Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َهَ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلام - حديث رقم (٤٥٩٨) ((صحيحه))، وصححه ابن حبّان أيضاً، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته، فالرواية المشهورة فيه بلفظ: حَمْد الله، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النوويّ، وَرَدَت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في مبحث البسملة من ((شرح المقدّمة)) أن هذا الحديث ضعيفٌ جدّاً، ولا يثبت منه شيء، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. قال: ثم اللفظ، وإن كان عامّاً لكن أريد به الخصوص، وهي الأمور التي تحتاج إلى تقدم الخطبة، وأما المراسلات فلم تجر العادة الشرعية، ولا العرفية بابتدائها بذلك، وهو نظير الحديث الذي أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة ربه أيضاً بلفظ: ((كلُّ خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد الجذماء))، وهو حديث صحيح. فالابتداء بالحمد، واشتراط التشهد خاصّ بالخطبة، بخلاف بقية الأمور المهمة، فبعضها يُبدأ فيه بالبسملة تامّةً؛ كالمراسلات، وبعضها ببسم الله فقط، كما في أول الجماع، والذبيحة، وبعضها بلفظ من الذكر مخصوصٍ؛ كالتكبير. قال: وقد جمعتُ كُتبَ النبيّ وَّ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة، وهو يؤيّد ما قررته، والله أعلم. ووقع في مرسل سعيد بن المسيِّب عند ابن أبي شيبة: ((أن هرقل لما قرأ الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان ظلَّا))، كأنه يريد الابتداء بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وهذا يؤيِّد ما قدمناه، أنه كان عالِماً بأخبار أهل الكتاب. انتهى(١). (مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ) فيه أن السُّنَّة أن يبدأ المرسِل الكتابَ بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حَكَى فيه النحاسُ إجماع الصحابة، والحقّ إثبات الخلاف، وفيه أن ((مِنْ)) التي لابتداء الغاية تأتي من غير الزمان والمكان، كذا قاله أبو حيان، والظاهر أنها هنا أيضاً لم تخرج عن ذلك، لكن بارتكاب مجاز، زاد في حديث دحية: ((وعنده ابن أخ له أحمر، أزرق، سبط الرأس. وفيه: لمّا قرأ (١) (الفتح)) ٧٣٠/٩. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الكتاب نَخَرَ (١)، فقال: لا تقرأه، إنه بدأ بنفسه، فقال قيصر: لتقرأنّه، فقرأه))، وقد ذكر البزار في ((مسنده)) عن دحية الكلبيّ: أنه هو ناول الكتاب لقيصر، ولفظه: ((بعثني رسول الله وَير بكتابه إلى قيصر، فأعطيته الكتاب))(٢). وذكر المدائنيّ أن القارئ لما قرأ: ((من محمد رسول الله إلى عظيم الروم)) غَضِب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ فقال: بدأ بنفسه، وسَمَّاك صاحبَ الروم، فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله إنه لأحقّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكهم))، وأخرج الحسن بن سفيان في ((مسنده)) من طريق عبد الله بن شداد، عن دحية: ((بعثني النبيّ ◌َل بكتاب إلى هرقل، فقَدِمت عليه، فأعطيته الكتاب، وعنده ابن أخ له أحمر، أزرق، سبط الرأس، فلما قرأ الكتاب نَخَرَ ابن أخيه نَخْرَةً، فقال: لا تقرأ، فقال قيصر: لِمَ؟ قال: لأنه بدأ بنفسه، وقال: صاحب الروم، ولم يقل: ملك الروم، قال: اقرأ، فقرأ الكتاب)). وفي رواية للبخاريّ: ((من محمد عبد الله ورسوله))، وفيه إشارة إلى أن رسل الله، وإن كانوا أكرم الخلق على الله، فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيد الله، وكأن فيه إشارةً إلى بطلان ما تدّعيه النصارى في عيسى ظلِّلا. (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّوم) بجر ((عظيم)) على البدليّة، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، والمراد: مَن تُعَظّمه الروم، وتقدّمه للرياسة عليها، وفيه العدول عن ذكره بالْمُلْك، أو الإمرة؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْلِهِ من إكرام؛ لمصلحة التأليف، وفي حديث دحية: ((أن ابن أخي قيصر أنكر أيضاً كونه لم يقل: ملك الروم))، قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ تَّثُ: قوله: ((عظيم الروم))؛ أي: الذي تعظّمه الروم، وهو مُفاتحةٌ بخطاب استلطاف، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مع أنه حقٍّ في نفسه، فإنه كان معظّماً في الروم، وكان أعظم ملوكهم(٣). (١) نخَر ينخْرُ، من بابي ضرب، ونصر: إذا مدّ النفس في الخياشيم. (٣) ((المفهم)) ٦٠٨/٣. (٢) (الفتح)) ٨٠/١. ٤٣ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) (سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) وفي رواية البخاريّ في ((الاستئذان)): ((السلام)) بالتعريف، وقد ذُكِرت في قصة موسى وهارون مع فرعون؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَى﴾ [طه: ٤٧]، وظاهر السياق يدلّ على أنه من جملة ما أُمرا به أن يقولاه. قال القرطبيّ تَخْذَثُ: قوله: ((سلام على من اتبع الهدى)): عدول عن السلام عليه؛ لأن الكافر لا يُفاتَح بالسلام إلى التعريض له باتباع طريق الهداية، وقد رأى بعض أهل العلم أن السلام على أهل الكفر والبدع هكذا يكون(١). وقال النوويّ تَخُّْ: هذا دليل لمن يقول: لا يُبتدأ الكافر بالسلام، وفي المسألة خلاف، فمذهب الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأكثر العلماء أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ كافراً بالسلام، وأجازه كثيرون من السلف، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك، وستأتي في موضعها - إن شاء الله تعالى - وجوّزه آخرون؛ لاستئلاف، أو لحاجة إليه، أو نحو ذلك. انتھی(٢) . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالنهي عن ابتداء الكافر بالسلام هو الحقّ، لصحّة قوله وَ له: ((لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ... )) الحديث، رواه الترمذيّ وقال: حديث حسنٌ صحيح، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): [فإن قيل]: كيف يُبدأ الكافر بالسلام؟. [فالجواب]: أن المفسرين قالوا: ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه: سَلِمَ من عذاب الله من أسلم، ولهذا جاء بعده: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [طه: ٤٨]، وكذا جاء في بقية هذا الكتاب: ((فإن توليت، فإن عليك إثم الأریسیین)). فَمُحَصَّل الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصداً، وإن كان اللفظ يُشعر به، لكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتَّبع الهدى، فلم يُسَلَّم عليه(٣). (أَمَّا بَعْدُ) في قوله: ((أما)) معنى الشرط، وتُستعمل لتفصيل ما يُذكَر بعدها (١) ((المفهم)) ٦٠٨/٣. (٣) ((الفتح)) ١ / ٨٠ - ٨١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٢. ٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير غالباً، وقد تَرِدُ مستأنفةً، لا لتفصيل؛ كالتي هنا، وللتفصيل والتقرير، ولفظة (بعدُ)) مبنية على الضم، وكان الأصل أن تُفتح لو كانت مضافةً لفظاً، لكنها قُطعت عن الإضافة لفظاً، فُبُنيت على الضم. وقال في ((الفتح)): قوله: ((أما بعدُ)) قال: سيبويه: إن معنى ((أما بعدُ»: مهما يكن من شيء، وكذا كل كلام أوله ((أمّا))، وفيه معنى الجزاء، مثل: أما عبد الله فمنطلق، والفاء لازمة في أكثر الكلام، وقد تُحذف، وهو نادر، قال الكرماني: فإن قلت: ((أمّا)) للتفصيل، فأين القسيم؟ ثم أجاب بأن التقدير: أما الابتداء فهو بسم الله، وأما المكتوب فهو من محمد ... إلخ، وأما المكتوب به فهو ما ذُكِر في الحديث، وهو توجيه مقبول، لكنه لا يطرد في كل موضع، ومعناها: الفصل بين الكلامين، واختُلِف في أول من قالها، فقيل: داودلِلَّلهُ، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤيّ، وقيل: قُسّ بن ساعدة، وقيل: سحبان، وفي غرائب مالك للدارقطنيّ: أن يعقوب لعلَّلا قالها، فإن ثبت، وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل، فيعقوب أول من قالها مطلقاً، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم عليّلا، فيعرب أوّل من قالها، والله أعلم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في ((أما بعدُ)) في ((شرح المقدّمة))، فراجعه، تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. (فَإِنِّي أَدْعُولَكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلام) - بكسر الدال - من قولك: دعا يدعو دِعايةً، نحو شَكًا يَشْكُو شِكَايةً، وَفي الرواية التالية هنا: ((بداعية الإسلام))؛ أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والباء بمعنى ((إلى). وقال النوويّ كَُّهُ: قوله وَله: ((أدعوك بدعاية الإسلام)): هو بكسر الدال؛ أي: بدعوته، وهي كلمة التوحيد، وقال في الرواية الأخرى التي ذكرها مسلم بعد هذا: ((أدعوك بداعية الإسلام))، وهو بمعنى الأولى، ومعناها: الكلمة الداعية إلى الإسلام، قال القاضي عياض: ويجوز أن تكون ((داعية)) هنا (١) ((الفتح)) ٩/ ٧٣١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣). ٤٥ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّلَهَ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨) ٥٨ بمعنى دعوة، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٨]؛ أي: كشف. انتهى(١). وقوله: (أَسْلِمْ تَسْلَمْ)؛ أي: ادخل في دين الإسلام تسلم في الدنيا من الخزي، وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع. وقال في ((الفتح)): هو غاية في البلاغ، وفيه نوع من البديع، وهو الجناس الاشتقاقيّ، وفيه بشارة لمن دخل في الإسلام أنه يَسْلَم من الآفات اعتباراً بأن ذلك لا يختصّ بهرقل، كما أنه لا يختص بالحُكم الآخَر، وهو قوله: ((أسلم يؤتك الله أجرك مرتين))؛ لأن ذلك عامّ في حقّ من كان مؤمناً بنبيّه، ثم آمن بمحمد التى. (وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ)؛ أي: باتباعه لدين عيسى لعلّها، وباتباعه الدين محمد ، قال القرطبيّ: وهذا كقوله مسي: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه، ثم أدرك النبيّ وَّ، فآمن به واتبعه، فله أجران)». قال: وهذا إنما يتحصَّل للكتابيّ إذا كان متبعاً لدين نبيّه من الاعتقاد الصحيح، والعمل على مقتضى شريعته، أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجئ به شريعته، فلا يحصل له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصّة؛ لأنه لم يكن على شريعة عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصل له أجر. انتهى(٢). ووقع للبخاريّ في الجهاد بلفظ: ((أَسْلِم، أَسْلِم يؤتك))، بتكرار ((أَسْلِم))، فَيَحْتَمِل - كما قال في ((الفتح)) -: التأكيد، ويَحْتَمِل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٦]، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنٍ﴾ الآية [القصص: ٥٤]، وإعطاؤه الأجر مرتين؛ لكونه كان مؤمناً بنبيّه، ثم آمن بمحمد وَّهِ، ويَحْتَمِل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سبباً لدخول أتباعه، وقد تقدّم (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٢. (٢) ((المفهم)) ٦٠٨/٣ - ٦٠٩. ٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير التصريح بذلك في ((كتاب الإيمان)) من حديث الشعبيّ، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه: أن رسول الله و 8* قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه، وأدرك النبيّ وََّ، فآمن به، واتَّبعه، وصدّقه، فله أجران ... )) الحديث، متّفق عليه. وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: أعاد ((أَسْلِمْ) تأكيداً، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((أَسْلِم)) أوّلاً؛ أي: لا تعتقد في المسيح ما تعتقده النصارى، و((أَسْلم)) ثانياً؛ أي: ادخل في دين الإسلام، فلذلك قال بعد ذلك: ((يؤتك الله أجرك مرتین». [تنبيه]: لم يصرِّح في الكتاب بدعائه إلى الشهادة للنبيّ وَّو بالرسالة، لكن ذلك مُنطَوٍ في قوله: ((والسلام على من اتّبع الهدى))، وفي قوله: ((أدعوك بدعاية الإسلام))، وفي قوله: ((أَسْلِمْ))، فإن جميع ذلك يتضمن الإقرار بالشهادتين(١). قال: واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ تَّتُهُ - أن كلَّ من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة، والذبائح؛ لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾، فدلّ على أن لهم حكمَ أهل الكتاب، خلافاً لمن خصَّ ذلك بالإسرائيليين، أو بمن عُلم أن سلفه ممن دخل في اليهودية، أو النصرانية قبل التبديل. انتهى(٢)، وهو استنباط حسن، والله تعالى أعلم. (وَإِنْ تَوَلَّيْتَ)؛ أي: أعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام، وحقيقةُ التولِّي إنما هو بالوجه، ثم استُعمل مجازاً في الإعراض عن الشيء، وهي استعارة تَبَعية (٣). (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِبِسِيِّينَ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا وقع في هذه الرواية الأولى في مسلم: ((الأريسيين))، وهو الأشهر في روايات الحديث، وفي كتب أهل اللغة، وعلى هذا اختُلِف في ضبطه على أوجه: (١) ((الفتح)) ٩/ ٧٣٢ رقم (٤٥٥٣). (٣) ((الفتح)) ٨١/١ - ٨٢. (٢) ((الفتح)) ٨١/١ - ٨٢. ٤٧ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) أحدها: بياءين بعد السين، والثاني: بياء واحدة بعد السين، وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة، والراء مكسورة، مخففةٌ، والثالث: ((الإِرِّيسين)) بكسر الهمزة، وتشديد الراء، وبياء واحدة بعد السين. ووقع في الرواية الثانية في مسلم، وفي أول ((صحيح البخاريّ)): ((إثم الْيَرِيسيين)) بياء مفتوحة، في أوله، وبياءين بعد السين. واختلفوا في المراد بهم على أقوال: أصحها، وأشهرها: أنهم الأكّارون؛ أي: الفلاحون، والزراعون، ومعناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك، وينقادون بانقيادك، ونبّه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقياداً، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وهذا القول هو الصحيح، وقد جاء مصرَّحاً به في رواية، رويناها في ((كتاب دلائل النبوة)) للبيهقيّ، وفي غيره: ((فإن عليك إثم الأكّارين))، وفي رواية ذكرها أبو عبيد في ((كتاب الأموال)): ((وإن لم تدخل في الإسلام، فلا تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام))، وفي رواية ابن وهب: ((وإثمهم عليك))، قال أبو عبيد: ليس المراد بالفلاحين: الزراعين خاصّة، بل المراد بهم: جميع أهل مملكته. الثاني: أنهم اليهود، والنصارى، وهم أتباع عبد الله بن أَرِيس الذي تُنسب إليه الأروسية من النصارى، ولهم مقالة في كتب المقالات، ويقال لهم: الأروسيون. الثالث: أنهم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة، ويأمرونهم بها. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((إثمَ الأريسيين)): هو جمع أريسيّ، وهو منسوب إلى أَرِيس بوزن فَعِيل، وقد تُقلب همزته ياءً، كما جاءت به رواية أبي ذرّ، والأصيليّ، وغيرهما هنا، قال ابن سِيدَهْ: الأريس: الأَكّار؛ أي: الفَلّاح عند ثعلب، وعند كُراع: الأريس: هو الأمير، وقال الجوهريّ: هي لغة شاميّة، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك، لكن هذا هو (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١٢ - ١١٠. ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الصحيح هنا، فقد جاء مصرَّحاً به في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، بلفظ: ((فإن عليك إثم الأَكّارين))، زاد الْبَرْقانيّ في روايته: ((يعني الحرّاثين))، ويؤيده أيضاً ما في رواية المدائنيّ من طريق مرسلة: ((فإن عليك إثم الفَلّاحين))، وكذا عند أبي عبيد في ((كتاب الأموال))، من مرسل عبد الله بن شداد: (وإن لم تدخل في الإسلام فلا تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام))، قال أبو عبيد: المراد بالفَلّاحين: أهل مملكته؛ لأن كلّ من كان يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه، أو بغيره. قال الخطابيّ: أراد: أن عليك إثمَ الضعفاء، والأتباع، إذا لم يُسلموا تقليداً له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر. قال الحافظ: وفي الكلام حذفٌ دلّ المعنى عليه، وهو: فإن عليك مع إثمك إثمَ الأريسيين؛ لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر، فَلَأَنْ يكون عليه إثم نفسه أولى، وهذا يُعَدّ من مفهوم الموافقة، ولا يعارَض بقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن وزر الإثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسيئات يَتَحَمَّل من جهتين: جهةٍ فعله، وجهة تسبّبه. وقد ورد تفسير ((الأريسيين)) بمعنى آخر، فقال الليث بن سعد، عن يونس، فيما رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، من طريقه: ((الأريسيون)): الْعَشّارون؛ يعني: أهل الْمَكْس، والأول أظهر، وهذا إن صحّ أنه المراد فالمعنى: المبالغة في الإثم، ففي ((الصحيح)) (١) في المرأة التي اعترَفَت بالزنى: ((لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مَكْس لَقُبِلت))(٢) . وقال الحافظ في ((الفتح)) في موضع آخر: قوله: ((إثم الأريسيين)): تقدّم ضَبْطه، وشَرْحه في ((بدء الوحي))، ووجدته هناك في أصل معتمد بتشديد الراء، وحَكَى هذه الرواية أيضا صاحب ((المشارق)) وغيره، وفي أخرى: ((الأريسين)) بتحتانية واحدة، قال ابن الأعرابيّ: أَرَسَ يأرس، بالتخفيف، فهو أريس، (١) أي: ((صحيح مسلم))، فقد رواه في كتاب ((الحدود)) برقم (١٦٩٥). (٢) ((الفتح)) ٨٢/١. ٤٩ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) وأَرّس بالتشديد يؤرِّس، فهو إِرِيسٌ(١)، وقال الأزهريّ: بالتخفيف، وبالتشديد: الأكّار، لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فِلاحة، وكانوا مجوساً، وأهل الروم أهل صِناعة، فأُعلموا بأنهم، وإن كانوا أهل كتاب، فإنّ عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم إثم المجوس. انتهى، وهذا توجيه آخر لم يتقدم ذكره، وحَگی غيره أن الأريسيين يُنسبون إلى عبد الله بن أَرِيس رجل كان تعظمه النصارى، ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى لعلّها، وقيل: إنه من قوم بُعث إليهم نبيّ، فقتلوه، فالتقدير على هذا: فإن عليك مثل إثم الأريسيين، وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أَرِيس كانوا أهل مملكة هرقل، وردّه بعضهم بأن الأريسيين كانوا قليلاً، وما كانوا يُظهرون رأيهم، فإنهم كانوا يُنكرون التثليث، قال الحافظ: وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل. ووقع في رواية الأصيليّ: ((اليريسيين)) بتحتانية في أوله، وكأنه بتسهيل الهمزة، وقال ابن سِيدَهْ في ((المحكم)): الأريس: الأكّار عند ثعلب، والأمين عند كراع، فكأنه من الأضداد؛ أي: يقال للتابع والمتبوع، والمعنى في الحديث صالح على الرأيين، فإن كان المراد: التابع، فالمعنى: إن عليك مثل إثم التابع لك على ترك الدخول في الإسلام، وإن كان المراد: المتبوع، فكأنه قال: فإن عليك إثم المتبوعين، وإثمُ المتبوعين يضاعَف باعتبار ما وقع لهم من عدم الإذعان إلى الحقّ، من إضلال أتباعهم. وقال النوويّ: نَبَّه بذكر الفلاحين على بقية الرعية؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقياداً. وتُعُقّب بأن من الرعايا غير الفلاحين من له صرامةٌ، وقُوّة، وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين في الإسلام دخول بقية الرعايا، حتى يصحّ أنه نبّه بذكرهم على الباقين. (١) قال في ((القاموس)): الإِرْسُ بالكسر: الأصل الطيِّب، والأَرِيسيّ، والإِرِيسُ، كجَلِيسٍ، وسِكُيتٍ: الأكّار، جمعه أَرِيسون، وإِرِّيسُونَ، وأَرارسةٌ، وأراريس، وأَرارس، وأَرَسَ يَأْرِس أَرْساً - أي: من باب ضرب - وأَرّس تأريساً: صار أَريساً، و کسگیتٍ: الأمير. انتهى. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال الحافظ: كذا تعقبه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ - والذي يظهر أن مراد النوويّ أنه نبّه بذكر طائفة من الطوائف على بقية الطوائف، كأنه يقول: إذا امتنعت كان عليك إثم كل من امتنع بامتناعك، وكان يطيع لو أطعت؛ كالفلاحين، فلا وجه للتعقب عليه، نَعَم قول أبي عبيد في ((كتاب الأموال)): ليس المراد بالفلاحين الزراعين فقط، بل المراد به جميع أهل المملكة، إن أراد به على التقرير الذي قررت به كلام النوويّ فلا اعتراض عليه، وإلا فهو معترض. وحَكَى أبو عبيد أيضاً: أن الأريسيين هم الْخَوَل والْخَدَم، وهذا أخصّ من الذي قبله، إلا أن يريد بالخوَل ما هو أعمّ بالنسبة إلى من يحكم الملِك عليه. وحَكَى الأزهريّ أيضاً أن الأريسيين قوم من المجوس، كانوا يعبدون النار، ويُحَرِّمون الزنا، وصناعتهم الحراثة، ويُخرجون العُشر مما يزرعون، لكنهم يأكلون الموقوذة، وهذا أثبت، فمعنى الحديث: فإن عليك مثل إثم الأريسيين، كما تقدم. انتهى(١). (وَ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾) هكذا وقع بإثبات الواو في أوله، وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيليّ، وأبي ذرّ، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدَّر، معطوف على قوله: ((أدعوك))، فالتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك، ولأتباعك امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾، ويَحْتَمِل أن تكون من كلام أبي سفيان؛ لأنه لم يَحفَظ جميع ألفاظ الكتاب، فاستحضر منها أول الكتاب، فذكره، وكذا الآية، وكأنه قال فيه: كان فيه كذا، وكان فيه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾، فالواو من كلامه، لا من نفس الكتاب، وقيل: إن النبيّ وَليه كَتَبَ ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لَمّا نزلت، والسبب في هذا أن هذه الآية نزلت في قصة وَفْد نَجْران، وكانت قصتهم سنةَ الوفود، سنةَ تسع من الهجرة، وقصة أبي سفيان كانت قبل ذلك سنة ست، وقيل: بل نزلت سابقةً في أوائل الهجرة، واليه يومئ كلام ابن إسحاق، وقيل: نزلت في اليهود، وجوّز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد. (١) (الفتح)) ٧٣٢ - ٧٣٣، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣). ٥١ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) [تنبيه]: قيل: في هذا دليل على جواز قراءة الجُنُب للآية، أو الآيتين، وبإرسال بعض القرآن إلى أرض العدوّ، وكذا بالسفر به، وأغرب ابن بطال، فادَّعَى أن ذلك نُسِخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدوّ، ويَحتاج إلى إثبات التاريخ بذلك. ويَحْتَمِل أن يقال: إن المراد بالقرآن في حديث النهي عن السفر به: المصحف، وأما الجنب فيَحْتَمِل أن يقال: إذا لم يقصد التلاوة جاز، على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصّة نظراً، فإنها واقعة عين، لا عموم فيها، فيُقيّد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك؛ كالإبلاغ، والإنذار، كما في هذه القصّة، وأما الجواز مطلقاً حيث لا ضرورة، فلا يتجه، قاله في ((الفتح))(١) . [تنبيه آخر]: قد اشتَمَلت هذه الْجُمَل القليلة التي تضمَّنها هذا الكتاب(٢) على الأمر بقوله: ((أسلم))، والترغيب بقوله: (تَسلَم، ويؤتك))، والزجر بقوله: ((فإن توليت))، والترهيب بقوله: ((فإن عليك))، والدلالة بقوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا؟، وهو كلام من أُوتِي جوامع الكلم ◌َا﴾ (٣). (﴿تَعَالَوْ﴾) - بفتح اللام - وأصله تعاليوا، تقول: تَعَالَ، تعاليا، تعالَيُوا، قُلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصار: تَعَالَوْا، والمراد من أهل الكتاب أهل الكتابين: اليهود، والنصارى، وقيل: وفد نَجْران، وقيل: يهود المدينة، قاله في ((العمدة))(٤). (﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾)؛ أي: مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل، وتفسير الكلمة قوله: (﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾)؛ يعني: تعالَوْا إليها، حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله؛ لأن كلّ واحد منهما بَشَرٌ (١) ((الفتح)) ٨٣/١. (٢) أي: الكتاب الذي كتبه النبيّ وَّه إلى هرقل، وقُرىء عليه. (٣) ((الفتح)) ٨٣/١. (٤) ((عمدة القاري)) ١٥٨/١. ٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم، والتحليل، من غير رجوع إلى ما شرع الله. (﴿فَإِن تَوَلَوْا﴾)؛ أي: عن التوحيد، وأصل ((تَوَلَّوْا)): تتولّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نارًا تَلَفَّى﴾، وقوله: ﴿نَزَّلُ اٌلْمَلَئِكَةُ﴾، قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) (﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)؛ أي: لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا، وتُسَلِّمُوا، بإنا مسلمون دونكم، وقال الزمخشريّ: يجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا، واعترفوا بأنكم كافرون، حيث توليتم عن الحقّ بعد ظهوره. انتهى. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾: اليهود، والنصارى، نُسبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى بَّاها، ﴿تَعَالَوْاْ﴾ بمعنى أجيبوا إلى ما دُعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة، التي ليس فيها ميل عن الحقّ، وقد فسّرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَلَّهِ﴾: ((أرباباً)): جمع ربّ، وقد تقدَّم تفسيره، و(دون)) هنا بمعنى: غير، ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا عمَّا دُعُوا إليه، ﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: متّصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن، والإنعام. انتهى(١). (فَلَمَّا فَرَغَ)؛ أي: القارىء، ويَحْتَمِل أن يريد هرقل، ونُسب إليه مجازاً؛ لكونه الآمر به، ويؤيّده قوله بعده: ((عنده))، فإن الضمير فيه، وفیما بعده لهرقل جزماً(٢). (مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ) وفي رواية البخاريّ: ((قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب))، (ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ) ووقع عند البخاريّ في ((الجهاد)): ((فلما أن قضى مقالته، عَلَتِ أصواتُ الذين حوله، من عظماء الروم، وكَثُر لغطهم، فلا أدري ما قالوا))، لكن يُعرف من قرائن الحال أن اللغط كان لِمَا فَهِمُوه من هرقل من ميله إلى التصديق. (١) «المفهم)) ٦٠٩/٦. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٧٣٣. ٥٣ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) (وَكَثُرَ اللَّغْطُ) بفتح الغين، وسكونها: اسم من لَغَطَ لَغْطاً، من باب نَفَعَ، وهو كلام فيه جَلَبَةٌ، واختلاطٌ، ولا يتبيّن، وألغط بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ كَُّ(١). وقال المجد كَّتُهُ: اللَّغْطُ - أي: بفتح، فسكون - ويُحَرَّكُ: الصوت، والْجَلَبَّةُ، أو أصوات مُبْهَمة، لا تُفهَمُ، جمعه أَلْغَاطُ، لَغَطُوا، كمَنَعوا، ولَغّطوا، وألغطوا. انتهى(٢). زاد في رواية البخاريّ في ((الجهاد)): ((فلا أدري ما قالوا)). (وَأَمَرَ بِنَا) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر هرقلُ بإخراجنا من عنده، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، (فَأُخْرِجْنَا) بالبناء للمفعول، (قَالَ) أبو سفيان (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي) المراد: أصحابه الذي جلسوا معه في مجلس هرقل، (حِينَ خَرَجْنَا) وفي بعض النسخ: ((حين أُخرجنا))، وفي رواية للبخاريّ في ((الجهاد)): ((حين خلوت بهم))، (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) قال النوويّ كَّتُهُ: أمّا (أَمِرَ)) فبفتح الهمزة، وكسر الميم؛ أي: عَظُم، وأما قوله: ((ابن أبي كبشة))، فقيل: هو رجل من خُزاعة، كان يعبد الشِّعْرَى، ولم يوافقه أحدٌ من العرب في عبادتها، فشبَّهوا النبيّ وَّ به؛ لمخالفته إياهم في دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، رَوَينا عن الزبير بن بكار في ((كتاب الأنساب))، قال: ليس مرادهم بذلك عيب النبيّ وَّ، إنما أرادوا بذلك مجرد التشبيه، وقيل: إن أبا كبشة جدّ النبيّ ◌َليه من قبل أمه، قاله ابن قتيبة، وكثيرون، وقيل: هو أبوه من الرضاعة، وهو الحارث بن عبد العزى السعديّ، حكاه ابن بطال، وآخرون، وقال القاضي عياض: قال أبو الحسن الجرجانيّ النّسّابةُ: إنما قالوا: ابن أبي كبشة عداوةً له وَّ﴾، فنسبوه إلى نَسَب له غير نَسَبه المشهور؛ إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه المعلوم المشهور، قال: وقد كان وهب بن عبد مناف بن زهرة جدّه، أبو آمنة، يُكنَى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد الأنصاريّ النجاريّ، أبو سلمى أم عبد المطلب، كان يُدْعَى أبا كبشة، قال: وكان في أجداده أيضاً من قِبَل أمه أبو كبشة، وهو أبو قَيْلة، أم وهب بن عبد مناف، أبو آمنة، أم النبيّ بَّ، وهو (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٥. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١١٨٠. ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير خُزَاعِيّ، وهو الذي كان يعبد الشعرى، وكان أبوه من الرضاعة يُدْعَى أبا كبشة، وهو الحارث بن عبد العزى السعديّ، قال القاضي: وقال مثل هذا كله محمد بن حبيب البغداديّ، وزاد أبو نصر ابن ماكولا، فقال: وقيل: أبو كبشة عمّ والد حليمة مرضعته وَّه. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ((أَمِرَ)) الأولُ بفتح الهمزة، وكسر الميم، والثاني بفتح الهمزة، وسكون الميم، وحَكَى ابن التين أنه رُوي بكسر الميم أيضاً، وقد قال كراع في ((المجرد)»: وَرٌَ أَمِرٌ بفتح، ثم كسر؛ أي: كثير، فحينئذ يصير المعنى: لقد كثُر كثيرُ ابنُ أبي كبشة، وفيه قلق، وفي كلام الزمخشريّ ما يُشعر بأن الثاني بفتح الميم، فإنه قال: أَمَرَةٌ، على وزن بَرَكة: الزيادة، ومنه قول أبي سفيان: ((لقد أَمِرَ أَمَرُ محمد)). انتهى، قال الحافظ: هكذا أشار إليه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين في ((شرحه))، وردّه، والذي يظهر لي أن الزمخشريّ إنما أراد تفسير اللفظة الأولى، وهي ((أَمِرَ) بفتح، ثم كسر، وأن مصدرها أَمَرٌ، بفتحتين، والأمر بفتحتين: الكثرة، والعظم، والزيادة، ولم يُرِد ضبط اللفظة الثانية، والله أعلم. انتهى(٢). وقوله: (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) أراد به النبيّ وَّ؛ لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نَسَبت إلى جدّ غامض، قال أبو الحسن النسابة الجرجانيّ: هو جدّ وَهَبٍ جدّ النبيّ وََّ لأمه، وهذا فيه نظر؛ لأن وهباً جدّ النبيّ وَّ اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرّة بن هلال، ولم يقل أحدٌ من أهل النسب أن الأوقص يكنى أبا كبشة، وقيل: هو جدّ عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضاً؛ لأن أم عبد المطلب سَلْمَى بنت عمرو بن زيد الخزرجيّ، ولم يقل أحد من أهل النسب: إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة، ولكن ذكر ابن حبيب في ((المجتبى)) جماعةً من أجداد النبيّ وََّ من قِبَل أبيه، ومن قِبَل أمه، كلُّ واحد منهم يكنى أبا كبشة، وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى، قاله أبو الفتح الأزديّ، وابن ماكولا . (١) ((إكمال المعلم)) ١٢٢/٦، و((شرح النوويّ)) ١١٠/١٢ - ٠١١١ (٢) ((الفتح)) ٧٣٣/٩ - ٧٣٤، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣). ٥٥ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن رجال من قومه، أنه أسلم، وكانت له بنت تُسَمَّى كبشة، يكنى بها. وقال ابن قتيبة، والخطابيّ، والدارقطنيّ: هو رجل من خُزاعة، خالف قريشاً في عبادة الأوثان، فعَبَد الشعرى، فنسبوه ◌َّ إليه؛ للاشتراك في مطلق المخالفة، وكذا قاله الزبير، قال: واسمه: وجز بن عامر بن غالب. (إِنَّهُ لَيَخَافُهُ) هو بكسر الهمزة استئنافاً تعليلياً لا بفتحها، ولثبوت اللام في ليخافه في رواية أخرى، (مَلِكَ بَنِي الأَصْفَرِ) هم الروم، ويقال: إن جدّهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، حكاه ابن الأنباريّ، وقال ابن هشام في ((التيجان)): إنما لُّقِّب الأصفر؛ لأن جدته سارة زوج إبراهيم ﴿ّا حَلَّته بالذهب، قاله في ((الفتح)) (١). وقال ابن الأنباريّ: سُمُّوا بني الأصفر؛ لأن جيشاً من الحبشة غلب على بلادهم في وقت، فوطئ نساءهم، فَوَلَدْن أولاداً صُفْراً، من سواد الحبشة وبياض الروم، وقال أبو إسحاق بن إبراهيم الحربيّ: نُسِبوا إلى الأصفر بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ◌َ، قال القاضي عياض: هذا أشبه من قول ابن الأنباريّ. انتهى(٢). (قَالَ) أبو سفيان (فَمَا زِلْتُ مُوقِناً بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ)؛ أي: سيغلب على المشركين، وفي حديث عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: ((فما زلت مَرْعُوباً من محمد، حتى أسلمت))، أخرجه الطبراني. (حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ)؛ أي: فأظهرت ذلك اليقين، وليس المراد أن ذلك اليقين ارتفع. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سفيان رَُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٩٨/٢٦ و٤٥٩٩] (١٧٧٣)، و(البخاريّ) في (١) ((الفتح)) ١/ ٨٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٢٢/٦ - ١٢٣، و((شرح النوويّ)) ١١١/١٢. ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ((بدء الوحي) (٧) و((الإيمان)) (٥١) و((الشهادات)) (٢٦٨١) و((الجهاد)) (٢٩٣٦ و٢٩٤٠ و٢٩٤١ و٢٩٧٨) و((الجزية والموادعة)) (٣١٧٤) و((التفسير)) (٤٥٥٣) و((الأدب)) (٥٩٨٠) و((الاستئذان)) (٦٢٦٠) و((الأحكام)) (٧١٩٦) و((الأدب المفرد)» (٣٧٩/١)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧١٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣١٠/٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٦/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٢/١ - ٢٦٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٨/٤ و٢٧٠)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (١٥/٨ و١٨ و٢٢) و((مسند الشاميين)) (٢١٩/٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٤٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٨/٩)، و((دلائل النبوة)) (٣٧٧/٤ - ٣٨٠)، و(اللالكائيّ) في ((أصول الاعتقاد)) (١٤٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده، وإن تقدّم بعضها، إلا أن كونها مرتّبة في موضع واحد أنفع : ١ - (منها): البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، عن العلاء بن الحضرميّ: ((أنه كتب إلى النبيّ وَّ، وكان عامله على البحرين، فبدأ بنفسه: من العلاء إلى محمد رسول الله (وَ (*))، وقال ميمون: كانت عادة ملوك العجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدءوا باسم ملوكهم، فتبعتهم بنو أمية، وكتب ابن عمر إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية، وإلى عبد الملك كذلك، وكذا جاء عن زيد بن ثابت إلى معاوية، وعند البزار بسند ضعيف، عن حنظلة الكاتب: أن النبيّ وَّ وَجَّهَ عليّاً، وخالد بن الوليد، فكتب إليه خالد، فبدأ بنفسه، وكتب إليه عليّ، فبدأ برسول الله وَّل، فلم يَعِبْ على واحد منهما، قاله في ((الفتح))(١). وقال في ((العمدة)): فإن قلت: كيف صدّر سليمان ◌ِالَّلُ كتابه باسمه حيث ﴾؟ [النمل: ٣٠]. ٣٥ قال: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قلت: خاف من بلقيس أن تسُبّ، فقدم اسمه حتى إذا سبَّت يقع على اسمه، دون اسم الله تعالى (٢). (١) ((الفتح)) ٧٣٥/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣). (٢) ((عمدة القاري)) ١٦٧/١ - ١٦٨. ٥٧ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َِهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨) ٢ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ((إلى عظيم الروم)) ملاطفة المكتوب إليه، وتعظيمه، وإنما لم يقل: إلى ملك الروم؛ لأنه معزول عن الحكم بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة لأحد إلا من قِبَل رسول الله وَليه، وإنما لم يقل: إلى هرقل فقط؛ ليكون فيه نوع من الملاطفة، فقال: ((عظيم الروم))؛ أي: الذي تعظّمه الروم، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن يُدْعَى إلى الإسلام، وقال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاَ لَيْنَا﴾ [طه: ٤٤](١). ٣ - (ومنها): مشروعيّة مكاتبة الكفّار، وقد كاتب النبيّ وَّ سبعة من الملوك، فيما قاله الداوديّ: هرقل، وكسرى، والنجاشيّ، والمقوقس، وملك غسّان، وهوذة بن عليّ، والمنذر بن ساوى. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً لمن قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة، فيها اسم الله تعالى؛ للضرورة، وإن كان عن مالك الكراهة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش، من ذِكْر الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن فيه وجوبَ العمل بخبر الواحد، وإلا لم يكن لِبَعْثه مع دحية فائدة، مع غيره من الأحاديث الدالة عليه. ٦ - (ومنها): أن خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد، ولا سيّما إذا كانوا جَمْعاً يقع العلم بخبرهم، وهذه مأخوذة من قوله: ((وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره))(٢). ٧ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن منع أن يبتدأ الكافر بالسلام، وهو مذهب الشافعيّ، وأكثر العلماء، وأجازه جماعة مطلقاً، وجماعة للاستئلاف، أو الحاجة، وقد جاء عنه النهي في الأحاديث الصحيحة، وفي ((صحيح مسلم)): أن رسول الله صل﴾ قال: ((لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام))، الحديث، وقال البخاريّ وغيره: ولا يسلّم على المبتدع، ولا على من اقترف ذنباً كبيراً، ولم (١) ((التوضيح)) ٤١٨/٢ - ٤١٩. (٢) ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) لابن الملقّن كَذَثُ ٤١٣/٢. ٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير يتب منه، ولا يردّ عليهم السلام، واحتَجَّ البخاريّ بحديث كعب بن مالك، وفيه: ((نَهَى رسول الله ◌َّ عن كلامنا)). ٨ - (ومنها): أن فيه استحبابَ ((أما بعدُ)) في المكاتبة، والخطبة، وقد تقدّم الخلاف في أول من قالها قريباً . ٩ - (ومنها): أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا وَّر، فآمن به، فله أجران . ١٠ - (ومنها): ما قال الخطابيّ نَّثُ: في هذا الخبر دليل على أن النهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدوّ، إنما هو في حمل المصحف، والسُّوَر الكثيرة، دون الآية، والآيتين، ونحوهما. وقال ابن بطال تَُّهُ: إنما فعله؛ لأنه كان في أول الإسلام، ولم يكن بُدُّ من الدعوة العامّة، وقد نَهَى، وقال: ((لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ))، وهو حديث صحيح، وقال العلماء: ولا يُمَكَّن المشركون من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى. قال العينيّ كَّتُهُ: كلام الخطابيّ أصوب؛ لأنه يلزم من كلام ابن بطال النسخ، ولا يلزم من كلام الخطابيّ، والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. انتهى(١). ١١ - (ومنها): أن فيه دعاءَ الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبله حرام، إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهب الشافعيّ، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في هذه المسألة في أوائل ((كتاب الجهاد))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين، ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جُعلت الخلفاء من قريش؛ لأن (١) ((عمدة القاري)) ١ / ١٦٨ - ١٦٩. ٥٩ (٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ نَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨) عادة الناس أن يطيعوا ويسمعوا لمن كان نسيباً حسيباً، ولا يأنفون عنه، فتجتمع به كلمة المسلمين، ولأنهم أحوط من أن يدنّسوا أحسابهم، وقد قال الحسن البصريّ: حدِّثوا عن الأشراف؛ فإنهم لا يرضون أن يدنّسوا شرفهم بالكذب، ولا بالخيانة(١) . ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً لجمهور الأصوليين: أن للأمر صيغةً معروفةً؛ لأنه أتى بقول: ((اعبدوا الله)) في جواب: ((ما يأمركم))، وهو من أحسن الأدلّة؛ لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مُقَرّراً له، ومذهب بعض أصحاب الشافعيّ أنه مشترك بين القول والفعل بالاشتراك اللفظيّ، وقال آخرون: بالاشتراك المعنويّ، وهو التواطؤ، بأن يكون القدر المشترك بينهما على ما عُرِف في الأصول، قاله في ((العمدة))(٢) ٠ ١٤ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز مسّ المُحْدِث، والكافر كتاباً فيه آية، أو آيات يسيرة من القرآن، مع غير القرآن. ١٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ البلاغة، والإيجاز، وتحري الألفاظ الْجَزْلة في المكاتبة، فإن قوله: ((أسلم تسلم)) في نهاية الاختصار، وغاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس. ١٦ - (ومنها): جواز المسافرة إلى أرض الكفار. ١٧ - (ومنها): جواز البعث إليهم بالآية من القرآن، ونحوها. ١٨ - (ومنها): أن من كان سبباً لضلالة، أو مَنْع هداية كان آثماً، متحمّلاً لأوزار من تبعوه في ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُنَّ أَثْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ١٣]، وعن أبي هريرة ربه أن رسول الله وَ ل قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً))، رواه مسلم. (١) ((التوضيح)) لابن الملقّن تَفُهُ ٤١٣/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ١٦٩/١. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ١٩ - (ومنها): أن الكذب مهجور، وعيب في كل أمة. ٢٠ - (ومنها): أنه يجب الاحتراز عن العدوّ؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يكذب على عدوّه. ٢١ - (ومنها): أن الرسل لا تُرسَل إلا من أكرم الأنساب؛ لأن من شَرُف نسبه كان أبعد من الانتحال لغير الحقّ، ومثله الخليفة ينبغي أن يكون من أشرف قومه. ٢٢ - (ومنها): البيان الواضح أن صدق رسول الله وَلغيره، وعلاماته كان معلوماً لأهل الكتاب علماً قطعيّاً، وإنما تَرَكَ الإيمان مَنْ تَرَكه منهم عناداً، أو حسداً، أو خوفاً على فوات مناصبهم في الدنيا . ٢٣ - (ومنها): أن الإمام، وكلّ من حاول مطلباً عظيماً إذا لم يتأسّ بأحد تقدّمه من أهله، ولا طلب رئاسة سلفه كان أبعد للظنّة، وأبرأ للساحة. ٢٤ - (ومنها): أن من أخبر بحديث، وهو معروف بالصدق قُبِل منه، بخلاف ضدّه(١)(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٥٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنَهُ حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ قَبْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ؛ شُكْراً لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ))، وَقَالَ: ((إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ))، وَقَالَ: ((بِدَاعِيَةِ الإِسْلَام))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل (١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٧/١ - ١٧٠. (٢) راجع: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) للعلامة ابن الملقّن كتلثم ٤١٣/٢ - ٤٢٤ و((عمدة القاري)) للعلامة العينيّ تَذْتُهُ ١/ ١٦٧ - ٠١٧٠