Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) عندهم: أن من استوقد ناراً مما يجوز له، فتعدَّت حتى أتلفت شيئاً فلا ضمان عليه، قال: وقال بعضهم: صحَّفها بعضهم؛ لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء، لا بالألف، فظَنّ بعضهم البئر الموحدة النار بالنون، فرواها كذلك. قال الحافظ: هذا التأويل نقله ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين، وجزم بأن معمراً صحَّفه، حيث رواه عن همام، عن أبي هريرة، قال ابن عبد البرّ: ولم يأت ابن معين على قوله بدليل، وليس بهذا تُرَدُّ أحاديث الثقات. قال الحافظ: ولا يُعْتَرَض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات، ويؤيد ما قال ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار، وقد ذكر مسلم تَخْتُ في ((مقدّمة صحيحه)) أن علامة المنكر في حديث المحدِّث أن يَعْمِد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم، وهذا من ذاك، ويؤيده أيضاً أنه وقع عند أحمد من حديث جابر ظُه بلفظ: ((والْجُبّ جُبار)) بجيم مضمومة، وموحدة ثقيلة، وهي البئر، وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث رَوَى عن الزهريّ في حديث الباب: ((الرِّجْل جُبَار)) بكسر الراء، وسكون الجيم، وما ذاك إلا أن الزهري مُكثِر من الحديث والأصحاب، فتَفَرَّد سفيانُ عنه بهذا اللفظ، فَعُدَّ منكراً، وقال الشافعيّ: لا يصحّ هذا، وقال الدارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة: سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن زياد، ومحمد بن سيرين، فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهريّ، وهو المعروف. نَعَمْ الحُكم الذي نقله ابن العربي صحيح، ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كل جماد، فلو أن شخصاً عَثَرَ فوقع رأسه في جدار فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء. انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في اعتراض الحافظ على الإمام (١) ((الفتح)) ١١٩/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩١٢). ٦٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ابن عبد البرّ ◌َخْتُ في تعقّبه ابنَ معين، بما نقله عن الإمام مسلم نظرٌ، وذلك لأنه لم يَنقُل كلام الإمام مسلم تَخْلَثُ على وجهه، فوقع على غير ما أراده مسلم، ودونك ملخّص عبارته في ((صحيحه))، قال: ((وعلامة المنكَر في حديث المحدّث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مُستَعمَلِهِ، إلى أن قال: لأن حُكم أهل العلم، والذي نَعرِف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم، والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه، قُبلت زيادته، فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته، وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ، مشتركٌ، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدَدَ من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح، مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس)). انتهى كلام مسلم دَّثُ باختصار. فأنت ترى أن مسلماً شَرَط ليكون ما يتفرّد به الراوي منكراً أن يكون المتفرّد ممن ليس يشارك الثقات في روايات ما يروونه من الصحيح، فهذا هو الذي يكون منكراً، وأما إذا كان يشارك الثقات فيما يروونه، أو في بعضه، فإن ما يتفرّد به على أصحابه يكون مقبولاً، ومعلوم أن معمراً أحد الأثبات المتقنين الذين رووا عن الزهريّ، ويشارك أصحابه الأثبات في رواياتهم عنه، فإذا انفرد عن أصحابه بشيء، فإنه يكون مقبولاً، على ما أوضحه الإمام مسلم، في كلامه المذکور. والحاصل أنّ معمراً من الصنف الثاني، لا من الأول، فلا يكون ما تفرّد به منكراً . ومن الغريب تشبيهه مخالفةً معمر بمخالفة سفيان حسين، فإن معمراً من الحفّاظ المتقنين من أصحاب الزهريّ، كما بيّناه آنفاً، وسفيان من ضعفاء ٦٨٣ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) أصحابه بالاتّفاق، فكيف يُشبّه أحدهما بالآخر، إن هذا لشيء عجيبٌ. والحاصل أن ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ دَخَّتُ له وجه وجيه فيما أراه، والله تعالى أعلم. (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ)؛ أي: هَدَرٌ، وليس المراد أنه لا زكاة فيه، وإنما المعنى أن من استأجر رجلاً للعمل في معدن مثلاً، فهلك فهو هَدَرٌ، ولا شيء على من استأجره. ووقع في رواية الأسود بن العلاء الآتية: ((والمعدن جَرْحِها جُبار))، والحكم فيه ما تقدم في البئر، لكن البئر مؤنثة، والمعدن مذكَّر، فكأنه ذَكَرَه بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن، فلو حَفَر معدناً في مُلکه، أو في موات، فوقع فيه شخص فمات، فدمه هَدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيراً يَعْمَل له، فانهار عليه فمات، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها فمات. وقال ابن قُدامة ◌َّتُهُ: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سمِّيت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضاً: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصُّفْر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحوها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. فمن أخرج شيئاً من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله صل﴾: ((لا زكاة في حَجَر)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء. وأوجب الحنفيّة في المعدن الخُمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن ٦٨٤ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأن الحديث فرَّق بينهما، فجعل لكلّ منهما حُكماً ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما سيأتي بيان ذلك قريباً، فتنبّه. (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ))) ((الركاز)) - بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زاي ـ: المال المدفون، مأخوذ من الرَّكْز - بفتح الراء - يقال: رَكَزه يَرْكُزُهُ رَكْزاً - من باب نصر -: إذا دفنه، فهو مركوز، قاله في ((الفتح))(١). فقوله: (الْخُمْسُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله؛ أي: الخمس واجب في الموجود في القرية الغير العامرة، وفي الكنوز التي دفنها أهل الجاهليّة، وإنما وجب الخمس فيهما لكثرة نفعهما، وسُهولة أخذهما . وقال في ((الفتح)): ذهب الجمهور إلى أن الركاز هو المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك، أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة، فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادَّعاه المالك فهو له، وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيى تلك الأرض، قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد تَخّْهُ: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقاً، أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث، وخصّه الشافعيّ أيضاً بالذهب والفضة، وقال الجمهور: لا يختص، واختاره ابن المنذر، واختلفوا في مصرفه، فقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: مصرفه مصرف خُمس الفيء، وهو اختيار المزنيّ، وقال الشافعيّ في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذميّ فعند الجمهور يُخرج منه الخمس، وعند الشافعيّ لا يؤخذ منه شيء، واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال، وأغرب ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ، فحَكَى عن الشافعيّ الاشتراط، ولا يُعرف ذلك في شيء من كُتبه، ولا من كُتب أصحابه. انتهى(٢). (١) (الفتح)) ٣٦١/٤. (٢) ((الفتح)) ٣٦٣/٤ - ٣٦٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٩٩). ٦٨٥ (١٢) - بَابٌ جَرْحُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) وقال ابن قدامة تَُّ: والأصل في صدقة الركاز هذا الحديث المتّفق عليه، قال: وهو أيضاً مجمع عليه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف هذا الحديث، إلا الحسن، فإنه فرَّق بين ما يوجد في أرض الحرب، وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخُمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، وأوجب الخمس في الجميع: الزهريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٥٧/١٢ و ٤٤٥٨ و٤٤٥٩ و٤٤٦٠ و٤٤٦١] (١٧١٠)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٩٩) و((الشرب)) (٢٣٥٥) و((الديات)) (٦٩١٢)، و(أبو داود) في ((الإمارة)) (٣٠٨٥)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٤٢) و(الأحكام)) (١٣٧٧)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٤٥/٥) و((الكبرى)) (٢٣/٢ - ٢٤ و٤٢٣/٣ - ٤٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٧٣)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٦٧٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٤٨/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣٠٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّه)) (١٨٣٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٢٧١/٩)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٠٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩٥/٢ و٥٠١)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (١٣٧/١ و٤٤٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٩٣/١ ١٩٦/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٣٢٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٠٥ و٦٠٠٦)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١١٥٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٨/١ و٢٠١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٧/١٠ و٤٥٩ و٤٦١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٦/٤ و١٥٧ و١٥٨ و١٥٩)، و(الدارقطنيّ) في (١) (المغني)) لابن قدامة ٢٣١/٥ - ٢٣٢. ٦٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ((سننه)) (١٤٩/٣ - ١٥٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٥/٤ و١١٠/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٥٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي. ٢ - (ومنها): أن من حفر بئراً في مُلكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتَلِف إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه. ٣ - (ومنها): أن من استخرج معدناً من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه. ٤ - (ومنها): أن من وجد ركازاً وجب عليه أداء خُمسه، ثم الباقي له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمِّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوباً إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكباً، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائداً، أو حملها عليه بضرب، أو نَحْس، أو زَجْر فيما إذا كان سائقاً، فإن أتلفت شيئاً برأسها، أو بعَضِّها، أو ذَنَبها، أو نفحتها بالرِّجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه. وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالٍ، سواء أتلفت ليلاً أو نهاراً، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راكبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجِراً، أو مستعيراً، أو غاصباً، وسواء أتْلَفت بيدها، أو برجلها، أو عَضِّها، أو ذَنَبها. وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لِمَا أصابت الدّابّة إلا أن تَرْمَحَ الدابّة من غير أن يُفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور العلماء. وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذَنّبها، إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، ٦٨٧ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالِْثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) وآخرون: إنه ضامن لِمَا أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضاً، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَدْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب ((الهداية)). وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها . وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكَم، والشعبيّ: يضمن، لا يَبْطُل دم المسلم. وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها: ((الرِّجْلُ جُبار)). لكنه ضعيف؛ لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل. وذكروا أيضاً من حيث المعنى أنه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه. ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، فَفِعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به، أم لم يعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه. وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوباً إليه، بأن حَمَلها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئاً برأسها، أو بعَضِّها، أو ذَنَبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَاراً بنصّ الشارع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف ٦٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلاً أو نهاراً، وهو قول الحنفيّة، والظاهریّة. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهاراً، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت. ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضاً، وابن ماجه من رواية عبد الله بن عيسى، والنسائيُّ أيضاً من رواية محمد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن حرام بن مُحَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب رضيها، قال: كانت له ناقةٌ ضارية، فدخلت حائطاً، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله وَ لّ ((أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل)). وأخرج ابن ماجه أيضاً من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيّصة: أن ناقة للبراء، ولم يسمّ حَرَام. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه رجلاً، قال: ((عن حرام بن محيّصة، عن أبيه)). وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه، عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة. وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في ((المختصر)) عنه، عن سفيان، عن الزهريّ، فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: ((إن ناقة للبراء)). وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء. وحرام - بمهملتين - اختُلِف، هل هو ابن محيّصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة؟ قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق. . ( قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبّان، لكن قال: إنه لم يسمع من البراء. انتهى. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: ((عن البراء))؛ أي: عن ٦٨٩ (١٢) - بَابٌ جَرْحُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِتْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) قصّة ناقة البراء، فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشیاخ. وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسَلاً، فهو مشهور، حدّث به الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ. وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث: ((العجماءُ جرحها جُبَار))؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال: ((العجماء جبار))، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال، دلّ ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبار، وفي حال غير جُبار. ثم نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب بحديث: ((الرِّجْلُ جبار)) مع ضعف راويه، كما تقدّم. وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلاً، وحبسها نهاراً انعكس الحكم على الأصحّ. وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القَسْم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلاً، ويأوي إلى أهله نهاراً لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القَسْم بالليل. نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلاً، وبعضهم يرسلها نهاراً، فالظاهر أنه يُقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملاً بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول - كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ ◌َُّهُ - فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ كَّثُهُ، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به؛ لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب: ((العجماء جرحها جبار)). والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يَضْمَنون، وإذا ٦٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء ه المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله: ((وفي الركاز الخمس))، وفيه مباحث: (الأول): أن الركاز الذي يتعلّق به وجوب الخُمس هو ما كان من دِفْن الجاهليّة، هذا قول الحسن، والشعبيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي ثور، ويُعتبر ذلك بأن تُرى عليه علاماتهم؛ كأسماء ملوكهم، وصُوَرهم، وصُلُبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك، فإن كان عليه علامات الإسلام، أو اسم النبيّ وَّ، أو أحدٌ من خلفاء المسلمين، أو وَالٍ لهم، أو آية من القرآن، ونحو ذلك، فهو لُقَطة؛ لأنه مُلك مسلم، لم يُعلَم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك، كما نَصّ عليه أحمد في رواية عنه؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يُعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. ذكره ابن قدامة تَخْتُ، والله تعالى أعلم. (الثاني): الكلام في موضع الركاز: وذلك أن موضعه لا يخلو من أربعة أقسام: (أحدها): أن يجده في موات، أو ما لا يُعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار المُلْكِ، كالأبنية القديمة، والتُّلُول، وجُدْران الجاهليّة، وقبورهم. فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما سبق عن الحسن. (ثانيها): أن يجده في ملكه المنتَقِلِ إليه، فهو له في إحدى الروايتين عن أحمد، لأنه مال كافر مظهورٌ عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم. والرواية الثانية أنه للمالك قبله، إن اعترف به، وإن لم يعترف به فللذي قبله، إلى أول مالك، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن يده كانت على الدار، فكانت على ما فيها . (ثالثها): أن يجده في مُلك آدميّ مسلم معصوم، أو ذميّ. فعن أحمد ما يدلّ على أنه لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن. ونُقل عن أحمد ما يدلّ على أنه لواجده، وهو قول الحسن بن صالحٍ، وأبي ثور، واستحسنه أبو يوسف. وقال الشافعيّ: هو لمالك الدار، إن اعترف به، وإلا فلأول مالك؛ لأنه في يده. ٦٩١ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧) (رابعها): أن يجده في أرض الحرب، فإن لم يَقْدِر عليه إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قَدَر عليه بنفسه، فهو لواجده، وهذا مذهب أحمد؛ لأنه ليس لموضعه مالك محترم، فأشبه ما لو لم يُعرَف مالكه. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: إن عُرف مالك الأرض، وكان حربيّاً، فهو غنيمة أيضاً؛ لأنه في حرزِ مالك معيّن، فأشبه ما لو أخذه من بيت، أو خزانة. والله تعالى أعلم بالصواب. (الثالث): في صفة الركاز الذي فيه الخُمس: هو كلّ ما كان مالاً على اختلاف أنواعه، من الذهب، والفضّة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والآنية، وغير ذلك. وهو قول إسحاق، وأبي عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعيّ، والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لعموم قوله وقيل: ((وفي الركاز الخمس))، والله تعالى أعلم بالصواب. (الرابع): في حكم الخمس المتعلّق به: (اعلم): أنه يخمَّس قليل الركاز، وكثيره. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو قول قديم للشافعيّ، ومن أصحابه من لم يُثبته. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ في الجديد: يُعتبر فيه النصاب، فلا تجب الزكاة فيما دونه، إلا إذا كان في مُلكه ما يكمّله من جنس النقود الموجود. قال ابن المنذر: القول الأول أولى بظاهر الحديث، وبه قال جلّ أهل العلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (الخامس): في قَدْر الواجب في الركاز، ومصرفه: أما قدره فهو الخمس؛ للحديث السابق، وللإجماع، وأما مصرفه، فقيل: هم مصارف الزكاة، وبه قال أحمد، والشافعيّ. وقيل: مصرفه مصرف الفيء، وهي رواية عن أحمد، قال ابن قدامة: وهذه الرواية أصحّ، وأقْيَس على مذهبه . ٦٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو الذي يترجّح عندي؛ لإطلاق اسم الخمس عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. (السادس): فیمن یجب عليه الخمس: هو كلّ مَنْ وجده مِنْ مسلم، وذميّ، وحرّ، وعبد، ومكاتَب، وكبير، وصغير، وعاقل، ومجنون. وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه العلم على أنّ على الذميّ في الركاز يجده الخمسَ. قاله مالكٌ، وأهل المدينة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأهل العراق، من أصحاب الرأي، وغيرهم. وقال الشافعيّ: لا يجب الخُمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. وحُكي عنه في الصبيّ، والمرأة أنهما لا يملكان الركاز. وقال الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبداً يُرضَخ له منه، ولا يعطاه کلّه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله وَّ: ((وفي الركاز الخمس))، فإنه يدلّ بعمومه على وجوب الخمس في كلّ ركاز، وأن باقيه لواجده، أيّاً كان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعبد الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى - حَدَّثَنَا مَالِكَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، مِثْلَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عبد الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ من كبار [١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع، ٦٩٣ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٨) سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في ((الكسوف)) ٢١١٠/٣. ٥ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْئَةَ) يعني: أن شيوخه الأربعة رووا هذا الحديث عن سفيان بن عيينة. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ، ساقها أبو داود تَخُّْ في ((سننه))، فقال: (٤٥٩٣) - حدّثنا مسدّد، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب وأبي سلمة، سمعا أبا هريرة يحدِّث عن رسول الله وَِّ قال: ((العجماء جَرْحها جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس)). قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد، وتكون بالنهار لا تکون باللیل. انتھی(١). وساقها أيضاً ابن الجارود تَخَّتُهُ في ((المنتقى))، ولفظه: (٣٧٢) - حدّثنا ابن المقرئ، قال: ثنا سفيان، قال: أوّلَ ما رأيت الزهريّ سألته عن هذا الحديث، فحدَّثني، قال: ثني سعيد، وأبو سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة ظه يحدِّث عن رسول الله وَالل أنه قال: ((العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). انتهى(٢). وأما رواية مالك عن الزهريّ، فساقها البخاريّ تَّتُ في ((صحيحه))، فقال: (١٤٢٨) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به أن رسول الله فقال: ((العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). انتهى(٣)، الله تعالى أعلم. (١) ((سنن أبي داود)) ١٩٦/٤. (٣) ((صحيح البخاري)) ٥٤٥/٢. (٢) ((المنتقى)) لابن الجارود ١٠١/١. ٦٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريباً، و((يونس)) هو: ابن يزيد الأيليّ، و((عبيد الله بن عبد الله)) هو: ابن عتبة بن مسعود. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ هذه ساقها الدار قطنيّ ◌َّهُ في ((سننه))، فقال: (٢٠٧) - نا أبو بكر النيسابوريّ، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي (ح) ونا أبو بكر، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ الر قال: ((العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). قال ابن شهاب: والجبار: الْهَدَرُ، والعجماء: البهيمةُ، قال أبو بكر: لا أعلم أحداً ذكر في إسناده عبيد الله بن عبد الله غير يونس بن يزيد. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أشبع الدارقطنيّ تَظْثُ الكلام في هذه الرواية في كتابه (العلل)، ودونك نصّه: (١٨١٤) - وسئل عن حديث سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال رسول الله وَل: ((العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). فقال: يرويه الزهريّ، واختُلف عنه، فرواه ابن جريج، وليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة، وقيل: عنه، عن الزهريّ، عن سعيد، وكذلك قال زمعة بن صالح، والزُّبيديّ، واختُلِف عن يونس بن يزيد، فرواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهريّ (١) ((سنن الدار قطنيّ)) ١٥١/٣. (١٢) - بَابٌ جَرْحُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٩) ٦٩٥ عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وخالفه ابن وهب، رواه عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله وحده، عن أبي هريرة، والصحيح عن الزهريّ، عن سعيد وأبي سلمة، وحديثه عن عبيد الله غير مدفوع؛ لأنه قد اجتَمَع عليه اثنان، والله أعلم. ثنا ابن مبشر، ثنا أحمد بن سنان القطان، ثنا موسى بن داود (ح) وثنا النيسابوريّ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرني أبي، وشعيب بن الليث (ح) وثنا النيسابوريّ، حدّثني يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، قالوا: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله وسلم قال: ((العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). قال النيسابوريّ في حديثه: حدثني ابن شهاب، ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا محمد بن جوان، ثنا خالد بن مخلد، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). ثنا النيسابوريّ، ثنا الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعيّ، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ◌َ* قال بنحوه. ثنا إبراهيم بن حماد، قال: ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج، حدّثني الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال رسول الله قال: ((العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). ثنا أبو بكر النيسابوريّ، ثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلي أنه قال: ((العجماء جَرْحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). قال ابن شهاب: الْجُبَار: الْهَدَر، والعجماء: البهيمة. ٦٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود فقال: يرويه يزيد بن إبراهيم التستريّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقال ذلك عبد الوهاب الثقفيّ، عن يزيد، ولا يصح عن أبي هريرة، وإنما رواه محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال ذلك عبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر، عن أيوب، وغيرهما يرويه عن ابن سيرين، عن أبي بكرة، وحديث أبي بكرة هو المحفوظ. انتهى كلام الدارقطنيّ تَخْذِفُهُ(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عبد الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((الْبِتْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) الأمويّ، أبو موسى المكيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن جارية - بالجيم - الثقفيّ، ويقال له: سويد، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي سلمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومولى لسليمان بن عبد الملك. وروى عنه أيوب بن موسى، وجعفر بن ربيعة، وعبد الحميد بن جعفر، وابن أبي ذئب. قال أبو زرعة: شيخ، ليس بالمشهور، وقال النسائي في ((التمييز)): ثقةٌ، وكذا قال العجليّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: من قال العلاء بن الأسود بن جارية فقد وَهِمَ، يشير إلى أن بعضهم قَلَبه، وأشار البخاريّ في ((التاريخ)) إلى أنه يقال له أيضاً: سُوَيد. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان فقط، (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) للدار قطنيّ ٩/ ٣٨٧، ٢٦/١٠. ٦٩٧ (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٦١) هذا برقم (١٧١٠)، وحديث (٢٩٠٧): ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات ... )). والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَغْنِي: ابْنَ مُسْلِم - (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، خَّدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) أو بعدها (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٥٢٦/١٠٠. ٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم) الْجُمحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (١٦٧) (بخ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٥٢٦/١٠٠. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٠. والباقون ذكروا في الباب، وقبل بابین. [تنبيه]: رواية الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد ساقها أبو عوانة وَذَلُهُ في ((مسنده))، فقال: (٦٣٥٣) - حدّثنا الفضل بن الْحُبَاب، قثنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، قال: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((العجماء جبار، والبئر ٦٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). انتهى (١). ورواية شعبة، عن محمد بن زياد ساقها الإمام أحمد كّثُ في ((مسنده))، فقال : (٩٨٨٣) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله رَ 18 قال: ((العجماء جَرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). انتهى(٢). وقال أحمد أيضاً : (٩٨٥٨) - حدّثنا حجاج، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَر، أو قال: قال أبو القاسم ◌َلهى: ((العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). قال شعبة: ما سمعت أحداً يقول: ((الركائز)) غيره. انتهى(٢). وساقها البخاريّ أيضاً في «صحيحه))، لكن بلفظ: ((العجماء عَقْلُها جبار))، فقال: (٦٥١٥) - حدّثنا مسلم، حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ربه، عن النبيّ وَّ قال: ((العجماء عَقْلُها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع والعشرين من ((شرح صحيح الإمام مسلم)) المسمَّى ((البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٥٦/٤. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٥٦/٢. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢/ ٤٥٤. (٤) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٣٣. (١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِتْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٦١) ٦٩٩ وقت الضحى يوم الجمعة المبارك، وهو اليوم الثالث عشر من شهر شوال المبارك (١٤٣٠/١٠/١٣ هـ) الموافق (٢ أكتوبر ٢٠٠٩ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كَُا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِنَ ١٨٠ رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٨٢ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. ((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). ((السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته)). ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثلاثون مفتتحاً بـ ٢٩ - (كِتَابُ الأَقْضِيَةِ)، (١) - (بَابُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) رقم [٤٤٦٢] (١٧١١). ((سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)». %