Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَّيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) بسجستان، يحدّث عن أبي سفيان بن الحارث، قال: قال رسول الله وَلين: ((لا يُقَدِّس الله أُمَّةً لا يأخذ الضعيفُ فيها حقَّه من القويّ))، قال الحافظ: وسنده صحيح لولا هذا الشيخ الذي لم يُسَمَّ. يقال: إنه مات سنة خمس عشرة، في خلافة عمر نظرائه، فصلى عليه، ويقال: سنة عشرين، ذكره الدارقطنيّ في ((كتاب الإخوة))(١). وقوله: (رَسُولَ اللهِ وَِّ) منصوب على المفعوليّة، (فَلَمْ نُفَارِقْه) وفي بعض النسخ: ((ولم نفارقه)) بالواو، (وَرَسُولُ اللهِ نَّهُ عَلَى بَعْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ) قال النوويّ تَخَّتُ: هكذا قال في هذه الرواية، ورواية أخرى بعدها أنها بغلة بيضاء، وقال في آخر الباب: ((على بغلته الشهباء))، وهي واحدة، قال العلماء: لا يُعْرَف له وَّ بغلة سواها، وهي التي يقال لها: دُلْدُل. انتهى(٢). (أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةٌ) بفتح الفاء، وإسكان الراء، (ابْنُ نُفَائَةَ) - بنون مضمومة، ثم فاء مخففّة، ثم ألف، ثم ثاء مثلّثة - وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال: ((فَروة بن نَعامة)) بالعين والميم، والصحيح المعروف الأول، قال القاضي عياض تَخُّْهُ: واختلفوا في إسلامه، فقال الطبريّ: أسلم، وعُمِّر عُمُراً طويلاً، وقال غيره: لم يُسلم، قاله النوويّ. وقال القرطبيّ تَخُّْ: ((فَروة بن نفاثة)) صوابه: بالنون المضمومة، والفاء، والثاء المثلثة، كذا لجميع الرواة، وقد قيّده بعضهم: ((نباتة)) بالنون والباء بواحدة، والتاء باثنتين من فوقها، وكأنه تصحيف، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب، فقال: فروة بن نعامة، والأول أشهر(٣). وقال في ((الإصابة))(٤): فَرْوة بن عامر الْجُذاميّ، أو ابن عمرو، وهو أَشْهَرُ. أسْلَم في عهد النبيّ بَّ، وبعث إليه بإسلامه، ولم يُنقَل أنه اجتمع بِهِ وَّ، وسَمَّى أبو عمر جدّه: الناقدة، قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن الناقدة البنانيّ الجذاميّ إلى النبيّ وَلِّ رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلة (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٥١/٧ - ١٥٣. (٣) ((المفهم)) ٦١٤/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٢. (٤) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٨٦/٥. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بيضاء، وكان فروة عاملاً للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله المَعَان(١) وما حولها من أرض الشام، فبلغ الروم إسلامه، فطلبوه، فحبسوه، ثم قتلوه، فقال في ذلك أبياتاً، منها قوله [من الكامل]: أَبْلِغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بَأَنَّنِي سِلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَبَنَانِي وفي ((صحيح البخاريّ)): أن الذي أهداها له ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحاق: يُحَنّةُ بن رُوبة، والله أعلم (٢). وقوله: (الْجُذَامِيُّ) - بضمّ الجيم، وذال معجمة، مخفّفة، بعد ميم -: نسبة إلى جُذام قبيلة من اليمن، وجُذَام: هو الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر، قاله في ((اللباب)) (٣). قال القرطبيّ تَخُّْ: قبوله وَ * هدية فروة يعارضه قوله وَله: ((إني نُهيت عن زَبْد المشركين)) (٤)، وامتنع من قبول هديتهم. وقد اختُلِف في هذين الحديثين، فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر، ومنهم من رام الجمع بينهما فقال: حيث قَبِل فإنما قُبل استئلافاً، وطمعاً في إسلام الْمُهدي، وحيث رَدّ لم يطمع في ذلك، وقيل: إنما ردّ حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين، وقيل: حيث كان فيه ذلك، وقيل: إنما رَدَّ ما أهدي له في خاصة نفسه، وقيل: ما عَلِم منه خلاف ذلك؛ قاله الطبري، قال: ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر؛ إذ لم يأت في ذلك بيان، وقيل: إنما قَبِل هدية أهل الكتاب؛ إذ قد أبيح لنا طعامهم، وردّ هدايا المشركين؛ إذ لم يُبَح لنا ذلك منهم، وأشبهُ هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة، والكل محتمل. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ(٥)، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم. (١) بالفتح: موضع بطريق حاجّ الشام. اهـ. ((القاموس)). (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٢ - ١١٤. (٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٦٥/١. (٤) رواه أبو داود (٣٠٥٧) والترمذيّ (١٥٧٧) وقال: حديث حسن صحيح، والزَّبْدُ بفتح، فسكون: الرِّفد والعطاء. (٥) ((المفهم)) ٦١٤/٣. ٠ ٨٣ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) وقال النوويّ كَّتُهُ: [فإن قيل]: ففي هذا الحديث قبوله وَ الر هدية الكافر، وفي الحديث الآخر: ((هدايا العُمّال غلول))، مع حديث ابن اللُّتْبيّة عامل الصدقات، وفي الحديث الآخر أنه ﴿ ﴿ رَدَّ بعض هدايا المشركين، وقال: ((إنا لا نقبل زَبْدَ المشركين)»؛ أي: رِفْدهم، فكيف يُجْمَع بين هذه الأحاديث؟. قال القاضي عياض تَخّتُهُ: قال بعض العلماء: إن هذه الأحاديث ناسخة القبول الهدية، قال: وقال الجمهور: لا نسخ، بل سبب القبول أن النبيّ وَل مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال، بخلاف غيره، فقَبِل النبيّ ◌َّ ممن طَمِع في إسلامه، وتأليفه؛ لمصلحة يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، ورَدّ هدية من لم يَظْمَع في إسلامه، ولم يكن في قبولها مصلحة؛ لأن الهدية توجب المحبة والمودّة، وأما غير النبيّ وَّر من العمال والولاة، فلا يحلّ له قبولها لنفسه عند جمهور العلماء، فإن قَبِلها كانت فيئاً للمسلمين؛ فإنه لم يُهدها إليه، إلا لكونه إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة. قال القاضي: وهذا قول الأوزاعيّ، ومحمد بن الحسن، وابن القاسم، وابن حبيب، وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم. وقال آخرون: هي للإمام خالصة، وبه قال أبو يوسف، وأشهب، وسحنون . وقال الطبريّ: إنما ردَّ النبيّ وَّ من هدايا المشركين ما عَلِم أنه أهدى له في خاصة نفسه، وقَبِل ما كان خلاف ذلك، مما فيه استئلاف المسلمين، قال: ولا يصحّ قول من ادَّعَى النسخ؛ إذ لم يأت في ذلك بيان، قال: وحكم الأئمة بعده إجراؤها مجرى مال الكفار من الفيء، أو الغنيمة، بحسب اختلاف الحال، وإلى هذا يرجع قوله: ((هدايا العُمّال غُلُول))؛ أي: إذا خَصُّوا بها أنفسهم؛ لأنها لجماعة المسلمين، إما بحكم الفيء، أو بحكم الغنيمة، وقد يرجع إلى ما يُهديه إليهم رَعَاياهم، وأصل الغلول: الخيانة؛ لأنهم إنما أهدوا لهم من قِبَل ولايتهم، ولهذا أنكره بَ له، وقال: ((هلّ جلس في بيت أبيه وأمّه، فينظر هل يُهدى له أم لا؟)). قال القاضي: كلّ هذا حماية عن الهوادة لهم في الحقوق بسببها، وإنما قَبِلها النبيّ وَّةِ؛ لتنزّهه عن هذا، وعصمته منه. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقيل: إنما قَبِل النبيّ ◌َ # هدايا كفار أهل الكتاب، ممن كان على النصرانية؛ كالمقوقس، وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله واصل: ((لا نقبل زَبْد المشركين))، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب، ومناكحتهم، بخلاف المشركين، عَبَدَة الأوثان. انتهى كلام القاضي عياض تَخْذُ(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: قال أصحابنا: متى أخذ القاضي، أو العامل هدية محرَّمَةً لزمه ردّها إلى مُهديها، فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال، والله أعلم. انتهى(٢). (فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ) بالرفع عطفاً على الفاعل، (وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ) حال مؤكّد لعامله؛ لأن معنى التولّي والإدبار واحد، قال في ((الخلاصة)): وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا (فَطَفِقَ) - بكسر الفاء، وفتحها -، يقال: طَفِقِ يفعل كذا، كَفَرِحَ، وضَرَبَ طَفْقاً، وطُفُوقاً: إذا واصل الفعلَ، خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طَفق، ويقال: طفق بمراده: ظَفِرَ، وأطفقه الله به، قاله المجد تَخَذُ(٣). والمراد هنا: شَرَع، وأخذ (رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ) - بضم الكاف - من باب نصر، قال المجد تَقْدَتُ: الرَّكْضُ: تحريك الرِّجْل، ومنه: ﴿أَرَكُضْ بِْلِكٌ﴾ [ص: ٤٢]، والدفعُ، واستحثاث الفرس للعدو، وتحرُّك الْجَنَاحِ، والْهَرَبُ، ومنه: ﴿إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]، والْعَدْوُ. انتهى (٤). والمعنى المناسب هنا: استحثاث بغلته. (قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: جهة (الْكُفَّارِ) قال العلماء: ركوبه ◌َّر البغلة في موطن الحرب، وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضاً يكون مُعْتَمَداً يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به، وبمكانه، وإنما فَعَل هذا عمداً، وإلا فقد كانت له ﴿ أفراس معروفة، ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته وَلّ تقدّمه يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فَرّ الناس عنه، وفي الرواية (١) ((إكمال المعلم)) ١٢٧/٦ - ١٢٨. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٨٠٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٥٢٨. ٨٥ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) الأخرى أنه نَزَل إلى الأرض حين غَشُوه، وهذه مبالغة في الثبات، والشجاعة، والصبر، وقيل: فَعَل ذلك مواساةً لمن كان نازلاً على الأرض، من المسلمين، وقد أخبرت الصحابة ﴿ بشجاعته ◌َّر في جميع المواطن، وفي ((صحيح مسلم)): قال البراء ربه: ((كنّا والله إذا احمرّ البأس نّقي به، وإن الشجاع منا الذي يُحاذي به وَل ◌ٍ))(١). (وَأَنَا آَخِذٌ بِلِجَام) - بكسر اللام، ككتاب -: الحديدة (قَالَ عَبَّاسٌ) ـنة التي تُجعل في فم الدابّة، (بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ وَيهِ أَكْفُّهَا) جملة حاليّة من ((بغلة))؛ أي: أمنعها من السير (إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ) بنصب ((إرادةَ)) على أنه مفعول من أجله، كما قال في ((الخلاصة)): يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْرًا وَدِنْ)) (وَأَبُو سُفْيَانَ) بن الحارث (آَخِذٌ بِرِكَابٍ رَسُولِ اللهِ وَار) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، و((الركاب)): الحديدة التي يضع الراكب فيها قدمه، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَنْ عَبَّاسُ) ((أَيْ)) حرف لنداء القريب، وقيل: للأوسط، وقيل: للبعيد، وقد ذكرت ذلك بقولي: ((أَيْ)) لِنَذَا الْقَرِيبِ أَوْ لِلْأَوْسَطِ أَوِ الْبَعِيدِ اخْتَلَفُوا فَلْتَضْبِطِ (نَادٍ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ))) - بفتح السين المهملة، وضمّ الميم -: واحد السَّمُر، كرَجُل: شجر الطَّلْح، وهو نوع من الْعِضَاه، وقال المرتضى في ((التاج)): والسمُر - بضمّ الميم - شجر معروف، صغار الورق، قصار الشوك، وله بَرَمَةُ(٢) صفراء، يأكلها الناس، وليس في العضاه شيء أجود خشباً من السمر، يُنقل إلى القرى، فتُغمى به البيوت. انتهى (٣). والمراد هنا الشجرة التي بايعوه وَّ﴿ تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: نادٍ أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية التي أنزل الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]، وإنما ناداهم بأصحاب (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٢ - ١٢١. (٢) في ((القاموس)): الْبَرَمُ: محرّكة: ثمر العضاه. (٣) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٧٨/٣. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير السمرة؛ لتذكيرهم عهدهم الذي عاهدوا به في الحديبية حيث بايعوه فيها على أن لا يفرّوا، ومنهم من بايعه على الموت. وفي رواية ابن عيينة، عن الزهريّ عند أبي عوانة(١)، وسأذكرها قريباً: ((فقال النبيّ وَّه: يا عبّاس نادٍ في الناس، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب البقرة، قال سفيان: يذكّرهم البيعة التي بايعوه تحت الشجرة، والشجرة: سمرةٌ بايعوه تحتها على أن لا يفرّوا)). وقال القرطبيّ تَظْتُ: ((السمرة)): هي شجرة الرضوان التي بايع النبيّ رَل تحتها أصحابه بيعة الرضوان بالحديبية، وكانوا بايعوه على ألا يَفِرُّوا، فلما سمعوا النداء، تذكروا العهد معه، فارتجعوا رجعة واحدة، كرجل واحد، وهم يلبّون النبيّ وَّة، ولسرعة رجعتهم واجتماعهم شبَّههم بعطفة البقر على أولادها، وهذا كله يدل على قربهم من النبيّ ◌َير إذ ذاك، وأن انهزامهم لم يكن إلى بُعد، ولا من جميعهم، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء، ومن في قلبه مرض، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه: لا يردّهم إلا البحر. انتهى. وقوله: (فَقَالَ عَبَّاسٌ) كلام مدرج من الراوي، والظاهر أنه كثير بن عبّاس ◌ِّ، بين ((قال)) ومقوله، وهو جملة: ((فقلت بأعلى صوتي ... إلخ))، ووقع في ((سيرة ابن هشام)) ما يدلّ على أنه من كلام العبّاس نفسِهِ، ونصّه: ((قال: وكنت امرأ جسيماً شديد الصوت)). انتهى(٢). (وَكَانَ رَجُلاً صَيِّاً) - بفتح الصاد المهملة، وتشديد التحتانيّة -؛ أي: قويّ الصوت، ذَكَر الحازميّ في ((المؤتلف))(٣): أن العباس ◌َظُه كان يَقِفُ على سَلْع، فينادي غلمانه في آخر الليل، وهم في ((الغابة))، فيُسمعهم، قال: وبين سَلْع والغابة ثمانية أميال(٤). (١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٢٧٩/٤. (٢) ((سيرة ابن هشام)) ٤٤٤/٢. (٣) وذكر في هامش النسخة التركيّة ما نصّه: ومرّ في بعض الكتب أن العبّاس كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه، وهذا أغرب مما ذكره النوويّ، والله تعالى أعلم بصحة القصّتين. (٤) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٢. ٨٧ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) (فَوَ اللهِ لَكَأَنَّ (فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ) عبّاس عَطْفَتَهُمْ)؛ أي: رجعتهم إلى النبيّ ◌ََّ (حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا)؛ أي: عطفة أمهات البقر وعودتها على أولادها عند حنينها لفقد الأمهات، والمعنى: أن عودتهم إليه وَّر، وإلى مواقع قتالهم كان كمثل عودة أنثى البقر إلى أولادها عند حنينها إليها . وفي رواية ابن هشام: قال: ورسول الله وَل يقول - حين رأى ما رأى من الناس -: ((أين أيها الناس؟)) فلم أَرَ الناس يَلْوُون على شيء، فقال: ((يا عباس اصرُخ يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة))، قال: فأجابوا: لبيك، لبيك، قال: فيذهب الرجل لِيَثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه، وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله وَّ حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا. انتهى(١). قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم مَن في قلبه مرض، من مُسْلِمة أهل مكة المؤلَّفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فَجأة، لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورَشْقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم، ممن لم يستقرّ الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء، وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدّم أخفّاؤهم، فلما رَشَقُوهم بالنبل وَلَّوا، فانقلبت أُولاهم على أخراهم، إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن(٢). (فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ) ((يا)) هنا قد وَلِيها ما لا يصلح للنداء، وهو ((لبيك))، فهي حرف تنبيه، مثل ((ألا))، وقيل: هي حرف نداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا صاحب الصوت، أو يا رسول الله، والثاني أصوب؛ لأن في (١) ((سيرة ابن هشام)) ٤٤٤/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٢ - ١١٦. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رواية أبي عوانة التصريح به، ولفظه: ((فأقبلوا، ولهم حنين، كحنين الإبل، فقالوا: لبيك يا رسول الله، وسعديك)). [فائدة]: قال ابن هشام الأنصاريّ تَُّ في ((مغنيه)): وإذا وَلِي ((يا)) ما ليس بمنادى؛ كالفعل في نحو ﴿أَلَا يَسْجُدُواْ﴾ [النمل: ٢٥]، وقوله [من الطويل]: وَقَبْلَ مَنَايَا عَادِيَاتٍ وَأَوْجَالٍ أَلَا يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالٍ والحرف في نحو: ﴿يَلَيْتَنِ كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ الآية [النساء: ٧٣]، وقوله وقيقول: ((يا رب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة))، رواه البخاريّ، والجملة الاسمية؛ كقوله [من البسيط]: وَالصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ يَا لَعْنَةَ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِمٍ فقيل: هي للنداء، والمنادى محذوف، وقيل: هي لمجرد التنبيه؛ لئلا يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها، وقال ابن مالك: إن وَلِيها دعاء، كهذا البيت، أو أمر، نحو: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ﴾، فهي للنداء؛ لكثرة وقوع النداء قبلهما، نحو: ﴿يَعَادَمُ أَسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يَنُوحُ أَهْبِطٌ﴾ [هود: ٤٨]، ونحو: ﴿يَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وإلا فهي للتنبيه. انتهى(١). والله تعالى أعلم. ◌َّهِ (فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ) هكذا في النسخ بنصب ((والكفّارَ))، (قَالَ) عبّاس على أنه مفعول معه، ويجوز رفعه عطفاً على الواو، لكنه ضعيف؛ لأن العطف على ضمير الرفع المتصل بلا فاصل ضعيف، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ وقال في باب المفعول معه: يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ فِي نَحْوِ «سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ)) إلى أن قال: وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ وَالْعَظْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقّ (وَالدَّعْوَةُ) بفتح الدال؛ يعني: الاستغاثة، والمناداة، (فِي الأَنْصَارِ)؛ أي: (١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٤٨٨/١ - ٤٨٩. ٨٩ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) إليهم، فـ((في)) بمعنى ((إلى)) (يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) كُرّر للتأكيد. (قَالَ) عبّاس (ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ) ببناء الفعل للمفعول، (عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، بَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) وفي رواية ابن هشام في ((السيرة)): وكانت الدعوة أوّل ما كانت: يا للأنصارَ، ثم خلصت أخيراً: يا للخزرج، وكانوا صُبْراً عند الحرب. انتهى(١). وفي رواية أبي عوانة الآتية: ((قال العبّاس: فناديتُ، فخَلَصت الدعوة إلى الأنصار، إلى بني الحارث بن الخزرج، فأقبلوا ... )) الحديث. (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ؛ كالمُتَطَّاوِلِ عَلَيْهَا)؛ أي: على بغلته؛ أي: المشرف والمتطلّع فوقها، (إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَذَا حِينَ حَمِيَ) - بفتح، فكسر - يقال: حَمِيت الحديدة تَحْمَى، من باب تعبَ، فهي حامية: إذا اشتدّ حرّها بالنار، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أحميتها، فهي مُحماةٌ، ولا يقال: حَمَيتُها بغير ألف(٢). (الْوَطِيسُ))) - بفتح الواو، وكسر الطاء المهملة، وبالسين المهملة -. والمعنى: أن هذا الوقت وقت اشتداد الحرب، فـ((هذا)) مبتدأ، و((حين)) خبره، وهو مبنيّ على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة الماضويّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ وقد روي البيت: ((على حينٍ)) بالكسر على الإعراب، ويجوز أيضاً هنا إعراب ((حين)) بالرفع؛ والأول هو المختار، وإلى هذا أشار ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة))، فقال: وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوٌّ فِعْلِ بُنِيَا وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا وفي رواية ابن هشام: ((الآن حين حمي الوطيس))، قال السهيليّ: والوطيس: نُقْرة في حجر توقد حوله النار، فيُطبخ به اللحم، والوطيس: التَّنُّور، وفي غزوة أوطاس قال النبيّ وَّير: ((الآن حمي الوطيس))، وقال ذلك النبيّ وَّل (١) ((سيرة ابن هشام)) ٢٩٠/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٥٣/١. ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير حين استَعَرت الحربُ، وهي من الكَلِم التي لم يُسْبَق إليها وَِّ، فمنها هذه، ومنها: (مات حتف أنفه))، قالها في فضل من مات في سبيل الله في حديث رواه عنه عبد الله بن عتيك، قال ابن عتيك: وما سمعت هذه الكلمة - يعني: حتف أنفه - من أحد العرب قبله وَ لقر، ومنها: ((لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين))، قالها لأبي عَزّة الْجُمَحيّ يوم أحد، ومنها: ((لا ينتطح فيها عنزان))، ومنها: قوله ◌َّه: (يا خيل الله اركبي)) قالها يوم حنين أيضاً في حديث أخرجه مسلم. انتهى (١). وقال النوويّ كَّتُهُ: ((الوطيس)): قال الأكثرون: هو شبه التنور يُسجر فيه، ويُضرب مثلاً لشدة الحرب التي يُشبه حرّها حرّه، وقد قال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه، وقال الأصمعيّ: هي حجارة مدوّرة، إذا حَمِيت لم يَقْدِر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حَمِي الوطيس، وقيل: هو الضرب في الحرب، وقيل: هو الحرب الذي يَطيس الناسَ؛ أي: يَدُقّهم، قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام، وبديعه الذي لم يُسمع من أحد قبل النبيّ وَلِينَ(٢). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: و((حَمِيَ)): استعَرّ واتّقد، و((الوطيس)) موضع وقود النار، واستعاره هنا لشدة الحرب، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وهذه الاستعارة العجيبة لا يُعرف من تكلم بها قبل النبيّ وَ﴿ من العرب، ومنه تُلُقّيت فصُيِّرت مَثَلاً في الأمر إذا اشتد، قاله ابن الأعرابيّ، وقال الأصمعيّ: الوطيس: الحجارة المحمَّاة، وعلى هذا فهو جمع وطيسة، وقال أبو عمر المطرّز: هو التنور، وحينئذ لا يكون (٣) جمعاً. انتهى(٣). وقال بعضهم: فيها تورية، فإن وقعة حنين كما ذكره الحمويّ في ((معجم البلدان))، وارتضاه الخفاجيّ في ((حاشية البيضاويّ)) كانت بوادٍ يُسمّى أوطاساً، وهو من النوادر التي جاءت بلفظ الجمع للواحد، منقول من جمعٍ: وطيس، کیمین وأیمان. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: كون وقعة حنين في أوطاس، وإن قال به بعض (١) ((الروض الأنف)) ٢٧٥/٧. (٣) ((المفهم)) ٦١٦/٣ - ٦١٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٦/١٢. ٩١ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣) أهل السير، غير صحيح، فإن وقعة حنين كانت في حنين، ثم بعدها كانت وقعة أوطاس في أوطاس، وذلك أن هوازن بعد انهزامهم في حنين تفرّقوا، فصارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فبعث واله. إلى هؤلاء عسكراً، فوقعت المعركة هناك، قال الحافظ رَّتُهُ - متعقّباً لقول عیاض: أوطاس وادٍ في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين - ما حاصله: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضّح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لمّا انهزموا، صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بَجِيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبيّ ◌َّهِ عسكراً، مقدّمهم أبو عامر الأشعريّ إلى من مضى إلى أوطاس. انتهى(١). (قَالَ) عبّاس (ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَصَيَاتٍ) جمع حصى، وهي دقاق الحجارة، (فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ) وفي بعض النسخ: ((في وجوه الكفّار))، وهذا من المعجزات الفعليّة، حيث رمى من حصيات قليلة جماعة المشركين. (ثُمَّ قَالَ) وَ ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ))) ◌ََّ؛ وهذا الكلام إخبارٌ بما سيقع، فوقع كما أخبر ◌َله، فهو من المعجزات القوليّة، حيث أخبر بالمغيّب، فوقع كما أخبر. قال النوويّ تَخْلُهُ: هذا فيه معجزتان، ظاهرتان لرسول الله وَالچ ، إحداهما: فعلية، والأخرى خبرية، فإنه ◌َّ* أخبر بهزيمتهم، ورماهم بالحصيات، فوَلَّوا مُدْبِرين، وذَكَر مسلم في الرواية الأخرى في آخر هذا الباب: أنه وَلِ﴾ قَبَضَ قبضة من تراب، من الأرض، ثم استقبل بها وجوههم، فقال: ((شاهت الوجوه)، فما خَلَق الله منهم إنساناً، إلا ملأ عينيه تراباً، من تلك القبضة، وهذا أيضاً فيه معجزتان: خبرية، وفعلية، ويَحْتَمِل أنه أخذ قبضة من حصى، وقبضة من تراب، فرمى بذا مرّة، وبذا مرّة، ويَحْتَمِل أنه أخذ قبضة (٢) واحدة. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٤٤٦/٩ - ٤٤٧، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٣). (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٦/١٢. ٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (قَالَ) عبّاس (فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ) إلى المتقاتلين (فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ)؛ أي: صفته وحالته، (فِيمَا أَرَى)؛ أي: في مرأى عيني. (قَالَ: فَوَ اللهِ مَا هُوَ) ((ما)) نافية، و((هو)) ضمير شأن؛ أي: ما الأمر، والشأن (إِلَّا أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، (رَمَاهُمْ) وَِّ (بِحَصَيَاتِهِ)؛ أي: بالحصيات التي في يده؛ أي: فما الشأن إلا رميه ﴿ بتلك الحصيات، (فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الدال؛ أي: قوّتهم، وشدّة بأسهم، (كَلِيلاً) بفتح الكاف، وكسر اللام؛ أي: ضعيفاً عاجزاً، (وَأَمْرَهُمْ مُذْبِراً)؛ أي: شأنهم مولّياً؛ يعني: أن عاقبتهم صارت هروباً، فانهزموا بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبّاس بن عبد المطّلب به هذا من أفراد المصنّف رَحْذَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٠٣/٢٨ و٤٦٠٤ و٤٦٠٥] (١٧٧٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٤/٥ و١٩٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٤١)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٧/١) و((فضائل الصحابة)) (١٧٧٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٨/٤ - ١٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٤٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٧٦/٤ و٢٧٧ و٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٩٨/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٩/٦)، و(البزّار) في («مسنده)) (١٢٩/٤)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢٧٨/٢ - ٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قصّة غزوة حنين، وكيف سار أمرها، وكيف كانت الغلبة للمسلمين، ولله الحمد والمنّة. ٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّين الفاضلين: العبّاس عمّ النبيّ ◌َّ، وأبي سفيان بن الحارث ابن عمه ◌َّيه، وقوّة إيمانهما، وشجاعتهما، حيث لزما ٩٣ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٤) رسول الله وَ﴿ في حال تولّى الجيش، مع أن الثاني قريب عهد بالإسلام، إلا أن الإيمان دخل في قلبه، واستقرّ فيه، فلم تزعزعه رياح المعركة، بل ثبت ٣ - (ومنها): أن ركوبه وَّل ﴿ البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات، والصبر، ويدلّ على قوّة العزم، وغاية الشجاعة، كما قد فعل حين انهزم الناس عنه، وهو مقبل على العدو، يُركض بغلته نحوهم، وقد زاد على ذلك، كما ذكر في الرواية الأخرى: إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة، وهذا كله يدلّ: على أنه وَلي كان أشجع الناس، وأثبتهم في الحرب، ولذلك قالت الصحابة : إن الشجاع منا لَلَّذي يلوذ بجانبه وَله . ٤ - (ومنها): أن رميه وَل﴿ في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته؛ إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمّهم، وإنما كان ذلك من صُنع الله لنبيّهِ وَّهِ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ الآية [الأنفال: ١٧]. ٥ - (ومنها): أن قوله ◌َّله: ((انهزَمُوا ورب الكعبة)) قبل وقوع الهزيمة، هو من معجزاته 85* الخبرية، فإنه خبر عن الغيب، وقد وقع كما أخبر تَليل بأبي هو وأمي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُ، وَقَالَ: ((انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ)، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل باب. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير معمر بن راشد. وقوله: (فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ) تقدّم ضبط ((فَرْوَة))، وأما نُعامة فقد ضُبِط بالقلم ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير في النسخ المطبوعة من ((صحيح مسلم)) بضمّ النون، لكن الذي يقتضيه ظاهر عبارة ((القاموس)) أنه بفتح النون؛ لأنه ذكر عدّة أشخاص سُمّوا نَعَامة بفتح النون، ولم يذكر بضمّها أحداً، والله تعالى أعلم. والمراد أن معمراً قال في رواية: ((فروة بن نعامة)) بدل قول يونس: ((فُروة بن نُفاثة))، وقد تقدّم أن الصحيح المعروف هو الأول، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها ابن حبّان ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، إلا أنه قال: ((فَرْوة بن نُفائة الْجُذاميّ))، كرواية يونس، فقال: (٧٠٤٩) - أخبرنا ابن قتيبة، حدّثنا ابن أبي السريّ، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، حدّثني الكثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: شَهِدت مع رسول الله وَّه يوم حنين، فلقد رأيت رسول الله وَّل، وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله وَل#، فلم نفارقه، وهو على بغلة شهباء، وربما قال(١): بيضاء، أهداها له فَرْوة بن نُفاثة الْجُذاميّ، فلما التقى المسلمون والكفار وَلَّى المسلمون مدبرون، وطَفِق رسول الله وَ﴿ يَرْكُض على بغلته قِبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ◌َر أكفّها، وهو لا يألو يُسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله وَّه، فقال رسول الله وَّ: ((يا عباس نَادِ: يا أصحاب السَّمُرة))، وكنت رجلاً صَيِّتاً، وقلت بأعلى صوتي: يا أصحاب السمرة، فو الله لكأن عَظْفتهم حين سَمِعوا صوتي عَظْفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، فأقبل المسلمون، فاقتتلوا هم والكفارُ، فنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قُصِرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله وَلّ، وهو على بغلته؛ كالمتطاول عليها إلى قتالهم، ثم قال رسول الله وَلِّ: ((هذا حَينَ حَمِيَ الوطيسُ))، ثم أخذ رسول الله وَّهِ حَصَيَاتِ، فَرَمَى بهنّ وجوهَ الكفار، ثم قال: ((انْهَزَمُوا وربِّ الكعبة، انْهَزَموا ورب الكعبة))، قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته، فيما أرى، فوالله ما هو، إلا أن رماهم رسول الله وَ الاول بحصياته، (١) في رواية أبي عوانة: ((وربما قال معمر: بيضاء)). ٩٥ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٥) فما أرى حَدَّهم إلا كليلاً، وأمرهم إلا مدبراً، حتى هَزَمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبيّ وَّهِ، يَرْكُض خلفهم على بغلته. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٥] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ، وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل بابین. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، الإمام الحافظ الحجة المشهور، من كبار [٨] (ت١٩٨) عن (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها ابن أبي عاصم تَخْتُ في ((الآحاد والمثاني))، بسند المصنّف هنا، فقال: (٣٥٦) - حدّثنا محمد بن أبي عمر، نا سفيان بن عيينة، نا الزهريّ، حدّثني كثير بن العباس، عن أبيه، قال: كنت مع النبيّ وَ﴿ يوم حُنين، ورسول الله وَ لّ على بغلة له، أهداها له الْجُذَاميّ، فلما وَلَّى المسلمون، قال لي رسول الله وَل : (يا عباس ناد بأصحاب(٢) السمرة، يا أصحاب سورة البقرة))، فرجعوا عَطْفَةً كعطفة البقرة على أولادها، وارتفعت الأصوات، وهم يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصِرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادى: يا بني الحارث بن الخزرج، فتطاول رسول الله وَّة، وهو على بغلته، (١) (صحيح ابن حبان)) ١٥/ ٥٢٣. (٢) هكذا النسخة: (بأصحاب)) بالباء الجارّة، والظاهر أنها مصحّفة من ((يا أصحاب السمرة)» بـ((يا)) حرف النداء، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير فقال: ((هذا حينُ حَمِيَ الوَطيسُ))، وهو يقول: ((قدما(١) يا عباس))، وأخذ رسول الله وَ﴿ حصيات، فرماهم بها، ثم قال: ((انْهَزَمُوا ورب الكعبة))، قال: وربما قال: (ورب محمد». انتھی. وساقها أبو عوانة رَّتُهُ في ((مسنده)) مطوّلةً، فقال: (٥٤٠٦) - حدّثنا عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقوليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ، يقول: أخبرني كثير بن عباس، عن العباس، قال: لما كان يوم حنين بعث رسول الله وليه القعقاع بن أبي حدرد ره يأتيه بالخبر، فذهب إليهم، فإذا مالك بن عوف النَّصْريّ في جمع كثير من هوازن، وهو يحرِّضهم على الجهاد، ويقول: الْقَوهم بالسيوف صلتةً، ولا تَلْقَوهم بسهم، ولا برمح، فإن منهزمهم لا يردّه شيء دون النحر (٢)، فرجع إلى النبيّ وٍَّ، فأخبره، فدخل على المسلمين من ذلك رُغْب شديد، وقال عمر: كذب يا رسول الله - قال سفيان -: وإنما قال عمر كذب لما رأى المسلمين قد دخلهم، فقال القعقاع لعمر بن الخطاب: لئن كذَّبتني يا ابن الخطاب لربما كذّبت بالحق، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول لي هذا؟، قال له النبيّ ◌َله: ((قد كنت ضالّاً فهداك الله))، قال: وكان النبيّ وَّل يومئذ في نحوٍ من عشرة آلاف، فقال رجل من أصحاب النبيّ وَّهِ: لا نُغْلَبُ اليومَ من قلّة، فابتُلُوا بكلمته، فانهزموا، حتى لم يبق مع النبيّ وَّ إلا العباس، وأبو سفيان بن الحارث ﴿يا، قال العباس: وكنت آخذاً بلجام بغلة رسول الله وَليه عن يمينه، وأبو سفيان آخذ بركابه عن يساره، فقال النبيّ وَّ ى: ((يا عباسُ نادٍ في الناس: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة))، قال سفيان: يُذَكِّرهم البيعةَ التي بايعوه تحت الشجرة، والشجرة: سمرةٌ بايعوه تحتها، على أن لا يَفِرُّوا، قال العباس: فناديت، فخَلَصت الدعوة إلى الأنصار، إلى بني (١) لم أر من ضبطه، ولعله بفتح، فسكون من قَدَمَ القومَ، من باب نصر: إذا تقدّمهم، وصار أمامهم، فيكون المعنى: تقدّم أمام الشجعان، والله أعلم. (٢) هكذا النسخة: ((النحر)) بالنون، ولعله مصحّف من ((البحر))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٩٧ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) الحارث بن الخزرج، فأقبلوا، ولهم حَنِین کحنين الإبل، فقالوا: لبيك يا رسول الله، وسعديك، فلما رآهم النبيّ وَّ قد أقبلوا قال: ((هيه عَطْفَةَ البقرة على أولادها، الآن حَمِيَ الوَطِيس))، فأخذ كفّاً من حَصَّى، فضرب بها وجوه المشركين، وقال: ((شاهت الوجوه))، فهزمهم الله، وأعزّ نبيه وَلِّ، ونَزَل القرآن: ﴿إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٥]. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٦] (١٧٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّراً، لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحِ، فَلَقُوا قَوْماً رُمَاةً، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوَّهُمْ رَشْقاً، مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ(٢) إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَرَسُولُ اللهِن ◌َّهِ عَلَى بَغْلَتِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَتَزَلَ، فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) ثُمَّ صَفَّهُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةُ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، مع أن سماعه بعد اختلاطه؟. (١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٧٨/٤ - ٢٧٩. (٢) وفى نسخة: ((هنالك)). ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [قلت]: لم ينفرد زهير به، بل تابعه عليه جماعة، فقد أخرجه مسلم بعد هذا من رواية زكريّا بن أبي زائدة، وشعبة، والثوريّ كلهم عن أبي إسحاق، وتابعهم إسرائيل، وابن عيينة، عند البخاريّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ، عابدٌ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣] (ت١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن ظُله سنة (٧٢) (ع) تقدم في الصحابيّ، نزل الكوفة، واستصغر يوم بدر، مات ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، وهو (٣١٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وقد دخل الكوفة أيضاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ، وسيأتي في الرواية الثالثة من طريق الثوريّ قال: ((حدّثني أبو إسحاق))، (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد ذكر في رواية شعبة التالية أنه من قيس، (لِلْبَرَاءِ) بن عازب ﴿ّ، (يَا أَبَا عُمَارَةَ) كنية البراء رَُّبِهِ، (أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟) الهمزة للاستفهام، وفي رواية زكريا: ((أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟))، وفي رواية شعبة: ((أفررتم عن رسول الله وَّ﴿ يوم حنين؟))، وفي رواية للبخاريّ: ((أتولّيت يوم حنين؟))، (قَالَ) البراء ◌َظُبهِ (لَا)؛ أي: ليس الأمر كما ظننته، ثم بيّن وجه الصواب، فقال: (وَاللّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ وَ﴿) وفي رواية زكريّا: ((فقال: أشهد على نبيّ الله وَّ ما ولَّى))، وفي رواية شعبة: ((ولكنّ رسول الله وَيه لم يفرّ))، وفي رواية للبخاريّ: ((أما أنا فأشهد على النبيّ وَِّ أنه لم يُوَلّ)). قال في ((الفتح)): تضمَّن جواب البراء ◌َظ ◌ُبه إثباتَ الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يَشْمَل الجميع، حتى النبيّ وَل الظاهر الرواية الأخرى بلفظ: ((أولّيتم مع النبيّ ◌َ﴿ يوم حنين؟)). قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل المعية على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشدّ منه وَ لته . ٩٩ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَّيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) قال النوويّ كَّلهُ: هذا الجواب من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: فررتم كلَّكم، فيدخل فيهم النبيّ وَ﴿، فقال البراء: لا، والله، ما فَرَّ رسول الله وَّ، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح أن فرار مَن فَرّ لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام، وكأنه لم يستحضر الرواية الأخرى. وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصّة أن الجميع لم يفرّوا، كما سيأتي بيانه. ويَحْتَمِل أن البراء فَهِمَ من السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع رقُّه الذي أخرجه مسلم بلفظ: ((ومررت برسول الله وَل﴿ مُنهزِماً))، فلذلك حلف أن النبيّ ◌َ ﴿ لم يُوَلِّ، ودل ذلك على أن ((مُنهزماً)) حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى: ((ومررت برسول الله وَّل مُنهزماً، وهو على بغلته، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فَزَعاً)). ويَحْتَمِل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، فَبَيَّن له أنه من العموم الذي أُريد به الخصوص. (١) انتھی (وَلَكِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ) - بضم الشين المعجمة، وتشديد الموحّدة -: جمع شاب، يقال: شبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَاباً، وشَبِيبةً، وهو شابٌّ، وذلك سنّ الكُهُولة، قاله الفيّوميّ(٢). (وَأَخِفَّاؤُهُمْ) بفتح الهمزة، جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون، قال النوويّ كَُّهُ: ووقع هذا الحرف في رواية إبراهيم الحربيّ، والهرويّ، وغيرهم: ((جُفَاء)) بجيم مضمومة، وبالمدّ، وفسّرهم الْمُهْدويّ بالسُّرَّاع، قالوا: تشبيهاً بجُفَاء السيل، وهو غثاؤه، وقال غيره: إنما أراد أخلاط الناس، وضُعفاءهم، ممن لم يقصد القتال، بل الغنيمة، وفي قلبه مرضٌ، شبّههم بغُثاء السيل، وهو ما احتمله السيل، قاله (١) ((الفتح)) ٤٢٥/٩ - ٤٢٦، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣١٥). (٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٢/١. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير القرطبيّ كَذَثُ(١). وقال القاضي عياض تخّتُهُ: إن صحّت هذه الرواية، فإنما معناها ما تقدّم من خروج مَن خرج معهم، من أهل مكة، ومَن انضاف إليهم، ممن لم يستعدّ للقتال، وإنما خرج للغنيمة، من النساء، والصبيان، والضعفاء، ومَن في قلبه مرض من مُسْلِمة الفتح، فهؤلاء شبه جُفاء السيل الذي لا يُنتفع به، ويرميه بجانبيه، وهو الغثاء أيضاً. انتهى(٢). (حُسَّراً)؛ أي: بغير دُروع، وهو - بضم الحاء، وتشديد السين المفتوحة -: جمع حاسر، وهو من لا درع عليه، ولا شيء يتّقي به النبي، وقد فسّره بقوله: (لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحِ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: ليس عليهم كثير سلاح؛ يعني: أنَّ أسلحتهم التي معهم قليلة، لا تمكّنهم من مواجهة هؤلاء الكفّار، وقوله: (فَلَقُوا) بضم القاف، أصله: لَقِيُوا بكسرها، بوزن عَلِمُوا، فنُقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار: لَقُوا. (قَوْماً رُمَاةً) - بضمّ الراء: جمع رام، (لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ)؛ يعني: أنهم لا يُخطئون في رميهم، ولا يقع سهم على الأرض، وإنما يقع على من أرادوه من عدوّهم، وقوله: (جَمْعَ هَوَازِنَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هم جمع هوازن، وبالنصب بدلاً من «قوماً)»، أو مفعولاً لفعل مقدّر: أعني جمع هوازن، وهي: قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدّة بطون، يُنسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة - بخاء معجمة، ثم صاد مهملة، ثم فاء مفتوحات - ابن قيس بن عَيلان بن إلياس بن مضر(٣). (وَبَنِي نَصْرٍ) - بفتح النون، وإسكان الصاد المهملة، آخره راء -: قبيلة من ولد نصر بن معاوية بن بكر بن هَوَازن، وهوازن من قيس عيلان، قاله في ((اللباب))(٤). (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقاً) - بفتح الراء، وسكون الشين المعجمة، آخره قاف -: (١) ((المفهم)) ٦١٨/٣. (٢) («المفهم)) ١٣٠/٦. (٣) ((الفتح)) ٤٢٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣١٤). (٤) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١١/٣.