Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٥) - بَابُ الأَمْرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُصُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٠) ٢ - (ومنها): جواز التعرّض لسؤال الناس، وإن كانت له راحلة، وعليه ثياب. ٣ - (ومنها): أمرُ كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج. ٤ - (ومنها): أنه يكفي في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء، وتعريضه من غير سؤال، وهذا معنى قوله: ((فجعل يصرف بصره))؛ أي: متعرّضاً لشيء يدفع به حاجته، قاله النوويّ(١). ٥ - (ومنها): مواساة ابن السبيل، والصدقة عليه، إذا كان محتاجاً، وإن كانت له راحلة، وعليه ثياب، أو كان موسراً في وطنه، فيعطي من الزكاة في هذه الحال. ٦ - (ومنها): أن لوليّ الأمر أن يجعل التبرّع واجباً عند الحاجة، ومثله النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، والنهي عن كراء الأرض، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٥١٠] (١٧٢٩) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ - يعني: ابْنَ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ - حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ، حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ، فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا، فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعاً، فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزُرَهُ، كَمْ هُوَ؟، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةٍ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: ((فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟))، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَح، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((فَرِغَ الْوَضُوءُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٢. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٠/٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ) الْجُرشيّ، أبو محمد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ له أفراد [٩] (خ م « ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقة في غير يحيى بن أبي كثير، ففيه اضطراب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)» ١٥٥/١٢. ٤ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، أو أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١١٩) وهو ابن (٧٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. ٥ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ المشهور، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأنه مسلسل بالتحديث. شرح الحديث: عَن سَلَمَةَ بن الأكوع ◌َظُه أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ فِي غَزْوَةٍ) لم تُسمّ، ويَحْتَمل أن تكون غزوة تبوك؛ لأنه تقدّم في ((كتاب الإيمان)) من حديث أبي هريرة ربه مثل هذا، وفيه: ((لمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ، قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا ... )) الحديث، (فَأَصَابَنَا جَهْدٌ) بفتح الجيم: هو المشقّة، (حَتَّى هَمَمْنَا) بفتح الميم الأولى، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمّاً، من باب نصر: إذا أردته، ولم تفعله(١). (أَنْ نَنْحَرَ) من باب نفع، (بَعْضَ ظَهْرِنَا)؛ أي: مركوبنا، وفي رواية البخاريّ: ((فأتوا النبيّ وَّر في نحر إبلهم، فأَذِن لهم، فلقيهم عمر، فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النبيّ وَّر، فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ (١) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢. ٢٨٣ (٥) - بَابُ الأَمْرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُضُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٠) فقال رسول الله يقول: ((ناد في الناس، فيأتون بفضل أزوادهم ... )) الحديث. فدلّ على أنه ◌َ﴿ أذن لهم في نحر نواضحهم، إلا أن عمر رظ ◌ُبه أشار عليه و ﴿ بأن لا ينحروها، بل يدعو وبيّر على أزوادهم حتى تحصل لهم البركة، فأجابه ولي إلى ذلك. (فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ وَ﴿)؛ أي: بجمع الأزواد (فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا) قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في بعض النسخ، أو أكثرها، وفي بعضها: ((أزوادنا))، وفي بعضها: ((تزوادنا)) بفتح التاء، وكسرها. (فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعاً) هو المتّخذ من الأديم، معروف، وفيه أربع لغات: فتح النون، وكسرها، ومع كلّ واحد فتح الطاء، وسكونها، والجمع: أنطاعٌ، ونُطُوعٌ، وأفصحهنّ كسر النون، وفتح الطاء (١). وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فجمعنا أزوادنا)) هذه الرواية الواضحة المحفوظة، وقد وقع لبعضهم: ((تزوادنا)) بالتاء باثنتين من فوقها، بفتح التاء وكسرها، وهو اسم من الزاد؛ كالتِّسيار، والتمثال، ووقع لبعضهم: ((مزاودنا))، والأول أوجه، وأصح. انتهى(٢). (فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النَّطَعِ، قَالَ) سلمة ◌َهِ: (فَتَطَاوَلْتُ لَأَخْزُرَهُ) بضمّ الزاي، وكسرها، يقالَ: حزرت الشيءَ حزراً، من بابي ضرب، ونصر: إذا قدّرته، والمعنى: أنه مدّ عنقه ليقدّر مبلغ ذلك الزاد المجتمع على النطع، (كَمْ هُوَ؟ فَحَزَرْتُهُ)؛ أي: قدّرته (كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ)؛ أي: كمَبْرَكها، أو كقَدْرها، وهي رابضة، قال القاضي عياض: الرواية بفتح الراء، وحكاه ابن دُريد بکسرها، ذكره النوويّ. وقال القرطبيّ تَخْذُ: قوله: ((فحزرته كربضة العَنْز))؛ أي: قَدَّرته مثل جُثَّة العنز، فحقُّه على هذا أن يكون مضموم الراء؛ لأنَّه اسم، وكذلك حفظي عمَّن أثق به، فيكون: كظُلْمة، وغُرْفة، وقد روي بكسر الراء، ذُهب فيه مذهب الهيئات، كالْجِلسة، والمشية، وقد روي بفتح الراء، وهي أبعدُها؛ لأنَّه حينئذ (١) ((المصباح المنير)) ٦١١/٢ بزيادة من ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٢. (٢) ((المفهم)) ٢٠٢/٥ - ٢٠٣. ٢٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة يكون مصدراً، ولا يُحْزَر المصدر، ولا يُقدَّر. انتهى (١). (وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً)؛ أي: ألفاً وأربعة عشر شخصاً، (قَالَ) سلمة : (فَأَكَلْنَا)؛ أي: من ذلك الزاد (حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ حَشَوْنَا)؛ أي: ملأنا (جُرُبَنَا) بضم الجيم، والراء، ويجوز تسكين الراء: جمع جراب بكسر الجيم على المشهور، ويقال: بفتحها، هي الأوعية التي يُجعل فيها الزاد، وتُسمّى أيضاً مزاود. قاله النوويّ، والقرطبيّ(٢). (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ: ((فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟)) بفتح الواو؛ أي: هل يوجد ماء للوضوء؟، وقال النوويّ: الوضوء بفتح الواو، على المشهور، وحُكي ضمّها، وسبق بيانه في كتاب الطهارة))(٣). (قَالَ) سلمة: (فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة: الْمِظْهرة، وجمعها الأَدَاوى، بفتح الواو، (لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ) بضمّ النون؛ أي: قليل من الماء، قاله النوويّ تَخَّْثُ، وقال القرطبيّ تَخْتُ: ((النطفة)): القطرة، ومراده بها هنا: القليل من الماء، يقال: نَطَّف الماء يَنْطُفُ؛ أي: قطر. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: النّظفة: ماء الرجل والمرأة، وجمعها نُطَفٌ، ونِطَاف، مثلُ بُرْمة وبُرَم، وبِرَام، والنُّطفة أيضاً: الماء الصافي، قلّ، أو كثُر، ولا فِعل للنطفة؛ أي: لا يُستعمل لها فعل من لفظها. انتهى(٥). (فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَح) بفتحتين: إناء معروف، والجمع: أقداح، مثلُ سبب وأسباب، (فَتَوَضَّأُنّا كُلَّناً) بالرفع على التوكيد، كما قال في ((الخلاصة)): و((كُلّ)) اذْكُرْ فِي الشُّمُولِ و((كِلَا)) ((كِلْتَا)) ((جَمِيعاً)) بِالضَّمِيرِ مُوصَلَا (نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً)؛ أي: نأخذ منه، ونصبّه على أيدينا صبّاً شديداً، قال المجد رَّقُ: دَغْفَقَ الماءَ: صبّه صبّاً كثيراً، والمطرُ: اشتدّ في بُداءته، وعَيشٌ دَغْفَقٌّ: واسعٌ، وعامٌ دَغْفَقُ، ومُدَغْفِقٌ: مُخْصِبٌ. انتهى (٦). (١) ((المفهم)) ٢٠٣/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٢، و((المفهم)) ٢٠٣/٥. (٤) ((المفهم)) ٢٠٣/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٢. (٥) (شرح النوويّ)) ٣٤/١٢، و((المصباح المنير)) ٦١١/٢. (٦) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٥. ٢٨٥ (٥) - بَابُ الأَمْرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُصُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٠) وقوله: (أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً) خبر لمحذوف؛ أي: نحن أربع عشرة مائة. (قَالَ) سلمة ◌َظُه: (ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ)؛ أي: من الناس، (فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَرِغَ الْوَضُوء))) بفتح الواو، كما تقدّم؛ أي: انتهى ماء الوضوء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: ـه هذا بهذا السياق من (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع أفراد المصنّف نَّلهُ . وأخرجه البخاريّ ◌َُّهُ بسياق آخر، فقال: (٢٩٨٢) - حدّثنا بشر بن مرحوم، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة به قال: خَفَّت أزواد القوم، وأملقوا، فأتوا النبيّ وَّ في نحر إبلهم، فَأَذِن لهم، فلقيهم عمر، فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إيلكم؟ فدخل على النبيّ ◌َّ، فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله وَلّ: «نَادِ في الناس، فيأتون بفضل أزوادهم))، فبُسِط لذلك نِطَع، وجعلوه على النِّطَع، فقام رسول الله وَله، فدعا، وبَرَّك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتثى الناس، حتى فرغوا، ثم قال رسول الله وَليه: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)). انتهى(١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥١٠/٥] (١٧٢٩)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦٦٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٤/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حسن خُلُق النبيّ مَله، حيث اهتمّ لأصحابه، وأمرهم أن يجمعوا ما بقي من أزوادهم. ٢ - (ومنها): جواز المشورة على الإمام بالمصلحة، وإن لم يتقدّم الاستشارة منه. (١) (صحيح البخاريّ)) ٨٧٩/٢. ٢٨٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة ٣ - (ومنها): استحباب المواساة في الزاد، وجَمْعه عند قلّته. ٤ - (ومنها): جواز أكل بعضهم مع بعض في هذه الحالة، وليس هذا من الربا في شيء، وإنما هو من نحو الإباحة، وكل واحد مبيح لرُفْقته الأكل من طعامه، وسواء تحقق الإنسان أنه أكل أكثر من حصته، أو دونها، أو مثلها، فلا بأس بهذا، لكن يستحب له الإيثار، والتقلّل، لا سيما إن كان في الطعام قلّة، قاله النوويّ ◌َخْذُهُ(١). ٥ - (ومنها): ما قال ابن بطّال ◌َّلهُ: استنبط منه بعض الفقهاء أنه يجوز للإمام في الغلاء إلزام من عنده ما يفضل عن قوته أن يُخرجه للبيع؛ لِمَا في ذلك من صلاح الناس(٢). ٦ - (ومنها): أن فيه معجزتين ظاهرتين لرسول الله صلفر، وهما تكثير الطعام، وتكثير الماء، هذه الكثرة الظاهرة، قال المازريّ: في تحقيق المعجزة في هذا أنه كلما أُكِل منه جزء، أو شُرب جزء خلق الله تعالى جزءاً آخر يخلفه. قال: ومعجزات النبيّ وَل ـ ضربان: أحدهما: القرآن، وهو منقول تواتراً. والثاني: مثل تكثير الطعام والشراب، ونحو ذلك، ولك فيه طريقان: أحدهما: أن تقول: تواترت على المعنى، كتواتر جود حاتم طيئ، وحلم الأحنف بن قيس، فإنه لا يُنقَل في ذلك قصة بعينها متواترة، ولكن تكاثرت أفرادها بالآحاد حتى أفاد مجموعها تواتر الكرم، والحلم، وكذلك تواتر انخراق العادة للنبيّ وَّه بغير القرآن. والطريق الثاني: أن تقول: إذا روى الصحابيّ مثل هذا الأمر العجيب، وأحال على حضوره فيه، مع سائر الصحابة، وهم يسمعون روايته، ودعواه، أو بلغهم ذلك، ولا ينكرون عليه، كان ذلك تصديقاً له، يوجب العلم بصحة ما قال(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٢. (٢) راجع: ((شرح البخاريّ)) لابن بطال كتّثهُ ١٤٤/٥. (٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٢. ٢٨٧ ٣١ - كتابُ الجهاد والسِّيَر ٣١ - (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسّيّرِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في معنى الجهاد لغة وشرعاً: قال في ((العمدة)): ((الجهاد)) - بكسر الجيم -: أصله في اللغة: الجُهد، وهو المشقة، وفي الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، والجهاد في الله: بذل الجهد في إعمال النفس وتدليلها في سبيل الشرع، والحمل عليها مخالفة النفس من الركون إلى الدَّعَة واللذات، واتباع الشهوات. انتهى(١). وقال ((الفتح)): ((الجهاد)) - بكسر الجيم - أصله لغةً: المشقة، يقال: جهدت جهاداً: بلغت المشقة، وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار، ويُطلق أيضاً على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس: فعلى تعلّم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان: فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار: فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب، وأما مجاهدة الفساق: فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وقد روى النسائيّ من حديث سَبْرَة - بفتح المهملة، وسكون الموحدة - ابن الفاكه - بالفاء، وكسر الكاف، بعدها هاء - في أثناء حديث طويل، قال: ((فيقول - أي: الشيطان يخاطب الإنسان - تجاهد، فهو جهد النفس، والمال))، والله تعالى أعلم (٢). (١) ((عمدة القاري)) ٧٨/١٤. (٢) ((الفتح)) ٣٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٢). ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير و((السير)) - بكسر السين المهملة، وفتح التحتانية -: جمع سيرة، وأُطلق ذلك على أبواب الجهاد؛ لأنها متلقاة من أحوال النبيّ وَّر في غزواته. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم: هل كان الجهاد أولاً فرضَ عين، أو كفاية؟ قال ((الفتح)): وللناس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبيّ وَلِ 9، والأخرى بعده، فأما الأولى فأول ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقاً، ثم بعد أن شُرع، هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ. وقال الماورديّ: كان عيناً على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كل من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام. وقال السهيليّ: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبيّ وَ﴿ ليلة العقبة على أن يؤوا رسول الله وَ له، وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عيناً على الطائفتين، كفايةً في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك. وقيل: كان عيناً في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ وَّ دون غيرها . والتحقيق أنه كان عيناً على من عيّنه النبيّ وَّ في حقه، ولو لم يخرج. الحال الثاني: بعده وَ*، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَدْهم العدوّ، ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السَّنَة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السَّنَة أكثر من مرة اتفاقاً، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ، والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ ◌َّ ه إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذِكره، والتحقيق أيضاً أن جنس جهاد الكفار متعيّن على كل مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه، ٢٨٩ ٣١ - كتاب الجهاد والسير والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)»(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة)(٢): في بيان غرض الجهاد: (اعلم): أنه لم يُشرع الجهاد إلا لإعلاء كلمة الله رَك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]؛ أي: ليُعلي الدين الإسلاميّ على الأديان كلها، فالهدف من تشريع الجهاد هو إعزاز الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وكسر شوكة الكفار وأهل الظلم. وقد تفوّه اليهود والنصارى من أهل الغرب، وأثاروا الشغب في القرن الماضي ضدّ أحكام الجهاد بأنه طريق لإكراه الناس على قبول الإسلام، وأن المسلمين قد نشروا دينهم بالسيف والسلاح، دون الحجة والبرهان، ومن أجل ذلك هجموا على بلاد الكفّار؛ ليكرهوهم بالسيف على قبول دينهم، ولم تكن عندهم دعوة للإسلام إلا بالسيف والقتال، وكلّ هذا جهل، أو تجاهل عن حقيقة الجهاد الشرعيّ، وعلاقته بالدعوة الإسلاميّة. والواقع أن الجهاد لم يشرع لإكراه الناس على قبول الإسلام، ولكنه إنما شُرع لإقامة حكم الله في الأرض، ولكسر شوكة الكفّار التي لم تزل في التاريخ أقوى سبب لشيوع الظلم، والفتنة، والفساد، وأكبر مانع عن قبول الحقّ، والإصغاء إلى الدعوة الإسلاميّة، ولو كان الجهاد هدفه إكراه الناس على الدين لَمَا شُرعت الجزية لإنهاء الحرب، وإن مشروعيّة الجزية من أوضح الدلائل على أنه ليس إكراهاً على قبول الدين، ولم يُرو في شيء من حروب الجهاد على كثرتها عبر التاريخ أن أحداً من الكفّار أُكره على قبول الإسلام بعدما افتتح المسلمون بلداً من البلاد، وإنما تُرك الكفّار وما يدينون بكلّ رحابة صدر، ثم جاءت الدعوة الإسلاميّة مصحوبة بالحجة والبرهان، وبالسير الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الجاذبة، فتسارع الكفّار إلى الإسلام بعد اقتناعهم بحقيّته، واستيقانهم بحسن تعاليمه، دون أن يُكرههم أحد على ذلك، (١) ((الفتح)) ٩١/٧ - ٩٢، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٢٥). (٢) من هذه المسألة الثالثة إلى آخر المسائل منقول من كتاب ((تكملة فتح الملهم)) ٣/ ١٤. ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وإنما شُرع الجهاد لتعلو كلمة الله على أرض الله تعالى، ويكون لها العزّ والمنعة، وليكسر شوكة الجبّارين الذين يستعبدون عباد الله بأحكامهم، وقوانينهم المنبثقة من آرائهم، ويأبون أن يقام حكم الله تعالى في أرضه، ويشيعون بقوّةٍ حُكْمهم كلّ ظلم، ومنكر، وفساد. ولكن طائفة من المنتمين إلى الإسلام المولَعين بأفكار الغرب المُغْرَمين بمبادئه ونظريّاته والمنهزمين دائماً أمام اعتراضاته التي لا تنتهي إلى حدّ، بدل أن تفهم حقيقة الجهاد، وأن الكفّار لا يرضون منه أبداً، جعلت تعتذر أمامهم بأعذار انهزاميّة سخيفة، وصارت تحرّف من أجلها النصوص، فتقول: إن الجهاد لم يُشرع إلا للدفاع عن الوطن الإسلاميّ ضدّ عدوّ هاجم عليه، ولا يجوز ابتداء القتال ضدّ دولة كافرة لا تهجم على دار الإسلام. وإن هذا القول قول مبتدَع لا أصل له في الكتاب، والسُّنَّة، ولا عهد به في تاريخ الجهاد، ولا سند له في الفقه الإسلاميّ طوال أربعة عشر قرناً، ولكنه قد انخدع به كثير من الناس في العصر الحاضر، والله تعالى المستعان(١). (المسألة الرابعة): في بيان مراحل تشريع الجهاد: (اعلم): أن الجهاد مرّت عليه مراحل منذ بداية الإسلام، ولم يصل إلى حكمه النهائي إلا بعد مروره على تلك المراحل: (المرحلة الأولى): هي الصبر على أذى المشركين، مع الاستمرار في دعواهم إلى الدين الحقّ، ونهي النبيّ بَّرَ، وأصحابه عن القتال، وقد تكرّر بيان هذه المرحلة في القرآن الكريم مدّة إقامته وتلقي بمكة، فقال تعالى: [الحجر: ٩٤]، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ ٩٤ ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأعراف: ١٩٩]، وقال رسول الله وَل ١٩٩ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ لأصحابه في هذه المدّة: ((إني أمرتُ بالعفو، فلا تقاتلوا)) الحديث(٢)، أخرجه النسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم في ((المستدرك))، وقال: على شرط البخاريّ، (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤/٣ - ٥. (٢) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) ٣/٣، والبيهقيّ في ((الكبرى)) ٩/ ١١، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٠٧/٢. ٢٩١ ٣١ - كتاب الجهاد والسير وسكت عليه الذهبيّ. وقال القرطبيّ كَّثُ في (تفسيره)): ولم يُؤْذَن للنبيّ وَّ في القتال مدّة إقامته بمكة. انتهى(١) . (المرحلة الثانية): إباحة القتال، دون أن يُفرض ذلك على المسلمين، وفي هذه المرحلة نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللّهَ عَلَى الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (® دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ [الحج: ٣٩، ٤٠]. اللّهِ كَثِيرَأْ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ قال ابن كثير تَخُّْ في تفسير هذه الآية: وقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستَدَلّ بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنيّة. انتھی (٢) (المرحلة الثالثة): فرض القتال على المسلمين لمن ابتدأهم بالقتال فقط، دون أن يبتدءوا به ضدّ أعدائهم، وفي هذه المرحلة نزل قوله تعالى في ((سورة البقرة)): ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اَلْمُعْنَدِينَ ﴾، وقوله تعالى في ((سورة النساء)): ﴿فَإِنِ أَعْتَزَلُوكُمْ فَ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا ١٩٠ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ٩٠ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُزْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُّواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ وَيَكُفُواْ أَيَِّيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُّلُوهُمْ حَيْثُ تَقِقْتُمُوهُمْ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا مُبِينًا (المرحلة الرابعة): قتال جميع الكفّار على اختلاف أديانهم، وأجناسهم ابتداءً، وإن لم يبدءوا بقتال المسلمين حتى يُسلموا، أو يدفعوا الجزية؛ كسراً الشوكة الكفر، وإعزازاً للدين، وإعلاء لكلمة الله تعالى، وبدأت هذه المرحلة بعد انقضاء أربعة أشهر من حجّ العام التاسع الذي تَرَأْسَه أبو بكر الصدّيق مضرعنه ، وقد وقع إعلان هذه المرحلة في ذلك الحجّ بلسان عليّ رَظُه، ومن معه، وقد ذكره الله رَّك مفصّلاً في ((سورة التوبة))، وفيها يقول: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ اَلْهُمُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٨/٣. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ٤٣/٥. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٥ [التوبة: ٥]، وقال فيها أيضاً: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَّوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ [التوبة: ٢٩]. ٢٩ حَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ وقال تعالى في ((سورة الأنفال)): ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) [الأنفال: ٣٩]. قال الإمام الشافعيّ تَخْدَتُهُ: وأنزل الله فيما يُثبّته به إذا ضاق من أذاهم: (١) فَسَبِّحْ بِحَمّدٍ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. ففرض عليه إبلاغهم ٩٩ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَّكَ اَلْيَقِينُ وعبادته، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه .... ثم أَذِن الله لهم بالجهاد .... ثم أذن لهم بأن يبدءوا المشركين بقتال، بمعنى أبانه في كتابه، قال الله رَّ: ﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ الآية [الحج: ٣٩]، وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في كتابه، فقال: ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٠]، ولمّا مضت لرسول الله وَ لقوله مدّة من هجرته أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله مك قوّة بالعدد، لم يكن قبلها، ففرض الله وَك عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحةً، لا فرضاً، فقال تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]. انتهى(١). وقال شمس الأئمة السرخسي تَّثُ في ((المبسوط)): وقد كان رسول الله وَله مأموراً في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين، قال الله تعالى: ﴿فَأَصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، ثم أُمِر بالقتال إذا كانت البداية منهم، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ﴾ [الحج: ٣٩]؛ أي: أُذن لهم في الدفع، وقال تعالى: ﴿فَإِن قَلُكُمْ فَقْتُلُوهُ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَا﴾. [الأنفال: ٦١]، ثم أمر بالبداية بالقتال، فقال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ (١) راجع: ((أحكام القرآن)) للشافعيّ ٩/٢ - ١٩. ٢٩٣ ٣١ - كتاب الجهاد والسير [البقرة: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال رسول الله ﴾: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))، متّفق عليه، فاستقرّ الأمر على فرضيّة الجهاد مع المشركين، وهو فرض قائم إلى قيام الساعة. انتهى(١). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْشُهُ في كتابه ((الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)): فكان النبيّ ◌َ ﴿ في أول الأمر مأموراً أن يجاهد الكفّار بلسانه، لا بيده، فيدعوهم، ويَعِظهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن، وكان مأموراً بالكفّ عن قتالهم؛ لِعَجْزه وعَجْز المسلمين عن ذلك، ثم لمّا هاجر إلى المدينة، وصار له بها أعوان أُذن له في الجهاد، ثم لما قووا كُتب عليهم القتال، ولم يُكتب عليهم قتال مَنْ سالَمَهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفّار، فلما فتح الله مكة، وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أمره الله تعالى بقتال الكفّار كلهم إلا من كان له عهد مؤقّت، وأَمَره بنبذ العهود المطلقة. انتهى(٢). وبمثل ذلك قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)) (٣٧١/١ - ٣٧٢)، وابن القيّم في ((زاد المعاد)) (١٦٠/٣) وغيرهم من علماء السلف. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء هل المراحل الأُوَلُ منسوخة أم لا؟ : ادّعى بعضهم أن كلّ مرحلة جديدة نَسَخت حكم ما قبلها، فالمراحل الثلاث الأول منسوخة اليوم، وإنما الباقية اليوم هي المرحلة الأخيرة، وهي الرابعة فقط . وخالفهم آخرون، فقالوا: إن المراحل الأُوَل ليست منسوخة، وإنما هي مرتبطة بحالة مخصوصة، كلما دعت حاجة عادت أحكامها، وممن قال بهذا بدر الدين الزركشيّ ◌َخْثُهُ، فإنه قال: إنه ليس في مراحل الجهاد نَسْخ، بل يُعمل (١) ((المبسوط)) لشمس الأئمة السرخسيّ ٢/١٠. (٢) ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) ٧٤/١. ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بكلّ مراحله عند الحالة المشابهة للحالة التي شُرعت فيها، قال تَخْلَثُ في كتابه ((البرهان في علوم القرآن)): قسّم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب ... الثالث ما أُمر به لسبب، ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف، والقلّة بالصبر، والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله ونحوه، من عدم إيجاب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نَسَخها إيجاب ذلك. قال: وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو مُنْسَأ، كما قال تعالى: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كلّ أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلّة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبداً. انتهى كلام الزركشيّ تَخْذُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، خلاصته أنه ليس في آيات القتال نسخ، وإنما ينزّل كلّ آية في مواضعه المناسبة لها، فإذا كان حال المسلمين ضعيفاً استُعملت الحالة، وهي ترك القتال، وإذا كانت قويّة استعملت الأحوال الثلاثة بعدها، على اعتبار شدة القوة، وعدم شدّتها، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): في الفرق بين جهاد الدفع، وجهاد الابتداء من حيث الحكم : أما جهاد الدفع ففرض عين، وذلك إذا هجم العدوّ على ثغور المسلمين، قال أبو بكر الجصّاص تَخُّْ في ((أحكام القرآن)): ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدوّ، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم، وذراريهم أن الفرض على كافّة الأمة أن ينفر إليهم من يكفّ عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة؛ إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين، (١) ((البرهان في علوم القرآن)) ٤١/٢ - ٤٢. ٢٩٥ ٣١ - كتاب الجهاد والسير وسبي ذراريّهم. انتهى (١). وأما جهاد الابتداء فالجمهور على أنه فرض كفاية بشرط الاستطاعة، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن يتطوّعوا بذلك، وروي عن بعض الصحابة والتابعين أنهم قائلون بكونه فرض عين، كما في ((فتح الباري))(٢)، و((تفسير ابن كثير))(٣). وقال الحافظ في ((الفتح))(٤) في ((باب وجوب النفير)): ثم بعد أن شُرع، هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ ... إلى آخر ما تقدّم من عبارته في المسألة الثانية، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة السابعة): في بيان الغرض من جهاد الابتداء: إذا تبيّن ما تقدّم فإن جهاد الابتداء ليس إكراهاً للناس على قبول عقيدة الإسلام، وإنما هو جهد إقامة حكم الله في أرضه، وذلك أن الإسلام ليس مجموعة من العقائد والعبادات فقط شأن غيره من الأديان، وإنما هو حكم الله في جميع شئون الحياة، ودعوته دعوة انقلابيّة، لا إلى العقائد فقط، وبل وإلى إقامة العدل الذي شرعه لعباده في الأرض، ومن أهدافه إخلاء العالم من الظلم، والجور، والفساد، وإقامة العدل في الأرض بتحكيم شريعة الله فيها، وإن الإسلام غاية ما يتحمّل عن الكفّار أن يبقَوا على عقيدتهم إن أصرّوا على ذلك، ولكنه لا يرضى أبداً أن يستعبدوا عباد الله بتحكيم قوانينهم المنبثقة عن آرائهم، وأهوائهم الفاسدة التي تستبيح الظلم والجور، أو تُشيع الخلاعة والفحشاء، أو تُفسد طباع الناس، وتسدّ مسامعهم عن قبول الحقّ والرشاد، فلذلك جعل الإسلام هدف جهاد الابتداء أحد الأمرين: إما تعتنق البلاد الكافرة الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، وحينئذ يُتركون على عقيدتهم، ولكنهم لا يتركون لينفّذوا في الأرض قوانينهم على عباد الله، وإنما تكون الأرض تابعة (١) راجع: ((أحكام القرآن)) للجصّاص ١١٤/٣. (٢) راجع: ((الفتح)) ٧/ ٩١. (٤) ((الفتح)) ٧/ ٩١ - ٩٢. (٣) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٤/ ٩٧. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير لحكم الله تعالى، وأحكام الإسلام، ثم يترك الكفّار، وما يدينون في حياتهم الانفراديّة، وإنما يؤدّون الجزية، وهي مبلغ يسير من المال؛ لأن الحكومة الإسلاميّة تقوم بحفظ أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم. وإن هذا الهدف هو الذي بيّنِه الله ◌َ في قوله رَكْ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩]. بَصِيرٌ قال الإمام ابن جرير الطبريّ تَخُّْ في تفسير هذه الآية: فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة. انتهى(١). وهذا الهدف هو الذي باح به ربعيّ بن عامر طلبه أمام رستم حين هجم المسلمون فارس، وسأله رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا؛ لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ذكره ابن كثير كَّتُهُ في ((تاريخه))(٢). فإن قبل الكفّار إقامة حكم الله على العباد، وخضعوا له بأداء الجزية، فقد حصل مقصود الجهاد، وحينئذ لا يُكرهون على قبول عقيدة الإسلام على حدّ السيف والسلاح، وإنما يُتركون على عقيدتهم حتى يقتنعوا بحقيّة الإسلام، ويرغبوا بأنفسهم إلى اعتناقه بالأعين المفتوحة، وإليه يشير الله لا حيث يقول: ﴿قَائِلُواْ أَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الَّخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حََّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ [التوبة: ٢٩]. (٢٩) صَغِرُونَ (المسألة الثامنة): في ذكر أدلة من قَصَر الجهاد على الدفع فقط، و تفنيدها : (اعلم): أن كلّ ما ذكرناه من حقيقة الجهاد، وأحكامه، وأهدافه مستنبط من القرآن والسُّنَّة، وأقوال السلف الصالحين، وهو الذي ظلّ المسلمون يعتقدونه في أمر الجهاد، ويعملون بمقتضاه طوال ثلاثة عشر قرناً من تاريخهم، (١) (تفسير ابن جرير)) ١٣/ ٥٣٧. (٢) ((البداية والنهاية)) ٣٩/٧. ٢٩٧ ٣١ - كتاب الجهاد والسير وصارت مشروعيّة الجهاد بأقسامه كلمة إجماع فيما بينهم، لم يختلف فيه اثنان، ولا ظهر فيه رأيان. ولكن ظهر في القرن الرابع عشر رجال أرادوا تطبيق الإسلام على النظريّات والأفكار الغربيّة، فحاولوا في كثير من المسائل أن يبتدعوا في الفقه الإسلاميّ آراء موافقة لأهواء أهل الغرب، ويُلقموها في فم النصوص الشرعيّة كُرهاً؛ إرضاء للمستعمرين، والمستشرقين وقد قال الله رقم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ اَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتّى تَّعَ مِلَتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَلَيِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ [البقرة: ١٢٠]. الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِّ وَلَا نَصِيرٍ ( فابتدع هؤلاء في أمر الجهاد بدعة لا سلف لهم فيها، وهي أن الجهاد في الإسلام الدفاع فقط، وأن المسلمين لا يجوز لهم أن يغزوا الكفّار لأجل إخضاعهم لسلطان الإسلام، وإعلاء كلمة الله على كلمتهم، إلا إذا سبق الكفّار بالاعتداء على المسلمين. قال صاحب ((التكملة))(١): وأول ما ظهر هذا الرأي المبتدع ـ فيما نعلم - على أيدي تلاميذ المدرسة العقليّة الحديثة التي من أشهر رجالها المفتي محمد عبده، ورشيد رضا، وجمال الدين الأفغانيّ في البلاد العربيّة، وسر سيّد أحمد خان وجراغ علي، وأمثالهما في الهند، وقد حذا حذوهم في هذه المسألة الأستاذ شبلي النعماني صاحب ((سيرة النبيّ وَي) أيضاً، وقد تأثّر بهذا الرأي المبتدع كثير من الكتّاب المعاصرين في البلاد الإسلاميّة، ولكن قام في الوقت نفسه فحول العلماء في كلّ بلد وقُطر للردّ على هذه النظريّة بأدلّة مقنعة، وحُجج بيّنة، لا محيص لإنكارها. وإن أكبر ما استندوا إليه من هذا الرأي المبتدَع الآيات التي تبيح للمسلمين السلم والصلح، أو تأمرهم بالجهاد عند اعتداء الكفّار، مع أننا قد فصّلنا في تاريخ تشريع الجهاد أنها آيات مرحليّة تفيد مشروعيّة الجهاد في حالة مخصوصة، ولا تنفي مشروعيّته في حالة أخرى. فمثلاً إنهم يستدلّون بقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ (١) (تكملة فتح الملهم)) ١٢/٣. ٢٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [البقرة: ١٩٠] مع أننا أسلفنا أن ١٩٠ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ هذه الآية إنما تفيد مشروعيّة المرحلة الثالثة في بداية الإسلام حين كانت الدولة الإسلاميّة في حالة الضعف، فأوجب الله عليهم قتال من قاتلهم، دون من لم يبدأهم بالقتال، وقد جزم بذلك الإمام الشافعيّ تَظْتُهُ في عبارته التي أسلفناها عنه . وقال بعض آخر من المفسّرين: إنها نزلت في النساء والذريّة؛ أي: لا تقاتلوا إلا من يقاتل، وهم الرجال البالغون، أما النساء والذريّة، والرهبان، فلا يجوز قتالهم؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال، وهذا تفسير قويّ يؤيّده نهي النبيّ ◌َ﴿ عن قتل النساء والولدان، وأصحاب الصوامع، راجع: ((أحكام القرآن)) للجصّاص تَخْذِفُهُ(١). وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] فالاعتداء هنا معناه كما قال المفسّرون: لا تقاتلوا على غير الدين، ولا تقاتلوا إلا من قاتل، وهم الرجال البالغون، دون النساء والذريّة، والرهبان، فإنه اعتداء، راجع ((أحكام القرآن)) لابن العربيّ كَّتُهُ(٢). وربما يستدلّون بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ. [الأنفال: ٦١] مع أنه مسوق أيضاً لبيان الحكم في حالة هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ضعف المسلمين، قال ابن العربيّ تَخْتُ: إن كان العدوّ كثيفاً، فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلّت هذه الآية، فإذا كان المسلمون على عزّة وقوّة فلا صلح، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُ اَلْأَعْلَوَّنَ﴾ [محمد: ٣٥](٣). وقال أبو بكر الجصّاص تَّتُهُ: فالحال التي أمرنا بالمسامحة حال قلّة المسلمين، وكثرة عدوّهم، والحال التي أمرنا فيها بقتال المشركين، وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية في حالة كثرة المسلمين، وقوّتهم على عدوّهم، وقد (١) ((أحكام القرآن)) للجصّاص ١/ ٢٥٧. (٢) ((أحكام القرآن)) لابن العربيّ ١٠٤/١ - ١٠٥. (٣) ((أحكام القرآن)) لابن العربيّ ٤/ ٨٦٤. ٢٩٩ ٣١ - كتاب الجهاد والسير قال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾ [محمد: ٣٥](١) نهي عن المسالمة عند القوّة على قهر العدوّ. وهناك طائفة أخرى من المفسّرين تفسّر السلم في الآية بالمصالحة على الجزية، قال القرطبيّ تَخْتُ: وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية، وقد صالح أصحاب رسول الله وَ له في زمن عمر رَظله، ومن بعده من الأئمة كثيراً من بلاد العجم على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. انتهى (٢). وقد يستدلّون بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السََّمَ فَمَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] مع أن هذه الآية مرحلة أيضاً، ونزلت في طائفة مخصوصة، فمن المفسّرين من قال: إنها منسوخة نسختها آية البراءة، ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥]، روي ذلك عن ابن عبّاس ﴿مّ، كما في ((تفسير ابن كثير))(٣)، وغيره، ومنهم من قال: إنها مُحْكَمة في حقّ أفراد في جيش الكفّار، اعتزلوا عن القتال، قال ابن كثير: أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون، كالعبّاس، ونحوه، ولهذا نهى النبيّ وَّل عن قتل العبّاس، وأمر بأسره. وبالجملة فجميع الآيات التي يستدلّ بها هؤلاء متعلّقة بحالة مخصوصة في بداية الإسلام، والذي استقرّ عليه أمر الجهاد ما نزل في ((سورة التوبة))، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُ وَأَقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَتَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (٢٩) (١) ((أحكام القرآن)) للجصاص ٨٦٤/٤. (٣) ((تفسير ابن كثير) ٥٣٣/١. (٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٤٠/٨. ٣٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [التوبة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ [التوبة: ١٢٣]. ١٢٣) وَلَيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ فهذه الآيات كلّها تأمر المسلمين بالابتداء بقتال الكفّار، فإنها لم تذكر سبباً لقتالهم إلا كفرهم بالله واليوم الآخر، وعدم تحريمهم ما حرّم الله، ونحو ذلك، ولم تذكر أن سبب قتالهم هو هجومهم على المسلمين، وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، فهي محكمة باقية الحكم إلى قيام الساعة، وعملاً بهذه الأحكام المحكمة قال رسول الله وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله))، وهذا اللفظ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رُه في ((كتاب الإيمان))، وهذا نصّ محكم في شرعيّة جهاد الابتداء، لا يمكن حمله على جهاد الدفاع أبداً. انتهى منقولاً من كتاب ((تكملة فتح الملهم في شرح صحيح الإمام مسلم)) للشيخ محمد تقيّ العثمانيّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُِّ الإِعْلَامِ بِالإِغَارَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥١١] (١٧٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعِ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَّم، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِ لهِ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ - قَالَ يَحْبَى: أَحْسِبُهُ قَالَ -: جُوَيْرِيَةَ، أَوْ قَالَ: الْبَنَّةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ). (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣/٣ - ١٤.