Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٢٩) - بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِ
(وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ نِّهِ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) كانت الغنائم ستة آلاف
نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفاً، والغنم أربعين
ألف شاة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع به هذا من أفراد
المصنّف تَذْشُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١٠/٢٨] (١٧٧٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٥٢٠)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (١٤٠/٥)، وفوائد الحديث
تقدّمت قريباً، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(٢٩) - (بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ)
قال الفيّوميّ تَخْذُّ: ((الطائف)): بلاد الْغَوْر، وهي على ظهر جبل غَزْوان،
وهو أبرد مكان بالحجاز، والطائف بلاد ثقيف. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((الطائف)): بلاد ثقيف، قال أبو
طالب بن عبد المطلب [من الوافر]:
مَنَعْنَا أَرْضَنَا مِنْ كُلِّ حَيٍّ كَمَا امْتَنَعَتْ بِطَائِفِهَا ثَقِيفُ
وهي في وادٍ بالغَوْر، قراها لُقَيم، وآخرها الْوَهْطِ، سُمِّيت؛ لأنها طافت
على الماء في الظُّوفان، أو لأن جبريل لعلّها طاف بها على البيت سبعاً، نقله
الميورقيّ عن الأزرقيّ، أو لأنها كانت قرية بالشام، فنقلها الله تعالى إلى
الحجاز بدعوة إبراهيم ظل اقتلاعاً من تخوم الثرى بعيونها، وثمارها،
ومزارعها، وذلك لمّا قال: ((﴿رَبَّناً إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ
(١) ((الفتح)) ٤٥٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٣٠).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٠/٢ - ٣٨١.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ
[إبراهيم: ٣٧]، نقله أبو داود الأزرقيّ في («تاريخ
٣٧
الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
مكة))، وأبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشيّ في ((كتاب المبتدأ))، وهو قول
الزهريّ، وقال القسطلانيّ في ((المواهب)): إن جبريل عليه اقتلع الجنة التي
كانت لأصحاب الصَّرِيم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها
حيث الطائفُ، فسُمّي الموضع بها، وكانت أوّلاً بنواحي صنعاء، واسم الأرض
وَجّ، وهي بلدة كبيرة على ثلاث مراحل، أو اثنتين من مكة، من جهة المشرق،
كثيرة الأعناب، والفواكه، وروى الحافظ ابن عاتٍ في ((مجالسه)) أن هذه الجنة
كانت بالطائف، فاقتلعها جبريل، وطاف بها البيت سبعاً، ثم ردّها إلى مكانها،
ثم وضعها مكانها اليوم، قال أبو العباس الميورقيّ: فتكون تلك البقعة من سائر
يقع الطائف طيف بها بالبيت مرتين في وقتين، أو لأن رجلاً من الصَّدِفِ
أصاب دماً في قومه بحضرموت، ففرّ إلى وَجّ، ولحق بثقيف، وأقام بها،
وحالف مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ، أحد من قيل فيه: إنه المراد من الآية ﴿عَلَى
رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وكان له مال عظيم، فقال لهم: هل لكم
أن أبني لكم طوفاً عليكم يطيف ببلدكم، يكون لكم رِدْءاً من العرب؟ فقالوا:
نعم، فبناه، وهو الحائط المطيف المحدق به، وهذا القول نقله السهيليّ في
(الروض)) عن البكريّ، وأعرض عنه، وذكر ابن الكلبيّ ما يوافق هذا القول،
وقد خُصّت الطائف بتصانيف، وذكروا الخلاف المذكور، وبسطوا فيه، أورد
بعض ذلك الحافظ ابن فهد الهاشميّ في تاريخ له خصَّه بذكر الطائف،
جزاهم الله عنا كل خير. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنها: هذه الأقوال تحتاج إلى ما يُثبتها من الآثار
الصحاح، وهيهات هيهات، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): ((الطائف: بلد كبير، مشهور، كثير الأعناب،
والنخيل، على ثلاث مراحل، أو اثنتين من مكة، من جهة المشرق، قيل:
أصلها أن جبريل عليه* اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصَّرِيم، فسار بها إلى
(١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٨٤/٦.

١٢٣
(٢٩) - بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ - حديث رقم (٤٦١١)
مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيثُ الطائفُ، فسُمِّي الموضع بها،
وكانت أوّلاً بنواحي صنعاء، واسم الأرض وجّ - بتشديد الجيم - سُمّيت
برجل، وهو ابن عبد الجنّ من العمالقة، وهو أول من نزل بها، وسار النبيّ وَّل
إليها بعد مُنصرفه من حُنين، وحَبَس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف
النصّريّ، قائد هوازن لَمّا انهزم دخل الطائف، وكان له حصن بَلِيَة، وهي بكسر
اللام، وتخفيف التحتانية، على أميال من الطائف، فمرّ به النبيّ وَّ، وهو
سائر إلى الطائف، فأمر بهدمه. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١١] (١٧٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الأَعْمَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ وَه
أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَثَلْ مِنْهُمْ شَيْئاً، فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللهُ»، قَالَ أَصْحَابُهُ:
نَرْجِعُ، وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ؟(٢)، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ))، فَغَدَوْا
عَلَيْهِ، فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَداً)، قَالَ:
فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في السند الماضي.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فَاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((الفتح)) ٤٤٩/٩ - ٤٥٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٢) وفي نسخة: ((ولم نفتحه)).

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٥ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١ /١٨٤.
٦ - (أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّاعِرُ الأَعْمَى) السائب بن فَرُّوخ المكيّ، ثقةٌ [٣]
تقدم في ((الصيام)) ٢٧٣٤/٣٧.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص ﴿يَا، سيأتي الكلام عليه قريباً - إن
شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالمكيين، غير شيوخه،
فالأول والثالث كوفيّان، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ طائفيّ، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - بفتح العين، وسكون الميم، هكذا في النسخ،
ووقع في بعضها - كما أشار إليه في هامش الهنديّ - ((ابن عُمَر)) بضمّ العين،
وفتح الميم، وهو الصواب، كما سيأتي تحقيقه.
قال الحافظ الجيّاني ◌َّلُ في ((التقييد)) بعد أن ساق سند مسلم المذكور
هنا، وقال فيه: ((عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب)) ما نصّه: هكذا إسناده عند
أبي العلاء بن ماهان، جعله من مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعند أبي
العبّاس الرازيّ: ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص))، وكذلك جعله ابن أبي
شيبة في مسند عبد الله بن عمرو، أخبرناه أبو عمر، نا سعيد بن نصر، نا
قاسم، نا ابن وضّاح، نا أبو بكر، نا سفيان، عن عمرو، عن أبي العبّاس، عن
ابن عمرو، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((إنا قافلون غداً)) في غزوة الطائف، ثم
قال أبو بكر: وقد سمعت ابن عيينة يُحدّث به مرّة أخرى: ((عن ابن عمر)).
ورواه البخاريّ عن عليّ ابن المدينيّ، وقتيبة بن سعيد، وعبد الله بن
محمد المسنديّ، عن سفيان بن عيينة، وذكره من حديث عبد الله بن عمر بن
الخطّاب.
وقال الدارقطنيّ وغيره: الصواب أنه من مسند عبد الله بن عمر بن

١٢٥
(٢٩) - بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ - حديث رقم (٤٦١١)
الخطّاب(١). انتهى كلام الحافظ الجيّانيّ كَّتُهُ(٢)، وهو تحقيق نفيسٌ.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عن عبد الله بن عمر))، في رواية الكشميهنيّ:
((عبد الله بن عمرو)) بفتح العين، وسكون الميم، وكذا وقع في رواية النسفيّ،
والأصيليّ، وقرئ على ابن زيد المروزيّ كذلك، فرَدّه بضم العين.
وقد ذكر الدارقطنيّ الاختلاف فيه، وقال: الصواب: عبد الله بن عمر بن
الخطاب، قال الحافظ: والأول هو الصواب في رواية عليّ ابن المدينيّ،
وكذلك الحميديّ، وغيرهما، من حفاظ أصحاب ابن عيينة، وكذا أخرجه
الطبرانيّ من رواية إبراهيم بن يسار، وهو ممن لازم ابن عيينة جدّاً، والذي قال
عن ابن عيينة في هذا الحديث: ((عبد الله بن عَمْرو)): هم الذين سمعوا منه
متأخراً، كما نبّه عليه الحاكم.
وقد بالغ الحميديّ في إيضاح ذلك، فقال في ((مسنده)) في روايته لهذا
الحديث، عن سفيان: ((عبد الله بن عمر بن الخطاب)).
وأخرجه البيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق عثمان الدارميّ، عن عليّ بن
المدينيّ، قال: حدّثنا به سفيان غير مرة يقول: عبد الله بن عمر بن الخطاب،
لم يقل: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة،
فقال: ((عبد الله بن عمرو))، وكذا رواه عنه مسلم.
وأخرجه الإسماعيليّ، من وجه آخر عنه، فزاد: قال أبو بكر: سمعت
ابن عيينة مرّة أخرى، يُحدّث به عن ابن عُمَر.
وقال المفضل الغلابيّ(٣)، عن يحيى بن معين: أبو العباس، عن
عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عُمر، في الطائف: الصحيح ابن عُمَر.
(٤)
انتھی
.
(١) قال الحميديّ: وليس لأبي العبّاس في مسند ابن عمر بن الخطاب غير هذا
الحديث المختَلَف فيه. ذكره النوويّ ١٢/ ١٢٣.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٨٧٧/٣ - ٨٧٨.
(٣) وقع في نسخة ((الفتح)): العلائيّ، والظاهر أنه تصحيف من ((الغلابيّ)، كما هو
معروف.
(٤) ((الفتح)) ٩/ ٤٥١، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٥).

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من كلام الحفّاظ المتقنين أن
الصواب في حديث الباب أنه من رواية عبد الله بن عمر بن الخطّاب، لا من
رواية عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن وقع هنا في معظم نسخ ((صحيح
مسلم)) التي بين أيدينا، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ أَهْلَ الطَّائِفِ) وفي رواية البخاريّ: (لَمّا
حاصر رسول الله وَ ﴿ الطائف))، (فَلَمْ يَتَلْ مِنْهُمْ شَيْئاً)؛ أي: لم يُصب من أهل
الطائف شيئاً من الغنائم، وفي مرسل ابن الزبير، عند ابن أبي شيبة، قال: ((لَمّا
حاصر النبيّ ◌َل﴿ الطائف، قال أصحابه: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف،
فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد ثقيفاً))، وذكر أهل المغازي أن النبيّ وَّ لَمّا
استعصى عليه الحصن، وكانوا قد أعدّوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة، ورَمَوا
على المسلمين سكك الحديد المحمّاة، ورَمَوْهم بالنبل، فأصابوا قوماً،
فاستشار نوفلَ بن معاوية الدِّيليّ، فقال: هم ثعلب في جُحْر، إن أقمت عليه
أخذته، وإن تركته لم يضرّك، فرَحَل عنهم، وذكر أنس في حديثه عند مسلم أن
مدّة حصارهم كانت أربعين يوماً، وعند أهل السير اختلاف، قيل: عشرين
يوماً، وقيل: بضع عشرة، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر، ذكره في
((الفتح))(١).
(فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُونَ)؛ أي: راجعون إلى المدينة، وقال القرطبيّ ◌َّهُ:
القافل: هو الراجع من السفر، والجماعة القافلة، ولا يقال لهم في ابتداء
سيرهم: قافلة، بل رُفقة. انتهى(٢). (إِنْ شَاءَ اللهُ))، قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ) بتقدير
همزة الاستفهام؛ أي: أنرجع إلى المدينة؟، وقوله: (وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ؟) جملة في
محلّ نصب على الحال من فاعل ((نرجع))، والضمير للطائف، وفي بعض
النسخ: ((ولم نفتتحه))، وفي رواية البخاريّ: ((فَقُل عليهم، وقالوا: نذهب، ولا
نفتحه))، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ))، فَغَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَصَابَهُمْ
جِرَاحٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَداً))، قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ،
(١) ((الفتح)) ٤٥١/٩ - ٤٥٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٢) ((المفهم)) ٦٢٥/٣.

١٢٧
(٢٩) - بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ - حديث رقم (٤٦١١)
فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) قال النوويّ دَخْتُهُ: معنى الحديث: أنه وَّ قصد الشفقة
على أصحابه، والرفق بهم بالرَّحِيل عن الطائف؛ لصعوبة أمره، وشدّة الكفار
الذين فيه، وتَقَوِّيهم بحصنهم، مع أنه وََّ عَلِم، أو رَجَى أنه سيفتحه بعد هذا
بلا مشقّة، كما جرى، فلمّا رأى حرص أصحابه على الْمُقام والجهاد أقام،
وجدّ في القتال فلمّا أصابتهم الجراح، رَجَع إلى ما كان قَصَده أوّلاً من الرفق
بهم، ففرحوا بذلك؛ لِمَا رأوا من المشقة الظاهرة، ولعلهم نظروا، فعلموا أن
رأي النبيّ وَل﴿ أبرك، وأنفع، وأحمد عاقبةً، وأصوب من رأيهم، فوافقوا على
الرحيل، وفرحوا، فضَحِك النبيّ وَّ تعجباً من سرعة تغيّر رأيهم، والله أعلم.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)): وحاصل الخبر أنهم لمّا أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم
يعجبهم، فلما رأى ذلك أَمَرَهم بالقتال، فلم يُفْتَح لهم، فأصيبوا بالجراح؛
لأنهم رَمَوا عليهم من أعلى السور، فكانوا ينالون منهم بسهامهم، ولا تصل
السهام إلى من على السور، فلمّا رأوا ذلك تبيّن لهم تصويب الرجوع، فلما
أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، ولهذا قال: ((فضحك))(٢).
وقال القرطبيّ تَخّْلهُ: قوله: ((حاصر رسول الله ول أهل الطائف)): كان
هذا الحصار بعد هزيمة هوازن، وذلك: أنه لجأ إليها فَلَّهم(٣)، واجتمع بها
شوكتهم، ورماتهم مع رماة ثقيف، وكان النبيّ وَّ لما رأى جدّهم وامتناعهم
قال لأصحابه: ((إنا قافلون غداً إن شاء الله)) على جهة الرفق بهم، والشفقة
عليهم، فعَظُم عليهم أن يرجعوا، ولم يفتتحوا ذلك الحصن، ورأوا أن هذا
العَرْض من النبيّ وَّ على جهة المشورة، فلما رأى رسول الله وَّ جِدّهم في
هذا، وما ظهر لهم، قال لهم: ((اغدوا على القتال))، فلما أصابتهم الجراح،
وقُتل منهم جماعة على ما ذكر أهل التواريخ، قال لهم: ((إنا قافلون غداً))،
فأعجبهم ذلك؛ لِمَا أصابهم من شدّة الحال، ولِمَا لَقُوا، فضحك النبيّ وَّ لِمَا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٥١/٩ - ٤٥٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٣) أي: مُنْهَزِمهم.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رأى من اختلاف قولهم عند اختلاف الحالين، ورجوعهم إلى الرأي السديد،
لكن بعد مشقة.
قال: وفيه من الفقه: جواز محاصرة العدو، والتضييق عليهم، ومشاورة
الإمام أصحابه، وعَرْضه عليهم ما في نفسه، وسلوكه بهم طريق الرفق
والرحمة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها - وأسلفت أن الصواب
عبد الله بن عُمر ◌ًَّا - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١١/٢٩] (١٧٧٨)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٣٢٥) و((الأدب)) (٦٠٨٦) و((التوحيد)) (٧٤٨٠)، و(النسائيّ) في
(«الكبرى» (٨٥٩٩ و٨٨٧٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٧٠٦)، و(ابن أبي
شيبة) في («مصنّفه)) (٥٠٧/١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١/٢)، و(سعيد بن
منصور) في ((سننه)) (٢٨٦٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٨٢/٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٧٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٥٠/١٠)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٩) و((دلائل النبوة)) (١٦٥/٥ - ١٦٧)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٠) - (بَابُ غَزْوَةِ بَدٍْ)
قال في ((الفتح)): (بَدْرٌ: هي قرية مشهورة، نُسبت إلى بدر بن مَخلد بن
النضر بن كنانة، كان نزلها، ويقال: بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر
التي بها، سُمّيت بذلك؛ لاستدارتها، أو لصفاء مائها، فكان البدر يُرَى فيها،
وحَكَى الواقديّ إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غِفَار، وإنما هي
(١) ((المفهم)) ٦٢٤/٣ - ٦٢٥.

١٢٩
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
ماؤنا، ومنازلنا، وما مَلَكها أحدٌ قط، يقال له: بدر، وإنما هو عَلَمٌ عليها
كغيرها من البلاد)). انتهى (١).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: بَدْرٌ: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة
أقرب، ويقال: هو على ثمانية وعشرين فَرْسخاً، على منتصف الطريق تقريباً،
وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمّيت بدراً؛ لأن الماء كان لرجل من
جُهينة، اسمه بَدْرٌ، وقال الواقديّ: كان شيوخ غِفَار يقولون: بدرٌ ماؤنا،
ومنزلنا، وما ملكه أحد قبلنا، وهو من ديار غِفَار. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٢] (١٧٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ
أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ،
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ
أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ
الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَتَدَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْراً،
وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَِّ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ
◌ِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُثْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ
ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ، فَسَأَلُوهُ
فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ
فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضاً ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ وَلِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى
ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ(٣) إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا
كَذَبَكُمْ))، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَاٍ))، قَالَ: وَيَضَعُ بَدَهُ عَلَى
(١) ((الفتح)) ١٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٥١).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨/١.
(٣) وفي نسخة: ((لتضربونه)).

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الأَرْضِ هَا هُنَا، وَهَا هُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ ◌َِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) المذكور في السند السابق.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار
[١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في
ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] مات
سنة بضع (١٢٠) وله (٨٦) سنةً تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك رُه، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ظه، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
فكوفيّ، وفيه أنس بن مالك، وتقدّم الكلام فيه قريباً.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ شَاوَرَ) يقال: شَاوَرْتُهُ في
(عَنْ أَنَس) بن مالك
كذا، واسْتَشَرْتُهُ: راجعته؛ لأرى رأيه فيه، فَأَشَارَ عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه
من المصلحة، فكانت إِشَارَةً حسنةً، والاسم: المَشُورَةُ، وفيها لغتان: سكون
الشين، وفتح الواو، والثانية ضم الشين، وسكون الواو، وزانُ معونةٍ، ويقال:
هي من شَارَ الدابة: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَار، بكسر الميم، وهو المكان الذي
تُجرى فيه الدابّة لعرضها للبيع، ويقال: مِنْ شُرْت العسلَ: إذا جنيته، أو
شَرِبته، شُبّه حُسن النصيحة بشرب العسل، قاله الفيّوميّ كَذَّهُ(١).
(حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب؛ أي: من الشام متوجهاً إلى
مكة، قال الأبّيّ كَُّهُ: ظاهره أنه وَّ إنما شاور للعير التي مع أبي سفيان،
والذي في كُتب السيرة: أنه إنما شاور في لقاء أهل مكة حين بلغه إقبال قريش
(١) ((المصباح المنير)) ٣٢٧/١.

١٣١
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
إلى بدر، وأما وهو بالمدينة، فإنه لَمّا سمع بإقبال العير مع أبي سفيان ندب
الناس إلى الخروج، فقال: هذه عير قريش أقبلت من الشام، فيها أموالهم،
فاخرجوا إليها، لعلّ الله أن يُنفّلكموها، فخفّ بعض الناس للخروج، وتثاقل
بعض الناس، وإنما تثاقل من تثاقل؛ لظنّه أنه لا يلقى حرباً. انتهى(١).
ولم يتعرّض الأبيّ لدفع التعارض بين حديث الباب، وبين ما رواه
أصحاب السير، وقد تعرّض له الحافظ في ((الفتح))، فقال: ويمكن الجمع بأن
النبيّ ◌َّ استشارهم في غزوة بدر مرّتين: الأولى، وهو بالمدينة أوّل ما بلغه
خبر العِير مع أبي سفيان، وذلك بَيِّنٌ في رواية مسلم هنا، حيث قال: إنه
((شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان))، والثانية: كانت بعد أن خرج، كما في
رواية البخاريّ.
وتعقّب بعضهم الحافظ في الجمع المذكور، فقال: ولكن الظاهر أن
المشاورة المذكورة في أول حديث الباب التي تكلّم فيها أبو بكر، وعمر،
وسعد ◌ّ إنما وقعت بعد الخروج من المدينة بموضع الصفراء حين بلغه أن
قريشاً قصدت بدراً، وأن أبا سفيان نجا بمن معه؛ لأن هذه المشاورة الطويلة،
والحماس الذي أظهره الصحابة حينذاك يدلّ على أن أمامهم معركة شديدة،
وإنما ظهر لهم ذلك عند وصولهم إلى الصفراء، ولو كان الأمر مجرّد الإغارة
على عير أبي سفيان، كما كان بين أيديهم في المدينة لَمَا احتاجوا إلى هذه
المشاورة الطويلة، ولا إلى إبداء هذا الحماس والتفاني، وبذلك يظهر رُجحان
ما رواه سائر أصحاب السِّير من أن هذه المشاورة وقعت بعد الخروج من
(٢)
المدينة. انتهى
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تَخَالُف بين هذا الحديث وبين ما
رواه أصحاب السير؛ لأن المراد بقوله هنا: ((حين بلغه إقبال أبي سفيان)) إقباله
على مكة، ونجاته من إغارة المسلمين عليه؛ يعني: أنه ﴿ ﴿ لَمّا بلغه أن أبا
سفيان فاتَّهُم، وأقبل على مكة، وذلك بعدما بلغ الصفراء، فعند ذلك شاور
(١) (شرح الأبيّ)) ١١١/٥.
(٢) راجع: (تكملة فتح الملهم)) ١٦٥/٣.

١٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أصحابه في مواجهة العدوّ في بدر، وهذا هو أحسن التوجيهات بينهما، فتأمله
بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: العير التي مع أبي سفيان يقال: كانت ألف بعير، وكان المال
خمسين ألف دينار، وكان فيها ثلاثون رجلاً من قريش، وقيل: أربعون، وقيل:
ستّون، قاله في ((الفتح))(١) .
[تنبيه آخر]: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَِّفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧] نزل في قصة بدر
بلا خلاف، بل جميع سورة الأنفال، أو معظمها نزلت في قصة بدر، وعن
سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ((سورة الأنفال؟)) قال: نزلت في بدر،
والمراد بالطائفتين: العير، والنفير، فكان في العير: أبو سفيان، ومن معه،
كعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وما معه من الأموال، وكان في النفير:
أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وغيرهما، من رؤساء قريش، مستعدِّين بالسلاح،
متأهبين للقتال، وكان ميل المسلمين إلى حصول العِير لهم، وهو المراد بقوله:
[الأنفال: ٧]، والمراد بذات
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾
الشوكة الطائفة التي فيها السلاح.
وروى الطبرانيّ، وأبو نعيم في ((الدلائل))، من طريق عليّ بن طلحة، عن
ابن عباس ما قال: أقبلت عير لأهل مكة من الشام، فخرج النبيّ ◌َ طّ يريدها،
فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا إليها، وسَبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم
إحدى الطائفتين، وكانوا أن يَلْقَوا العير أحب إليهم، وأيسر شوكةً، وأخصّ
مغنماً من أن يلقوا النفير، فلمّا فاتهم العير نزل النبيّ يَّر بالمسلمين بدراً، فوقع
القتال، ذكره ((الفتح)»(٢).
(فَأَعْرَضَ عَنْهُ)؛ يعني: أنه نَّـ لم
(قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق
LU
يلتفت إلى أبي بكر، ولم يقنع بما أشار إليه، (ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َظُه،
ذكر ابن هشام كَّتُهُ ما حاصله: أنه وَلّ لمّا أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم؛
(١) ((الفتح)) ١٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٠٥١).
(٢) ((الفتح)) ١٦/٩.

١٣٣
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام
عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله
امض لِمَا أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل
لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن
اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا
إلى بَرْك الغماد لجالدنا معك مَنْ دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله وَليه
خيراً، ودعا له به. انتهى(١).
(فَأَعْرَضَ) وَّرِ (عَنْهُ)؛ أي: عما أشار به عمر رَُّه، (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ
عُبَادَةَ) رَظُه، كذا وقع في جميع نسخ ((صحيح مسلم))، ولكنه مُشكِل جدّاً؛ لأن
المعروف أن سعد بن عُبادة لم يشهد بدراً، كان يتهيّأ للخروج، فنُهس، فأقام،
ولكن ضرب له رسول الله وَليه بسهم؛ لكونه كان حريصاً على الخروج، وقعوده
إنما هو من أجل عذر مُفاجىء، كما في ((الإصابة))(٢)، و((الفتح))(٣).
فالصحيح المحفوظ في سائر الروايات أن الذي قال هذا الكلام إنما هو
سعد بن معاذ، لا سعد بن عبادة، بذلك اتَّفَقَت روايات أصحاب السِّيَر (٤).
وقال الحافظ في ((الفتح)): ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي
قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، وفيه نظرٌ؛ لأن سعد بن
عبادة لم يشهد بدراً، ثم قال: ووقع عند الطبرانيّ أن سعد بن عبادة قال ذلك
بالحديبية، وهذا أولى بالصواب.
(فَقَالَ) سعد ◌َُّنْه (إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال القرطبيّ تَخْذُهُ: مشاورة
النبيّ وَله أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان، وإعراضه عن تكليم المهاجرين
إنما كان ليستخرج ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، وذلك أنهم إنما
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٦١٤/١.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٧/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٨٨/٧.
(٤) راجع: ((سيرة ابن هشام)) مع ((الروض الأنف)) ٦٤/٢، و((عيون الأثر)) لابن سيّد
الناس ص٢٤٧، و((البداية والنهاية)) لابن كثير ٢٦٢/٣، و((المواهب اللدنية)) مع
((شرح الزرقاني)) ٤١٣/١.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
كانوا بايعوه ليمنعوه من الأحمر والأسود، ولم يأخذ عليهم أن يخرجوا معه،
فأراد أن يَعْلَم ما عندهم من ذلك، فعَرَض عليهم ذلك، فأجابوه بالجواب الذي
ذكره سعد بن عبادة، الذي حصل لهم به المقام المحمود، والشرف المشهود.
انتھی
(١)
وقال ابن هشام تَخُّْ في ((سيرته)): ثم قال رسول الله وَليون: ((أشيروا عليّ
أيها الناس))، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه
بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا
وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان
رسول الله وَّلَه يتخوّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نَصْرَهُ إلا ممن دهمه
بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلما
قال ذلك رسول الله وَل* قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
قال: ((أَجَلْ))، قال: فقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو
الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، على السمع، والطاعة، فامْضٍ
يا رسول الله لِمَا أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ لو استَعْرَضت بنا
هذا البحر، فخُضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن
تلقى بنا عدوّنا غداً، إنا لَصُبُر في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا
ما تَقَرّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، فَسُرّ رسول الله وَّهِ بقول سعد، ونَشّطه
ذلك، ثم قال: ((سِيروا، وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين،
والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)). انتهى(٢).
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا) بضم أوله، من الإخاضة،
يقال: خاض الماءَ يَخُوضه خَوْضاً، وخِيَاضاً: دخله، كخوّضه، واختاضه،
وبالفرس: أورده، كأخاضه، وخاوضه، قاله المجد تَذُّهُ(٣)، والضمير ههنا
للخيل، وكانت العرب قد تُضمر بعض الأشياء بدون ذكرها، كأنها معهودة في
الذهن، منها الخيل والنوق(٤). (الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا)؛ أي: لأدخلناها فيه،
(١) ((المفهم)) ٦٢٥/٣ - ٦٢٦.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٤٠٤.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٦١٥/١.
(٤) ((تكملة فتح الملهم)) ١٦٧/٣.

١٣٥
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
(وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا) بالفتح: جمع كَبِد، قال المجد تَّتُهُ: الْكَبِدُ
بالفتح، والكسر، وكَكَتِفٍ: معروف، وقد يذكّر، جمعه: أكباد، وكُبُود، وقال
أيضاً: والكبد، ككَتِفٍ: الجوف بكماله. انتهى(١)، والظاهر أن المراد هنا:
الكبد بمعنى الجوف؛ لأنه الذي يمكن الراكب أن يضربه، والله تعالى أعلم.
(إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ) اسم موضع، (لَفَعَلْنَا)؛ أي: ما أمرتنا به من ذلك، قال
النوويّ كَّتُهُ: قوله: (برك الغماد)): أما ((برك)) فهو بفتح الباء، وإسكان الراء،
هذا هو المعروف المشهور في كتب الحديث، وروايات المحدثين، وكذا نقله
القاضي عن رواية المحدثين، قال: وقال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء،
قال: وكذا قيّده شيوخ أبي ذرّ في البخاريّ، كذا ذكره القاضي في ((شرح
مسلم))، وقال في ((المشارق)): هو بالفتح لأكثر الرواة، قال: ووقع للأصيليّ،
والمستملي، وأبي محمد الحمويّ بالكسر.
قال النوويّ: وذكره جماعة من أهل اللغة بالكسر لا غير، واتفق الجميع
على أن الراء ساكنة، إلا ما حكاه القاضي عن الأصيليّ أنه ضبطه بإسكانها،
وفتحها، وهذا غريب ضعيف.
وأما ((الغماد)) فبغين معجمة مكسورة، ومضمومة، لغتان مشهورتان، لكن
الكسر أفصح، وهو المشهور في روايات المحدثين، والضم هو المشهور في
كتب اللغة، وحَكَى صاحب ((المشارق))، و((المطالع)) الوجهين عن ابن دُريد،
وقال القاضي عياض في ((الشرح)): ضبطناه في ((الصحيحين)) بالكسر، قال:
وحَكَى ابن دُريد فيه الضم والكسر، وقال الحازميّ في كتابه ((المؤتلف
والمختلف في أسماء الأماكن)): هو بكسر الغين، ويقال: بضمّها، قال: وقد
ضبطه ابن الفرات في أكثر المواضع بالضم، لكن أكثر ما سمعته من المشايخ
بالكسر، قال: وهو موضع من وراء مكة، بخمس ليال، بناحية الساحل،
وقيل: بلدتان، هذا قول الحازميّ، وقال القاضي وغيره: هو موضع بأقاصي
هَجَر، وقال إبراهيم الحربيّ: برك الغماد، وسعفات هجر، كناية يقال فيما
(٢)
تباعد. انتهى (٢).
(١) ((القاموس المحيط)) ص ١١١٠.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٢٤/١٢ - ١٢٥.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال في ((الفتح)): قوله: ((برك الغماد)): أما (برك)) فهو بفتح الموحدة،
وسكون الراء، بعدها كاف، وحُكِيَ كسر أوله، وأما ((الغماد)»: فهو بكسر
المعجمة، وقد تضمّ، وبتخفيف الميم، وحَكَى ابن فارس فيها ضم الغين:
موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، وقال البكريّ: هي أقاصي
هَجَر، وحَكَى الْهَمْدانيّ في أنساب اليمن: هو في أقصى اليمن، والأول أولى،
وقال ابن خالويه: حضرت مجلس المحامليّ، وفيه زُهاء ألف، فأملى عليهم
حديثاً فيه: ((فقالت الأنصار: لو دعوتنا إلى برك الغماد))، قالها بالكسر، فقلت
للمستملي: هو بالضم، فذكر له ذاك، فقال لي: وما هو؟ قلت: سألت ابن
دُريد عنه، فقال: هو بقعة في جهنم، فقال المحامليّ: وكذا في كتابي على
الغين ضمة، قال ابن خالويه: وأنشد ابن دُريد [من مجزوء الكامل]:
دُ فَأَوْلِهَا كَنَفَ الْبِعَادْ
وَإِذَا تَنَكَّرَتِ الْبِلَا
رَكَ جَانِبَيْ بُرْكِ الْغِمَاذْ
وَاجْعَلْ مُقَامَكَ أَوْ مَقَرْ
ـنَ وَلَا ابْنَ عَمِّ لِلْبِلَادْ
لَسْتَ ابْنَ أُمِّ الْقَاطِنِيـ
قال ابن خالويه: وسألت أبا عمر - يعني: غلام ثعلب - فقال: هو
بالكسر والضم: موضع باليمن، قال: وموضع باليمن أوله بالكسر، لكن آخره
راء مهملة، وهو عند بئر برهوت، الذي يقال: إن أرواح الكفار تكون فيها.
انتھی .
واستبعد بعض المتأخرين ما ذكره ابن دُريد، فقال: القول بأنه موضع
باليمن أنسب؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ لا يَدْعُوهم إلى جهنم، وخَفِي عليهم أن هذا
بطريق المبالغة، فلا يراد به الحقيقة، ثم ظهر لي أن لا تنافي بين القولين،
فيُحْمَل قوله: جهنم على مجاز المجاورة؛ بناءً على القول بأن برهوت مأوى
أرواح الكفار، وهم أهل النار. انتهى (١).
◌َّهِ (فَتَدَبَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ النَّاسَ)؛ أي: دعاهم إلى مواجهة
(قَالَ) أنس
النفير؛ لأن العير التي كانوا يُحبّون أن يلقوها، قد فاتت، كما أخبر الله حيث
قال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
(١) ((الفتح)) ٦٧٤/٨ - ٦٧٥، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٠٥).

١٣٧
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِينَ
[الأنفال: ٧].
(فَانْطَلَقُوا)؛ أي: ذهبوا إلى جهة العدوّ، وواصلوا المسير، (حَتَّى نَزَلُوا
بَدْراً) تقدّم الكلام فيه مستوفّى في أول الباب. (وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ) بفتح
الراء: جمع راوية؛ يعني: الإبل التي يُستقى عليها، واحدتها راوية، وأصل
الراوية: المزادة، فقيل للبعير: راوية؛ لحمله المزادة، قال الخطابيّ تَذفهُ(١).
وقال الفيّوميّ كَثْتُ: وروى البعير الماءَ يرويه، من باب رَمَى: حَمَله،
فهو راويةٌ، والهاء فيه للمبالغة، ثمّ أُطلقت الراوية على كلّ دابّة يُسْتَقَى الماءُ
(٢)
عليها. انتهى(٢).
وقوله: (وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن في جملة
الرَّوَايا عبد أسود (لِبَنِي الْحَجَّاجِ) قبيلة معروفة، (فَأَخَذُوهُ)؛ أي: أخذ أصحاب
النبيّ ◌َّر ذلك الغلام الأسود، (فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ)؛ أي: عن خبره هل هو فاتهم أم لا؟ (وَأَصْحَابِهِ)؛ أي: وعن خبر
أصحاب أبي سفيان الذين جاءوا معه من الشام ببضائع أهل مكة، (فَيَقُولُ) ذلك
الغلام: (مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا) مشيراً إلى من هم قريبون منهم،
وهم: (أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، وأبو جهل لَقَبُه في الإسلام، وكان يُكنى في
الجاهليّة بأبي الحكم، ثم كُني بأبي جهل؛ لجهله بالإسلام الذي هو كان شرفاً
له في الدنيا والآخرة لو دخل فيه. (وَعُتْبَةُ) بن ربيعة (وَشَيْبَةُ) بن ربيعة أخو عتبة
(وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ)؛ أي: قوله: هذا أبو جهل ... إلخ (ضَرَبُوهُ)
لظنّهم كذبه في ذلك، (فَقَالَ) الغلام إذا ضربوه: (نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو
سُفْيَانَ) إنما قال هذا؛ لتألمه بالضرب، لا لكونه يعلم مكان أبي سفيان، كما
بيّنه بقوله: (فَإِذَا تَرَكُوهُ) عن الضرب (فَسَأَلُوهُ) عن أبي سفيان وأصحابه (فَقَالَ:
مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلِ، وَعُتْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ،
فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضاً ضَرَبُوهُ)؛ أي: كما ضربُوه أوّلاً على هذا القول، وذلك لأنّ
الغلام رأى هؤلاء الصناديد في الجيش الذي قَدِم من مكة، ولم ير أبا سفيان؛
(١) ((معالم السنن)) ١٩/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٤٦/١.

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
لأنه هَرب عادلاً عن الطريق المعتاد إلى طريق الساحل، فنجا، ولم يكن
الصحابة ه عارفين بقدوم جيش قريش: أبي جهل وأصحابه، فظنّوا أن الغلام
یكذِبهم، فضربوه لذلك.
وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ قَائِمٌ) جملة حاليّة مما قبله، وكذا قوله: (يُصَلِّي)
حال من رسول الله، (فَلَمَّا رَأَى) بَّرِ (ذَلِكَ)؛ أي: ضَرْبَهم العبد إذا صدقهم
بإخبار الواقع، وتَرْكَهم له إذا أخبرهم بخلاف الواقع، (انْصَرَفَ)؛ أي: سلّم ◌َّ
من صلاته، قال النوويّ كَّلُهُ: معنى قوله: ((انصرف)) سَلّم من صلاته، ففيه
استحباب تخفيفها إذا عرض أمر في أثنائها. انتهى(١).
(قَالَ) وَ ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ) اللام فيه لام الابتداء، جِيءَ بها
للتوكيد، قال النوويّ كَّثهُ: هكذا وقع في النسخ: ((تضربوه))، و((تتركوه)) بغير
نون، وهي لغة، سبق بيانها مرّات، أعني حذف النون بغير ناصب، ولا جازم.
(٢)
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حذف نون الرفع بلا ناصب، ولا جازم جائز
بقّة، وقد بيّن ذلك ابن مالك تَخُّْ في ((الكافية الشافية))، حيث قال:
و((تَذْهَبَانِ)) ثُمَّ ((تَذْهَبِينَا))
بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ (تَذْهَبُونَا))
كَـ((لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا»
وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا
وَالْفَُّ وَالإِذْغَامَ أَيْضاً ثَبَتَا
وَحْذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ ((نِي)) أَتَّى
فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا(٣)
وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا
وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي))
((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيَتِي تَدْلُكِي
وقال في ((شرحه)): ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ ◌َلّ:
((والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٢.
(٣) وفي في بعض النسخ بدل هذا البيت:
وَقَلَّ حَذْفٌ دُونَ ((نِي)) نَثْراً كَمَا
وفي نسخة :
((لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى)) وَمِمَّا نُظِمَا
وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا نَظْماً وَنَثْراً نَادِراً وَقَدْ رَوَوْا

١٣٩
(٣٠) - بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ - حديث رقم (٤٦١٢)
تحابّوا ... )) الحديث(١)، والأصل: ((لا تدخلون، ولا تؤمنون))؛ لأن ((لا))
نافية، و((لا)) النافية تعمل في الفعل شيئاً. انتهى.
(إِذَا صَدَقَكُمْ) بإخبار الواقع، وهو خبر أبي جهل وأصحابه، (وَتَتْرُكُوهُ إِذَا
كَذَبَكُمْ))) بإخبار خلاف الواقع، وهو خبر أبي سفيان وأصحابه. (قَالَ) أنس
عَنْه
se
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هَذَا) مشيراً إلى مكان معيّن من بدر (مَصْرَعُ فُلَانٍ))) .
بفتح الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الراء، آخره عين مهملة -؛ أي:
محلّ قتله. (قَالَ) أنس ◌َُّه (وَيَضَعُ) بَّهِ (يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ) المشار إليها، قائلاً
(هَا هُنَا) مصرع فلان (وَهَا هُنَا) مصرع فلان؛ يعني: أنه يَّر أرى أصحابه ظـ
مصارع صناديد قريش التي سيُصرعون فيها عند مواجهة المسلمين لهم في
المعركة، وهذا من معجزاته وَل، حيث أخبر بالمغيّبات، وفيه تثبيت وتقوية
العزائم الصحابة ظه حيث إنهم يستيقنون أن النصر لهم، وأن الدائرة على
أعدائهم.
[تنبيه]: ((ها هنا)): اسم إشارة إلى المكان القريب، كما قال في
«الخلاصة)» :
دَانِ الْمَكَّانِ وِبِهِ الْكَافِ صِلَا
وِبِـ ((هُنَا)) أو ((هَا هُنَا)) أَشِرْ إِلَى
أَوْ بِـ((هُنَالِكَ)) انْطِقَنْ أَوْ ((هِنَّا))
فِي الْبُعْدِ أَوْ بِـلثَمَّ) فُهْ أَ(هَنَّا))
(قَالَ) أنس (فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ)؛ أي: ما تباعد أحد أولئك الذي أشار
رسول الله ◌َ﴿ بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، قال المجد لَّتُهُ: ماط
عنّي يَمِيط مَيْطاً: تنحّى، وبَعُدَ، ونَحَّى، وأبعد، كأماط. انتهى(٢). (عَنْ مَوْضِعِ
(١) حديث رواه مسلم وأبو داود، عن أبي هريرة ﴿به، مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده لا
تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا
فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم ((.
ولفظ أبي داود: ((والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا
حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)).
انتھی .
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢٥١.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
يَدِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) الجارّ متعلّق بـ((ماط))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس
ظُه هذا من أفراد المصنّف رَّلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١٢/٣٠] (١٧٧٩)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(١٨٧١ و١٨٧٢ و٣٠٢٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩٢/٥ و١٧٠ و٦/
٣٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٢/٧ و٤٧١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٩٢/٢ و٥٣٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧٥٨)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٧٢٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٨٣/٤ و٢٨٥)، و(أبو نعيم)
في («الحلية)) (١٧٣/١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٤/٢)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (١٠٩/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قصّة غزوة بدر، وبيان سببها .
٢ - (ومنها): بيان مناقب الأنصار، ومدى محبّتهم للنبيّ وَّ، ونُصرتهم
له، وعلى رأسهم سعد بن معاذ
٣ - (ومنها): جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له، وإن كان أسيراً، قال
القرطبيّ تَظّثُ: وفي ضرب الصحابة
للغلام، وإقرار النبيّ ◌َّ إيَّاهم عليه
ما يدلّ على جواز ضرب الأسير، وتعزير الْمُتَّهَم، إذا كان هنالك سبب يقتضي
ذلك، وأنه يُضرب في التعزير فوق العشرة، خلافاً لمن أبى ذلك، وقال: لا
يُضرب فوق العشرة. وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى.
واختُلِف في إقرار المتهم عند الضرب، فعند الشافعيّ وكثير من أصحابه:
لا يُقبل إقراره حتى يتمادى(١)؛ سواء عَيَّن ما أقرّ به من سرقة، أو قتل، أو لم
يعيّن، ومن أصحابنا - يعني: المالكيّة - مَن ألزمه في ذلك إذا عَيَّن المُقَرَّ به،
(١) أي: حتى يمضي في إقراره، ويُداوم عليه، ولا يرجع عنه.