Indexed OCR Text

Pages 1-20

التِ المحيطُ التَّاثِ
في سشرُح
3
لَجَامِعِهِ الْفَقِيُّ الْحَصَوْلَهِ الغَنِالْقَدِرُ
مُحَدَابْ الشَُّجُ العُلَّمَ بَلِ بْن ◌َآدَمُ بنُمُوسَى الإِنَّيِّوُالوَلْوَيُّ
مُخْوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المكرَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَنْهُ وَالدِيْه آمين
المجَلَّدُ الثّلاثون
كتاب: الأقضية - اللقطة - الجهاد والفيَرَ
رقم الأحاديث (٤٤٦٢ - ٤٥٩٧)
دارابن الجوزي

7

التحر الخيط التجاري
في شرح
جميع الإِمْلِ مُسُلِبَ الْجَاب
٣٠

حِقُوق الطَّرْع محفوظة لِدَارابن الجوزي
الطَّبَعَة الأولى
١٤٣٤هـ
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
دارابن
للنشر
التوزيع
دارابن الجوزي
لِلِنَّشرٌّ والتّوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
٢٩ - كتاب الأقضية
براسه الرحمن الرحيم
يوم الجمعة الثالث عشر من شهر شوال المبارك ١٤٣٠/١٠/١٣هـ. أول الجزء
الثلاثين من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى (البحر المحيط النجّاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالى.
٢٩ - (كِتَابُ الأَقْضِيَةِ)
((الأقضية)) بالفتح: جمع قضاء، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
فِي اسْمِ مُذَكَّرٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدّ ثَالِثٍ ((أَفْعِلَةٌ)) عَنْهُمُ اظَّرَدْ
مُصَاحِبَيْ تَضْعِيفٍ أوْ إِعْلَالٍ
وَالْزَمْهُ في ((فَعَالٍ)) أَوْ ((فِعَالٍ))
ومعنى كلام ابن مالك هذا: أن ((أَفْعِلَة)) جمعٌ لكلّ اسم مذكّر، رُباعيّ،
ثالثه مَدّة، نحو قَذَالِ وأقذلة، وقضاء وأقضية، ورغيف وَأرغفة، وعَمُود
وأعمدة، والتُزم أَفعلة في جمع المضاعف، أو المعتلّ اللام، من فَعَالٍ، أو
فِعالٍ، كَبَتَاتٍ وأَبِّة، وزِمام وأَزِمّة، وقضاء وأقضية، وفناء وأفنية (١)، والله تعالى
أعلم.
وقال الأزهريّ دَّثُهُ: القضاء في الأصل: إحكام الشيء، والفراغ منه،
ويكون القضاء إمضاءَ الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾
[الإسراء: ٤]، وسُمِّي الحاكم قاضياً؛ لأنه يُمضي الأحكام، ويُحْكِمها، ويكون
قَضَى بمعنى أوجب، فيجوز أن يكون سُمِّي قاضياً؛ لإيجابه الحكم على من
يجب عليه، وسمّي حاكماً؛ لِمَنْعه الظالم من الظلم، يقال: حَكَمْتُ الرجلَ،
(١) راجع: شرح ابن عقيل على ((الخلاصة)) ٢٤٠/٢ - ٢٤١ بنسخة ((حاشية الخضري)).

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وأحكمته: إذا منعته، وسمِّيت حَكَمَةٍ (١) الدابة؛ لمنعها الدابة من ركوبها رأسها،
وسمِّيت الْحِكْمة حِكْمةً؛ لمنعها النفس من هواها. انتهى(٢).
مسائل مهمّة تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): قال العلّامة ابن قدامة تَّتُهُ: الأصل في القضاء،
ومشروعيته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى:
﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالِّْ وَلَا تَشَّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [ص: ٢٦]، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾
الآية [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ﴾ الآية [النور:
٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُواْ تَسْلِيمًا
[النساء: ٦٥].
٦٥
وأما السُّنَّة، فما رَوَى عمرو بن العاص ﴿هَا، عن النبيّ وَّفي أنه قال: ((إذا
اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، متفق عليه،
في آيٍ، وأخبارٍ سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على مشروعية نَصْب
القضاء، والحُكم بين الناس. انتهى كلام ابن قدامة كَُّ(٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): (اعلم): أن القضاء من فروض الكفايات؛ لأن أمر
الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم كالجهاد، والإمامة، قال
أحمد ◌َّتُهُ: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟، وفيه فضل عظيم
لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجراً مع
الخطإ، وأسقط عنه حكم الخطإ، ولأن فيه أمراً بالمعروف، ونصرة المظلوم،
وأداء الحق إلى مستحقه، وردّاً للظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس،
وتخليصاً لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القُرَب، ولذلك تولاه النبيّ وَّ،
والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث عليّاً إلى اليمن قاضياً، وبعث
أيضاً معاذاً قاضياً، وقد رُوي عن ابن مسعود ◌َُّبه أنه قال: ((لأن أجلس قاضياً
(١) قال في ((القاموس)): والْحَكَمَةُ محرَّكةً: ما أحاط بحَنَكي الْفَرَس، من لجامه، وفيها
الْعِذَارَان. انتهى.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢/١٢.
(٣) ((المغني)) ٥/١٤.

٧
٢٩ - كتاب الأقضية
بين اثنين، أحب إلي من عبادة سبعين سنة))، وعن عقبة بن عامر نظراله قال:
جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله وَله، فقال: ((اقض بينهما))، قلت: أنت
أولى بذلك، قال: ((وإن كان))، قلت: علام أقضي؟ قال: ((اقض فإن أصبت
فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد))، رواه سعيد في ((سننه)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن في سنده - كما قال في ((الفتح)) -
ضعف، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وفيه خطر عظيم، ووزر كبير، لمن لم يؤد الحق فيه، ولذلك كان
السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم
خطره، قال خاقان بن عبد الله: أُريدَ أبو قلابة على قضاء البصرة، فهرب إلى
اليمامة، فأريد على قضائها، فهرب إلى الشام، فأريد على قضائها، وقيل:
ليس ههنا غيرك، قال: فأنزلوا الأمر على ما قلتم، فإنما مَثَلي مَثَل سابح وقع
في البحر، فسبح يومه، فانطلق، ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضاً، فلما كان
اليوم الثالث فترت يداه. وكان يقال: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة،
ولِعِظَم خطره قال النبيّ وَّفيه: ((من جُعل قاضياً فقد ذُبح بغير سكين))، قال
الترمذيّ: هذا حديث حسن. وقيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم
للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة، فكأن من وَلِيَه قد حُمل على مشقة كمشقة
الذبح، قاله ابن قُدامة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): الناس في القضاء على ثلاثة أضرب:
[الأول]: من لا يجوز له الدخول فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع
فيه شروطه، فقد رُوي عن النبيّ وَّ ر أنه قال: ((القضاة ثلاثة ... )) ذكر منهم
رجلاً قضى بين الناس بجهل، فهو في النار، ولأن من لا يحسنه لا يقدر على
العدل فيه، فيأخذُ الحق من مستحقه، فيدفعه إلى غيره.
[الثاني]: من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة
والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله، وصلاحيته ولا
يجب عليه؛ لأنه لم يتعيَّن له، وظاهر كلام أحمد أنه لا يُستحب له الدخول
(١) ((المغني)) ٥/١٤ - ٧.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
فيه؛ لِمَا فيه من الخطر والغَرر، وفي تَرْكه من السلامة، ولِمَا ورد فيه من
التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان
تولية ابن عمر القضاء فأباه، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان رجلاً خاملاً
لا يُرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرَف، فالأولى له توليه؛ لِيُرجَع إليه في
الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهوراً في الناس
بالعلم، يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى الاشتغال بذلك؛ لِمَا فيه
من النفع مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحاب الشافعيّ، وقالوا أيضاً:
إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى
من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة، وعلى كل حال فإنه يُكره للإنسان طلبه،
والسعي في تحصيله؛ لأن أنساً به رَوَى عن النبيّ وَّ أنه قال: ((من ابتغى
القضاء، وسأل فيه شفعاء، وُكل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله عليه مَلَكاً
يسدده))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال النبيّ وَّ لعبد الرحمن بن
سمرة: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة، وُكلت
إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها))، متفق عليه.
[الثالث]: من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه،
فهذا يتعيَّن عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره، فيتعيَّن عليه،
كغسل الميت وتكفينه، وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه، فإنه
سئل: هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم، فهذا يَحْتَمِل أنه
يُحْمَل على ظاهره في أنه لا يجب عليه؛ لِمَا فيه من الخطر بنفسه، فلا يلزمه
الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له: ليس
غيرك، ويَحْتَمِل أن يُحمَل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو
غيره، فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟، ذكره
ابن قُدامة تَّهُ(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال ابن قدامة تَخَّتُهُ: يجوز للقاضي أخذ الرزق على
القضاء، ورَخَّص فيه شُريح، وابن سيرين، والشافعيّ، وأكثر أهل العلم، ورُوي
(١) ((المغني)) ٧/١٤ - ٩.

٩
٢٩ - كتاب الأقضية
عن عمر ظبه أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفَرَض له رزقاً، ورَزَق
شريحاً في كل شهر مائة درهم، وبعث إلى الكوفة عماراً، وعثمان بن حُنيف،
وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة، نصفها لعمّار، ونصفها لابن مسعود
وعثمان، وكان ابن مسعود قاضيهم، ومعلمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل، وأبي
عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرا رجالاً من صالحي مَن قِبَلكم،
فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم، وارزقوهم واكفوهم من مال الله.
وقال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة، فأما مع عدمها
فعلى وجهين، وقال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً، وإن كان
فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على
القضاء، وكان مسروق، وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان
عليه أجراً، وقالا: لا نأخذ أجراً على أن نعدل بين اثنين.
وقال أصحاب الشافعيّ: إن لم يكن متعيّناً جاز له أخذ الرزق عليه، وإن
تعيّن لم يجز إلا مع الحاجة، قال ابن قدامة: والصحيح جواز أخذ الرزق عليه
بكل حال؛ لأن أبا بكر ◌َؤُه لَمّا ولي الخلافة، فرضوا له الرزق كل يوم
درهمين، ولِمَا ذكرناه من أن عمر رَزَق زيداً وشريحاً وابن مسعود، وأمر بفرض
الرزق لمن تولى من القضاة، ولأن بالناس حاجة إليه، ولو لم يَجُز فرض الرزق
لتعطل، وضاعت الحقوق، فأما الاستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر بنظابه: لا
ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً، وهذا مذهب الشافعيّ،
ولا نعلم فيه خلافاً، وذلك لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة،
فأشبه الصلاة، ولأنه لا يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه، فأشبه
الصلاة، ولأنه عمل غير معلوم، فإن لم يكن للقاضي رزق، فقال للخصمين:
لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاً عليه جاز، ويَحْتَمِل أن لا يجوز. انتهى
كلام ابن قدامة تَّهُ(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): قال ابن قدامة كَّتُهُ أيضاً: إذا كان الإمام في بلد
فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده، فإن النبيّ وَ له بعث عليّاً قاضياً
(١) ((المغني) ٩/١٤ - ١٠.

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
إلى اليمن، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضاً، وقال له: ((بم تحكم؟)) قال:
بكتاب الله تعالى، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: فبسُنَّة رسول الله وَ ◌ّر، قال: ((فإن
لم تجد؟)) قال: أجتهد رأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله واله
لِمَا يرضي رسول الله وَ ﴿)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في سنده مجهول، على أن
بعضهم صححه؛ لشهرته، وتلقّي الناس له بالقبول، وقد أشبعت الكلام فيه في
((التحفة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، ورجّحت تصحيح من صححه،
فراجعه هناك، والله تعالى أعلم.
قال: وبعث عمر شُريحاً على قضاء الكوفة، وكعب بن سوار على قضاء
البصرة، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام؛ لأن أهل
كل بلد يحتاجون إلى القاضي، ولا يمكنهم المصير إلى بلد الإمام، ومن أمكنه
ذلك شقّ عليه، فوجب إغناؤهم عنه. انتهى(١) والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): إذا أراد الإمام تولية قاض، فإن كان له خِبْرة
بالناس، ويَعرف من يصلح للقضاء ولّاء، وإن لم يَعرف ذلك سأل أهل المعرفة
بالناس، واسترشدهم على من يصلح، وإن ذُكر له رجل لا يعرفه أحضره
وسأله، وإن عَرف عدالته، وإلا بحث عن عدالته، فإذا عرفها ولّاه، ويكتب له
عهداً يأمره فيه بتقوى الله، والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وتصفح
أحوال الشهود، وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى، وحفظ أموالهم، وأموال
الوقوف، وغير ذلك، مما يحتاج إلى مراعاته، ثم إن كان البلد الذي ولاه
قضاءه بعيداً، لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام، أحضر شاهدين
عدلين، وقرأ عليهما العهد، أو أقرأه غيره بحضرته، وأشهدهما على توليته
ليمضيا معه إلى بلد ولايته، فيقيما له الشهادة، ويقول لهما: اشهدا على أني قد
ولّيته قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما اشتمل هذا العهد عليه، وإن كان
البلد قريباً من بلد الإمام، يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام، مثل أن يكون
بينهما خمسة أيام، أو ما دونها، جاز أن يكتفي بالاستفاضة، دون الشهادة؛
(١) ((المغني)) ١٠/١٤ - ١١.

١١
٢٩ - كتاب الأقضية
لأن الولاية تثبت بالاستفاضة، وبهذا قال الشافعي، إلا أن عنده في ثبوت
الولاية بالاستفاضة في البلد القريب وجهين، وقال أصحاب أبي حنيفة: تثبت
بالاستفاضة، ولم يفصلوا بين القريب والبعيد؛ لأن النبيّ وَل ﴿ ولَّى عليّاً، ومعاذاً
قضاء اليمن، وهو بعيد من غير شهادة، وولّى الولاة في البلدان البعيدة،
وفوّض إليهم الولاية والقضاء، ولم يُشهِد، وكذلك خلفاؤه، ولم يُنقل منهم
الإشهاد على تولية القضاء مع بُعد بلدانهم.
واحتجّ الأولون بأن القضاء لا يثبت إلا بأحد الأمرين، وقد تعذرت
الاستفاضة في البلد البعيد؛ لعدم وصولها إليه، فتعيّن الإشهاد، ولا نسلّم أن
النبيّ وَّه لم يُشهد على توليته، فإن الظاهر أنه لم يبعث والياً إلا ومعه جماعة،
فالظاهر أنه أشهدهم، وعدم نَقْله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دلیلہ فتعیّن
وجوده. انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله الحنفيّة أرجح؛ لأنه
الظاهر، وما ذكره هؤلاء احتمالٌ، ولا ينبغي ترك الظاهر للاحتمال، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة): ينبغي أن يكون الحاكم قويّاً، من غير عُنف، ليّناً من
غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون
حليماً، متأنياً، ذا فطنة وتيقظ، لا يُؤْتَى من غفلة، ولا يُخْدَع لغِرّة، صحيح
السمع والبصر، عالماً بلغات أهل ولايته، عفيفاً ورعاً نزهاً بعيداً عن الطمع،
صدوق اللَّهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لِيْن إذا قَرُب، وهَيْبة إذا أوعد، ووفاء
إذا وعد، ولا يكون جباراً، ولا عَسُوفاً، فيقطع ذا الحجة عن حجته. قال
عليّ رڅته: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتی تکون فیه خمس خصال:
عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله
لومة لائم)). وعن عمر بن عبد العزيز قال: ((ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع
خلال، إن فاتته واحدة كانت فيه وَصْمة: العقل، والفقه، والورع، والنزاهة،
والصرامة، والعلم بالسنن والحكم))، ورواه سعيد، وفيه: ((يكونُ فَهِماً، حليماً،
(١) ((المغني)) ١١/١٤ - ١٢.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
عفيفاً، صلباً سَتَّالاً عما لا يعلم))، وفي رواية: ((محتملاً للأئمة، ولا يكون
ضعيفاً مَهِيناً؛ لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر، والتشاتم بين يديه))، قال
عمر ظه: لأعزلن فلاناً عن القضاء، ولأستعملن رجلاً إذا رآه الفاجر فَرِقَه.
وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه، وإن استحق التعزير عزّره
بما يرى من أدب، أو حبس، وإن افتات عليه بأن يقول: حكمت علي بغير
الحق، أو ارتشيت فله تأديبه، وله أن يعفو، وإن بدأ المنكر باليمين قَطَعها
عليه، وقال: البيّنة على خصمك، فإن عاد عزّره إن رأى، وأمثالُ ذلك مما فيه
إساءة الأدب فله معاقبة فاعله، وله العفو. ذكره ابن قدامة كََّهُ(١)، وهو بحث
نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثامنة): (اعلم): أن الحاكم إذا حضرته قضية تبيّن له حُكمها
في كتاب الله تعالى، أو سُنَّة رسوله، أو إجماع، أو قياس جليّ حَكَم، ولم
يحتج إلى رأي غيره؛ لقول رسول الله وسلم لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن: ((بم
تحكم؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسُنَّة رسول الله وَلێ،
قال: ((فإن لم تجد)) قال: أجتهد برأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفّق رسول
رسول الله ◌َي﴿ لِمَا يرضي رسول الله وَلي)(٢)، فإن احتاج إلى الاجتهاد استُحب
له أن يشاور؛ لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَتَِّ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]. قال
الحسن: إن كان رسول الله ﴿ لغنياً عن مشاورتهم، وإنما أراد أن يستن بذلك
الحكام بعده، وقد شاور النبيّ ولو أصحابه في أسارى بدر، وفي مصالحة
الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. ورُوي: ما كان أحد أكثر
مشاورة لأصحابه من رسول الله *، وشاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة،
وعمر في دية الجنين، وشاور الصحابةَ في حد الخمر. وروي أن عمر كان
يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله وَلقر، منهم عثمان، وعليّ، وطلحة،
والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، إذا نزل به الأمر شاوَرهم فيه، ولا مخالِف
في استحباب ذلك، قال أحمد: لمّا وَلِي سعْدُ بن إبراهيم قضاء المدينة، كان
(١) ((المغني)) ١٤/ ١٧ - ١٨.
(٢) تقدّم الكلام على هذا الحديث قريباً.

١٣
٢٩ - كتاب الأقضية
يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وَوَلِي محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان
يجلس بين الحَكَم وحمّاد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه،
يشاورون وينتظرون، ولأنه قد ينتبه بالمشاورة، ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، ولأن
الإحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد ينتبه لإصابة الحق، ومعرفة الحادثة من هو
دون القاضي، فكيف بمن يساويه، أو يزيد عليه!؟ فقد رُوي أن أبا بكر
الصديق ظه جاءته الجدتان، فوَرَّث أم الأم، وأسقط أم الأب، فقال له
عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله صل*، لقد أسقطت التي لو ماتت
ورثها، ووَرّثتَ التي لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر، فأشرك بينهما. ورَوَى
عمر بن شَبّة عن الشعبي أن كعب بن سوّار كان جالساً عند عمر، فجاءته
امرأة، فقالت يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، والله إنه
ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً، في اليوم الحارّ، ما يُفطر، فاستغفر لها،
وأثنى عليها، وقال: مثلك أُنْثَى الخير، قال: واستحيت المرأة فقامت راجعة،
فقال كعب: يا أمير المؤمنين هَلّا أعديت المرأة على زوجها، قال: وما
شَكَت؟، قال: شكت زوجها أشدّ الشكاية، قال: أَوَ ذاك أرادت؟ قال: نعم،
قال: رُدُّوا عليّ المرأة، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك
جئت تشكين زوجك، أنه يجتنب فراشك، قالت: أجل، إني امرأة شابة، وإني
لأبتغي ما يبتغي النساء، فأرسل إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما،
قال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، قال: عزمت عليك لتقضينّ بينهما،
فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم، قال: فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة،
هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن، يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال
عمر: والله ما رأيك الأول، أعجب إلي من الآخِر، اذهب فأنتَ قاض على
البصرة.
إذا ثبت هذا، فإنه يشاور أهل العلم والأمانة؛ لأن من ليس كذلك فلا
قول له في الحادثة، ولا يُسكن إلى قوله، قال سفيان: وليكن أهل مشورتك
أهل التقوى، وأهل الأمانة، ويشاور الموافقين والمخالفين، ويسألهم عن
حجتهم؛ لِییین له الحق.
والمشاورة ههنا لاستخراج الأدلة، ويُعرفُ الحق بالاجتهاد، ولا يجوز

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أن يقلد غيره، ويحكم بقولِ سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه، أو لم
يظهر له شيء، وسواء ضاق الوقت، أو لم يضق، وكذلك ليس للمفتي الفتيا
بالتقليد، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: إذا كان
الحاكم من أهل الاجتهاد جاز له تركُ رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده، إذا
صار إليه، فهو ضربٌ من الاجتهاد، ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق
الاجتهاد.
وحجة الأولين أنه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره، كما لو
كان مثله كالمجتهدين في القِبلة، وما ذَكَره ليس بصحيح، فإن من هو أفقه منه،
يجوز عليه الخطأ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ، لم يجز له أن يعمل به، وإن
كان لم يَبِنْ له الحق، فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يَبِين له خطؤه إذا
اجتهد. قاله ابن قدامة كَلَفُ(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(١) - (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٦٢] (١٧١١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ،
وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُذَّعَى عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت
٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيه [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) («المغني)) ٢٦/١٤ - ٢٩.

١٥
(١) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - حديث رقم (٤٤٦٢)
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ يدلّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله المكيّ،
ثقةٌ فقيه أدرك ثلاثين من الصحابة [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر، ترجمان القرآن الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ه، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمكيين غير الأوَّلَين، فمصريّان، وفيه ابن عبّاس ﴿ أحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، وأحد المشهورين
بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله بن عبيد الله (بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) زُهير بن عبد الله بن جُدْعان
(عَن) عبد الله (ابْنِ عَبَّاسِ) ﴿هَا (أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَهْوَاهُمْ)
هكذا ساقه المصنّف مختصراً، وكذا البخاريّ في موضعين، وساقه مطوّلاً في
((التفسير))، فقال: حدّثنا نصر بن عليّ بن نصر، حدّثنا عبد الله بن داود، عن
ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: أن امرأتين كانتا تَخْرُزان بيت، أو في الحجرة،
فخرجت إحداهما، وقد أُنْفِذَ بإشفى(١) في كفها، فادَّعت على الأخرى، فرُفع
أمرهما إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله وَّلين: (لو يعطى الناس
بدعواهم، لذهب دماء قوم وأموالهم))، ذَكِّروها بالله، واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فذَكَّروها، فاعترفت، فقال ابن عباس: قال
النبيّ ◌َّهِ: ((اليمين على المدعَى عليه))(٢).
ولفظ النسائيّ من طريق نافع بن عُمر، عن ابن أبي مليكة قال: كانت
(١) ((الإشفى)) بالكسر: هو الْمِخْرَزُ، آلة للإسكاف، والجمع: الأشافي.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٦٥٦/٤.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
جاريتان تخرْزان(١) بالطائف، فخرجت إحداهما ويدها تَدْمَى، فزعمت أن
صاحبتها أصابتها، وأنكرت الأخرى، فكتبتُ إلى ابن عباس في ذلك، فكتب:
((أن رسول الله وَ﴿ قَضَى أن اليمين على المدعَى عليه، ولو أن الناس أُعْطُوا
بدعواهم لادَّعَى ناس أموال ناس ودماءهم))، فادعُها، واتل عليها هذه الآية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَّكَ لَ خَقَ لَهُمْ فِ الْأَخِرَةِ﴾ [آل
عمران: ٧٧] حتى ختم الآية، فدَعَوْتُها، فتلوثُ عليها، فاعترفتْ بذلك، فَسَرَّهُ.
انتھی(٢) .
وقوله: (لَوْ يُعْطَى) - بضمّ أوله، وفتح ثالثه -، مبنيّاً للمفعول، (النَّاسُ
بِدَعْوَاهُمْ) متعلّق بـ((يُعْطى))، والباء سببيّة، و((الناس)): اسم وُضع للجمع،
كالقوم، والرهط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينُوس: إذا
تدلّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿اَلَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي
[الناس: ٥]، ثم فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ
صُدُورِ النَّاسِ @
[الناس: ٦].
الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ )
(الََّدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ) بتشديد النون، (الْيَمِينَ)
بالنصب على أنه اسم ((لكنّ))، وخبرها قوله: (عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ))) بصيغة اسم
المفعول، ورواه الطبراني من رواية سفيان، عن نافع، عن ابن عمر خپا،
بلفظ: ((البينةُ على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه))، وقال: لم يروه عن
سفيان إلا الفريابيّ، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن جريج، بلفظ: ((ولكن
البينة على الطالب، واليمين على المطلوب))، وأخرجه البيهقيّ من طريق
عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، وعثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة:
كنت قاضياً لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة المرأتين، فكتبت إلى ابن
عباس، فكتب إليّ: أن رسول الله وَ لتر قال: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم لادّعى
رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أَنْكَر))،
وهذه الزيادة ليست في ((الصحيحين))، وإسنادها حسن، قاله في ((الفتح)(٣).
(١) من بابي ضرب، ونصر.
(٢) ((سنن النسائيّ، المجتبى)) ٢٤٨/٨.
(٣) ٥٤٨/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٦٨).

١٧
(١) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - حديث رقم (٤٤٦٢)
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم
مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يُحكَم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلاً
شريفاً - في حقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقَراً يسيراً - حتَّى يستند المدَّعي إلى
ما يقوّي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق،
فلا بدَّ مما يدلّ على تعلَّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى. انتهى (١).
[تنبيهان]:
(الأول): الحكمة في كون البينة على المدعي، واليمين على المدعَى
عليه، هو ما بيّنه النبيّ وَلهو: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم لاذَّعَى ناس دماء
رجال، وأموالهم)).
وقال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدعِي ضعيف؛ لأنه يقول
خلاف الظاهر، فكُلّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلُب لنفسها نفعاً،
ولا تدفع عنها ضرراً، فيقوى بها ضَعف المدعِي، وجانب المدعى عليه قويّ؛
لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتُفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف
يجلب لنفسه النفع، ويدفع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة.
(الثاني): اختَلَف الفقهاء في تعريف المدّعِي، والمدّعَى عليه، والمشهور
فيه تعريفان :
[الأول]: المدعِي: من يخالف قولُه الظاهرَ، والمدعَى عليه بخلافه.
[والثاني]: المدعي: من إذا سكت تُرك وسكوتَهُ، والمدعَى عليه: من لا
يُخَلَّى إذا سكت، والأول أشهر، والثاني أسلم، وقد أُورد على الأول: أن
المودَع إذا ادّعى الردّ، أو التلّف، فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول
قوله، وقيل في تعريفهما غير ذلك. قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ١٤٨/٥.
(٢) ٥٤٨/٦ - ٥٤٩، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٦٨).

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ها هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: هكذا رَوَى هذا الحديثَ البخاريّ ومسلم في
((صحيحيهما)) مرفوعاً، من رواية ابن عباس ﴿ها، عن النبيّ وَطير، وهكذا ذكره
أصحاب ((السنن))، وغيرهم، قال القاضي عياض تَخْذَلُ: قال الأصيليّ: لا يصح
مرفوعاً، إنما هو قول ابن عباس ﴿يا، كذا رواه أيوب، ونافع الْجُمَحيّ، عن
ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿. قال القاضي: قد رواه البخاريّ ومسلم من
رواية ابن جريج، مرفوعاً. هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وقد رواه أبو داود، والترمذيّ بأسانيدهما عن نافع بن عمر
الجمحيّ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿يا، عن النبيّ وَّر مرفوعاً، قال
الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وجاء في رواية البيهقيّ وغيره بإسناد حسن،
أو صحيح زيادة، عن ابن عباس، عن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((لو يُعْطَى الناسُ
بدعواهم لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين
على من أنكر)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ - بعد ذكر كلام الأصيليّ المذكور - ما نصّه: إذا صحَّ
رَفْعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه مَنْ وَقَفه، ولا يكون ذلك تعارضاً، ولا
اضطراباً، فإن الرَّاوي قد يَعْرِض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان،
أو اكتفاءً بعلم السَّامع، أو غير ذلك، والرَّافع عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذّبه الآخر
فلا يُلتفت إلى الوقف، إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّاه في الأصول.
(٢) .
انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن دعوى الأصيليّ تضعيفَ
رَفْع هذا الحديث، وطعْنَه في الشيخين، حيث أخرجاه في ((صحيحيهما)) مرفوعاً
دعوى باطلة، تنادي بكون بضاعته مزجاة، فهو كما قال القائل [من البسيط]:
فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
كَنَاطِحِ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَهَا
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢/١٢.
(٢) ((المفهم)) ١٤٧/٥ - ١٤٨.

١٩
(١) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - حديث رقم (٤٤٦٢)
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٦٢/١ و٤٤٦٣] (١٧١١)، و(البخاريّ) في
((الرهن)) (٢٥١٤) و((الشهادات)) (٢٦٦٨) و((التفسير)) (٤٥٥٢)، و(أبو داود) في
((الأقضية)) (٣٦١٩)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٤٢)، و(النسائيّ) في ((أداء
القضاة)) (٥٤٢٧) و((الكبرى)) (٥٩٩٤)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٢١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥١٩٣)، و(الشافعيّ) في («مسنده» (١٨٠/٢ -
١٨١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٤٣/١ و٣٥١ و٣٥٦ و٣٦٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٠٨٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٢٢٤ و١١٢٢٥)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٥٥/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٩١/٣
و٢٠٢)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (١٥٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
٢٥٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن اليمين على المدّعى عليه، والبيّنة على المدّعي.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا الحديث قاعدة كبيرةٌ من قواعد
أحكام الشرع، ففيه أنه لا يُقْبَل قول الإنسان فيما يدّعيه بمجرد دعواه، بل
يَحتاج إلى بيّنة، أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعَى عليه فله
ذلك، وقد بَيَّن ◌َّهِ الحكمة في كونه لا يُعْطَى بمجرد دعواه؛ لأنه لو كان أُعطي
بمجردها لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدعى عليه أن
يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((اليمين على المدعَى عليه)) للجمهور
بحمله على عمومه، في حقّ كل واحد، سواء كان بين المدعي والمدعى عليه
اختلاط أم لا، وعن مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي
اختلاط؛ لئلا يَبْتَذِل أهل السَّفَه أهل الفضل بتحليفهم مراراً، وقريب من مذهب
مالك قول الإصطخري من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب
المدَّعي، لم يُلتفت إلى دعواه، قاله في (الفتح))(٢) .
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٩/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٦٨).

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وقال النوويّ كَّثُ: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعيّ،
والجمهور، مِنْ سلف الأمة وخلفها، أن اليمين تتوجه على كل مَن ادُّعِي عليه
حقّ، سواء كان بينه وبين المدعِي اختلاط أم لا، وقال مالك، وجمهور
أصحابه، والفقهاء السبعة، فقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه
وبينه خُلْطة؛ لئلا يَبتذِل السفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد،
فاشترطت الخلطة دفعاً؛ لهذه المفسدة، واختلفوا في تفسير الْخُلْطة، فقيل: هي
معرفته بمعاملته، ومداينته، بشاهد، أو بشاهدين، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل:
هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها،
ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لاشتراط الْخُلطة في كتاب، ولا سُنَّة،
ولا إجماع. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((لادّعَى ناس دماء ناس وأموالهم)) على
إيطال قول المالكية في التدمية، ووجه الدلالة تسويته وَ لفي بين الدماء والأموال.
[وأجيب]: بأنهم لم يُسندوا القصاص مثلاً إلى قول المدعي، بل
للقَسامة، فيكون قوله ذلك لَوْثاً يقوّي جانب المدعي في بداءته بالأيمان، ذَگره
في ((الفتح))(٢).
٥ - (ومنها): ما قال ابن دقيق العيد تَخَّهُ: الحديث دليل على أنه لا
يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعيّ الذي رُقِّب، وإن غلب على الظنّ صِدْق
المدعِي، ويدل على أن اليمين على المدعى عليه مطلقاً، وقد اختلف الفقهاء
في اشتراط أمر آخر في وجه اليمين على المدعى عليه.
وفي مذهب مالك وأصحابه: تصرفات بالتخصيصات لهذا العموم،
خالفهم فيها غيرهم.
منها: اعتبار الخلطة بين المدعي والمدعى عليه في اليمين.
ومنها: أن من ادعى سبباً من أسباب القصاص: لم تجب به اليمين، إلا
أن يقيم على ذلك شاهداً فتجب اليمين.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/١٢.
(٢) ٥٤٩/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٦٨).