: قوله وَى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (٦) ... إلخ
(فَأَرْسَلَ) النبيّ وَِّ (إِلَى عُمَرَ) ◌َبَه (فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ)؛ أي: القرآن المنزل بالفتح
(فَقَالَ) ◌َظُهُ (يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟)؛ أي: الصلح الواقع في الحديبية يعدّ
فتحاً، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على محذوف خبرٍ لمقدّر؛ أي: أهذا
نصر، وفتح؟ (قَالَ) بَّرِ (نَعَمْ))) هو فتح عظيم، ونصر جسيم؛ إذ ترتّب عليه
مصالح عظيمة، وفتوحات جسيمة، فقد حصل في زمن الهدنة فتح خيبر،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤١/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٦٤٦/٦، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).

٢٢٣
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
وقسمة غنائمها على المسلمين، وكذلك مغانم أخرى، وانتشرت الدعوة
الإسلاميّة في البلدان النائية، واستطاعوا أن يرسلوا كتب الدعوة إلى ملوك
الأقاليم، وقد بيَّن الله وَلَ فتحاً عظيماً، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٌ يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٣)
١٨
كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَّكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَ اَللَّهُ بِهَاْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى
وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا
[الفتح: ١٨ - ٢١].
٢١
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
(فَطَابَتْ نَفْسُهُ)؛ أي: انشرح صدر عمر رَُّّه لهذا الصلح، (وَرَجَعَ) إلى
رَحْله راضياً مسروراً، قال النوويّ كَّتُهُ: وكان الفتح هو صلحَ يوم الحديبية،
فقال عمر رَله: أَوَ فتحُ هو؟ قال رسول الله وَّر: ((نعم))؛ لِمَا فيه من الفوائد
التي قدّمنا ذكرها، وفيه إعلام الإمام، والعالم كبار أصحابه بما يقع له من
الأمور المهمّة، والبعث إليهم لإعلامهم بذلك(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن حُنیف
رَُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٢٤/٣٢ و٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٦٢٧] (١٧٨٥)،
و(البخاريّ) في ((الجزية)) (٣١٨١ و٣١٨٢) و(المغازي)) (٤١٨٩) و((التفسير))
(٤٨٤٤) و((الاعتصام)) (٧٣٠٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٣/٦)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٥١/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٨٥/٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٦/٤ و٢٩٧ و٢٩٨)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٢/
٥٧) و((الكبير)) (٨٨/٦)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٢٦/ ٧٠)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٢٢/٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٢.
-

٢٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أصاب المسلمين من شدّة الغضب على صلح
الحديبية؛ لظنهم أنه فيه هضماً لهم، وإذلالاً، إلا أنه وَ لجر رأى ما هو أصلح من
ذلك، فوافق على الصلح، فكان خيراً لهم.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر ظّ
من الشدّة والصلابة في الدين،
بحيث إنه لم يستطع أن يسكت، فأتى إليه و ﴿، فكلّمه، بغلظة، إلا أنه أجابه
بما اقتنع به، فرجع مقتنعاً.
٣ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ◌ُه على سائر الصحابة، فإنهم
انزعجوا لذلك الصلح، وهو ثابتٌ غير قَلِقِ؛ لقوّة إيمانه، وشدّة تمسّكه بوعد الله
تعالى الذي لا يُخلف: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَمَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ
[غافر: ٥١].
يَقُومُ الْأَشْهَدُ
٤ - (ومنها): بيان سبب نزول ((سورة الفتح))، وهو قضيّة الحديبية.
٥ - (ومنها): أن ما ترتّب عليه الفتح يسمّى فتحاً، فإن صلح الحديبية
جاء بعد فتح خيبر، وغيرها، فسُميّ فتحاً، حتى قال عمر ظُه: ((أوَ فتح
هو؟))، فقال ◌َ: ((نعم)).
٦ - (ومنها): بيان ذمّ الرأي، فقد قال سهل ◌ُبه: ((أيها الناس اتّهموا
رأيكم على دينكم))، وقد جاء عن عمر ظبه نحوه، ولفظه: ((اتقوا الرأي في
دينكم))، أخرجه البيهقيّ في ((المدخل))، هكذا مختصراً، وأخرجه هو والطبريّ،
والطبرانيّ مُطَوَّلاً، بلفظ: اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني أردّ أمر
رسول الله وَ﴿ برأيي اجتهاداً، فوالله ما آلو عن الحقّ، وذلك يوم أبي جندل،
حتى قال لي رسول الله وَليقول: ((تراني أَرْضَى، وتأبى)).
والحاصل أن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النصّ، وإلى هذا
يومئ قول الشافعيّ ◌َّتُهُ فيما أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، إلى أحمد بن
حنبل، قال: سمعت الشافعيّ يقول: القياس عند الضرورة، ومع ذلك فليس
العامل برأيه على ثقة من أنه وقع على المراد، من الحُكْم في نفس الأمر،
وإنما عليه بذل الوسع في الاجتهاد؛ ليؤجَر، ولو أخطأ، وبالله التوفيق.
وأخرج البيهقيّ في ((المدخل))، وابن عبد البر في ((بيان فضل العلم)) عن

٢٢٥
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
جماعة من التابعين؛ كالحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ،
بأسانيد جياد ذََّ القول بالرأي المجرّد، ويَجمَع ذلك كلَّه حديثُ أبي هريرة
مرفوعاً: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لِمَا جئت به))، أخرجه
الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صححه النوويّ في آخر
((الأربعين)).
وأما ما أخرجه البيهقيّ من طريق الشعبيّ، عن عمرو بن حريث، عن
عمر ظُته، قال: ((إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم
الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضَلَّوا، وأضلوا))، فظاهرٌ في أنه أراد
ذمّ من قال بالرأي مع وجود النصّ من الحديث؛ لإغفاله التنقيب عليه، فهذا
يلام، وأولى منه باللوم مَن عَرَف النصّ، وعَمِل بما عارضه من الرأي، وتَكَلَّف
لردّه بالتأويل.
وقال ابن عبد البرّ كَُّ في ((بيان فضل العلم)) بعد أن ساق آثاراً كثيرةً في
ذمّ الرأي ما مُلَخَّصه: اختَلَفَ العلماء في الرأي المقصود إليه بالذمّ في هذه
الآثار، مرفوعِهَا، وموقوفها، ومقطوعها، فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد
بمخالفة السنن؛ لأنهم استعملوا آراءهم، وأقيستهم في ردّ الأحاديث، حتى
طَعَنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر، كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن
يَخْرُج أحدٌ من النار، بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض، والميزان، وعذاب
القبر، إلى غير ذلك، من كلامهم في الصفات، والعلم، والنظر.
وقال أكثر أهل العلم: الرأي المذموم الذي لا يجوز النظر فيه، ولا
الاشتغال به هو ما كان في نحو ذلك من ضروب البِدَع، ثم أسند عن أحمد بن
حنبل، قال: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَلٌ ..
قال: وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو
القول في الأحكام بالاستحسان، والتشاغل بالأُغلوطات، وردّ الفروع بعضها
إلى بعض، دون ردّها إلى أصول السنن، وأضاف كثير منهم إلى ذلك من
يتشاغل بالإكثار منها قبل وقوعها؛ لِمَا يلزم من الاستغراق في ذلك من تعطيل
السنن .
وقوَّى ابن عبد البرّ هذا القول الثاني، واحتَجَّ له، ثم قال: ليس أحد من

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
علماء الأمة يَثْبُت عنده حديث عن رسول الله وَّ و بشيء، ثم يردّه إلا بادّعاء
نسخ، أو معارضة أثر غيره، أو إجماع، أو عمل يجب على أصله الانقياد إليه،
أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك بغير ذلك لسقطت عدالته، فضلاً عن أن يُتَّخَذ
إماماً، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك.
ثم ختم الباب بما بلغه عن سهل بن عبد الله التستريّ الزاهد المشهور،
قال: ما أحدث أحدٌ في العلم شيئاً إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السُّنَّة
سَلِمَ، وإلا فلا، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، يَقُولُ بِصِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ(٢) اَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، وَاللهِ لَقَدْ
رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ لَرَدَدْتُهُ، وَاللهِ
مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرِ قَطَّ، إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرِ نَعْرِفُهُ، إِلَّا
أَمْرَكُمْ هَذَا، لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ ثُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَطُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧)، وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) وله (٨٢)
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
(١) ((الفتح)) ١٩٣/١٧ - ١٩٤، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٨).
(٢) وفي نسخة: ((يا أيها الناس)).

٢٢٧
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٥)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِصِفِّينَ) قال في ((الفتح)): المشهور في ((صِفُّين)) كسر الصاد
المهملة، وبعضهم فَتَحها، وجزم بالكسر جماعة من الأئمة، والفاء مكسورة،
مثقَّلة، اتفاقاً، والأشهر فيها بالياء قبل النون؛ كمارِدِين، وفلسطين، وقِنْسرين،
وغيرها، ومنهم من أبدل الياء واواً في الأحوال، وعلى هاتين اللغتين فإعرابها
إعراب غِسْلين، وعَرْبون، ومنهم من أعربها إعراب جمع المذكر السالم،
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ﴾ [المطففين:
فتتصرف بحسب العوامل، مثل: ﴿لَفِى عِّينَ
١٨، ١٩]، ومنهم من فتح النون مع الواو لزوماً، نَقَل كل ذلك ابن مالك، ولم
يذكر فتح النون مع الياء لزوماً. انتهى(١).
وقوله: (اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ) وفي الرواية: ((اتهموا رأيكم على دينكم))؛ أي:
لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرّد الذي لا يستند إلى أصل من الدين،
وهو كنحو قول عليّ ◌ُّه فيما أخرجه أبو داود بسند حسن: (لو كان الدين
بالرأي، لكان مسح أسفل الخفّ أولى من أعلاه)).
وقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيت نفسي.
وقوله: (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) - بالجيم، والنون، وزانُ جعفر - وكان اسمه
العاصي، فتركه لَمّا أسلم، وله أخ اسمه عبد الله، أسلم أيضاً قديماً، وحضر
مع المشركين بدراً، ففرّ منهم إلى المسلمين، ثم كان معهم بالحديبية، ووَهِمَ
من جعلهما واحداً، وقد استُشهِد عبدُ الله باليمامة، قبل أبي جندل بمدّة، وأما
أبو جندل، فكان حُبِس بمكة، ومُنِعٍ من الهجرة، وعُذُب بسبب الإسلام، وفي
رواية ابن إسحاق: «فإن الصحيفة لتُكْتَب إذ طلع أبو جندل بن سهيل، وكان
أبوه حبسه، فأفلت))، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة: ((وكان سُهيل أوثقه،
وسجنه حين أسلم، فخرج من السجن، وتنكّب الطريق، وركب الجبال، حتى
هبط على المسلمين، ففرِحَ به المسلمون، وتلقَّوه))، ذكره في ((الفتح))(٢).
وقوله: (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) هو يوم الحديبية، و((أبو جندل)) - بفتح الجيم،
(١) ((الفتح) ١٩٢/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٨).
(٢) ((الفتح)) ٦٤٣/٦ - ٦٤٤، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وسكون النون - واسمه العاص بن سُهيل بن عمرو، وإنما نَسَبَ اليوم إليه، ولم
يقل: يوم الحديبية؛ لأن ردّه إلى المشركين كان شاقّاً على المسلمين، وكان
ذلك أعظم عليهم من سائر ما جرى عليهم من سائر الأمور، وكان أبو جَنْدَل
جاء إلى النبيّ وَّ﴿ من مكة مسلماً، وهو يجرّ قيوده، وكان قد عُذِّب على
الإسلام، فقال سهل والده: يا محمد هذا أوّلُ ما أقاضيك عليه، فَرَدّ عليه أبا
جندل، وهو ينادي: أتردّونني إلى المشركين، وأنا مسلم، وترون ما لقيت من
العذاب في الله؟ فقام سهل إلى ابنه بحجر، فكسر قيده، فغارت نفوس
المسلمين يومئذ، حتى قال عمر به: ألسنا على الحقّ؟ فعلى ما نعطي الدنيّة
في ديننا؟ أي: لِمَ نَرُدُّ أبا جندل إليهم، ولا نقاتلهم، ولا نرضى بهذا
الصلح؟(١).
وفي حديث المسور عند البخاريّ: ((قال أبو جندل: أي معشر
المسلمين، أُردّ إلى المشركين، وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقِيتُ؟ وكان
قد عُذّب عذاباً شديداً في الله))، زاد ابن إسحاق: ((فقال رسول الله وَله: يا أبا
جندل اصْبِرْ، واحتسب، فإنا لا نَغْدِر، وإن الله جاعل لك فرجاً، ومخرجاً))،
وفي رواية أبي المليح: ((فأوصاه رسول الله بَّر، قال: فوثب عمر مع أبي
جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم
كدم كلب، قال: ويُدني قائمة السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذه مني،
فيضرب به أباه، فضَنّ الرجل))؛ أي: بخل بأبيه، ونفذت القضية.
قال الخطابيّ نَّثُ: تأوّل العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على
و جھین :
أحدهما: أن الله قد أباح التقِيَّةَ للمسلم، إذا خاف الهلاك، ورَخَّصَ له أن
يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان، إن لم يُمكنه التورية، فلم يكن ردّه إليهم
إسلاماً لأبي جندل إلى الهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص من الموت
بالتقية.
والوجه الثاني: أنه إنما ردّه إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاكَ،
(١) ((عمدة القاري)) ١٠٣/١٥ - ١٠٣.

٢٢٩
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٥)
وإن عذبه، أو سجنه، فله مندوحة بالتقية أيضاً، وأما ما يُخاف عليه من الفتنة،
فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين.
واختَلَفَ العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يُرَدّ إليهم من
جاء مسلماً من عندهم إلى بلاد المسلمين، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلّت
عليه قصة أبي جندل، وأبي بصير، وقيل: لا، وأن الذي وقع في القصة
منسوخ، وأن ناسخه حديث: ((أنا بريء من مسلم بين مشركين))، وهو قول
الحنفية، وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبيّ، فلا يُردّان، وقال
بعض الشافعية: ضابط جواز الردّ: أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه
الهجرة من دار الحرب، والله أعلم، قاله في ((الفتح)(١).
وقوله: (وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ لَرَدَدْتُهُ) أشار
سهل رعَُّه بهذا الكلام إلى جواب الذين اتهموه بالتقصير في القتال يوم صفين،
فقال: كيف تنسبونني إلى التقصير؟ فلو كان لي استطاعة على ردّ أمر النبيّ وَلقوله
يوم الحديبية لرددته، ولم يكن امتناعي عن القتال يومئذ للتقصير، وإنما كان
لأجل أمر النبيّ ◌َّر بالصلح.
وقوله: (وَاللّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا ... إلخ)؛ يعني: ما جرّدنا
سيوفنا في الله.
وقوله: (إِلَى أَمْرٍ قَطَ) وفي الرواية التالية: ((إلى أمر يُفظعنا)) - بالظاء
المعجمة المكسورة، بعد الفاء الساكنة -؛ أي: يوقعنا في أمر فظيع، وهو
الشديد في القبح ونحوه، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: فَظُع الأمر فَظَاعةً: جاوز الحدّ في القُبح، فهو
فَظِيعٌ، وأفظع إفظاعاً، فهو مُفظع مثله، وأُفْظِعَ الرجلُ، بالبناء للمفعول: نَزَلَ به
أمر شديدٌ. انتهى (٣).
(١) ((الفتح)) ٦٤٥/٦، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).
(٢) ((الفتح)) ١٩١/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٨).
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقوله: (إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرِ نَعْرِفُهُ)؛ أي: سلكن بنا طريقاً سهلاً
يوصلنا إلى الأمر الذي نعرف كونَهُ صالحاً لنا، ورافقاً بنا .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أسهلن)) بسكون اللام، بعد الهاء والنون
المفتوحتين، والمعنى: أنزلننا في السهل من الأرض؛ أي: أفْضَيْنَ بنا، وهو
كناية عن التحوّل من الشدّة إلى الفرج(١).
وقال عياض تَّتُهُ: استعارة من نزول السهل من الأرض، والخروج إلى
السعة من الضيق، وإلى اللين من الشدة(٢).
وقوله: (إِلَّا أَمْرَكُمْ هَذَا)؛ يعني: أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين في
صفّين وغيره، فإنها مشكلة حيث حَلَّت المصيبة بقتل المسلمين.
ومراد سهل ربه: أنهم كانوا إذا وقعوا في شدّة يحتاجون فيها إلى القتال
في المغازي، والثبوت، والفتوح العُمَرية، عَمَدُوا إلى سيوفهم، فوضعوها على
عواتقهم، وهو كناية عن الجِدّ في الحرب، فإذا فعلوا ذلك انتصروا، وهو
المراد بالنزول في السهل، ثم استثنى الحرب التي وقعت بصفِّين؛ لِمَا وقع فيها
من إبطاء النصر، وشدّة المعارضة من حجج الفريقين؛ إذ حجة عليّ ومن معه
ما شُرع لهم من قتال أهل البغي، حتى يرجعوا إلى الحقّ، وحجة معاوية، ومن
معه ما وقع من قتل عثمان مظلوماً، ووجود قَتَلَتِه بأعيانهم في العسكر العراقيّ،
فعظُمت الشبهة حتى اشتدّ القتال، وكثر القتل في الجانبين، إلى أن وقع
التحكيم، فكان ما كان(٣).
وقوله: (لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرِ قَطُّ) أراد به بیان اختلاف شیخیه :
محمد بن العلاء، ومحمد بن نُمير، فالأول قال بعد قوله: ((على عواتقنا)):
((إلى أمر قطّ))، والثاني لم يذكر ذلك في روايته.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((الفتح)) ١٩١/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٨).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٥٥.
(٣) ((الفتح)) ١٩١/١٧ - ١٩٢، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٨).

٢٣١
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٦ - ٤٦٢٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعاً عَنْ
جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا
اِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، ذُكر في
الباب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ،
صاحب كتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٥ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم في الباب الماضي.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية جرير، ووكيع كلاهما عن الأعمش التي أحالها المصنّف
على رواية أبي معاوية الماضية، لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ
حُنَيْفٍ بِصِفِّينَ، يَقُولُ(١): اَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي بَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ،
وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ إِنَّهِ، مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ، إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا
مِنْهُ خُصْمٌ).
(١) وفي نسخة: ((يقول بصفّين)).

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أبو إسحاق الطبريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ،
حافظٌ، تُكُلّم فيه بلا حجة [١٠] مات في حدود (٢٥٠) (م ٤) تقدم في
(«الإيمان)» ١٦/ ١٧٢.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة - أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٤ - (أَبُو حَصِينٍ) عثمان بن عاصم بن حصين الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
سنّيّ، ربّما دلّس [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ وَلي﴿) جواب (لو)) محذوف؛
أي: لفعلت ذلك.
وقال النوويّ تَظّثُهُ: هكذا وقع الحديث في نسخ ((صحيح مسلم)) كلُّها،
وفيه محذوف، وهو جواب ((لَوْ)) تقديره: ولو أستطيع أن أردّ أمره وَّ لرددته،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ
اُلَّلِمُونَ فِى غَمَرَتِ اٌلْوَّتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿وَلَوْ تَرََّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ﴾
[سبأ: ٣١]، ونظائرُهُ، فكله محذوف جواب ((لو))؛ لدلالة الكلام عليه. انتهى (١).
وقوله: (مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْم، إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ) قال
النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((ما فتحنا منه خُضْمًاً، فالضمير في ((منه)) عائد إلى قوله:
((اتهموا رأيكم))، ومعناه: ما أصلحنا من رأيكم، وأمركم هذا ناحيةً، إلا
انفتحت أخرى، ولا يصح إعادة الضمير إلى غير ما ذكرناه.
وقال القاضي عياض رَّتُهُ: قوله: ((ما فتحنا منه خُصْماً))، كذا هو جاء
الكلام في ((صحيح مسلم))، وهو غلط أو تغيير وصوابه: ما سددنا منه خصماً،
وكذا هو في رواية البخاريّ: ((ما سَدَدْنا))، وبه يستقيم الكلام، ويتقابل سددنا
بقوله: إلا انفجر، وأما الْخُضْم فبضم الخاء، وخصم كلّ شيء: طرفه وناحيته،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٢ - ١٤٣.

٢٣٣
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٨)
وشَبَّهه بخصم الراوية، وانفجار الماء من طرفها، أو بخصم الْغِرَارة، والْخُرْج،
وانصباب ما فيه بانفجاره(١).
وقال النوويّ نَّثُ: وفي هذه الأحاديث دليل لجواز مصالحة الكفار إذا
كان فيها مصلحة، وهو مجمع عليه عند الحاجة، ومذهبنا أن مدّتها لا تزيد
على عشر سنين، إذا لم يكن الإمام مستظهراً عليهم، وإن كان مستظهراً لم يزد
على أربعة أشهر، وفي قولٍ يجوز دون سنة، وقال مالك: لا حدّ لذلك، بل
يجوز ذلك قلّ أم كثر، بحسب رأي الإمام، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما ذهب إليه مالك من الإطلاق، هو
الظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٨] (١٧٨٦) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيِّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُمْ، قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتَا غُِّنَا جَ لِيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾
[الفتح: ١ - ٥]، مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ
الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيِّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
و((أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَ﴿به)) ذُكر في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، من أوله إلى
(١) ((إكمال المعلم)) ١٥٦/٦ - ١٥٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٤٣.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رائه المشهور بخدمة النبيّ ◌َل، خدمه عشر سنين،
آخره، وفیه أنس بن مالك
وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من
الصحابة ﴿ بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة بدعاء النبيّ
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السدوسيّ البصريّ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ)
عنه
he
(حَدَّثَهُمْ، قَالَ) أنس ◌َه (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْعَا فُبِينًا ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ﴾
إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، مَرْجِعَهُ) بفتح الميم، وسكون الراء، والجيم مكسورةٌ،
ويجوز فتحها، وهو منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((نزلت))؛ أي: وقت رجوعه
(مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ)؛ أي: من غزوتها .
[تنبيه]: اختُلِف في المكان الذي نزلت فيه على النبيّ مَّ، فوقع عند
محمد بن سعد: بِضَجْنان، وهي - بفتح المعجمة، وسكون الجيم، ونون خفيفة -
وعند الحاكم في ((الإكليل)): بكُرَاعِ الْغَمِيم، وعن أبي معشر: بالجحفة،
والأماكن الثلاثة متقاربة، ذكره في ((الفتح))(١).
(وَهُمْ)؛ أي: الحال أن الصحابة ﴿ه (يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ) بضمّ، فسكون،
أو بفتحتين، قال المجد كَُّ: الْحُزْن بالضمّ، ويُحرَّكُ: الْهَمّ، جمْعُه أَحْزانٌ،
حَزِن، كفَرِح، وتحزّن، وتحازنَ، واحتزن. انتهى(٢).
وقال الفيّومِيّ كَذُ: حَزِنَ حَزَناً، من باب تَعِبَ، والاسم: الْحُزْنُ بالضمّ،
فهو حزينٌ، ويتعدّى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنني الأمرُ يَحْزُنني، من
باب قَتَلَ، قاله ثعلبٌ، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف. انتهى(٣).
(وَالْكَآبَةُ) قال ابن الأثير تَخْتُهُ: الكآبة: تغيّر النفس بالانكسار من شدّة
الهمّ والحزن. انتهى (٤).
وقال المجد رَدَثُ: الْكَأُبُ والْكَأْبَة، والْكَابَةُ: الْغَمُّ، وسوء الحال، والانكسار
من الحزن، كَئِبَ؛ كسَمِعَ، واكتَأَبَ، فهو كَئِبٌ، وكَئِيبٌ، ومُكْتَيِّبٌ. انتهى(٥).
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٠ - ٦٠٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (٢٨٦).
(٣) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١.
(٤) ((النهاية)) ٤/ ١٣٧.
(٥) ((القاموس المحيط)) (١١٠٩).

٢٣٥
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٨)
وإنما خالطهم الحزن والكآبة ﴿؛ لِمَا فاتهم من إتمام العمرة التي
أحرموا بها، وأتوا من أجل أدائها، وبسبب ما وقع عليه الصلح، من الشروط
التي ظاهرها يدلّ على ضعف المسلمين، وإن كان باطنها خيراً لهم، كما هو
الحاصل لهم، وكما دلّت عليه السورة المذكورة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال،
(فَقَالَ) بَّرِ ((لَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً)))؛ أي: من
متاعها كلّها، قال الأبيّ كَّلُهُ: إما باعتبار كونها قرآناً، فآية واحدة خير من
الدنيا، وما فيها، والأظهر أنه يريد: لِمَا اشتملت عليه من الفتح الذي نزل
الإعلام به، وأصحابه في حال شدّة. انتهى(١).
زاد بعضهم: وتضمّنت الآية أيضاً المغفرة العامّة لرسول الله وَّر، وإتمام
نعمة الله تعالى عليه، ونَصْره نصراً عزيزاً، وكلّ ذلك فيه بشارة موجبة للفرح.
انتھی(٢).
وفي رواية البخاريّ من حديث عمر وظه: ((فقال: لقد أنزلت عليّ
الليلةَ سورة لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
◌ُبِينًا ﴾﴾ [الفتح: ١])).
قال في ((الفتح)): قوله: ((لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس))؛ أي:
لِمَا فيها من البشارة بالمغفرة، والفتح، قال ابن العربيّ: أُطلق المفاضلة بين
المنزلة التي أُعطيها، وبين ما طلعت عليه الشمس، ومن شرط المفاضلة استواء
الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء بين تلك
المنزلة والدنيا بأسرها .
وأجاب ابن بطال بأن معناه: أنها أحبّ إليه من كل شيء؛ لأنه لا شيء
إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا؛ إذ لا شيء
سواها إلا الآخرة.
وأجاب ابن العربيّ بما حاصله: أنّ أَفْعَلَ قد لا يراد بها المفاضلة؛
كقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا مفاضلة بين الجنة
(١) ((شرح الأبيّ)) ١٢٨/٥.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ١٨٧/٣.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والنار، أو الخطاب وقع على ما استقرّ في أنفس أكثر الناس، فإنهم يعتقدون
أن الدنيا لا شيء مثلها، أو أنها المقصودة، فأخبر بأنها عنده خير مما يظنون
أن لا شيء أفضل منه. انتھی.
قال الحافظ ◌َُّ: ويَحْتَمِل أن يراد المفاضلة بين ما دلّت عليه، وبين ما
دلّ عليه غيرها من الآيات المتعلقة به، فرجّحها، وجميع الآيات، وإن لم تكن
من أمور الدنيا، لكنها أُنزلت لأهل الدنيا، فدخلت كلها فيما طلعت عليه
الشمس. انتهى(١).
وأخرج البخاريّ أيضاً، من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن
قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً
مالك ظُه: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
مريئاً، فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لَيُدْخِلَ اٌلْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ﴾
[الفتح: ٥]، قال شعبة: فقدِمتُ الكوفة، فحدّثت بهذا كلُّه عن قتادة، ثم
رجعت، فذكرت له، فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾، فعن أنس، وأما هنيئاً مريئاً،
فعن عكرمة. انتهى (٢).
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه، عن أنس
قال: لَمّا رجعنا من الحديبية، وأصحاب محمد ◌َ * قد خالطوا الحزن،
والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم، فقال رسول الله وَله: ((أُنزلت علي
ضُحّى آية، هي أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً)) ثلاثاً، قلنا: ما هي يا رسول الله؟
الآيتين، قلنا: هنيئاً لك يا رسول الله، فما
فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا
لنا؟ فقرأ: ﴿لَيْخِلَ اٌلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [الفتح: ٥]، فلما أتينا خيبر، فأبصروا
خَمِيس رسول الله وَللّ ـ يعني: جيشه - أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال
رسول الله وَله: ((خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)).
(٣)
انتھی
٠
قال الجامع عفا الله عنه: كلام أنس ◌َه المذكور صريحٌ في أن صلح
الحديبية هو الفتح المعنيّ في هذه السورة، وقد تقدّم التصريح بذلك عنه وَليه-
(١) ((الفتح)) ٦٠٠/١٠ - ٦٠١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٣٣).
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٤/ ١٥٣٠.
(٣) ((الدر المنثور)) ٥١٥/٧.

٢٣٧
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٨)
حيث إن عمر نظ به قال له: أَوَ فتح هو؟، قال: ((نعم)).
قال الحافظ تَُّهُ: وسُمّي ما وقع في الحديبية فتحاً؛ لأنه كان مقدّمة
الفتح، وأوّل أسبابه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
. هذا متّفقٌ عليه.
ضُوعَيْه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٢٨/٣٢ و٤٦٢٩] (١٧٨٦)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤١٧٢) و((التفسير)) (٤٨٣٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٦٣)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٨/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٣
و١٣٤ و١٧٣ و١٩٧ و٢٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٠)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٤٩٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٩/٤ و٣٠٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٧/ ١٠٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٧٢/٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٧/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٠١٩)،
و(ابن حزم) في ((المحلّى)) (٣٦٣/٧) وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نزول ((سورة الفتح)).
٢ - (ومنها): بيان عِظَم ما أنعم الله وَلَ على نبيّه محمد ◌َّ من الفتح
العظيم؛ حيث قال له: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ الآيتين.
٣ - (ومنها): بيان ما منّ الله تعالى على الصحابة ﴿ لَمّا خضعوا
لأمره وَّه، وانقادوا، حيث أنزل لهم قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَّجْرِى مِن تَّخِهَا الْأَنْهَرُ﴾ الآية.
٤ - (ومنها): استحباب تهنئة من حصل له خير، حتى يزداد بذلك غبطةً
وسُرُوراً، فيعظم شكره لربه مَا﴾.
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٦٠١.

٢٣٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٥ - (ومنها): أن صلح الحديبية هو الفتح الذي بيّنه الله تعالى بقوله:
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (2)﴾، وذلك؛ لأنه مقدّمة الفتوحات الكبرى؛ كفتح مكة،
وفتح خيبر، ومن ثمّ جُعلت غنائم خيبر لأهل الحديبية، فقد أخرج الإمام أحمد
في ((مسنده)) بسنده عن مُجَمِّع بن جارية الأنصاريّ، وكان أحد القراء الذين
قرؤوا القرآن، قال: شَهِدنا الحديبية، فلمّا انصرفنا عنها إذا الناس يُنَفِّرون
الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى
رسول الله ◌َ، فخرجنا مع الناس نُوجف، حتى وجدنا رسول الله وَله على
راحلته عند كُراع الْغَمِيم، واجتمع الناس إليه، فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
◌ُبِينًا ﴾﴾، فقال رجل من أصحاب رسول الله وَله: أي رسول الله، وفَتحٌ هو؟
قال: ((إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح))، فقُسِمت خيبر على أهل الحديبية
لم يُدْخِل معهم فيها أحداً، إلا من شَهِد الحديبية، فقسمها رسول الله وَّر على
ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى
الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً(١). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا أبو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا شَيْيَانُ، جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، نَحْوَ حَدِيثٍ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) أبو عُمر البصريّ، وقيل: هو: عاصم بن
محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة))
١٣٥٠/٢٦.
٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالظُفيل،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
(١) في سنده يعقوب بن مجمّع بن جارية، قال في ((التقريب)): مقبول من الرابعة.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٢٠/٣.

٢٣٩
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩)
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني
تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٧٣/٦.
٥ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٦ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٨ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ)؛ يعني: أن همّام بن يحيى، وشيبان النحويّ
كلاهما رويا هذا الحديث عن قتادة بن دِعامة، عن أنس بن مالك
ـبّه .
[تنبيه]: رواية سليمان التيمي، عن قتادة ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(٥٤٥١) - حدّثنا أبو الحسن جعفر بن محمد بن الحجاج بن فرقد الرقّيّ،
قال: حدّثنا عبد الله بن عمر الخطابيّ، وحدّثنا موسى بن أبي عوف الدمشقيّ،
وأحمد بن سهل بن أيوب الأهوازيّ، قالا: حدثنا عاصم بن النضر، قالا:
حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن
مالك نظُته، قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نُسكنا،
قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله رَى: ﴿إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّينًا
لِيَغْفِرَ لَكَ اَللَّهُ﴾ [الفتح: ١ -٢]، إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، أو كما
شاء الله، فقال رسول الله وسلم: ((لقد أُنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا
جميعاً))، وقال عاصم: آية خير من الدنيا جميعاً. انتهى(١).
(١) ((مستخرج أبي عوانة)) ١٨/٨.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ورواية همّام بن يحيى، عن قتادة، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في
((مصنّفه))، فقال:
(٣٦٩٣٧) - حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا همّام، قال: حدثنا قتادة، عن
أنس، قال: أُنزلت على النبيّ ◌َلّهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِينًا ﴾﴾ إلى آخر الآية
مَرْجِعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قال: نزلت عليّ آية هي
أحبّ إلي من الدنيا وما فيها جميعاً، فلما تلاها رسول الله ب ◌ّ و قال رجل من
القوم: هنيئاً مريئاً، قد بَيّن الله ما يَفْعَل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية
التي بعدها: ﴿لَيِّدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ ◌َجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾، حتى ختم
الآية. انتهى(١).
ورواية شيبان، عن قتادة، ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى))، فقال:
(٩٨٦٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب،
وأبو أحمد بن إسحاق، واللفظ لأبي أحمد، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بن
إبراهيم، ثنا محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، ثنا يونس بن محمد، ثنا شيبان، عن
قتادة، قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأْخَّرَ وَيُنَِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾، قال: حدّثنا أنس بن مالك أنها أنزلت على رسول الله، وله
مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين
مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال نبيّ الله وَله: ((لقد أُنزلت عليّ آية،
هي أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً))، فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا
نبيّ الله، قد بَيَّن الله ماذا يَفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله ◌َ في ذلك:
﴿لَيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ﴾. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
[خاتمة]: فائدتين نختم بهما باب صلح الحديبية:
(الفائدة الأولى): في ذكر قصّة الحديبية من ((صحيح البخاريّ))، حيث إنه
ساقه مطوّلاً جدّاً، قال تَخّلُ في ((كتاب الشروط)):
(٢٧٣١) - حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر،
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٠٨/٧.
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ تهذهُ ٢١٧/٥.