Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٩)
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تكلّم فيه بلا قادح [٨]
(ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠ أوبعد ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((زاد)) ضمير صالح بن كيسان؛ أي: زاد
على رواية معمر قوله: ((وكان قيصر ... إلخ)).
وقوله: (وَكَانَ قَيْصَرُ) هو لقب هرقل كما تقدّم.
(لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ)؛ أي: هزمهم عنه كما أخبر الله رَی
بذلك، في ((سورة الروم))، وحاصل ذلك أنه غلب سابور ملك الفرس على بلاد
الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، واضطرّ هرقلَ ملكَ
الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة
لهرقل، وكانت غلبة الروم على فارس يوم وقعة بدر على ما قاله كثير من أهل
العلم، كابن عبّاس، والثوريّ، والسّيّ، وغيرهم، وقال آخرون: بل غلبت
الروم عام الحديبية، قاله عكرمة، والزهريّ، وقتادة، وغيرهم، وهذا أرجح؛
لأن كتاب رسول الله وَّيه إنما أتى قيصر لمّا جاء إلى بيت المقدس؛ ليفي بنذره
لئن أظفره الله على كسرى ليمشينّ من حمص إلى إيلياء، وهو بيت المقدس
شكراً، كما في رواية مسلم هذه الرواية، ففعل، فلما بلغ بيت المقدس وافاه
الكتاب، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، كما سبق في كلام أبي سفيان أنه إنما
استدعاه هرقل في المدة التي كانت بينه وبينه مسلم، وهي ما وقع في صلح
الحديبية، والله تعالى أعلم.
أخرج الإمام أحمد كَّتُهُ في ((مسنده))(١)، فقال: حدّثنا معاوية بن عمرو،
حدّثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير،
(١) ((المسند)) ٢٧٦/١، والنسائيّ في ((السنن الكبرى)) (١١٣٨٩).

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فِيِّ أَدْنَى الْأَرْضِ
عن ابن عباس رضيًّا، في قوله تعالى: ﴿الَّمَ ) غُلِبَتِ الرُّومُ
[الروم: ١ - ٣] قال: غُلِبت وغَلَبَت. قال:
وَهُم مِّنْ بَعْدٍ غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان
المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك
لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله وَ له، فقال رسول الله وَيقول: ((أما إنهم
سيغلبون))، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أَجَلاً، فإن ظَهَرْنا
كان لنا كذا وكذا، وإن ظَهَرْتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين،
فلم يَظْهَروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبيّ وَّه، فقال: ((ألا جعلتها إلى دون)) أراه
قال: ((العشر))، قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم
بعد، قال: فذلك قوله: ﴿الَّـ ) غُلِبَتِ الرُّوُ ج ◌ِّ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ
غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ مِنِينَُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَبِذٍ يَفْرَُ
اَلْمُؤْمِنُونَ أَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾، وأخرجه
الترمذيّ بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح(١).
وقوله: (مَشَى مِنْ حِمْصَ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها
صاد مهملة: بلدة معروفة بالشام، غير منصرف؛ للعلميّة والعجمة، قاله
النوويّ ◌َخُّْ(٢)، وقال المجد تَخْذُهُ: حِمْصُ: كورة بالشام، أهلها يمانون، وقد
(٣)
تذكّر. انتھی(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: فعلى هذا يجوز صرفها أيضاً، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (إِلَى إِيلِيَاءَ)؛ أي: بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات: أشهرها:
إيلياء بكسر الهمزة واللام، وإسكان الياء بينهما، وبالمد، والثانية: كذلك، إلا
أنها بالقصر، والثالثة: إِلْيَاءُ، بحذف الياء الأولى، ولإسكان اللام، وبالمدّ،
حكاهنّ صاحب ((المطالع))، وآخرون، وفي رواية لأبي يعلى الموصلي في مسند
ابن عباس: الإيلياء بالألف واللام، قال صاحب ((المطالع)): قيل: معناه
(١) ((جامع الترمذيّ)) رقم (٣١٩٤).
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٣٢٠.
(٢) (شرح النوويّ)) ١١١/١٢.

٦٣
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ بَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٩)
بيت الله، والله أعلم، ذكره النوويّ كَذَتُهُ(١) .
وقوله: (شُكْراً لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ)؛ أي: أنعم الله تعالى به عليه، وأناله إيّاه،
ويُستعمل ذلك في الخير والشرّ، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾
[الأنبياء: ٣٥]، قال القرطبيّ كَّتُهُ: وأصل الابتلاء الاختبار، وفيه لغتان، يقال:
بَلا ثلاثيّاً، وأبلى رباعيّاً، وقد جمعهما زهير في قوله [من الطويل]:
جَزَى اللهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
وقيل: أبلى في الخير، وبَلا في الشرّ، والأول أشهر، قاله القرطبيّ(٢).
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ))).
وقوله: (وَقَالَ: ((إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ)))؛ أي: بالياء في أوله بدل الهمزة، وقد
تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي.
وقوله: (وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الإِسْلام)؛ أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام،
وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أو الداعية هنا بمعنى
الدعوة، كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]؛ أي:
خيانتها، وأنه من المصادر التي جاءت على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا
[النجم: ٥٨]، أفاده القاضي عياض ◌َّتُهُ(٣).
(٥٨)
مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَخْشُهُ
في ((الجهاد)) من ((صحيحه))، إلا أنه رواه بلفظ: ((بِدِعَاية الإسلام))، كرواية
معمر السابقة، فقال:
(٢٩٤٠) - حدّثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن
كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن
عباس فيها أنه أخبره: أن رسول الله وَلي كتب إلى قيصر، يدعوه إلى الإسلام،
وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبيّ، وأمره رسول الله وَيقول أن يدفعه إلى عظيم
بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر، وكان قيصر لَمّا كَشَف الله عنه جنود فارس، مشی
من حمص إلى إيلياء؛ شُكْراً لِمَا أبلاه الله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله وَله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١١١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٢٤.
(٢) ((المفهم)) ٦١١/٣.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحداً من قومه؛ لأسألهم عن رسول الله وَلاقته،
قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشأم، في رجال من قريش،
قَدِمُوا تِجَاراً في المدة التي كانت بين رسول الله وَله وبين كفار قريش، قال أبو
سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشأم، فانطلق بي، وبأصحابي، حتى قَدِمنا
إيلياء، فأُدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس مُلكه، وعليه التاج، وإذا حوله
عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيُّهم أقرب نسباً إلى هذا الرجل الذي
يزعم أنه نبيّ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسباً، قال: ما قرابة ما
بينك وبينه؟ فقلت: هو ابن عمي، وليس في الركب يومئذ أحد من بني
عبد مناف غيري، فقال قيصر: أدنوه، وأمر بأصحابي، فجُعِلوا خلف ظهري،
عند كتفي، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إني سائل هذا الرجل عن الذي
يزعم أنه نبيّ، فإن كذب فكذِّبوه، قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ من
أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته، حين سألني عنه، ولكني استحييت أن
يأثْروا الكذب عني، فصَدَقته، ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل
فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟
قلت: لا، فقال: كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا،
قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم
ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فيزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل
يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال:
فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن الآن منه في مدّة نحن نخاف أن يغدر - قال أبو
سفيان: ولم يُمْكِنّي كلمة أن أدخل فيها شيئاً أنتقصه به، لا أخاف أن تؤثر عني
غيرها - قال: فهل قاتلتموه، أو قاتلكم؟ قلت: نعم، قال: فكيف كانت حربه
وحربكم؟ قلت: كانت دُوَلاً، وسِجَالاً، يُدال علينا المرة، ونُدال عليه
الأخرى، قال: فماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به
شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف،
والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، فقال لترجمانه حين قلتُ ذلك له: قل له: إني
سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب
قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟، فزعمت أن لا، فقلت:

٦٥
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ ◌َّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٩)
لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله، قلت: رجل يأتمّ بقول قد قيل قبله،
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا،
فعرفت أنه لم يكن لِيَدَع الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك: هل
كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه مَلِك، قلت:
يطلب مُلك آبائه، وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن
ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟
فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتمّ، وسألتك: هل يرتدّ أحد
سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخلط
بشاشته القلوبَ، لا يسخطه أحدٌ، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك
الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه، وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، وأن
حربكم وحربه تكون دُوَلاً، ويدال عليكم المرة، وتدالون عليه الأخرى،
وكذلك الرسل تبتلى، وتكون لها العاقبة، وسألتك: بماذا يأمركم؟ فزعمت أنه
يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم،
ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال:
وهذه صفة النبيّ، قد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أظنّ أنه منكم، وإن يك
ما قلتَ حقّاً، فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أرجو أن أخلص
إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده، لغسلت قدمیه.
قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله وَله، فقرئ، فإذا فيه: ((بسم الله
الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام
على من اتبع الهدى، أما بعدُ فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تَسْلَم، وأسلم
يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين، و﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ
إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اَللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
قال أبو سفيان: فلما أن قضى مقالته عَلَت أصواتُ الذين من حوله، من
عظماء الروم، وكَثُر لَغَطُهم، فلا أدري ما قالوا، وأُمِر بنا، فأُخرجنا، فلما أن
خرجت مع أصحابي، وخلوت بهم، قلت لهم: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة،
هذا مَلِك بني الأصفر يخافه، قال أبو سفيان: والله ما زلت ذليلاً، مستيقناً بأن

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أمره سيظهر، حتى أدخل الله قلبي الإسلام، وأنا كاره. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٧) - (بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّ نَّهِ إِلَى مُلُوكِ الْكُفَّارِ،
يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ رَقْ)
[٤٦٠٠] (١٧٧٤) - (حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَبْصَرَ،
وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي
صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥)
(م ت س ق) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٣/٥٢.
[تنبيه]: قوله: ((المعنيّ)) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، بعدها
نون -: نسبة إلى معن، أحد أجداده، قال السمعانيّ: هو من ولد معن بن
(٢)
.
زائدة. انتهى
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس
في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه
يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ٧٠.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١٠٧٤.
(٢) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٣٧/٣ - ٢٣٨.

٦٧
(٢٧) - بَابُ كُتُبِ النَِّيِّنَّهِ إِلَى مُلُوكِ الْكُفَّارِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ رَك - حديث رقم (٤٦٠٠)
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن الضر بن ضمضم الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو
حمزة الصحابيّ الشهير، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَظُّهُ، وأنه كالإسنادين التاليين(١) مسلسل
بالبصريين من أوله إلى آخره، ووقع في الإسناد التالي قول قتادة: ((حدّثنا أنس بن
مالك ... إلخ))، فانتفى عنه تهمة التدليس في عنعنة هذا الإسناد، وفيه أنس
خادم رسول الله وَلقر، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وآخر من
مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، كما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ◌ِِّ كَتَبَ)؛ أي: أمر بالكتابة (إِلَى كِسْرَى)
(عَنْ أَنَسٍٍ)
قال المجد رَّتُهُ: وكِسْرَى - أي: بكسر الكاف ـ ويُفتح: مَلِك الْفُرس، مُعَرَّبُ
خُسْرَوْ؛ أي: واسع الملك، جمعه أكاسرةٌ، وكَساسرةٌ، وأكاسرُ، وكُسُورٌ،
والقياس: كِسْرَوْنَ، كَعِيسَوْنَ، والنسبة: كِسريّ، وكِسْرَويّ. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَثْتُهُ: وكِسْرَى: مَلِك الفُرْس، قال أبو عمرو بن العلاء:
بكسر الكاف لا غيرُ، وقال ابن السرّاج - كما رواه عنه الفارسيّ، واختاره
ثعلبٌ، وجماعة - الكسر أفصح من الفتح، والنسبة إلى المكسور: كِسْريٌّ،
وكِسْرَويّ، بحذف الألف، وبقلبها واواً، والنسبة إلى المفتوح بالقلب لا غير،
والجمع: أكاسرة. انتھی(٣).
وقد تقدّم أنه لقبٌ لكل من مَلَك الفرس، وقال في ((الفتح)): وكسرى
بفتح الكاف، وكسرها: هو ابن برويز بن هُرمز بن أنو شروان، وهو كسرى
الكبير المشهور، وقيل: إن الذي بعث إليه النبيّ ◌َ ﴿ هو أنو شروان، وفيه نظرٌ؛
لأن النبيّ وَ ◌ّ أخبر أن ابنه زربان يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى بن برويز بن
(١) ومحمد بن عبد الله الرّزّيّ، في السند التالي، وإن نزل بغداد، إلا أنه بصريّ
الأصل، فتفطّن.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٣١.
(٣) (المصباح المنير)) ٥٣٣/٢.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
هرمز. انتهى (١).
والصحابيّ الذي أرسله النبيّ ◌َله إليه هو عبد الله بن حُذافة السهميّ
(وَإِلَى قَبْصَرَ) بفتح القاف، وإسكان التحتانيّة، وفتح الصاد المهملة،
بعدها راء، هو لقبٌ لكلّ من ملك الروم، والمراد هنا هرقل المذكور في الباب
الماضي.
والصحابيّ المرسَل إليه هو دحية بن خليفة الكلبيّ ◌َظُبه، كما سبق في
الباب الماضي.
(وَإِلَى النَّجَاشِيِّ) - بفتح النون، وتخفيف الجيم، بعدها شين معجمة -:
لقبٌ لكلّ من مَلَك الحبشة، والمراد به هنا: أصحمة بن أبجر، وقيل: صَحْمة،
بدون ألف.
قال في ((الإصابة)): أصحمة بن أبحر النجاشيّ، ملك الحبشة، واسمه
بالعربية عطيّة، والنجاشي لقب له، أسلم على عهد النبيّ وَّ، ولم يهاجر إليه،
وكان رِدْءاً للمسلمين، نافعاً، وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى
المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، وأخرج أصحاب الصحيح قصة
صلاته وَّفي صلاة الغائب من طُرُق.
منها: رواية سعيد بن مينا عن جابر، ومنها رواية عطاء، عن جابر: لما
مات النجاشيّ قال النبيّ وَله: ((قد مات اليوم عبد صالح، يقال له: أصحمة،
فقوموا، فصلوا على أصحمة، فصفَّنا خلفه))، هذا لفظ القطان، عن ابن جريج،
عنه، وفي رواية ابن عيينة، عن ابن جريج: ((قد مات اليوم عبد صالح،
فقوموا، فصلوا على أصحمة)).
قال الطبريّ، وجماعة: كان ذلك في رجب سنة تسع، وقال غيره: كان
قبل الفتح.
قال ابن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة، عن عائشة: لما مات
النجاشيّ كنا نتحدث أنه لا يزال يُرَى على قبره نور.
(١) ((الفتح)) ٢٧٥/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٥) و٥٨١/٩، كتاب ((المغازي)) رقم
(٤٤٢٤) .

٦٩
(٢٧) - بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّ نَّهِ إِلَى مُلُوكُ الْكُفَّارِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَك - حديث رقم (٤٦٠٠)
و((النجاشيّ)) بفتح النون على المشهور، وقيل: تُكسر، عن ثعلب،
وتخفيف الجيم، وأخطأ من شدّدها، عن المطرزيّ، وبتشديد آخره، وحَگی
المطرزيّ التخفيف، ورجحه الصغاني، و((أصحمة)) بوزن أربعة، وحاؤه مهملة،
وقيل: معجمة، وقيل: إنه بموحدة بدل الميم، وقيل ((صحمة)) بغير ألف، وقيل
كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل: بزيادة ميم في أوله، بدل الألف،
عن ابن إسحاق في ((المستدرك)) للحاكم، والمعروف عن ابن إسحاق الأول،
قال: ويتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة.
انتھی
(١)
والصحابيّ المرسَل إليه هو عمرو بن أميّة الضمريّ ◌ُه.
(وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ)؛ أي: وأرسل أيضاً إلى كلّ ملك جبّار، مسلّط على
الناس، وقاهر لهم، مثل المقوقس صاحب الإسكندريّة، والمنذر بن ساوى،
صاحب هَجَر، وهوذة بن عليّ، صاحب اليمامة، وغيرهم.
وقوله: (يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى) جملة في محلّ نصب على الحال من
فاعل ((كَتَب))، وفيه مشروعيّة مكاتبة الكفّار، ودعاؤهم إلى الإسلام، والعمل
بالكتاب، وبخبر الواحد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: عدد من كتب إليهم النبيّ ◌َّ من الملوك - فيما قاله الداوديّ -
سبعة، وهم: هِرَقل، وكِسرى، والنجاشيّ، والمقوقس، وملك غسّان، وهَوْذة بن
عليّ، والمنذر بن ساوى، وقد زاد ابن هشام عليهم، ودونك نصّه:
قال ابن هشام: وقد كان رسول الله وَ * بعث إلى الملوك رسلاً من
أصحابه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام، قال ابن هشام: حدّثني من
أثق به، عن أبي بكر الْهُذَليّ، قال: بلغني أن رسول الله وَّر خرج على أصحابه
ذات يوم بعد عمرته التي صُدّ عنها يوم الحديبية، فقال: ((أيها الناس إن الله قد
بعثني رحمة، وكافة، فلا تختلفوا عليّ، كما اختَلَف الحواريون على عيسى ابن
مريم))؛ فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟ قال: ((دعاهم
إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثاً قريباً، فرضي وسَلّم، وأما من بعثه
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٤٧/١ - ٣٤٨.

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مبعثاً بعيداً فكره وجهه، وتثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى الله، فأصبح المتثاقلون
وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بُعِث إليها)).
فبعث رسول الله وَ ﴿ رسلاً من أصحابه، وكَتَب معهم كتباً إلى الملوك،
يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر ملك الروم؛
وبعث عبد الله بن حُذافة السَّهْميّ إلى كسرى، ملك فارس؛ وبعث عمرو بن
أمية الضَّمْريّ إلى النجاشيّ، ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى
المقوقس، ملك الإسكندرية؛ وبعث عمرو بن العاص السهميّ إلى جيفر، وعياد
ابني الْجُلُنديّ (١) الأزديين ملكي عمان؛ وبعث سَلِيط بن عمرو، أحد بني
عامر بن لؤيّ، إلى ثمامة بن أثال، وهَوْذة بن عليّ الحنفيين ملكي اليمامة؛
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن سَاوَى العبديّ ملك البحرين؛ وبعث
شجاع بن وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني، ملك تخوم
الشام، وبعث شجاع بن وهب إلى جَبَلة بن الأيهم الغَسّانيّ، وبعث المهاجر بن
أبي أمية المخزوميّ إلى الحارث بن عبد كلال الحميريّ، ملك اليمن(٢).
وذكر ابن سعد: أن رسول الله صلير، لما رجع من الحديبية في ذي الحجة
سنة ست، أرسل الرسل إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتباً،
فقيل: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ
رسول الله وَّ*، يومئذ خاتماً من فضة، فَصّه منه، نقشه ثلاثة أسطر: محمد
رسول الله، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، وذلك في
المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم،
فكان أول رسول بعثه رسول الله 18 عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشيّ،
(١) قال في ((القاموس)): وجُلَنْدَاءُ بضمّ أوله، وفتح ثانيه، ممدودةً، وبضمّ ثانيه
مقصورة: اسم ملك عُمَان، ووهِم الجوهريّ، فقصره مع فتح ثانيه، قال الأعشى
[من الخفيف]:
وَجُلَنْدَاءَ فِي عُمَانَ مُقِيماً ثُمَّ قَيْساً فِي حَضْرَمَوتَ الْمُنِيفِ
انتھی .
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٦٠٦/٢ - ٦٠٧.

٧١
(٢٧) - بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّنَهَ إِلَى مُلُوكُ الْكُفَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللّهِ رَك - حديث رقم (٤٦٠٠)
وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ
كتاب رسول الله رَّر، فوضعه على عينيه، ونزل من سريره، فجلس على
الأرض تواضعاً، ثم أسلم، وشَهِد شهادة الحقّ، وقال: لو كنت أستطيع أن
آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله وَالقول بإجابته، وتصديقه، وإسلامه، على يدي
جعفر بن أبي طالب، لله رب العالمين؛ وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم
حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع
زوجها عبيد الله بن جحش الأسديّ، فتنصر هناك، ومات، وأمره رسول الله وَ لته،
في الكتاب أن يبعث إليه بمن قِبَله من أصحابه، ويحملهم، ففعل، فزوّجه أم
حبيبة بنت أبي سفيان وأصدق عنه أربعمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما
يصلحهم، وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمريّ، ودعا بحُقّ من
عاج، فجعل فيه كتابي رسول الله وَليّة، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان
هذان الكتابان بين أظهرها. انتهى(١).
وقوله: (وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ﴾ هكذا نصّ في
(صحيح مسلم)) على أنه غير النجاشيّ الذي صلى عليه النبيّ بَّ﴿ حين مات،
ولكن ذكره الواقديّ وغيره من أهل السير أنه النجاشيّ الذي صلّى عليه
رسول الله وَّل، وأنه كتب جواباً لكتاب رسول الله صل﴾: ((إلى محمد
رسول الله ( من أصحمة النجاشيّ: سلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله،
وبركاته، فأشهد أنك رسول الله صدوقاً، وقد بايعتك))، نقله الأبيّ في
((شرحه))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما في ((صحيح مسلم)) لا يُعارَض بما في
السِّيَر، ولا سيّما من مثل الواقديّ، فانتبه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: (وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ ... إلخ): هذا تحرّز من
الراوي؛ لئلا يُظَنّ أن النجاشيّ المسمى أصحمة؛ الذي هاجر إليه أصحاب
(١) ((الطبقات الكبرى لابن سعد)) ٢٥٨/١ - ٢٥٩.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ١٠٥/٥.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رسول الله * هو هذا، وليس كذلك؛ لأن هذا احتاج في إسلامه إلى أن
يدعوه النبيّ ◌َّه إلى الإسلام، ويكاتبه في ذلك، ولم يحتج أصحمة إلى شيء
من ذلك، بل بنفس ما سَمِع القرآن من جعفر، وأصحابه الذين هاجروا إلى
أرضه، وأُخبر بقواعد الإسلام، وبمحاسنه، ورأى ما كان الصحابة ظم عليه
أحبَّ دين الإسلام، وانقاد إليه، وصرَّح بأنه على اعتقاد المسلمين في
عيسى ظلَّا، وعَرَضَ على أهل مملكته الدخول في الإسلام، فلما رأى نفرتهم،
ويئس منهم، كتم إسلامه تَقِيّةً على نفسه، منتظراً التخلص منهم، إلى أن تُوُفّي
على الإسلام، والإيمان بشهادة رسول الله وَ ل18 له بذلك، حيث نعاه لأصحابه،
وقال: ((إن أخاً لكم بأرض الحبشة قد مات، فقوموا، فَصَلَّوا عليه))، كما تقدَّم
في ((الجنائز)).
وإنما النجاشيّ الذي كاتبه رسول الله * آخر، غير هذا من ملوك
الحبشة، إمّا في جهة أخرى، أو بعد موت أصحمة ظته. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٠٠/٢٧ و٤٦٠١ و٤٦٠٢] (١٧٧٤)،
و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧١٦) و((الشمائل)) (٨٧)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٥٢٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣٣/٣)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (٢٧٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٥٣ و٦٥٥٤)، و(الطبرانيّ)
في ((الأوسط)) (٢/ ١٥٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣٠/٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٠٧/٩)، وفوائد الحديث تقدّمت في الباب الماضي، ولله الحمد
والمنّة .
(١) ((المفهم)) ٦١٢/٣ - ٦١٣.

٧٣
(٢٧) - بَابُ كُتُبِ النَِّيِّ ◌َه إِلَى مُلُوكُ الْكُفَّارِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ ﴾ك - حديث رقم (٤٦٠١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزُِّّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ
عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ
يَقُلْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَِّيُّ وََّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) ويقال: الأرزيّ، أبو جعفر البغداديّ،
يقال: أصله من البصرة، ثقةٌ يَهِم [١٠].
رَوَى عن عبد الوهاب الثقفيّ، وعبد الوهاب بن عطاء، وابن عُلية،
وخالد بن الحارث، ومعتمر بن سليمان، وأسد بن موسى، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون،
وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وابن أبي خيثمة،
وعباس الدُّوريّ، وغيرهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان شيخاً صدوقاً، وقال صالح بن محمد
الأسديّ: ثقةٌ، وقال ابن عُقدة، عن عبد الله بن أحمد: كان ثقةً، وقال
الحسن بن سفيان: ثنا محمد بن عبد الله الأرزيّ ببغداد، ثقةٌ، مأمون، قال
الحسن: كتبت عنه مع أبي زرعة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان
من الحفاظ، ربما خالف.
قال ابن قانع: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.
[تنبيه]: قوله: ((الرّزّيّ)) نسبة إلى الرزّ المعروف، ويقال فيه أيضاً:
الأرزيّ، ولم يذكروا سبب نسبته إليه (١)، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ) الخفّاف، أبو نصر الْعِجليّ مولاهم البصريّ،
نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّما أخطأ [٩].
(١) ذكر صاحب ((تكملة فتح الملهم)) (٣/ ١٥٠) أنه منسوب إلى طبخ الأرز، ولم يذكر
مصدره، فليُنظر.

٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
روى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وابن عون،
وابن جريج، ومالك، وسعيد بن أبي عروبة، ولازمه، وعُرِف بصحبته،
وجماعة.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وعمرو بن زرارة النيسابوريّ،
ومحمد بن عبد الله الرُّزّيّ، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانيّ، وغيرهم.
قال أحمد: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، كان يعرفه معرفة
قديمة، وقال المرُّوذيّ: قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟
فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان، وقال الأثرم، عن أحمد: كان عالِماً
بسعيد، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عن السهميّ، والخفاف في حديث ابن
أبي عروبة، فقال: عبد الوهاب أقدم، فقيل له: عبد الوهاب سمع زمن
الاختلاط، فقال: من قال هذا؟ سمعت أحمد يقول: عبد الوهاب أقدم، وقال
يحيى بن طالب: بلغنا أن عبد الوهاب كان مُستملي سعيد، وقال ابن أبي
خيثمة، وعثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا بأس به، وقال ابن العلاء، عن
ابن معين: يُكتب حديثه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال محمد بن
سعد: لزم سعيد بن أبي عروبة، وعُرِف بصحبته، وكتب كتبه، وکان کثیر
الحديث، معروفاً، قَدِم بغداد، فلم يزل بها حتى مات، وقال الساجيّ:
صدوقٌ، ليس بالقويّ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: يُكتب
حديثه، محله الصدق، قلت: أهو أحب إليك، أو أبو زيد النحويّ في ابن أبي
عروبة؟ فقال: عبد الوهاب، وليس عندهم بقويّ في الحديث، وقال البرذعيّ:
قيل لأبي زرعة، وأنا شاهد: فالخفّاف؟ قال: هو أصلح منه قليلاً؛ يعني: من
علي بن عاصم، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: روى عن
ثور بن يزيد حديثين، ليسا من حديث ثور، وذكر عن يحيى بن معين هذين
الحديثين، فقال: لم يذكر فيهما الخبر، وقال صالح بن محمد الأسديّ: أنكروا
على الخفاف حديثاً، رواه عن ثور، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس،
في فضل العبّاس، وما أنكروا عليه غيره، وكان ابن معين يقول: هذا الحديث
موضوع، قال صالح: وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدّثنا ثور، ولعله دلّس فيه،
وهو ثقة، وقد رَوَى الترمذيّ الحديث المذكور في ((المناقب)) عن إبراهيم بن

٧٥
(٢٧) - بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّنَّهِ إِلَى مُلُوكُ الْكُفَّارِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَت - حديث رقم (٤٦٠٢)
سعيد الجوهريّ، عن عبد الوهاب، وقال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا
الوجه .
وقال ابن سعد: كان صدوقاً إن شاء الله تعالى، وقال ابن شاهين في
((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: عبد الوهاب بن عطاء ليس بكذّاب، ولكن
ليس هو ممن يُتَّكَّل عليه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات ببغداد
سنة أربع ومائتين في المحرّم، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الميمونيّ، عن
أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث، وقال البخاريّ: يُكتب حديثه، قيل له:
يحتجّ به؟ قال: أرجو، إلا أنه كان يدلِّس عن ثور، وأقوام أحاديث مناكير،
وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وكذا قال ابن عديّ، وقال الحسن بن سفيان:
ثقةٌ، وقال البزار: ليس بقويّ، وقد احتَمَلَ أهل العلم حديثه.
قال خليفة بن خياط: مات بعد المائتين، وقال يحيى بن أبي طالب:
سمعنا منه في سنة (١٩٨) إلى آخر سنة (٢٠٤)، وقال عبد الباقي بن قانع:
مات سنة أربع، وقيل: سنة ست ومائتين.
أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب تسعة أحاديث.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة هذه لم
أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٠٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي
خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى
عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌ََِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع
[١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهبان الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من
كبار [٩] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٣ - (خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ) بن رَبَاح الأزديّ الْحُدّانيّ - بضم الحاء، وتشديد
الدال المهملتين - ويقال: الطاحيّ البصريّ، صدوقٌ يُغرب [٧].
رَوَى عن عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومطر الوراق، وغيرهم.
وروى عنه أخوه نوح بن قيس، وعليّ بن نصر الجهضميّ الكبير،
ومسلم بن إبراهيم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقةٌ،
وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن المدينيّ: ليس به بأس، وقال الأزديّ:
خالد بن قيس، عن قتادة، فيها مناكير، روى عنه أخوه نوح، ونوح صدوق.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، في ((سننه))، وفي ((الناسخ والمنسوخ))،
والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٧٤)، وحديث
(٢٠٩٢): ((فصاغ رسول الله وَل ير خاتماً حلقته فضّة ... )).
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية خالد بن قيس، عن قتادة هذه ساقها البيهقيّ في ((الكبرى))،
فقال :
(١٨٠١٠) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن
يحيى - يعني: الذهليّ - (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر
الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارميّ، قالا: ثنا نصر بن عليّ الجهضميّ،
أخبرني أبي، حدّثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس بن مالك ز
ئه: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ كَتَب إلى كسرى، وقيصر، وإلى كل جبّار، يدعوهم إلى الله رَات)).
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٠٧/٩.

٧٧
(٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ
(٢٨) - (بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ)
(اعلم): أن حنيناً - بحاء مهملة، ونون، مصغراً -: وادٍ إلى جنب ذي
المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، من جهة
عرفات، قال أبو عبيد البكريّ: سُمِّي باسم حنين بن قابئة بن مهلائيل، قال
أهل المغازي: خرج النبيّ وَّة إلى حنين لست خلت من شوال، وقيل:
لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان،
وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وكان السبب في ذلك أن
مالك بن عوف النَّصْريّ جمع القبائل، من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون،
وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبيّ وَّ، فخرج إليهم، قال عمر بن
شَبّة في (كتاب مكة)): حدّثنا الحزاميّ - يعني: إبراهيم بن المنذر - حدّثنا ابن
وهب، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، أنه كَتَبَ إلى الوليد: أما
بعدُ، فإنك كتبت إليّ تسألني عن قصة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ
بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك، حتى أتاه أن هوازن وثقيفاً قد نزلوا
حُنيناً، يريدون قتال رسول الله وَّه، وكانوا قد جمعوا إليه، ورئيسهم عوف بن
مالك.
ولأبي داود بإسناد حسن، من حديث سهل ابن الحنظلية: أنهم ساروا مع
النبيّ وَّه إلى حنين، فأطنبوا السير، فجاء رجل، فقال: إني انطلقت من بين
أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم، بُعُنهم،
ونَعَمهم، وشائهم، قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله وَّ ر، وقال: ((تلك
غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله تعالى)).
وعند ابن إسحاق، من حديث جابر ما يدلّ على أن هذا الرجل هو
عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، ذكره في (الفتح)(١).
(١) ((الفتح)) ٤٢٣/٩ - ٤٢٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣١٤).

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٠٣] (١٧٧٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَّبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّه يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنَا
وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَلَمْ نُفَارِقْه(١)،
وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَائَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَّقَى
الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ
قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَثْلَةِ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَكُفُّهَا؛ إِرَادَةَ أَنْ لَا
تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((أَيْ عَبَّاسُ
نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتاً - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ
أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى
أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ. قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ
يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي
الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ
الْخَزْرَجِ، فَتَظَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ؛ كالمُتَطَّاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ))، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَصَيَاتٍ،
فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ (٢)، ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ))، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ،
فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا
زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِراً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠)
(م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) وفي نسخة: ((ولم نفارقه)).
(٢) وفي نسخة: ((فرمى بهنّ في وجوه الكفّار)).

٧٩
(٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٣)
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظ فقيه عابد [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ، من كبار
[٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهاشميّ، أبو تمام، صحابيّ صغير،
مات بالمدينة أيام عبد الملك (خ م د س) تقدّم في ((الكسوف)) ١/ ٢٠٩٤.
٦ - (عَبَّاسُ) بن عبد المطلب بن هاشم، عمّ النبيّ ◌َّ الصحابيّ
المشهور، مات ظوالله سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ،
والابن عن أبيه، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريّين، ويونس، وإن كان أيليّاً
إلا أنه نزل مصر، والثاني مسلسل بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ)؛ أي: ابن عبد المطّلب، (شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرتُ
(مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ)؛ أي: يوم وقعة حُنين، بصيغة التصغير، واد بين
مكة والطائف، سُمِّي باسم رجل لازمه، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على
معنى البقعة، فيُمنع من الصرف؛ للعلميّة والتأنيث، وأنشد في ((الصحاح)):
نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكَلَ الأَبْطَالَ
والأغلب عليه الصرف، وبه جاء القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥].
وقد تقدّم أن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة بأيام، وذلك أن مكة فُتحت
لعشر بقين من رمضان، سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة هوازن يوم حنين
في أول شؤَّال، من تلك السَّنة.

٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(فَلَزِمْتُ) بكسر الزاي، وقوله: (أَنَا) أتى به؛ ليمكن عطف ما بعده على
الضمير المتصل، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
(وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بَن هاشم الهاشميّ ابن عمّ
رسول الله ﴾، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة السعدية، قال ابن
المبارك، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهما: اسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته،
والمغيرة أخوه، وكان ممن يُشبه رسول الله وَ له .
وأخرج الحاكم أبو أحمد، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان
أهل الجنة))، قال: حَلَقه الحلاق بمنى، وفي رأسه ثؤلول، فقطعه، فمات،
قال: فيرون أنه مات شهيداً، هذا مرسل، رجاله ثقات.
وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبيّ وَّر، ويهجوه، ويؤذي المسلمين، وإلى
ذلك أشار حسان بن ثابت ه في قصيدته المشهورة [من الوافر]:
هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
ويقال: إن عليّاً علّمه لمّا جاء ليُسْلم أن يأتي النبيّ وَّهُ من قِبَل وجهه،
فيقول: ﴿تَأْلَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الآية [يوسف: ٩١]، ففعل، فأجابه: ﴿لَا
تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآية [يوسف: ٩٢]، فأنشده أبو سفيان [من الطويل]:
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً
لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدٍ
فَهَذَا أَوَإِنِي حَينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي
فَكَالْمُذْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ
الأبياتَ، وأسلم أبو سفيان في الفتح، لقي النبيّ بَّر، وهو متوجه إلى
مكة، فأسلم، وشَهِد حنيناً، فكان ممن ثبت مع النبيّ ◌َّر، ويقال: إنه لم يرفع
رأسه إلى رسول الله وَ﴿ حياء منه، وذكر محمد بن إسحاق له قصيدةً رَتَى بها
النبيّ ◌َّ لما مات، يقول فيها [من الوافر]:
عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ مَاتَ الرَّسُولُ
لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ
وقد أُسند عنه حديثٌ، أخرجه الدارقطنيّ في ((كتاب الإخوة))، وابن
قانع، من طريق سماك بن حرب، سمعت شيخاً في عسكر مدرك بن المهلب،