Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(١٠) - بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ - حديث رقم (٤٤٨٨)
٥ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٦ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) القرشيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه
اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] (ت١٤٨) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٠/١٠.
و ((أبو الزناد)) ذُكر قبله.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) يعني: أن موسى بن عُقبة، ومحمد بن
عجلان رويا هذا الحديث عن أبي الزناد بإسناده الماضي، مثل معنى حديث
ورقاء بن عمر عنه.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن أبي زناد ساقها أبو عوانة تَُّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٤١٧) - حدّثنا عليّ ابن المدينيّ الأصبهانيّ، قثنا سُويد بن سعيد، قثنا
حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((بينما امرأتان، ومعهما ابناهما، فجاء الذئب،
فذهب بأحدهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى:
إنما ذهب بابنك، فاختصمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على
سليمان، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بسكين، أشقه بينكما، فقالت الصغرى:
لا - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى))، قال أبو هريرة: والله إن
سمعت بالسكين قد (١) إلا يومئذ، ما كنتُ أقول إلا: المدية. انتهى (٢).
ورواية محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، ساقها البيهقيّ ◌َّثُ في
((الكبرى))، فقال:
(٢١٠٧٨) - أخبرنا أبو حازم الحافظ، ثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد
السلميّ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبديّ، ثنا أمية بن بسطام، ثنا
يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن القاسم، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد،
(١) هو بمعنى قوله السابق «قطّ)).
(٢) («مسند أبي عوانة)) ٤/ ١٧٤.

١٨٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
﴿ُه، عن رسول الله وَله: ((أن امرأتين أكل أحد
عن الأعرج، عن أبي هريرة
ابنيهما الذئب، فجاءتا إلى داود ظلّلا تختصمان في الباقي، فقضى للكبرى،
فلما خرجتا على سليمان فعلها قال: كيف قضى بينكما؟ فأخبرتاه، فقال: ائتوني
بالسكين - قال أبو هريرة : وأول من سمعته يقول: السكين رسول الله وَلټ،
إنما كنا نسميه الْمُدْية - قالت الصغرى: لِمَ؟ قال: لأشقه بينكما، قالت: ادفعه
إليها، وقالت الكبرى: شُقّه بيننا، قال: فقضى للصغرى، وقال: لو كان ابنك
لَمْ ترضين أن تشقيه)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِم بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ)
[٤٤٨٩] (١٧٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُل عَقَاراً لَهُ،
فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً، فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي
اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّ، إِنَّمَا اشْتَرَبْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ
الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا
إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ
الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ،
وَتَصَدَّقَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٦٨/١٠.

١٨٣
(١١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ - حديث رقم (٤٤٨٩)
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
و((أبو هريرة)) ﴿به ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، وقد دخلها للأخذ عن عبد الرزّاق،
وأنه مسلسلٌ بالتحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) تَبِهِ، قد تقدّم
البحث عن هذا الأسلوب الذي التزمه المصنّف فيما يرويه من نسخة همام بن
منبّه المشهورة، فلا تغفل. (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) فاعل ((ذَكَرِ))
ضمير همّام، (مِنْهَا) الجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَليّ)
لأنه محكيّ؛ لقصد لفظه. (اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ) قال الحافظ تَخُّْهُ: لم أقف
على اسمهما، ولا على اسم أحد ممن ذُكِر في هذه القصة، لكن في ((المبتدأ))
لوهب بن منبه أن الذي تحاكما إليه هو داود النبيّ فعلا، وفي ((المبتدأ))
لإسحاق بن بشر أن ذلك وقع في زمن ذي القرنين، من بعض قضاته - فالله
أعلم - وصنيع البخاريّ يقتضي ترجيح ما وقع عند وهب؛ لكونه أورده في ذكر
بني إسرائيل. انتهى(١).
وقوله: (عَقَاراً لَهُ) قال النوويّ كَّتُهُ: العقار: هو الأرض، وما يتّصل
بها، وحقيقة العقار: الأصلُ، سُمّي بذلك من الْعُقْر بضمّ العين، وفتحها، وهو
الأصل، ومنه عُقْر الدار بالضمّ، والفتح. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): ((العقار)) في اللغة: المنزل، والضَّيْعة، وخصّه بعضهم
بالنخل، ويقال للمتاع النفيس الذي للمنزل: عقار أيضاً، وأما عياض فقال:
العقار الأصل من المال، وقيل: المنزل، والضيعة، وقيل: متاع البيت، فجعله
(١) ((الفتح)) ١٣١/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٢.

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
خلافاً، والمعروف في اللغة أنه مقول بالاشتراك على الجميع، والمراد به هنا :
الدار، وصَرَّح بذلك في حديث وهب بن منبه، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الفيّوميّ تَّقُ: العقار: مثلُ سَلَام: كلُّ مُلك ثابت، له أصلٌ،
كالدار، والنخلِ، قال بعضهم: وربّما أُطلق علَى المتاع، والجمع: عقارات.
(٢)
انتھی(٢).
(فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ:
الْجَرّة بالفتح: إناء معروفٌ، والجمع: جِرَارٌ، مثلُ كَلْبة وكِلابٍ، وجَرّات، وجَرٌّ
أيضاً، مثلُ تمرة وتمر، وبعضهم يجعل الجرّ لغةً في الجرّة. انتهى(٣). (فِيهَا
ذَهَبٌّ، فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لصاحب العقار، وهو البائع (الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ
ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنَْكَ الذّهَبَ) قال في ((الفتح)):
هذا صريح في أن العقد إنما وقع بينهما على الأرض خاصّة، فاعتَقَد البائع
دخول ما فيها ضمناً، واعتَقَد المشتري أنه لا يدخل، وأما صورة الدعوى
بينهما، فوقعت على هذه الصورة، وأنهما لم يختلفا في صورة العقد التي
وقعت، والحكم في شرعنا على هذا في مثل ذلك أن القول قول المشتري،
وأن الذهب باقٍ على مُلك البائع.
ويَحْتَمِل أنهما اختلفا في صورة العقد، بأن يقول المشتري: لم يقع
تصريح ببيع الأرض، وما فيها، بل ببيع الأرض خاصّة، والبائع يقول: وقع
التصريح بذلك، والحكم في هذه الصورة أن يتحالفا، ويستردّا المبيع، وهذا
كله بناء على ظاهر اللفظ أنه وجد فيه جرّةً من ذهب، لكن في رواية إسحاق بن
بشر أن المشتري قال: إنه اشترى داراً، فعَمّرها، فوجد فيها كنزاً، وأن البائع
قال له لمّا دعاه إلى أخذه: ما دفنتُ، ولا علمتُ، وأنهما قالا للقاضي: ابعث
من يقبضه، وتضعه حيث رأيت، فامتنع، وعلى هذا فحُكم هذا المال حكم
الرِّكاز، في هذه الشريعة، إن عُرِف أنه من دَفِين الجاهلية، وإلا فإن عُرِف أنه
من دَفِين المسلمين، فهو لُقَطةٌ، وإن جُهِل فحُكمه حكم المال الضائع، يوضع
(١) ((الفتح)) ١٣٤١/٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٩٦/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢.

١٨٥
(١١) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ - حديث رقم (٤٤٨٩)
في بيت المال، ولعلهم لم يكن في شرعهم هذا التفصيل، فلهذا حكم القاضي
بما حَگم به. انتهى(١).
(فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرْضَ)؛ أي: باعها؛ لأن شرى يطلق على الأخذ،
وعلى الإعطاء، يقال: شريتُ المتاعَ أشريه: إذا أخذته بثمن، أو أعطيته بثمن،
فهو من الأضداد(٢) .
وقال النوويّ نَّثُ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((شَرَى)) بغير ألف، وفي
بعضها: ((اشترى)) بالألف، قال العلماء: الأول أصحّ، وشَرَى هنا بمعنى باع،
كما في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، ولهذا قال: ((فقال
الذي شَرَى الأرض: إنما بعتك)). انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَّقُ: قوله: ((فقال الذي شَرَى الأرض ... إلخ)) هكذا
للسمرقنديّ، ومعنى ((شَرَى)): باع، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ نَخْسِ﴾
[يوسف: ٢٠]؛ أي: باعوه. وقد تقدَّم: أن ((شرى)) من الأضداد، يقال: شريت
الشيءَ: بعته، واشتريته، وقد رواه غير السمرقنديّ: ((الذي اشترى الأرض))،
وفيها بُعْدٌ؛ لأنَّ المشتري هو الذي تقدَّم ذكره، وهو هنا البائع، ولا يصحُّ أن
يقال عليه: مُشترٍ؛ إلا إن صحَّ في ((اشترى)): أنه من الأضداد، كما قلناه في
(شَرَى))، والأول هو المعروف. انتهى(٤).
وفي رواية البخاريّ: ((وقال الذي له الأرض))، قال في ((الفتح))؛ أي:
الذي كانت له، ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بيان المراد من ذلك،
ولفظه: ((فقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض))، ووقع في نسخ مسلم
اختلافٌ، فالأكثر رووه بلفظ: ((فقال الذي شَرَى الأرض))، والمراد باع
الأرض، كما قال أحمد، ولبعضهم: ((فقال الذي اشترى الأرض))، ووَهّمها
القرطبيّ، قال: إلا إن ثبت أن لفظ اشترى من الأضداد، كَشَرَى، فلا وَهْم.
(٥)
ـى(٥).
انتھی
(١) ((الفتح)) ١٣١/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٢).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٢/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٢ - ٢٠.
(٤) ((المفهم)) ١٧٨/٥.
(٥) ((الفتح)) ١٣٢/٨.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا)؛ أي: فيكون الذهب لك، (قَالَ) ◌ِمول
(فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ) قال في ((الفتح)): ظاهره أنهما حكّماه في ذلك، لكن في
حديث إسحاق بن بشر التصريح بأنه كان حاكماً منصوباً للناس، فإن ثبت ذلك
فلا حُجّة فيه لمن جوّز للمتداعيين أن يُحَكِّما بينهما رجلاً، وينفذ حكمه، وهي
مسألة مختلف فيها، فأجاز ذلك مالك، والشافعيّ بشرط أن يكون فيه أهلية
الحكم، وأن يحكم بينهما بالحقّ، سواء وافق ذلك رأي قاضي البلد أم لا ،
واستثنى الشافعيّ الحدود، وشرط أبو حنيفة أن لا يخالف ذلك رأي قاضي
البلد.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة التحكيم سيأتي بحثها قريباً.
قال: وجزم القرطبيّ بأنه لم يصدر منه حكم على أحد منهما، وإنما
أصلح بينهما؛ لِمَا ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع، فرأى
أنهما أحقّ بذلك من غيرهما؛ لِمَا ظهر له من ورعهما، وحُسْن حالهما،
وارتجى من طيب نسلهما، وصلاح ذريتهما .
قال: ويردّه ما جزم به الغزاليّ في ((نصيحة الملوك)) أنهما تحاكما إلى
كسرى، فإن ثبت هذا ارتفعت المباحث الماضية المتعلقة بالتحكيم؛ لأن الكافر
لا حجة له فیما یحکم به.
قال الجامع عفا الله عنه: عجيب من صاحب ((الفتح)) كيف يردّ على القرطبيّ
بجزم الغزاليّ؟ فهل الغزاليّ ذَكَر ذلك بسند صحيح؟ كلّا، والله المستعان.
قال: ووقع في روايته عن أبي هريرة: «لقد رأيتنا يكثر تَمَارِيْنا ومنازعتنا
عند النبيّ ◌َ ه أيهما أكثر أمانة؟)).
(فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟) - بفتح الواو واللام - والمراد
الجنس؛ لأنه يستحيل أن يكون للرجلين جميعاً ولد واحد، والمعنى: ألكل
منكما ولد؟ ويجوز أن يكون قوله: ((ألكما وُلْدٌ؟)) - بضم الواو، وسكون اللام -
وهي صيغة جمع؛ أي: أولاد، ويجوز كسر الواو أيضاً في ذلك، قاله في
((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ١٣٢/٨.

١٨٧
(١١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ - حديث رقم (٤٤٨٩)
وقال المجد تَخْذَلُهُ: ((الْولد)) محرّكةً، وبالضمّ، والكسر، والفتح: واحد،
وجمعٌ، وقد يُجمع على أولاد، ووِلْدَةٍ، وإِلْدَةٍ، بكسرهما، ووُلْد بالضمّ.
(١)
انتھی
(فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ) بُيِّنَ في رواية إسحاق بن بشر أن الذي قال: لي
غلام، هو الذي اشترى العقار، (وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ) الْحَكَمِ:
(أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا) وفي بعض النسخ: ((وأنفقا)) (عَلَى أَنْفُسِكُمَا
مِنْهُ) هكذا وقع عند المصنّف بصيغة الخطاب، ووقع عند البخاريّ: ((وأنفقوا
على أنفسهما))، وهذا هو الظاهر، وللأول وجه، وهو أن يكون التقدير: وقولا
لهما: ((أنفقوا على أنفسكما منه، وتصدّقا)).
وقوله: (وَتَصَدَّقًا))) قال في ((الفتح)): هكذا وقع بصيغة الجمع في
الإنكاح، والإنفاق، وبصيغة التثنية في النَّفْسَين، وفي التصدق، وكأن السرّ في
ذلك أن الزوجين كانا محجورين، وإنكاحهما لا بدّ فيه مع ولييهما من غيرهما،
كالشاهدين، وكذلك الإنفاق قد يحتاج فيه إلى المعيّن، كالوكيل، وأما تثنية
النفسين فللإشارة إلى اختصاص الزوجين بذلك.
وقد وقع في رواية إسحاق بن بشر ما يُشعر بذلك، ولفظه: ((اذهبا، فزوّج
ابنتك من ابن هذا، وجهزوهما من هذا المال، وادفعا إليهما ما بقي، يعيشان
به))، وأما تثنية التصدق فللإشارة إلى أن يباشرها بغير واسطة؛ لِمَا في ذلك من
الفضل، وأيضاً فهي تبرع لا يصدُر من غير الرشيد، ولا سيما ممن ليس له فيها
مُلك.
قال: ووقع في رواية مسلم: ((وأنفقا على أنفسكما))، والأول أوجه.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق هذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٤١٩.
(٢) ((الفتح)) ١٣٢/٨ - ١٣٣.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٨٩/١١] (١٧٢١)، و(البخاريّ) في ((أحاديث
الأنبياء)) (٣٤٧٢)، و(ابن ماجه) في ((اللقطة)) (٢٥١١)، و((صحيفة همّام بن
منبّه)) (٤٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٦/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٧٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٠/٣ و١٧٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٣٢٨/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٤١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الإصلاح بين المتخاصمين، وأن القاضي
يستحبّ له الإصلاح بينهما كما يستحبّ لغيره.
٢ - (ومنها): بيان جواز شراء العقار بما فيها من الأشجار، وغيرها.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّتُهُ: ظاهر قوله: ((فتحاكما إلى رجل))
أنهما حكَّماه في ذلك، وأنَّه لم يكن حاكماً منصوباً للناس، مع أنَّه يَحْتَمِل
ذلك، وعلى ظاهره يكون فيه لمالك حجَّة أنّ المتداعيين إذا حَكَّما بينهما من له
أهلية الحكم صحَّ، ولزمهما حكمه، ما لم يكن جوراً، سواء وافق ذلك الحكم
رأي قاضي البلد، أو خالفه، وقال أبو حنيفة: إن وافق رأيه رأي قاضي البلد
نَفَذَ، وإلا فلا، واختلف قول الشافعيّ، فقال مثل قول مالك، وقال أيضاً: لا
یلزم حکمه، ویکون ذلك کالفتوی منه، وبه قال شُریح.
وهذا الرَّجل الْمُحكَّم لم يحكم على أحد منهما؛ وإنما أصلح بينهما، بأن
ينفقا ذلك المال على أنفسهما وعلى ولديهما، ويتصدَّقا. وذلك أن هذا المال
ضائع، إذا لم يدَّعِه أحدٌ لنفسه، ولعلهم لم يكن لهم بيت مال، فظهر لهذا
الرَّجل أنهما أحق بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما، وورعهما،
ولحسن حالهما، ولِمَا ارتجي من طِيْب فِعْلهما، وصلاح ذريتهما .
قال الشيخ أبو عبد الله المازريّ: واختُلِف عندنا فيمن ابتاع أرضاً فوجد
فيها شيئاً مدفوناً: فهل يكون ذلك للبائع أو للمشتري؟ فيه قولان.
قلت: ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض، كالحجارة، والعُمُد،
والرُّخام، ولم يكن خِلْقَةً فيها، وأمَّا ما يكون من غير أنواع الأرض، كالذهب
والفضة، فإن كان من دِفْن الجاهلية كان ركازاً، وإن كان من دفن المسلمين
فهي لُقَطة، وإن جُهِل ذلك كان مالاً ضائعاً، فإن كان هناك بيت مالٍ حُفظ فيه،

١٨٩
(١١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ - حديث رقم (٤٤٨٩)
وإن لم يكن؛ صُرف للفقراء والمساكين، وفيمن يستعين به على أمور الدِّين،
وفيما أمكن من مصالح المسلمين، والله تعالى أعلم. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التحكيم:
قال الإمام النسائيّ كَّلُهُ: ((باب إذا حَكَّمُوا رجلاً، فقضى بينهم))؛ أي:
جاز، ثم أورد فيه بسند صحيح عن شُرَيح بن هانئ، عن أبيه هانئ، أنه لَمّا
وَفَد إلى رسول اللهِوَ ﴿ سمعه، وهم يَكْنُون هانئاً أبا الحكم، فدعاه
رسول الله وَ﴿، فقال له: ((إن الله هو الْحَكَم، وإليه الْحُكْمِ، فَلِمَ تُكنَى أبا
الحكم؟» فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فَحَكَمت بينهم، فرضي
كلا الفريقين، قال: ((ما أحسن هذا؟ فما لك من الولد؟)) قال: لي شُريح،
وعبد الله، ومسلم، قال: ((فمن أكبرهم؟)) قال: شُريح، قال: ((فأنت أبو
شُريح))، فدعا له، ولولده. انتهى (٢).
فاحتجّ النسائيّ تَخّْثُ بهذا الحديث على جواز التحكيم بين المتخاصمين،
وهو احتجاج واضح؛ لأنه ◌َ﴿ استحسن ما فعله قوم هانىء ربه به من
التحكيم، فدلّ على جوازه، وأن حكمه يلزمهما، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال العلّامة ابن قدامة تَظُّهُ في ((المغني)): وإذا تحاكم رجلان إلى
رجل، حَكّماه بينهما ورضياه، وكان ممن يصلح للقضاء، فحكم بينهما جاز
ذلك، ونفذ حكمه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة، وللشافعيّ قولان: أحدهما:
لا يلزمهما حكمه، إلا بتراضيهما؛ لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به، ولا يكون
الرضا إلا بعد المعرفة بحكمه.
قال: ولنا ما رَوَى أبو شريح له أن رسول الله وَ لو قال له: ((إن الله هو
الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟)) قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني،
فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: ((ما أحسن هذا، فمن أكبر ولدك؟»
قال: شُريح، قال: ((فأنت أبو شريح))، أخرجه النسائي. ورُوي عن النبيّ ◌َّآ،
(١) ((المفهم)) ١٧٨/٥ - ١٧٩.
(٢) ((سنن النسائيّ - المجتبى ـ)) ٢٢٦/٨.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال: ((من حكم بين اثنين تراضيا به، لم يعدل بينهما، فهو ملعون))(١)، ولولا
أن حكمه يلزمهما لَمَا لَحِقَه هذا الذمّ، ولأن عمر وأُبيّاً تحاكما إلى زيد،
وحاكم عمرُ أعرابيّاً إلى شريح قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن
مطعم، ولم يكونوا قضاة.
[فإن قيل]: فعمر وعثمان كانا إمامين، فإذا ردّا الحكم إلى رجل صار
قاضياً.
[قلنا]: لم يُنقل عنهما إلا الرضا بتحكيمه خاصة، وبهذا لا يصير قاضياً،
وما ذكروه يَبطُل بما إذا رضي بتصرف وكيله، فإنه يلزمه قبل المعرفة به.
إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا يُنقَض به حكم من له
ولاية، وبهذا قال الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: للحاكم نقضه، إذا خالف رأيه؛
لأن هذا عقد في حق الحاكم، فمَلَك فسخه كالعقد الموقوف في حقه.
قال: ولنا أن هذا حكم صحيح لازم، فلم يجز فسخه؛ لمخالفته رأيه
کحکم من له ولایة، وما ذکروہ غیر صحیح، فإن حکمه لازم للخصمین،
فكيف يكون موقوفاً؟ ولو كان كذلك لَمَلَك فسخه، وإن لم يخالف رأيه، ولا
نسلّم الوقوف في العقود.
إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه، قبل
شروعه في الحكم؛ لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل
التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان:
[أحدهما]: له ذلك؛ لأن الحكم لمّا لم يتم أشبه ما قبل الشروع.
[والثاني]: ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من
الحكم ما لا يوافقه رجع، فبطل المقصود به.
(١) قال في ((التلخيص الحبير)) ٣٤١/٤ - ٣٤٢: أورده ابن الجوزيّ في ((التحقيق))،
قال: وذكر عبد العزيز من أصحابنا من نسخة عبد الله بن جراد، فذكره، وتعقّبه
صاحب ((التنقيح))، فقال: هي نسخة باطلة، كما صرّح هو به في ((الموضوعات))،
وبالغ في الحطّ على الخطيب؛ لاحتجاجه بحديث منها. انتهى.

١٩١
(١١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ - حديث رقم (٤٤٨٩)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الأظهر عندي؛ لوضوح
حجته، والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة تَخَّتُهُ: قال القاضي: وينفذ حكم من حَكّماه في جميع
الأحكام، إلا أربعة أشياء: النكاح، واللُّعان، والقذف، والقصاص؛ لأن لهذه
الأحكام مزية على غيرها، فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه، وقال
أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها، ولأصحاب الشافعيّ
وجهان كهذين. انتهى كلام ابن قُدامة دَخَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بنفوذ حكمه مطلقاً هو الذي يترجّح
عندي؛ لإطلاق حديث أبي شريح به المذكور في الباب؛ فإن النبيّ وَّو لم
يستفسره حين ذَكَر له التحكيم مطلقاً، ولم يقيّد له حين استحسن فعله، فدلّ
على جواز حكمه مطلقاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المغني)) لابن قدامة كتامُ ٩٢/١٤ - ٩٣.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
٣٠ - (كِتَابُ اللَّقَطَّةِ)
مناسبته بكتاب الأقضية أن اللقطة ربّما يُحتاج فيها إلى القضاء، ومن ثمّ
أورده بعض المحدّثين في ((كتاب القضاء))، ثم لآخر حديث من ((كتاب
الأقضية)) مناسبة باللقطة؛ لأن مشتري الأرض وجد فيها كنزاً، ومن ثمّ أخرج
ابن ماجه ذلك الحديث في ((اللقطة))، والله تعالى أعلم(١).
و((اللُّقَطَةُ)): بفتح القاف على اللغة المشهورة التي قالها الجمهور، وفيها
لغة ثانية: لُقْطَةٌ، وثالثة: لُقَاطٌ، بضمّ اللام، ورابعةٌ: لَقَطٌ، بفتح اللام
والقاف، ذكره النوويّ كَذَثُمُ(٢).
وقال في ((الفتح)): ((اللَّقَطَةُ)): الشيء الذي يُلْتَقط، وهو بضم اللام، وفتح
القاف، على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز
غيره، وقال الزمخشريّ في ((الفائق)): اللَّقَطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها، كذا
قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال
الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمِع من العرب، وأجمع
عليه أهل اللغة، والحديث: الفتح، وقال ابن بَريّ: التحريك للمفعول نادرٌ،
فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس، وفيها لغتان أيضاً: لُقَاطة بضم
اللام، ولَقَطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك، حيث قال [من الرجز]:
لُقَاطَةٌ وَلُقْطَةٌ وَلُقَطَهْ وَلَقْطَةٌ مَا لَا قِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
ووجَّه بعض المتأخرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى
فيها اختُصَّت به، وهو أن كلَّ من يراها يميل لأخذها، فسُمِّيت باسم الفاعل
(١) ذكره في ((تكملة فتح الملهم)) ٦٠٤/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٢.

١٩٣
٣٠ - كتاب اللقطة
لذلك. انتهى(١).
وقال المجد تَخَّتُهُ: اللَّقَطُ محرَّكةً، وكَحُزْمَةٍ، وهُمَزَةٍ، وثُمَامَةٍ: ما الْتُقِطَّ،
واللَّقِيطُ: المولود الذي يُنْبَذ، كالْمَلْقُوط، وقال قبل ذلك: لَقَطَّهُ: أخذه من
الأرض، فهو ملقوظٌ، ولَقِيطٌ. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْذّقُ: لَقَطْتُ الشيءَ لَقْطاً، من باب قَتَلَ: أخذته، وأصله:
الأخذ من حيث لا يُحَسُّ، فهو: مَلْقُوٌ، ولَقِيطٌ، فَعِيل بمعنى مفعول، والتَّقَطْتُهُ
كذلك، ومن هنا قيل: لَقَظْتُ أصابعَهُ: إذا أخذتها بالقطع دون الكفّ،
والتَقَطْتُ الشيءَ: جمعته، ولَقَظْتُ العلمَ من الكتب لَقْطاً: أخذته من هذا
الكتاب، ومن هذا الكتاب، وقد غلب ((اللَّقِيطُ)) على المولود المنبوذ، واللُّقَاطَةُ
بالضم: ما التَقَطتَ من مال ضائع، واللَّقَاطُ بحذف الهاء، واللُّقَطَةُ وزانُ رُطَبَة
كذلك، قال الأزهريّ: اللَّقَطَةُ بفتح القاف: اسم الشيء الذي تَجِده مُلْقَى،
فتأخذه، قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذّاق النحويين، وقال الليث:
هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره، واقتصر ابن فارس، والفارابيّ، وجماعة على
الفتح، ومنهم من يَعُدّ السكون من لحن العوامّ، ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطَةٌ،
فَتَقُلت عليهم؛ لكثرة ما يلتقطون في النَّهْبِ، والغارات، وغير ذلك، فتلعَّبت بها
ألسنتهم؛ اهتماماً بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّةً، وقالوا: لُقَاطٌ، والألف
أخرى، وقالوا: لُقَطَّةٌ، فلو أسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في
فصيح الكلام، وهذا وإن لم يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمل؛ لأنهم فَسَّروا
الثلاثة بتفسير واحد.
ويوجد في نسخ من ((الإصلاح)): ومما أَتَّى من الأسماء على فُعَلَةٍ،
وفُعْلَةٍ، وعَدَّ اللَّقَطَة منها، وهذا محمول على غلط الكُتّاب، والصواب حذف
فُعْلِةٍ، كما هو موجود في بعض النسخ المعتمدة؛ لأن من الباب ما لا يجوز
إسكانه بالاتفاق، ومنه ما يجوز إسكانه على ضعف، على أن صاحب ((البارع))
نَقَلَ فيها الفتح، والسكون. انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ٢٣١/٦، كتاب ((اللقطة)) رقم (٢٤٢٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٨٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٧.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
(تنبيهات):
[الأول]: في تعريف اللقطة، قال القرطبيّ تَّتُ: هي عندنا: وُجدان مالٍ
معصوم لمعصوم، معرَّض للضياع، فيدخل في المال كلُّ ما يُتموَّل من جمادٍ،
وحيوانٍ، ونعني بالمعصوم كلَّ مال لمالكه حرمة شرعيَّة، فيدخل فيه مال
المسلم، والذمِّيّ، والمعاهد، ويخرج عنه مال الحربيِّ؛ إذ لا حرمة له، وأموال
الجاهلية؛ إذ هي رِكاز، ويدخل فيه القليل من المال والكثير منه، سواء كان في
عامر من الأرض، أو غامرها، مدفوناً، أو غير مدفون، وتحرَّزنا بقولنا:
((مُعرَّض للضياع)) عمَّا يكون في حرز مُحترم، أو عليه حافظ. انتهى(١).
[الثاني]: في أقسام اللقطة، قال القرطبيّ كَُّهُ: هي: جمادٌ، وحيوان،
والحيوان: إنسان، وغير إنسان، والإنسان إمَّا صغير، أو كبير، فالصغير إن عُلِم
أنه مملوك؛ فهو لُقطة، وإلا فهو اللقيط، ويجب حفظه، والقيام به على
المسلمين، إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية، وله أحكام مذكورة في
الفروع، ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إذا كان مِمَّن لا يفهم، وإمَّا غير
الإنسان: فإبل، وبقر، وغنم، وخيل، وبغال، وحمير. انتهى (٢).
[الثالث]: في بيان حكم اللقطة، قال القرطبيّ تَّتُهُ: فأمَّا الجماد،
فاختلف في حكم التقاطه؛ فذهب الشافعيّ إلى استحباب ذلك مطلقاً، وعندنا
فيه تفصيل، فقيل: لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين، والإمام عدل؛
فيجب أخذها بنيّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه، فإن علم خيانة نفسه حَرُم
الأخذ عليه، وإن ظن ذلك كُره له، وإذا كانت بين مأمونين، ووثق بأمانة نفسه،
فقيل: يُستحب له أخذها بنيّة الحفظ. ورُوي عن ابن القاسم كراهة التقاطها؛
إلا أن يكون لها قَدْرٌ وَبَالٌ. وكذلك روى أشهب في الدنانير، فأمَّا الدرهم وما
لا بال فيه؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه. وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقاً،
وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث - إن شاء الله
(٣)
تعالى _(٣).
(١) ((المفهم)) ١٨١/٥.
(٣) ((المفهم)) ١٨١/٥.
(٢) ((المفهم)) ١٨٢/٥.

١٩٥
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
(١) - (بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللَّقَطَة حَوْلاً،
وَجَوَاز الاسْتِمْتَاعِ بَهَا بَعْدَ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٩٠] (١٧٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟، فَقَالَ:
((اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَّةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا))،
قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: ((لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ))، قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟
قَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى
بَلْقَاهَا رَبُّهَا))، قَالَ يَحْنَى: أَحْسِبُ قَرَأْتُ: ((عِفَاصَهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ
المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور، قال ابن سعد:
كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] (ت١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٦٥٢/١١.
٤ - (يَزِيدُ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) - بضمّ الميم، وسكون النون، وفتح الباء
الموحّدة، وكسر العين المهملة، بعدها ثاء مثلّثة - مدنيّ صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهنيّ، وعنه ابنه عبد الله،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وربيعة، وعبد الملك بن عديّ، وبشر بن سعيد،
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره
ثلاث مرّات.
٥ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدِ الْجُهَنِيُّ) الصحابيّ المشهور ◌َالله، تقدّم قبل بابین.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك،
وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المعروف بربيعة الرأي، وسيأتي في
رواية مالك، والثوريّ، وعمرو بن الحارث أن ربيعة بن عبد الرحمن حدّثهم،
(عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) بصيغة اسم الفاعل، وليس عند الشيخين إلا حديث
الباب، (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) ◌َبهِ (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّ)
هكذا في روايات المصنّف بلفظ: ((رجل))، ووقع عند البخاريّ من رواية الثوريّ
بلفظ: ((جاء أعرابي))، قال في ((الفتح)): وزعم ابن بشكوال، وعزاه لأبي داود،
وتبعه بعض المتأخرين أن السائل المذكور هو بلال المؤذن، قال الحافظ: ولم
أر عند أبي داود في شيء من النسخ شيئاً من ذلك، وفيه بُعْدٌ أيضاً؛ لأنه لا
يوصف بأنه أعرابيّ، وقيل: السائل هو الراوي، وفيه بُعْدٌ أيضاً؛ لِمَا ذكرناه،
ومُستنَد من قال ذلك: ما رواه الطبرانيّ من وجه آخر عن ربيعة بهذا الإسناد،
فقال فيه: أنه سأل النبيّ وَل﴿، لكن رواه أحمد من وجه آخر، عن زيد بن
خالد، فقال فيه: ((إنه سأل النبيّ وَ له، أو أن رجلاً سأل))، على الشكّ، وأيضاً
فإن في رواية ابن وهب المذكورة، عن زيد بن خالد: ((أتى رجل، وأنا معه))،
فدلّ هذا على أنه غيره، ولعله نسب السؤال إلى نفسه؛ لكونه كان مع السائل،
قال: ثم ظَفِرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميديّ، والبغويّ، وابن
السكن، والباروديّ(١)، والطبرانيّ، كلهم من طريق محمد بن مَعْن الغفاريّ،
عن ربيعة، عن عقبة بن سُويد الجهنيّ، عن أبيه، قال: سألت رسول الله وَله
عن اللقطة؟ فقال: ((عَرِّفها سنةً، ثم أوثق وعاءها ... ))، فذكر الحديث، وقد
ذكر أبو داود طرفاً منه تعليقاً، ولم يَسُق لفظه، وكذلك البخاريّ في ((تاريخه))،
(١) هكذا النسخة بتقديم الراء على الواو، وأخشى أن يكون مصحّفاً من ((الباورديّ))،
بتقدیم الواو، فليُحرّر.

١٩٧
(١) - بَابُ بَيّانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
وهو أَولى ما يُفَسَّر به هذا المبَهم؛ لكونه من رهط زيد بن خالد.
قال الجامع عفا الله عنه: في تعيين الحافظ كون السائل المذكور هو
سويداً الجهنيّ نظر، إذ يَحْتَمل أن يكون أحد المذكورين بعده، واستدلاله بكونه
من رهطه غير مقنع، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: ورَوَى أبو بكر بن أبي شيبة، والطبرانيّ من حديث أبي ثعلبة
الخشنيّ، قال: قلت: يا رسول الله وَله: ((الوَرِق يوجد عند القرية؟ قال: عَرِّفها
حولاً ... ))، الحديث، وفيه سؤاله عن الشاة، والبعير، وجوابه، وهو في أثناء
حديث طويل، أخرج أصله النسائيّ.
ورَوَى الإسماعيليّ في ((الصحابة)) من طريق مالك بن عمير، عن أبيه، أنه
سأل رسول الله ﴾ عن اللقطة؟ فقال: ((إن وجدت من يعرفها فادفعها إليه ... ))
الحديث، وإسناده وَاهِ جِدّاً.
وروى الطبرانيّ من حديث الجارود العبديّ، قال: ((قلت: يا رسول الله
اللقطة نجدها؟ قال: أَنْشُدْها، ولا تكتم، ولا تغيب ... )) الحديث.
(فَسَأَلَهُ عَنِ اللَّقَطَةِ؟) كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية عند البخاريّ
بلفظ: ((فسأله عما يلتقطه))، وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن يزيد
مولى المنبعث الآتية: ((سئل رسول الله وَ لهم عن اللقطة: الذهب، أو الوَرِق))،
وهو كالمثال، وإلا فلا فرق بينهما، وبين الجوهر، واللؤلؤ مثلاً، وغير ذلك،
مما يُستمتع به، غير الحيوان، في تسميته لقطة، وفي إعطائه الحكم المذكور.
(فَقَالَ) وَِّ ((اعْرِفْ) بوصل الهمزة، من المعرفة، لا من الإعراف. قال
النوويّ تَخْلُهُ: معناه: تعرَّف لِتَعْلم صِدق واصفها من كذبه، ولئلا يختلط بماله
ويشتبه، (عِفَاصَهَا) وأما («العِفاص)) فبكسر العين، وبالفاء، والصاد المهملة -
وهو الوعاء التي تكون فيه النفقة جلداً كان أو غيره، ويُطلق العفاص أيضاً على
الجلد الذي يكون على رأس القارورة؛ لأنه كالوعاء له، فأما الذي يدخل في
فم القارورة، من خشب، أو جلد، أو خرقة مجموعة، ونحو ذلك، فهو
الصِّمَام - بكسر الصاد - يقال: عَفَصتُها عَفْصاً، من باب ضرب: إذا شددت
العِفاص على رأسها، وأعفصتها إعفاصاً بالألف: إذا جعلت لها عِفَاصاً،

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
وقيل: هما لغتان في كلّ من المعنيين. انتهى(١).
(وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو: الخيط الذي يُشدّ به الوعاء، يقال: أوكيته إيكاءً،
فهو مُوگّی بلا همز.
وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((اعرف عِفاصها ووكاءها))، وفي رواية:
((وعددها))، هذا الأمر للملتقِط بتعرّف هذه الأمور الثلاثة يُفيد إباحة حَلّ
وكائها، والوقوف على عينها، وعَدَدِها للملتقط، وفائدة ذلك أنَّه إذا جاء من
عرف أولئك الأوصاف دُفِعت له، كما قال: ((فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها،
وعددها، ووكاءها، فادفعها إليه))، وظاهره اشتراط معرفة مجموع تلك
الأوصاف، وأنها تُدفع له بغير بيِّنة، وقد اختلف في المسألتين:
فأمَّا المسألة الأولى: فقال ابن القاسم: لا بدَّ من ذكر جميعها؛ يعني:
الوكاء، والعِفاص، والعدد، ولم يعتبر أصبغ العدد، وظاهر الحديث حجَّة لابن
القاسم، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد، وحجَّة ابن
القاسم أوضح؛ لأن من ذكر شيئاً حجَّة على من سكت عنه، ولأنَّه من باب
حمل المطلق على المقيد، فإذا أتى بجميع أوصافها؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو
لا؟ قولان. النَّفي لابن القاسم، وتحليفه لأشهب.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون قول ابن القاسم هو الأرجح؛
لظاهر الحديث، والله تعالى أعلم.
قال: ولا يلزمه بينة عند مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وغيرهم،
وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا تُدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له، والأَول أَوْلى؛
النصّ الحديث على ذلك، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطاً في الدَّفع لَمَا كان
لِذِكْر العِفاص، والوكاء، والعدد معنًى؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال،
ولَمَا جاز سكوت النبيّ وَّر عن ذلك، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة،
وقال أصبغ: إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له، فإن جاء أحدٌ، وإلا أُعطيها،
وقال ابن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العُشر لم يُعْطَها
إلا أن يصف العدد، فيصاب أقل، وقال أشهب: إن عرف منها وصفين، ولم
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٢ بزيادة من ((المصباح)) ٤١٨/٢.

(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
١٩٩
يعرف الثالث دُفعت إليه. انتهى(١).
وقوله أيضاً: (اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا) كذا في رواية مالك، بتقديم
معرفة العفاص، والوكاء على تعريفها سنةً، قال الحافظ: ووافقه الأكثرون،
وفي الرواية الآتية عند مسلم من طريق بُسْر بن سعيد، عن زيد بن خالد:
((فاعرف عِفَاصها، ووِعَاءها، وعَدَدَها))، زاد فيه العدد، كما في حديث أبيّ بن
کعب الآتي.
ووقع في رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن يزيد مولى المنبعث:
((عرّفها سنةً، ثم اعرف عفاصها، ووكاءها))، بتقديم التعريف على معرفة
العفاص والوكاء، ويوافق الثوريّ ما أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن يزيد
مولى المنبعث، بلفظ: ((عَرِّفها حَوْلاً، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا
اعْرِف وِكاءها، وعِفَاصها، ثم اقبضها في مالِكَ ... )) الحديث، قال الحافظ:
وهو يقتضي أن التعريف يقع بعد معرفة ما ذُكر من العلامات، ورواية
الباب - يعني: رواية البخاريّ المذكورة - تقتضي أن التعريف يسبق المعرفة.
وقال النوويّ تَخْذُّ: يُجْمَع بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين،
فيَعْرِف العلامات أول ما يَلتقط، حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، كما
تقدم، ثم بعد تعريفها سنةً، إذا أراد أن يتملكها، فيعرفها مرةً أخرى تعرُّفاً وافياً
محقّقاً؛ ليعلم قَدْرها وصِفَتها، فيردَّها إلى صاحبها .
قال الحافظ تَُّ: ويَحْتَمِل أن تكون ((ثُمّ)) في الروايتين بمعنى الواو، فلا
تقتضي ترتيباً، ولا تقتضي تخالفاً يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المَخْرَج
واحداً، والقصة واحدةً، وإنما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفاً،
فيُحْمَل على تعدد القصة، وليس الغرض إلا أن يقع التعرّف والتعريف مع قطع
النظر عن أيهما أسبق.
واختُلِف في هذه المعرفة على قولين للعلماء: أظهرهما الوجوب؛ لظاهر
الأمر، وقيل: يستحب، وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده.
و((الْعِفَاص)) - بكسر العين المهملة، وتخفيف الفاء، وبعد الألف صاد
(١) ((المفهم)) ١٨٢/٥ - ١٨٣.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
مهملة -: الوعاء الذي تكون فيه النفقة جِلْداً كان أو غيره، وقيل له: العفاص
أخذاً من الْعَفْص، وهو الثَّنْيُ؛ لأن الوعاء يُثْنَي على ما فيه.
وقد وقع في ((زوائد المسند)) لعبد الله بن أحمد، من طريق الأعمش، عن
سلمة، في حديث أَبَيّ ◌َلُبه: ((وخِرْقَتها)) بدل ((عِفاصها)).
و((العفاص)) أيضاً: الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي
يَدخُل فم القارورة من جلد، أو غيره فهو الصِّمَام - بكسر الصاد المهملة - قال
الحافظ رَّتُهُ: فحيث ذُكر العفاص مع الوعاء فالمراد الثاني، وحيث لم يُذكر
العفاص مع الوعاء، فالمراد به الأول.
والغرض معرفة الآلات التي تَحفَظ النفقة، ويَلتحق بما ذُكر حِفظ
الجنس، والصفة، والقَدْر، والكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والذّرْع فيما
يُذْرَع، وقال جماعة من الشافعية: يستحب تقييدها بالكتابة؛ خوفَ النسيان.
واختلفوا فيما إذا عَرَف بعض الصفات دون بعض؛ بناءً على القول
بوجوب الدفع لمن عَرَف الصفة، قال ابن القاسم: لا بُدّ من ذكر جميعها،
وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد، وقول ابن القاسم أقوى؛
لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجةٌ. انتهى(١).
(ثُمَّ عَرَّفْهَا) - بكسر الراء المشدّدة -؛ أي: اذكرها للناس، قال العلماء:
محلّ ذلك المحافل، كأبواب المساجد، والأسواق، ونحو ذلك، يقول: من
ضاعت له نفقة، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئاً من الصفات.
وقوله: (سَنَةً) ظرف لـ «عرّفها))؛ أي: عرّفها سنةً متواليةً، فلو عرّفها سنة
متفرقة لم يكف، كأن يعرّفها في كل سنة شهراً، فيصدق أنه عرّفها سنة في
اثنتي عشرة سنة، وقال العلماء: يعرّفها في كل يوم مرتين، ثم مرة، ثم في كل
أسبوع، ثم في كل شهر، ولا يشترط أن يعرّفها بنفسه، بل يجوز بوكيله،
ويعرّفها في مكان سقوطها، وفي غيره.
[تنبيه]: قوله: ((عرَّفها سنة)) هذا يعارض ما يأتي في حديث أُبيّ بن
كعب ئه أنه وَل﴿ أمره بتعريفها ثلاث سنين، وفي رواية: سنة واحدة، وفي
(١) ((الفتح)) ٢٣٦/٦ - ٢٣٧، كتاب ((اللقطة)) رقم (٢٤٢٧).