Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَّيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٢)
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ (١)) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَمَّا أُخْصِرَ النَّبِيُّ وَّهِ) بضمّ الهمزة، مبنيّاً للمفعول، هكذا رواية
السمرقنديّ لمسلم، وفي رواية الأكثرين: ((لَمّا حُصِر)) ثلاثيّاً، مبنيّاً للمفعول
أيضاً، كما قاله عياض نَُّ .
قال الفيّوميّ تَظْلَّتُهُ: حَصَرَهُ العدوّ حَصْراً، من باب قَتَل: أحاطوا به،
ومنعوه من المضيّ لأمره، وقال ابن السِّكِّيت، وثعلب: حَصَرَهُ العدوّ في منزله:
حبسه، وأَخْصَرَهُ المرض بالألف: منعه من السفر، وقال الفراء: هذا هو كلام
العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن الْقُوطِيَّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حَصَرَهُ
العدوّ، والمرض، وأَخْصَرَهُ كلاهما بمعنی حبسه. انتهى (٢).
فدلّ ما ذُكر أن حُصِرَ، ثلاثيّاً، وأُخْصِر رباعيّاً جائزان في هذا الحديث،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عِنْدَ الْبَيْتِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا :
(أُحْصِرَ عند البيت))، وكذا نقله القاضي عن رواية جميع الرواة، سوى ابن
الحذاء، فإن في روايته: ((عن البيت))، وهو الوجه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: ((أُحصر عن البيت)) فوجهه واضح،
كما قال النوويّ كَّلُهُ؛ أي: مُنع عن الوصول إلى البيت؛ لأداء العمرة، وأما
على ما في معظم النسخ: ((أحصر عند البيت)) فيكونه معناه: مُنع عند قُربه من
البيت عن الوصول إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ) المراد به المشركون، وفي رواية ابن إسحاق:
(١) قوله: ((جناب)) بالجيم، والنون، وقوله: ((الْمِصِّيصيّ)) بكسر الميم، وتشديد الصاد
الأولى، هذا هو المشهور، ويقال أيضاً: بفتح الميم، وتخفيف الصاد. اهـ. ((شرح
النوويّ)) ١٢٠/١٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٣٦/١٢.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
((فلما انتهى - يعني: سهيل بن عمرو - إلى النبيّ وَّهُ جرى بينهما القول حتى
وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس
بعضهم بعضاً، وأن يرجع عنهم عامَهُم هذا)).
قال الحافظ تَخْلَتُهُ: هذا القدر الذي ذكره ابن إسحاق أنه مدّة الصلح هو
المعتمد، وبه جزم ابن سعد، وأخرجه الحاكم من حديث عليّ ◌َُّهِ نفسِهِ،
ووقع في ((مغازي ابن عائذ)) في حديث ابن عباس ﴿ها وغيره أنه كان سنتين،
وكذا وقع عند موسى بن عقبة.
ويُجْمَعُ بينهما بأن الذي قاله ابن إسحاق هي المدّة التي وقع الصلح
عليها، والذي ذكره ابن عائذ وغيره هي المدّة التي انتهى أمر الصلح فيها، حتى
وقع نقضه علی ید قریش.
وأما ما وقع في ((كامل ابن عديّ))، و((مستدرك الحاكم))، و((الأوسط))
للطبرانيّ من حديث ابن عمر # أن مدّة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع
ضَعف إسناده منكَر، مخالف للصحيح.
قال: وقد اختَلَف العلماء في المدّة التي تجوز المهادنة فيها مع
المشركين، فقيل: لا تُجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث، وهو قول
الشافعيّ، والجمهور، وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا تجاوز أربع سنين،
وقيل: ثلاثاً، وقيل: سنتين، والأول هو الراجح. انتهى ما في ((الفتح))(١)،
وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا)؛ أي: يدخل النبيّ وَّه مع أصحابه ظ﴿ه مكة
في العام المقبل.
وقوله: (فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث ليال.
وقوله: (وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ) تقدّم الخلاف في ضبطه،
ومعناه: الْجِراب، من الأَدَم، أو قِرَاب الغِمْدِ(٢).
وقوله: (السَّيْفِ، وَقِرَابِهِ) بالجر بدلٌ من ((السلاح)).
(١) ((الفتح)) ٦٤٠/٦ - ٦٤١، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٢٦.

٢٠٣
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٢)
وقوله: (وَلَا يَخْرُجَ) بالبناء للفاعل؛ أي: لا يخرج النبيّ وَّ من مكة.
وقوله: (بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: من أهل مكة، من المستضعفين الذين
عجزوا عن الهجرة.
وقوله: (وَلَا يَمْنَعَ أَحَداً يَمْكُثُ بِهَا)؛ أي: بمكة (مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ)؛ أي:
جاءوا معه ◌َّله من المدينة.
وقوله: (قَالَ لِعَلِيٍّ)؛ أي: قال النبيّ ◌َّ لعليّ بن أبي طالب
الى عنه .
وقوله: (اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا)؛ أي: بين المسلمين، والمشركين، وكون
الكاتب هو عليّ بن أبي طالب مَلُه، كما نصّ عليه في هذا الحديث هو المشهور.
ويُروَى أن الكاتب هو محمد بن مسلمة، قال في ((الفتح)): وأخرج عمر بن
شَبّة من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو، عن أبيه: ((الكتاب عندنا، كاتِبُه
محمد بن مسلمة)). انتھی.
قال: ويُجْمَع بأن أصل كتاب الصلح بخطّ عليّ ◌َ﴿﴾، كما هو في
((الصحيح))، ونَسَخَ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو.
قال: ومن الأوهام ما ذكره عمر بن شبة بعد أن حَكَى أن اسم كاتب
الكتاب بين المسلمين وقريش عليّ بن أبي طالب من طُرُق، ثم أخرج من طريق
أخرى أن اسم الكاتب محمد بن مسلمة، ثم قال: حدّثنا ابن عائشة يزيد بن
عبيد الله بن محمد التيميّ، قال: كان اسم هشام بن عكرمة: بَغِيضاً، وهو
الذي كتب الصحيفة، فَشُلّت يده، فسمّاه رسول الله وَّ هشاماً.
قال الحافظ: وهو غلطٌ فاحشٌ، فإن الصحيفة التي كتبها هشام بن عكرمة
هي التي اتَّفَقَت عليها قريش لمّا حَصَرُوا بني هاشم في الشِّعْب، وذلك بمكة
قبل الهجرة، والقصة مشهورة في السيرة النبوية، فتوهّم عمر بن شبة أن المراد
بالصحيفة هنا كتاب القصّة التي وقعت بالحديبية، وليس كذلك، بل بينهما نحو
عشر سنين، قال: وإنما كَتَبْت ذلك هنا خشية أن يَغترّ بذلك من لا معرفة له،
فيعتقده اختلافاً في اسم كاتب القصّة بالحديبية، وبالله تعالى التوفيق. انتهى(١)،
وهو تحقيقٌ مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٦٤١/٦ - ٦٤٢، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقوله: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ) بوزن فَاعَلَ، من قضيتُ الشيءَ؛ أي: فَصَلتُ
الحكم فيه.
وفيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والردّ على من منعه معتلّاً
بخشية أن يُظَنّ فيها أنها نافية، نَّه عليه الخطابيّ ◌َظُّهُ(١).
وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: زيادة(َ)).
وقوله: (فَأَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَمْحَاهَا) تقدّم أنه لغة في ((يمحوها)).
وقوله: (فَلَمَّا أَنْ كَانَ) ((أن)) بعد (لمّا)) زائدة للتوكيد، و((كان)) هنا تامّة
بمعنى جاء، أو حضر، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، ويُقدّر خبرها؛ أي: فلما كان
اليومُ الثالث حاضراً.
وقوله: (الْيَوْمُ الثَّالِثُ) كذا في بعض النسخ بالتوصيف، وهو واضح،
ووقع في بعضها: (يومُ الثالثِ)) بالإضافة، فيكون كمسجد الجامع، وصلاة
الأُولى، من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومثله يؤوّل عند البصريين، على
حذف مضاف؛ أي: مسجد المكان الجامع، وصلاة الساعة الأولى، ويقدَّر
هنا: يوم الزمان الثالث، والله تعالى أعلم.
ووقع في نسخة شرح النوويّ بالإضافة، فقال: هكذا هو في النسخ كلِّها:
(يوم الثالث)) بإضافة ((يوم)) إلى ((الثالث))، وهو من إضافة الموصوف إلى
الصفة، وقد سبق بيانه مرّات، ومذهب الكوفيين جوازه على ظاهره، ومذهب
البصريين تقدير محذوف منه؛ أي: يوم الزمان الثالث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((في النسخ كلّها)) فيه نظر؛ لأنه وقع في
بعضها؛ كالنسخة الهنديّة، والنسخة التركيّة، وهما من أجود نسخ مسلم، بلفظ:
((اليوم الثالث)) بالتوصيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ) يريدون النبيّ ◌َِّ.
وقوله: (فَأُمُرْهُ) بهمزة ساكنة، لتقدّم حرف العطف عليه، وهي الفاء، فعل
أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ تَظُّ: وإذا أمرت من هذا
الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف، حَذَفت الهمزة على غير قياس، وقلت: مُرْه
(١) ((الفتح)) ٦٤١/٦ - ٦٤٢، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).

٢٠٥
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٢)
بكذا، ونظيره: «كُلْ، وخُذْ))، وإنْ تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة
على القياس، فيقال: وأمر بكذا، قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ الآية
[طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في (كُلْ))، و((خُذْ)) إلا التخفيف مطلقاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا يُعرَف في (كُلْ))، و((خُذ)) إلا التخفيف
مطلقاً، قد أثبت فيهما أيضاً بقلّة ابن مالك تَخْتُهُ، فقال في ((لاميّته)):
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ ((مُرْ)) و(خُذْ)) وَفَشَا و(أُمُرْ)) وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ ((خُذْ)) و(كُلَا))
وقوله: (قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأُمُرْهُ، فَلْيَخْرُجْ،
فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَخَرَجَ) قال النوويّ ◌َُّهُ: هذا الحديث فيه حذف،
واختصار، والمقصود أن هذا الكلام لم يقع في عام صلح الحديبية، وإنما وقع
في السنة الثانية، وهي عمرة القضاء، وكانوا شارطوا النبيّ وَّ في عام الحديبية
أن يجيء بالعام المقبل، فيعتمر، ولا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، فجاء في العام
المقبل، فأقام إلى أواخر اليوم الثالث، فقالوا لعليّ ◌َظُه هذا الكلامَ، فاختَصَر
الحديثَ، ولم يذكر أن الإقامة وهذا الكلام كانا في العام المقبل، واستغنى عن
ذكره بكونه معلوماً، وقد جاء مبيّناً في روايات أُخَر، مع أنه قد عُلِمَ أن النبيّ وَّلـ
لم يدخل مكة عام الحديبية، والله أعلم.
قال: فإن قيل: كيف أحوجوهم إلى أن يطلبوا منهم الخروج، ويقوموا
بالشرط؟ .
فالجواب: أن هذا الطلب كان قبل انقضاء الأيام الثلاثة بيسير، وكان
على الارتحال عند انقضاء الثلاثة، فاحتاط
عزم النبيّ بَّ، وأصحابه
الكفار لأنفسهم، وطلبوا الارتحال قبل انقضاء الثلاثة بيسير، فخرجوا عند
انقضائها؛ وفاءً بالشرط، لا أنهم كانوا مقيمين، لو لم يُطْلَب ارتحالهم. انتهى
كلام النوويّ ◌َُّ(٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ ... إلخ) بيّن به اختلاف شيخيه: إسحاق بن
إبراهيم، وأحمد بن جناب، فقال إسحاق في لفظة: ((تَابَعْنَاكَ))، وقال أحمد:
((بَا يَعْنَاكَ)).
(١) (المصباح المنير)) ٢١/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٢ - ١٣٩.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان تمام شرحه، وبيان مسائله قبل
حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٣] (١٧٨٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ قُرَيْشاً صَالَحُوا النَّبِيَّ وَّهِ، فِيهِمْ
سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ لِعَلِيٍّ: ((اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم))، قَالَ
سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللهِ(١)، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا
نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ: ((اكْتُبْ مِنَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ»، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا
أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اْتُبِ اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)، فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيّ ◌َهِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ
نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا، رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟
قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ
فَرَجاً، وَمَخْرَجاً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وتقدّم نفسه قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتِ) بن أسلم البُنانيّ (عَنْ أَنَس) بن مالك ◌َظُهُ (أَنَّ قُرَيْشاً صَالَحُوا
النَّبِيَّ وَّهِ﴾؛ أي: في الحديبية، (فِيهِمْ)؛ أي: في جملة من صالح، (سُهَيْلُ بْنُ
عَمْرِو) بن عبد شمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ
القرشيّ العامريّ، خطيب قريش، أبو يزيد، قال البخاريّ: سكن مكة، ثم
المدينة، وذكره ابن سميع في الأُولى ممن نزل الشام، وهو الذي تَوَلّى أمر
الصلح بالحديبية.
وله ذِكر في حديث ابن عمر ◌ّ في الذين دعا النبيّ وَّ عليهم في
(١) وفي نسخة: ((أما اسم الله)).

٢٠٧
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٣)
القنوت، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]، زاد أحمد
في روايته: ((فتابوا كلّهم)).
وروى حميد بن زنجويه في «كتاب الأموال)» من طريق ابن أبي حسين،
قال: ((لما فَتَحَ رسول الله بَّر مكة دخل البيت، ثم خرج، فوضع يده على
عِضَادتي الباب، فقال: ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيراً، ونظنّ
خيراً، أخٌ كريمٌ، وابن أخ كريم، وقد قَدَرت، فقال: أقول كما قال أخي
يوسف: ﴿لَا تَتَرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمٌ﴾ [يوسف: ٩٢])).
وذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبيّ وَّ مائة من الإبل، من المؤلَّفة.
وذكر ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعيّ:
كان سهيل محمود الإسلام، من حین أسلم.
ورَوَى البيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق الحسن بن محمد ابن الحنفية،
قال: قال عمر للنبيّ وَلَ: دَعْني أَنزِع ثنيتي سهيل، فلا يقوم علينا خطيباً،
فقال: (دعها، فلعلها أن تَسُرّك يوماً))، فلما مات النبيّ وَّ قام سهيل بن
عمرو، فقال لهم: من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان
یعبد الله، فإن الله حي لا يموت.
وروى أوله يونس بن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه، عن محمد بن
عمرو بن عطاء، وهو في ((المحامليات)) موصول من طريق سعيد بن أبي هند،
عن عمرة، عن عائشة.
وذكر ابن خالويه أن السرّ في قوله: أنزع ثنيتيه، أنه كان أعلم، والأعلم
إذا نُزِعت ثنيتاه لم يستطع الكلام.
وذكر الواقديّ من طريق مصعب بن عبد الله، عن مولى لسهيل، عن
سهيل، أنه سمعه يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالاً بِيضاً على خيل بُلْق، بين
السماء والأرض، مُعَلِّمين، يقاتلون، ويأسرون.
ورَوَى أبو قُرّة من طريق ابن أبي حسين، أن النبيّ وَّ استهداه من ماء
زمزم.
وروى البخاريّ في ((تاريخه))، والباورديّ، من طريق حُميد، عن الحسن
قال: كان المهاجرون والأنصار بباب عمر، فجعل يَأْذَن لهم على قَدْر منازلهم،

٢٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وثَمَّ جماعة من الظُّلَقاء، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال لهم سهيل بن عمرو:
على أنفسكم فاغضبوا، دُعِي القومُ، ودُعيتم، فأسرعوا، وأبطأتم، فكيف بكم
إذا دُعيتم إلى أبواب الجنة؟ ثم خرج إلى الجهاد. وأخرجه ابن المبارك في
((الجهاد)» أتم منه.
وروى ابن شاهين من طريق ثابت البنانيّ، قال: قال سهيل بن عمرو:
والله لا أدع موقفاً وقفته مع المشركين، إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقةً
أنفقتها مع المشركين، إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو
بعضه بعضها .
وقال ابن أبي خيثمة: مات سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة، ويقال: قُتِل
باليرموك، وقال خليفة: بمرج الصفر، والأول أكثر، وأنه مات بالطاعون.
وأخرج ابن سعد، بإسناد له إلى أبي سعد بن أبي فَضَالة، وكانت له
صحبة، قال: اصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام، فسمعته يقول: سمعت
رسول الله ◌َي يقول: ((مقام أحدكم في سبيل الله ساعةً من عمره خير من عمله
عمره في أهله))، قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت، ولا أرجع إلى مكة،
قال: فلم يزل مقيماً بالشام، حتى مات في طاعون عَمَوَاس، ذكر هذا كلّه في
((الإصابة))(١).
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَ﴿ِ لِعَلِيَّ)؛ أي: ابن أبي طالب ◌َظُه، ((اكْتُبْ بِسْم اللّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيم))، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْم اللهِ) وفي بعض النسخ: ((أما اسم الله))
(فَمَا نَدْرِي)؛ أي: لا نعلم (مَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم؟)؛ أي: لأنهم لا
يعرفون الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُّ أَسْجُدُواْ لِرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾
الآية [الفرقان: ٦٠]، أو لأنهم لا يعرفون إلا رحمن اليمامة، قال في
((الكشّاف)): كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة - يعنون مسيلمة
الكذّاب -، وكان يقال له: رحمان اليمامة، وهذا من تعنّتهم، وشدّة كفرهم،
وإلا فقد كانوا يسمّون الله تعالى في جاهليّتهم بالرحمن، قال الإمام ابن
كثير كَّلُهُ في ((تفسيره)): وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) للحافظ ابن حجر تخذثه ١٧٧/٣ - ١٧٨.

٢٠٩
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٣)
ردّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ
الْمُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لمّا قال
))، فقالوا: لا
رسول الله وَّ لَعَليّ: ((اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (
نعرف الرحمن، ولا الرحيم، رواه البخاريّ، وفي بعض الروايات: لا نعرف
الرحمن إلا رحمن اليمامة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا
[الفرقان: ٦٠].
الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا
قال: والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جُحود، وعناد، وتعنّت في
كفرهم؛ فإنه قد وُجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن، قال
ابن جرير: وقد أنشد لبعض الجاهلية الجُهَّال [من الطويل]:
ألا ضَرَبَتْ تلك الفتاةُ هَجِينَها ألا قَضَبَ الرحمَنُ رَبّي يمينها
وقال سلامة بن جندب الطهويّ [من الطويل]:
عَجِلتم علينا عَجْلَتينَا عليكُمُ وما يَشَأِ الرّحْمَنُ يُعْقَد ويُظْلَقِ(١)
ومما ذُكر من إطلاقهم الرحمن على مسيلمة قول بعضهم:
وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْتَ رَحْمَانَا
سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الأَكْرَمَيْنِ أَباً
وقد هجاه بعض المسلمين بقوله:
سُمِيتَ بِالْخُبْثِ يَا ابْنَ الأَخْبَيْنِ أَباً
وَأَنْتَ شَرُّ الْوَرَى لِا زِلْتَ شَيْطَانَا
(وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) وفي حديث المسور عند
البخاريّ: ((قال: فدعا النبيّ وَ ﴿ الكاتب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن
الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب:
باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: لا نكتبها إلا بسم الله
الرحمن الرحيم، فقال النبيّ ◌َ *: اكتب باسمك اللهم)).
(فَقَالَ: ((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ))، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ
لَاتَّبَعْنَاَ)، وفي حديث البراء: ((لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً،
ولبايعناك))، وعند النسائيّ: ((ما منعناك بيته))، وفي رواية: ((لو كنت رسول الله
لم نقاتلك))، وفي حديث المسور: ((فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١٢٧/١ - ١٢٨.

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك))، وفي رواية عروة في
((المغازي)): ((فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك))، وفي حديث
عبد الله بن مُغَفَّل: ((لقد ظلمناك إن كنت رسولاً)).
(وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيكَ) وفي حديث عبد الله بن مغفل: ((فقال:
اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب))، (فَقَالَ النَّيُّ ◌َلّى:
((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ))، وفي حديث المسور عند البخاريّ: ((فقال
النبيّ وَّر: والله إني لرسول الله، وإن كذّبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله)).
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: ليس معارِضاً للرواية التي تقدَّم ذكرها؛ إذ ليس فيها
أن عليّاً كتب بيده، وإنما فيها: أنه ولي أمره بالكتابة كما أمره بالمحو، فلم
يمح عليّ، ولم يكتب، فلمّا امتنع عليٍّ منهما جميعاً للوجه الذي ذكرناه، قال
له وَّل: ((أرني مكانها))، فأراه إيَّاه، فمحاه النبيّ وَّز، وكتب بيده، على ما تقرر
من المذهب الأول، وعليه تجتمع الروايات المختلفة. انتهى(١).
(فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ)؛ أي: من المسلمين، (لَمْ
نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا، رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا) وفي حديث المسور عند البخاريّ:
((فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته
إلينا))، وفي رواية ابن إسحاق: ((على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن
وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن يتّبع محمداً لم يردّوه عليه)).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لم نردّه،
ومن جاء منا رددتموه علينا)) لا خلاف بين الرواة والمتأولين أن الرجال داخلون
في هذا اللفظ العامّ، واختلفوا: هل دخل فيهم النساء؟ فمنهم من منع ذلك،
واستدلّ بما جاء في البخاريّ في ((كتاب الشروط))، في هذا الحديث، وهو أنه
قال: ((ولا يأتيك منا رجلٌ على دينك، إلا رددته إلينا))، وهذا نصّ، وعلى
هذا، فلا يُحتاج إلى الاعتذار عن حبس النبيّ وَّ النساء اللاتي أسلمن،
وهاجرن إلى المدينة، ولا أن نقول في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾
[الممتحنة: ١٠] إنه ناسخ، والأكثر على أنهنّ دخلن في ذلك العموم، وقد رُوي
(١) ((المفهم)) ٦٣٨/٣.

٢١١
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٣)
أن سُبيعة بنت الحارث الأسلمية جاء زوجها صَيْفيّ يطلبها، وكانت أسلمت،
وهاجرت، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، فجاء زوجها مسافرٌ يطلبها بالشروط،
فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردّهن، ورأوا أن هذه الآية ناسخة لِمَا تقرر
بالشرط المتقدِّم الذي هو ردّهن إلى الكفار، والطريقة الأولى أحسن، وأبعد
عن الإشكال؛ إذ لم يدخلن في الشرط.
ثم اختلفوا فيما إذا صولح العدوّ على مثل هذا الشرط، فذهب الكوفيون
إلى أن ذلك لا يجوز، لا في الرجال، ولا في النساء، ورأوا: أن كل ذلك
منسوخ، ونحوَه حَكَى مكيّ في ((الناسخ والمنسوخ)) له عن المذهب، وذهب
مالك في المشهور عنه، وحُكِي عن أصحاب الشافعيّ جواز ذلك، ولزومه في
الرجال دون النساء، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه.
وقيل: إنما فعل النبيّ وَّر ذلك لِضَعف المسلمين عن مقاومة عدوّهم في
ذلك الوقت، وذلك لأنه إنما ردّ من ردّ، ممن جاء مسلماً لآبائهم، وذوي
أرحامهم؛ لِعَظْفهم عليهم، ولحبّهم فيهم، ولصحة إسلام من أسلم منهم،
وللذي عَلِمَه النبيّ ◌َّهِ من حال من رُدّ أنه سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً،
وكذلك كان، وكلُّ هذه الأمور معدومة في حقّ غيره وََّ، فلا يحتجّ بتلك
القضية على جواز ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال النوويّ تَخْلُهُ: قال العلماء: وافقهم النبيّ وَّ في ترك كتابة ((بسم الله
الرحمن الرحيم))، وأنه كتب ((باسمك اللهم))، وكذا وافقهم في ((محمد بن
عبد الله))، وترك كتابة (رسول الله (وَلي))، وكذا وافقهم في ردّ من جاء منهم إلينا،
دون من ذهب منا إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور؛ للمصلحة المهمّة الحاصلة
بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما البسملة، و((باسمك اللهم))،
فمعناهما واحد، وكذا قوله: ((محمد بن عبد الله))، هو أيضاً رسول الله وَلآ ،
وليس في ترك وصف الله ◌ُعَلَ في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا
في ترك وصفه وس أيضاً هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما
كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم، ونحو ذلك.
(١) ((المفهم)) ٦٣٨/٣ - ٦٣٩.

٢١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وأما شرطُ ردّ من جاء منهم، ومنعُ من ذهب إليهم، فقد بيَّن النبيّ وَ
الحكمة فيهم، في هذا الحديث بقوله: ((من ذهب منّا إليهم، فأَبْعَدَه الله، ومن
جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً))، ثم كان كما قال بَّر، فجعل الله
للذين جاءونا منهم، وردّهم إليهم فرجاً ومخرجاً - ولله الحمد - وهذا من
المعجزات.
قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته
الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلّهم،
ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون
بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبيّ وَّر كما هي، ولا يَحِلُّون بمن
يعلِّمهم بها مفصّلة، فلما حصل صلح الحديبية، اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا
إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحَلّوا بأهلهم، وأصدقائهم،
وغيرهم، ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبيّ وَِّ مفصّلةً بجزئياتها،
ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوّته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته،
وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خَلْق
منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد
الآخرون ميلاً إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم؛ لِمَا كان قد
تَمَهّد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون
بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي، قال
تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللَّهِ
أَفْوَاجًا (٣)﴾ [النصر: ٢،١]. انتهى كلام النوويّ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم.
(يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟) إنما قالوا هذا
(فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة .
استبعاداً، واستنكاراً لهذا الشرط القاسي، ولكنه ونَ﴾ أجابهم، فـ(قَالَ: ((نَعَمْ)
نكتبه، ثم زاد لهم إيضاحاً يزيل عنهم الغيظ، فقال: (إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي:
إن الشأن والحال، (مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ) مرتدّاً عن الإسلام (فَأَبْعَدَهُ اللهُ) يحتَمِل
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/١٢ - ١٤٠.

٢١٣
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَّثْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
أن يكون دعاء عليه بالإبعاد عن رحمة الله ◌ُعَلَ، ويَحْتَمل أن يكون إخباراً
بذلك، (وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ) مسلماً، فرددناه إليهم بهذا الشرط، فـ(سَيَجْعَلُ اللهُ)مَلَ
(لَهُ فَرَجاً)؛ أي: انكشاف ما وقع له من إيذائهم (وَمَخْرَجاً))؛ أي: مكان خروج
من بلدة الكفر، إما بالهجرة، أو بفتح مكة، وكونها دار إسلام، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ربه هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَشْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٢٣/٣٢] (١٧٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٨٥/٧ و٣٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٨/٣)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٣٣٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٧٠)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢٩٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٦/٩)، وأما فوائد الحديث،
فقد تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٢٤] (١٧٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
سِيَاءٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ
صِفِّينَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ تَّخِ يَوْمَ
الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَه
وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَّى رَسُولَ اللهِوَهِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي
الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِتَا، وَنَرْجِعُ
وَلَمَّا يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟، فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ
يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَداً))، قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ، فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظاً، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ:

٢١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي
الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الذَّنِيَّةَ فِي دِينِتَا، وَنَرْجِعُ،
وَلَمَّا يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ
يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَداً، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ،
فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، فَطَّابَتْ نَفْسُهُ، وَرَجَعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبله.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُوهُ) عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ الهمدانيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) - بكسر السين المهملة، وتخفيف الياء
التحتانيّة(١) - الأسديّ الْحِمّانيّ الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [٧].
رَوَى عن أبيه سياه، وحبيب بن أبي ثابت، وابن أبي عمرة، والأعمش،
والشعبيّ، ومسلم الملائيّ، والأعور، والحكم بن عتيبة، وغيرهم.
ورَوى عنه ابنه يزيد، وعبد الله بن نمير، وأبو معاوية، ويعلى بن عبيد،
ويونس بن بكير، وعبيد الله بن موسى، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وهو من
كبار الشيعة، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، ووثّقه العجليّ، وابن نمير،
ويعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
(١) وقال النوويّ في ((شرحه)) (١٤٠/١٢): هو بسين مهملة مكسورة، ثم ياء مثنّاة من
تحتُ مخفّفة، ثم ألف، ثم هاء في الوقف والدرج، على وزن مِيَاهٍ، وشِيَاهٍ.
انتھی.
وقال في ((الفتح)): ((سياه)) بالمهملة المكسورة، بعدها تحتانيّة خفيفةٌ، وبالهاء وصلاً
ووقفاً، وهو مصروف، مع أنه أعجميّ، وكأنه ليس بِعَلَم عندهم. انتهى. ((الفتح))
٤٧٧/٧، كتاب ((الجزية)) رقم (٣١٨٢).

٢١٥
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
٥ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،
أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، وكان كثير الإرسال، والتدليس [٣]
(ت١١٩) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
٦ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرٌ [٢] (ت
٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٧ - (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بن واهب الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابيّ البدريّ،
واستخلفه عليّ على البصرة، ومات في خلافته ﴿ّ (ع) تقدم في ((الجنائز))
٢٢٢٥/٢٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّ، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، أنه (قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ)
رضواغيْه
- بتصغير الاسم الثاني - (يَوْمَ صِفِّينَ) - بكسر الصاد، مثقّل الفاء -: موضع على
الفرات، من الجانب الغربيّ، بطرف الشام، مقابل قَلْعَة نَجْم، وكان هناك وَقْعَةٌ
بين عليّ وبين معاوية ﴿ًّا، وهو فِعْلِينٌ، من الصفّ، أو فِعِيلٌ، من الصُّفُون،
فالنون أصليّة على الثاني، قاله الفيّوميّ(١).
وقال ابن الأثير كَّلُهُ: وفي حديث أبي وائل: ((شَهِدتُ صِفِّين، وبئسَتِ
الصِّفُّون)): فيها، وفي أمَثالها لُغَتان: إحدَاهُما: إجْرَاء الإغْراب على ما قبل
النون مفتوحة؛ كجمْع السَّلامة، كما قال أبو وائل، والثانيةُ: أن تجعَل النون
حرف الإعراب، وتُقَرّ الياء بحَالها، فتقولُ: هذه صِفِّينُ، ومررتُ بصفِينَ،
وكذلك تقول: في قِنَّسْرِين، وفِلَسْطِين، ويَبْرِين. انتهى(٢).
وقال المجد كَّتُ: وصِفِّينُ كسِجِّينِ: موضع قُرب الرَّقّة، بشاطىء
الفُرات، كانت به الوقعة الْعُظمى بين عليّ ومعاوية ظَهَا، غُرّة شهر صفر سنة
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٣/١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٧٢/٣.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(٣٧) من الهجرة، فمن ثَمّ احتَرَزَ الناسُ السفر في صفر(١). انتهى(٢).
وقال الشارح المرتضى تَخُّْ في ((شرحه)): ولا اعتداد بفعل الناس،
واحترازهم، فلا يُعتبر مع ورود الخبر بقوله وَّل فيه: ((لا عدوى، ولا طيرة، ولا
صفر)) .
قال: قال ابن بَرّيّ: وحقُّ صِفِين أن يذكر في باب الفاء؛ لأن نونه
زائدة، بدليل قولهم: صِفَّون، فيمن أعربه بالحروف، وفي حديث أبي وائل:
(شَهِدت صِفِّين، وبئست الصِّفُّون))، وفي ((تقريب المطالع)): الأغلب عليه
التأنيث، وفي إعرابه أربع لغات: إعراب جمع المذكر السالم، وإعراب
عَرْبُون، وإعراب غِسْلِين، ولزوم الواو مع فتح النون، وأصله في ((المشارق))
لعياض نَّثُهُ، وبقي عليه إعراب ما لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيت، أو شِبْهِ
الزيادة، كما قاله عياض وغيره.
وفي ((المصباح)) في صَفّ: هو فِعْلينٌ، من الصّفّ، أو فِعِيل، من
الصُّفُون، فالنون أصلية على الثاني، وكلُّ ذلك واجب الذكر، وقد تركه
المصنّف رَخْتُهُ. انتهى كلام المرتضى تَّهُ(٣)، وهو تحقيق مفيدٌ.
(فَقَالَ) سهل ◌َُّه (أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، وهو جائز، كما قال
الحريريّ كَّلُهُ في «ملحته»:
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ)؛ أي: في هذا الرأي؛ لأن كثيراً منهم أنكروا التحكيم،
وقالوا: لا حُكْم إلا لله، فقال عليّ ◌َُّه: كلمة حق أريد بها باطلٌ، وأشار
(١) هذا من مزاعم الجاهليّة، وأثر من آثار الشرك، جاء الإسلام يُبطله، فلا يجوز
لمسلم أن يشاءم بأيّ شهر، ولا بأيّ يوم، ففي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رَظ ◌ُه
مرفوعاً: ((لا عدوى، ولا صَفَر، ولا هامة))، فقد فُسّر قوله: (ولا صفر)) بأنه الشهر
المعروف، كانوا يتشاءمون بدخوله، ويزعمون أن فيه يكثر الدواهي والفتن، وقيل
غير ذلك.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٧٤٥.
(٣) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٦٠/٩ - ٢٦١.

٢١٧
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
عليهم كبار الصحابة بمطاوعة عليّ ◌َُّبه، وأن لا يُخالَف ما يشير به؛ لكونه
أعلم بالمصلحة، وذكر لهم سهل بن حُنيف ما وقع لهم بالحديبية، وأنهم رأوا
يومئذ أن يستمرّوا على القتال، ويخالفوا ما دُعُوا إليه، من الصلح، ثم ظهر أن
الأصلح هو الذي كان شرع النبيّ وَّر فيه، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: وإنما قال سهل بن حُنيف رَُّه لأهل صِفِّين ما
قال؛ لِمَا ظَهر من أصحاب عليٍّ رُه كراهية التحكيم، فأعلمهم بما جرى يوم
الحديبية، من كراهة أكثر الناس للصلح، ومع ذلك فأعقب خيراً كثيراً، وظهر
أن رأي النبيّ ◌َّ﴿ في الصلح أتمّ، وأحمدُ من رأيهم في المناجزة. انتهى(٢).
وقال أيضاً: والسبب في قول سهل به ذلك أن أهل الشام لمّا
استشعروا أن أهل العراق شارفوا أن يغلبوهم، وكان أكثر أهل العراق من
القراء الذين يبالغون في التديّن، ومن ثَمّ صار منهم الخوارج الذين مضى
ذِكرهم، فأنكروا على عليّ ظُه، ومن أطاعه الإجابة إلى التحكيم، فاستند
عليّ إلى قصة الحديبية، وأن النبيّ وَّر أجاب قريشاً إلى المصالحة، مع ظهور
غَلَبته لهم، وتوقف بعض الصحابة أوّلاً، حتى ظهر لهم أن الصواب ما
أمرهم به.
قال: وأوّل الكرمانيّ كلام سهل بن حُنيف بحسب ما احتمله اللفظ،
فقال: كأنهم اتهموا سهلاً بالتقصير في القتال حينئذ، فقال لهم: بل اتهموا أنتم
رأيكم، فإني لا أُقصِّر، كما لم أكن مقصِّراً يوم الحديبية وقت الحاجة، فكما
توقفت يوم الحديبية من أجل أني لا أخالف حُكم رسول الله وَّ، كذلك
أتوقف اليوم لأجل مصلحة المسلمين. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ ◌َُّ: قول سهل بن حنين تظبه: ((أيها الناس اتهموا
أنفسكم))، وفي الأخرى: ((رأيكم))؛ يعني به: التثبت فيما كانوا فيه، والتبصر،
وألا يستعجلوا في أمورهم، ووجه استدلاله بها، أن تلك الحالة كان ظاهرها
(١) ((الفتح)) ٥٨٨/٨.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٧/٧، كتاب ((الجزية)) رقم (٣١٨٢).
(٣) ((الفتح)) ١٧/ ١٩٢.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مكروهاً لهم، صعباً عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله وَلقول
جعل الله لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على
المكروه، وتثبّتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجاً،
كما جعله لأصحاب رسول الله وَليل يوم الحديبية. انتهى (١).
وقال القاضي عياض تَظّثُ: وقول سهل بن حنيف نَظُه: ((اتهموا
أنفسكم)) وذَكَر كراهة المسلمين صلح الحديبية: يريد سهل بن حنيف تبصير
الناس بما في الصلح من الخير، وأنه قد يدل - وإن كان ظاهره مكروهاً - إلى
المحبوب، كما كان في شأن الحديبية، وانما كان ذلك لِمَا ظهر في أصحاب
عليّ ◌َظُه من كراهة شأن التحكيم، ومراوضة الصلح، وكان الظهور لهم حتى
رفع لهم أهل الشام المصاحف ودعوهم إليها، ورغبوا في المصالحة.
وما كان مراجعة عمر به النبيّ ◌َ﴿ في شأن صلح الحديبية وما عَظُم
على قلوب المسلمين منه وكرهوه، وما خالطهم من الحزن والكآبة، لرجوعهم
دون تمام عمرتهم، وصدّ الكفار لهم عن البيت، وتثبطهم عن التحلل، رَجاءَ
تمام ما خرجوا عليه، وقهْر النبيّ وَّر لهم على الصلح، وكانوا متبصرين في
قتال عدوّهم، وكان ذلك رأيهم، والله ورسوله أعلم بمصلحتهم، ولهذا قال
عمر رَظُه: ((علام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟)).
والدنية: النقيصة، والحالة الخسيسة.
والدنيّ بغير هَاء: الخسيس من كل شيء، ومنه قوله: المنيّة ولا الدنيّة؛
أي: ولا الحالة التي توجب على الإنسان ذلاً وخساسة.
وجواب النبيّ وَّرُ بما جاوبهم به من تثبّته ووعْده الفتح الذي كان من
خيبر، ثم من مكة، ولم يكن ما كان من عمر معه وسؤاله له وَل عما سأله
عنه شكاً من عمر ولا ريباً، بل كشفاً لِمَا خفي عنه من ذلك، وحَثّاً على
إذلال الكفر، وحرصاً على ظهور المسلمين، بما كان عليه من القوّة والعزة
فى دين الله، وموافقة جواب أبي بكر رَظُه بما جاوبه به النبيّ وَّ دليل على
فضل علمه وإيمانه، وقوّة يقينه على سائرهم. انتهى كلام القاضي
(١) ((المفهم)) ٦٤٠/٣.

٢١٩
(٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٤)
عياض تَخْتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في ((العمدة)) عند قوله: ((اتهموا رأیکم)): قال ذلك يوم صفين،
وكان مع عليّ ظُه؛ يعني: اتهموا رأيكم في هذا القتال، يَعِظُ الفريقين؛ لأن
كلَّ فريق منهما يقاتل على رأي يراه، واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا
رأيكم، فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم، برأي رأيتموه، وكانوا يتهمون
سهلاً بالتقصير في القتال، فقال: اتهموا رأيكم، فإني لا أُقَصِّر، وما كنت
مقصِّراً في الجماعة، كما في يوم الحديبية. انتهى (٢).
وقال النوويّ تَخُّْ: أراد سهل ظُه بهذا الكلام تصبير الناس على
الصلح، وإعلامهم بما يُرجَى بعده من الخير، فإنه يُرجَى مصيره إلى خير، وإن
كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية،
وإنما قال سهل هذا القول حين ظهر من أصحاب عليّ رظُه كراهة التحكيم،
فأعلَمَهم بما جرى يوم الحديبية، من كراهة أكثر الناس الصلح، وأقوالهم في
كراهته، فأعقب خيراً عظيماً، فقرّرهم النبيّ وَّر على الصلح، مع أن إرادتهم
كانت مناجزة كفّار مكة بالقتال، ولهذا قال عمر رظُه: ((فعلامَ نُعطي الدنيّة في
ديننا؟))، والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
(لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ إِ لَّهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ)؛ أي: يوم صدّ المشركين
رسول الله وَله، وأصحابه بالحديبية عن الوصول إلى مكة لأداء العمرة، (وَلَوْ
نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا)؛ أي: لو نرى قتال المشركين مصلحة لَقاتَلْنا، والمعنى: إنما
تركنا القتال في ذلك الوقت ليس جُبناً، وفراراً عنه، وإنما تركناه لمصلحة
رأيناها في تركه، وإبرام الصلح معهم، فلو رأينا القتال مصلحة لَقاتلنا .
(وَذَلِكَ)؛ أي: ترْكُنا القتال، وميْلُنا إلى الصلح، (فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ
بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ) على أن يتركوا القتال مدّة عشر سنين، كما
سبق بيانه (فَجَاءَ)؛ أي: فلمّا وقع الصلح على أمور صعبة على المسلمين، كأن
يرجعوا إلى المدينة بلا أداء العمرة، وأن يردّوا إلى المشركين من جاء إليهم
(١) ((إكمال المعلم)) ١٥٤/٦ - ١٥٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/١٢ - ١٤١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠٣/١٥.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مسلماً، وأن لا يطالبوا بمن جاء إلى المشركين منهم، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
من رَحْله، (فَأَتَّى رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٌّ) هو
الإسلام، (وَهُمْ)؛ أي: كفّار قريش (عَلَى بَاطِلِ؟) هو الكفر، وفي حديث
المسور عند البخاريّ: ((قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله وَّر، فقلت:
ألست نبي الله حقّاً؟ قال: بلى))، زاد الواقديّ من حديث أبي سعيد: ((قال عمر:
لقد دخلني أمر عظيمٌ، وراجعت النبيّ ◌ََّ مراجعةً، ما راجعته مثلها قطّ)).
وفي حديث المسور أيضاً من قول عمر للنبيّ وَله: ((أوَ ليس كنت حدّثتنا
أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟))، وفي رواية ابن إسحاق: ((كان الصحابة لا
يشكّون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول الله وَّ، فلمّا رأوا الصلح دخلهم من ذلك
أمر عظيمٌ، حتى كادوا يهلكون))، وعند الواقديّ: ((أن النبيّ وَّ كان رأى في
منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلمّا رأوا تأخير ذلك شقّ
عليهم)) .
ويستفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، وأن
الكلام يُحمل على عمومه، وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن
من حَلَف على فعل شيء، ولم يذكر مدّة معينة لم يحنَث، حتى تنقضي أيام
حياته، قاله في ((الفتح))(١).
(أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي
(قَالَ) بَ (بَلَى))، قَالَ) عمر ظـ
النَّارِ؟ قَالَ) وَ (بَلَى))، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بفتح الدال المهملة، وكسر
النون، وتشديد الياء آخر الحروف، وهي: النَّقِيصة، والخصلة الخسيسة، قال
القرطبيّ كَُّهُ: قول عمر: ((لِمَ نعطي الدنية في ديننا))؛ يعني بالدنيّة: الحالة
الخسيسة، ويعني به: الصلح على ما شرطوا، ولم يكن ذلك من عمر شكّاً،
ولا معارضة، بل كان استكشافاً لِمَا خَفِي عنه، وحثّاً على قتال أهل الكفر،
وإذلالهم، وحرصاً على ظهور المسلمين على عدوهم، وهذا على مقتضى ما
كان عنده من القوّة في دين الله، والجرأة والشجاعة التي خصَّه الله بها،
وجواب النبيّ وَّ وأبي بكر ◌َله بما جاوباه به يدل على أن عندهما من عِلْم
(١) ((الفتح)) ٦٤٦/٦، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١).