Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣)
ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث، عن عبادة في هذا الحديث: ((ومن
أتى منكم حدّاً))؛ إذ القتل على الشرك لا يسمى حدّاً، لكن يَعْكُر على هذا
القائل أن الفاء في قوله: ((فمن)) لترتّب ما بعدها على ما قبلها، وخطاب
المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك، وما ذُكر في الحدّ عرفيّ حادث،
فالصواب ما قال النوويّ نَُّ .
وقال الطيبيّ: الحقّ أن المراد بالشرك: الشرك الأصغر، وهو الرياء،
ويدلّ عليه تنكير ((شيئاً))؛ أي: شركاً أيّاً ما كان.
وتُعُقّب بأن عُرف الشارع إذا أَطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد،
وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب، والأحاديث، حيث لا يراد به إلا ذلك.
ويجاب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فما قاله مُحْتَمِلٌ، وإن
كان ضعيفاً، ولكن يَعْكُر عليه أيضاً أنه عَقَّب الإصابةَ بالعقوبة في الدنيا،
والرياء لا عقوبة فيه، فَوَضَح أن المراد: الشرك، وأنه مخصوص(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن الشرك هنا هو المقابل للتوحيد،
فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((فهو كفارته)): هذا حجَّة واضحة لجمهور
العلماء على أن الحدود كفارات، فمن قَتَل فاقتُصَّ منه لم يبق عليه ◌ِلْبَةٌ في
الآخرة؛ لأنَّ الكفارات ماحيةٌ للذنوب، ومصَيِّرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن.
وقد ظهر ذلك في كفارة اليمين والظّهار وغير ذلك. فإن بقي مع الكفارة شيء
من آثار الذنب لم يَصْدُق عليها ذلك الاسم. وقد سمعنا من بعض مشايخنا: أن
الكفارة إنَّما تكفّر حقّ الله تعالى، ويبقى على القاتل حق المقتول يطلبه به يوم
القيامة. وتَطَّرِدُ هذه الطريقة في سائر حقوق الآدميين.
قلت(٢): وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه تخصيص لعموم ذلك الحديث بغير
دليل، وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنَّه لمّا أباح الله دم القاتل
بسبب جريمته، وقُتِل، فقد فُعِل به مثل ما فَعَل من إيلام نفسه، واستباحة دمه،
(١) ((الفتح)) ١٢٦/١ - ١٢٧، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨).
(٢) القائل هو القرطبيّ تَظّثُ.

٦٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
فلم يبق عليه شيء. وهذا معنى القصاص. انتهى(١).
(وَمَنْ أَصَابَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من الذنوب المذكورة، (فَسَتَرَهُ اللهُ
عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ) قال المازريّ(٢): فيه ردٌّ على الخوارج الذين يُكَفِّرون
بالذنوب، وردٌّ على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛
لأن النبيّ وَ﴿ أَخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لا بُدّ أن يعذبه.
وقال الطيبيّ: فيه إشارة إلى الكفّ عن الشهادة بالنار على أحد، أو
بالجنة لأحد، إلا من ورد النص فيه بعينه.
قال الحافظ: أما الشق الأول فواضح، وأما الثاني فالإشارة إليه إنما
تُستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث، وهو متعيّن. انتهى (٢).
(إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ))) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: يعني: إذا مات
عليه، ولم يَتُب منه. فأمَّا لو تاب منه لكان كمن لم يُذنب؛ بنصوص القرآن
والسُّنَّة كما قد تقدم. وهذا تصريحٌ بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأنَّ الكفر
لا يُغْفَر لمن مات عليه بالنصّ والإجماع. وهي حجَّة لأهل السُّنَّة على الْمُكَفِّرة
بالذنوب، وهم الخوارج، أهل البدعة. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح): قوله: ((إن شاء عفا عنه ... إلخ)): هذا يَشْمَل من تاب
من ذلك، ومن لم يَتُب، وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا
يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يَأْمَن مكر الله؛ لأنه لا اطلاع له: هل قُبلت توبته
أو لا؟ وقيل: يُفَرّق بين ما يجب فيه الحدّ، وما لا يجب، واختُلِف فيمن أتى ما
يوجب الحدّ، فقيل: يجوز أن يتوب سرّاً، ويكفيه ذلك، وقيل: بل الأفضل أن
يأتي الإمام، ويعترف به، ويسأله أن يقيم عليه الحدّ، كما وقع الماعز، والغامدية،
وفَصَّل بعض العلماء بين أن يكون مُعلناً بالفجور، فيستحب أن يُعْلِن بتوبته، وإلا
فلا، قاله في ((الفتح))(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ١٤١/٥ - ١٤٢.
(٢) ((المُعْلِم)) ٢٦١/٢.
(٣) ((الفتح)) ١٣١/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨).
(٤) ((المفهم)) ١٤٢/٥.
(٥) ((الفتح)) ١٣٢/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨).

٦٦٣
(١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت ظه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٥٣/١١ و٤٤٥٤ و٤٤٥٥ و٤٤٥٦] (١٧٠٩)،
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (١٨) و((المناقب)) (٣٨٩٢) و((التفسير)) (٤٨٩٤)
و((الحدود)) (٦٧٨٤) و((الأحكام)) (٧٢١٣) و((التوحيد)» (٧٤٦٨)، و(الترمذيّ) في
((الحدود)) (١٤٣٩)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٤١/٧ - ١٤٢) و((الكبرى)) (٤/
٤٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٦٠٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٨٧/٢
- ١٨٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤/٦ و٤٦٤/١١)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٧٩/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٢٠/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٠/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٨٠٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٣/٤ و١٥٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٤٠٥)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢١٤/٣)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (١٠٨/٨ -١٠٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الحدود كفّارات لأهلها، ويؤيد ذلك ما رواه من
الصحابة غير واحد: منهم: عليّ بن أبي طالب ظُه، وأبو تميمة الجهنيّ،
وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن عمر ، وسيأتي بيان رواياتهم في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): مشروعيّة المبايعة على الأمور المذكورة في الحديث.
٣ - (ومنها): أن هذه البيعة تُسمّى بيعة النساء؛ لأنه ليس فيها ذكر
الجهاد .
٤ - (ومنها): أن إقامة الحدّ كفارة للذنب، ولو لم يَتُب المحدود، وهو
قول الجمهور، وقيل: لا بدّ من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول
للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين البغويّ، وطائفة يسيرة، واستدلُّوا
باستثناء من تاب في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾

٦٦٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
[المائدة: ٣٤]، والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا، ولذلك قُيِّدت بالقدرة
عليه، قاله في ((الفتح))(١) .
٥ - (ومنها): أن آخر الحديث يدلّ على أن الله لا يجب عليه عقاب
عاص، وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب مطيع أصلاً؛ إذ لا قائل
بالفصل.
٦ - (ومنها): أن معنى قوله: ((فهو إلى الله))؛ أي: حُكمه من الأجر
والعقاب مفوَّض إلى الله تعالى، وهذا يدلّ على أن من مات من أهل الكبائر
قبل التوبة إن شاء الله عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلَ مرة، وإن شاء عذبه في
النار، ثم يدخله الجنة، وهذا مذهب أهل السُّنّة والجماعة، وقالت المعتزلة:
صاحب الكبيرة إذا مات بغير التوبة لا يُعْفَى عنه، فيُخَلَّد في النار، وهذا
الحدیث حجة عليهم.
٧ - (ومنها): ما قال الطيبيّ ◌َخْتُ: فيه إشارة إلى الكفّ عن الشهادة
بالنار على أحد، وبالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال القاضي عياض ◌َّلهُ: ذهب أكثر العلماء أن
الحدود كفاراتٌ، واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم مَن وَقَفَ؛ لحديث أبي
هريرة عنه أن النبيّ وَ ﴿ قال: ((لا أدري، الحدود كفارة لأهلها أم لا؟))، لكن
حديث عبادة أصحّ إسناداً .
ويمكن - يعني: على طريق الجمع بينهما - أن يكون حديث أبي هريرة
وَرَد أوّلاً قبل أن يُعْلِمه الله، ثم أعلمه بعد ذلك.
قال الحافظ تَخْلُ: حديث أبي هريرة به أخرجه الحاكم في
((المستدرك))، والبزار، من رواية معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ،
عن أبي هريرة تظله، وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه أحمد، عن
عبد الرزاق، عن معمر، وذكر الدارقطنيّ أن عبد الرزاق تفرّد بوصله، وأن
هشام بن يوسف رواه عن معمر، فأرسله.
(١) ((الفتح)) ١/ ١٣١ رقم (١٨).

٦٦٥
(١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣)
قال الحافظ: وقد وصله آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، وأخرجه
الحاكم أيضاً، فقَوِيَت رواية معمر، وإذا كان صحيحاً فالجمع الذي جَمَع به
القاضي عياض حسن، لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا
كان بمكة ليلة العقبة لَمّا بايع الأنصار رسول الله وَله البيعة الأولى بمنى، وأبو
هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدماً؟
وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبيّ وَّ،
وإنما سمعه من صحابي آخر، كان سمعه من النبيّ وَ ◌ّ قديماً، ولم يسمع من
النبيّ وَّو بعد ذلك أن الحدود كفارة، كما سمعه عبادة.
قال الحافظ: وفي هذا تعسُّفٌ، ويُبطله أن أبا هريرة صرَّح بسماعه، وأن
الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك، والحقّ عندي أن حديث أبي هريرة صحيح،
وهو ما تقدم على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على
الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما كان ليلة العقبة ما ذَكَرَ ابن إسحاق
وغيره من أهل المغازي أن النبيّ وَ* قال لمن حضر من الأنصار: ((أبايعكم
على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم))، فبايعوه على ذلك، وعلى
أن يَرْحَل إليهم هو وأصحابه، وفي حديث عبادة أيضاً قال: ((بايعنا رسول الله وَلـ
على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر، والمَنْشِط والمَكرَه ... )) الحديث.
وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ من وجه
آخر عن عبادة، أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام، فقال: يا
أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله يسير على السمع والطاعة، في
النَّشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول
بالحقّ، ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله وَ﴿ إذا قَدِم
علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبناءنا، ولنا الجنة، فهذه
بيعة رسول الله ولو التي بايعناه عليها، فذكر بقية الحديث، وعند الطبرانيّ له
طريق أخرى، وألفاظ قريبة من هذه.
وقد وَضَح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى، ثم صدرت مبايعات
أخرى، منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش
المذكورة. والذي يُقَوِّي أنها وقعت بعد فتح مكة، بعد أن نزلت الآية التي في

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
((الممتحنة))، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾ الآية
[الممتحنة: ١٢]، ونزول هذه الآية متأخّر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل
على ذلك ما عند البخاريّ في ((كتاب الحدود)) من طريق سفيان بن عيينة، عن
الزهريّ، في حديث عبادة هذا: أن النبيّ وَّ لَمَّا بايعهم قرأ الآية كلها، وعنده
في (تفسير الممتحنة)) من هذا الوجه، قال: قرأ آية النساء، ولمسلم من طريق
معمر، عن الزهريّ، قال: ((فتلا علينا آية النساء، قال: أن لا تشركن بالله
شيئاً))، والنسائيّ من طريق الحارث بن فضيل، عن الزهريّ: أن رسول الله وَله
قال: ((ألَا تبايعونني على ما بايع عليه النساء، أن لا تشركوا بالله شيئاً ... ))
الحديث، وللطبرانيّ من وجه آخر، عن الزهريّ بهذا السند: ((بايعنا رسول الله وَله
على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة))، ولمسلم من طريق أبي الأشعث، عن
عبادة في هذا الحديث: ((أَخَذ علينا رسول الله وَطير كما أخذ على النساء)).
فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد
صدور البيعة، بل بعد فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة به بمدّة، ويؤيد
هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن
الظُّفَاويّ، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال
رسول الله قال: ((أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً ... ))، فذكر نحو حديث
عبادة، ورجاله ثقات.
وقد قال إسحاق بن راهويه تَخَّتُهُ: إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب،
فهو کأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. انتھی.
وإذا كان عبد الله بن عمرو أحدَ من حضر هذه البيعة، وليس هو من
الأنصار، ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة،
وَضَح تغاير البيعتين: بيعة الأنصار ليلة العقبة، وهي قبل الهجرة إلى المدينة،
وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة، وشهدها عبد الله بن عمرو، وكان إسلامه
بعد الهجرة بمدّة طويلة.
ومثل ذلك ما رواه الطبرانيّ من حديث جرير، قال: بايعنا رسول الله وعليه
على مثل ما بايع عليه النساء، فذكر الحديث، وكان إسلام جرير متأخراً عن
إسلام أبي هريرة على الصواب.

٦٦٧
(١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣)
وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معاً،
وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدَّث تنويهاً
بسابقيّته، فلمّا ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عَقِب ذلك
توهّم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك.
ونظيره ما أخرجه أحمد، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدّه، وكان أحد النقباء، قال:
((بايعنا رسول الله وَل بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في
العقبة الأولى على بيعة النساء، وعلى السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا))
الحديث، فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين، ولكن الحديث في ((الصحيحين)) كما
عند البخاريّ في ((الأحكام)) ليست فيه هذه الزيادة، وهو من طريق مالك، عن
يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبادة بن الوليد، والصواب أن بيعة الحرب بعد
بيعة العقبة؛ لأن الحرب إنما شُرع بعد الهجرة.
ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق، وردّها إلى ما تقدم، وقد اشتَمَلت
روايته على ثلاث بيعات: بيعة العقبة، وقد صَرَّح أنها كانت قبل أن يُفْرَض
الحرب، في رواية الصنابحيّ، عن عبادة، عند أحمد، والثانية: بيعة الحرب،
وكانت على عدم الفرار، والثالثة بيعة النساء؛ أي: التي وقعت على نظير بيعة
النساء، والراجح أن التصريح بذلك وَهَمٌّ من بعض الرواة، والله أعلم.
ويَعْكُر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق، من طريق الصنابحيّ،
عن عبادة: أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء، واتَّفَق وقوع ذلك
قبل أن تنزل الآية، وإنما أضيفت إلى النساء؛ لِضَبْطها بالقرآن.
ونظيره ما وقع في ((الصحيحين)) أيضاً من طريق الصنابحيّ، عن عبادة،
قال: ((إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله (وَ ل38))، وقال: ((بايعناه على أن لا
نشرك بالله شيئاً))، الحديث، فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكن المراد ما قررته
أن قوله: ((إني من النقباء الذين بايعوا))؛ أي: ليلة العقبة على الإيواء والنصر،
وما يتعلق بذلك، ثم قال: ((بايعناه ... إلخ))؛ أي: في وقت آخر، ويشير إلى
هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله: ((وقال: بايعناه))، وعليك بردّ ما أتى من
الروايات مُوهِماً بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نَهَجت

٦٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
إليه، فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض،
ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة. انتهى.
[تنبيه]: اعلم أن عبادة بن الصامت ظُبه لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل
روى ذلك عليّ بن أبي طالب ظه، وهو في الترمذيّ، وصححه الحاكم،
وفيه: ((من أصاب ذنباً، فعوقب به في الدنيا، فالله أكرم من أن يثنّي العقوبة
على عبده في الآخرة))، وهو عند الطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي تميمة
الْهُجَيميّ ◌َظُبه، ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت رُه بإسناد حسن، ولفظه:
((من أصاب ذنباً، أقيم عليه حدّ ذلك الذنب، فهو كفارة له))، وللطبرانيّ عن ابن
عمرو مرفوعاً: ((ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارةً لِمَا أصاب من
ذلك الذنب)).
قال الحافظ تَُّ: وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال
اللَّبس فيه على الوجه المَرضيّ والله الهادي. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ تَُّهُ، وأفاد، وللعينيّ كعادته
المستمرّة تعقّبات من تأمَّلها عَلِم أن معظمها تعصّبات، والله المستعان.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((فَتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَنْ لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق تَّتُهُ في
((مصنّفه))، فقال:
(٢١٠١٩) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن
أبي إدريس الخولانيّ، عن عبادة بن الصامت، قال: بايع رسول الله وَلقول نفراً،
(١) ((الفتح)) ١٢٧/١ - ١٣٠، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨).

٦٦٩
(١١) - بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٥)
أنا فيهم، فتلا علينا آية النساء: ﴿وَلَا تُشْرِكُواْ بٍِ﴾ الآية [النساء: ٣٦]، ثم قال:
((من وفى فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعوقب به في الدنيا،
فهو له طهرة - أو قال: كفارة - ومن أصاب من ذلك شيئاً، فسَتَره الله عليه،
فأمْره إلى الله، إن شاء غَفر له، وإن شاء عَذّبه)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٥٥] ( ... ) - وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ،
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: أَخَذَ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِهِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لَا نُشْرَِكَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلَا نَسْرِقَ،
وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضاً، ((فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ
عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدّاً، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ
إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) من
أفراد المصنّف تقدم في ((الحيَّض)) ٧٤٨/١٠.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْران الْحَذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقة يرسل، ويقال:
تغيّر في الآخر [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرميّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ) شَرَاحيل بن آدة، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤)
تقدم في ((البيوع)) ٤٠٥٤/٣٦.
ذكر قبله .
و(«عبادة بن الصامت
وقوله: (كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ)؛ أي: بايعنا على بيعة النساء، وهي التي
بَيَّنها بقوله: ((أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ)).
وقوله: (وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا) قال محمد بن إسماعيل التيميّ وغيره: خَصّ
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٦٤/١١.

٦٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
القتل بالأولاد؛ لأنه قتلُ وقطيعةُ رَحِم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان
شائعاً فيهم، وهو وأد البنات، وقتل البّنِّين؛ خشيةَ الإملاق، أو خصَّهم بالذِّكر؛
لأنهم بصدد أن لا يَدفعوا عن أنفسهم. انتهى (١).
وقوله: (وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضاً) - بفتح الياء، والضاد المعجمة -؛ أي:
لا يَسْخَر، وقيل: لا يأتي ببهتان، وقيل: لا يأتي بنميمة، قاله النوويّ.
وقال المجد تَُّهُ: وعَضَهَ، كمَنَعَ عَضْهاً، ويُحرَّك، وعَضِيهةً، وعِضْهَةً
بالكسر: كَذَبَ، وسَحَرَ، ونَمَّ، والبعيرُ عَضْهاً: أكل الْعِضَاهَ، وكَفِرِحَ: اشتكى
مِنْ أَكْلها، أو رعاها، وجاء بالإفك، والبُهتان، كأَعْضَه، وفلاناً: بَهَته، وقال
فیه ما لم یکن. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْلُ: قوله: ((ولا يَعْضَهَ بعضُنا بعضاً)) هكذا رواية
الجماعة، وقيل: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه السِّحر؛ أي: لا يسحر بعضنا بعضاً، والعَضْهُ، والعَضِيهَة:
السِّحر. والعاضِهُ: السَّاحر. والعاضِهَةُ: السَّاحرة.
والثاني: أنَّه النَّمِيمَة والكذب.
والثالث: البُّهْتان.
قال: وهذه الثلاثة متقاربة في المعنى؛ لأنَّ الكل كذبٌ وزور. ويقال
لكلِّها عَضْهٌ، وعَضِيهةٌ. ويُصَرَّف فعلها كما سبق، وقد روى العذري هذه اللفظة:
(ولا يَعْضِي بعضنا بعضاً)) - بالياء مكان الهاء - على وزن: يقضي، ويكون من
التعضية، وهي التفريق والتجزئة. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾
[الحجر: ٩١]، قال ابن عباس: فرَّقوه فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعض. وعلى هذا:
فيكون عضين: جمع عِضَه. يكون منقوضاً؛ لأنَّ أصله: عِضْوةٌ، فحذفوا الواو،
ونقلوا حركتها إلى الساكن قبلها، كما فعلوه في عِزَةٍ، فيكون معناه في الحديث:
لا تَكْذب عليه فتبهته بأنواع من البهتان والكذب، فتفرّقها عليه في أوقات،
وتنسبها إليه في حالات. ورواية الجماعة أوضح. انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ١٢٥/١ رقم (١٨).
(٣) ((المفهم)) ١٤٠/٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٨٨٣.

٦٧١
(١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٥)
وقوله: (وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدّاً)؛ أي: ما يوجب الحدّ.
وقوله: (فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ) قال ابن العربيّ تَظُّهُ: دخل في عموم
قوله المُشْرك، أو هو مستثنى، فإن المشرك إذا عوقب على شِرْكه لم يكن ذلك
كفارة له، بل زيادة في نکاله.
قال الحافظ: وهذا لا خلاف فيه.
قال: وأما القتل فهو كفارة بالنسبة إلى الوليّ المستوفي للقصاص في حقّ
المقتول؛ لأن القصاص ليس بحقّ له، بل يبقى حقّ المقتول، فيطالبه به في
الآخرة، كسائر الحقوق.
قال الحافظ: والذي قاله في مقام المنع، وقد نقلت في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] قول من قال: يبقى
للمقتول حقّ التشفي، وهو أقرب من إطلاق ابن العربي هنا .
قال: وأما السرقة فتتوقف براءة السارق فيها على ردّ المسروق لمستحقه،
وأما الزنا فأطلق الجمهور أنه حقّ الله، وهي غفلة؛ لأن لآل المَزْنيّ بها في
ذلك حقّاً لِمَا يلزم منه من دخول العار على أبيها، وزوجها، وغيرهما،
ومحصّل ذلك أن الكفارة تختص بحقّ الله تعالى، دون حقّ الآدمي في جميع
(١)
ذلك. انتھی(١).
[تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد في هذا الحديث، في
((العلل)) فقال: ووجدت فيه لهشيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي
الأشعث، عن عبادة، قال: أَخَذ علينا رسول الله وسلم كما أخذ على النساء،
قال أبو الفضل: هذا حديث اختُلِف فيه على خالد، فرواه جماعة عن خالد
هكذا، وقال آخرون: عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن عبادة،
والاضطراب إنما هو من خالد، ورواه محمد بن المنهال الضرير، عن يزيد بن
زريع، قال: قلت لخالد - يعني: في هذا الحديث - كنتَ حدّثتنا عن أبي
قلابة، عن أبي الأشعث، قال: غَيِّرْه، واجعله عن أبي أسماء، عن عبادة،
أخبرنا أبو المثنى معاذ بن المثنى، عن محمد بن المنهال الضرير، حدّثنا يزيد بن
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٥٠/١٥ - ٥٥١، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٨٤).

٦٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
زريع، حدّثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ، قال
محمد: قال يزيد بن زريع: وكان حدّثنا به قبل ذلك، عن أبي الأشعث
الصنعانيّ، قال: قلت لخالد الحذاء: كنت حدثتنا به عن أبي الأشعث
الصنعانيّ، قال: غَيِّرْه، واجعله عن أبي أسماء، عن عبادة بن الصامت، قال:
أَخَذ علينا رسول الله وَلّ كما أخذ على النساء ستّاً، وقال: ((من أصاب منكم
حدّاً عُجِّلت عقوبته فهو كفارة له، ومن أُخِّر عنه فأمْره إلى الله، إن شاء عذبه،
وإن شاء رَحِمه)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد من تكلم في رواية أبي أسماء الرحبيّ،
عن عبادة هذه، غير أبي الفضل، ولم أر أيضاً من أخرجها سوى ما ذكره هنا،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخُّْ، وقد مضى تمام البحث
فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٥٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيّ،
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَمِنَ النُّقَبَاءِ (٢) الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِوَّهِ﴾
وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا تَقْتُلَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، فَالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ
غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ، وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ
إِلَی اللهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، يرسل [٥]
(ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
(١) ((علل الحديث في كتاب الصحيح)) ١٠٢/١ - ١٠٣.
(٢) وفي نسخة: ((إني من النقباء)).

٦٧٣
(١١) - بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٦)
٢ - (أَبُو الْخَيْرِ) مرئد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (الصُّنَابِحِيُّ) عبد الرحمن بن عُسيلة المراديّ، أبو عبد الله، ثقة، من
كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبيّ وَ ﴿ بخمسة أيام [٢] مات في خلافة
عبد الملك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب.
وقوله: (إِنِّي لَمِنَ النُّقَبَاءِ) وفي بعض النسخ: ((من النقباء)) بحذف اللام،
وهو بضمّ النون: جمع نقيب، وهو الناظر على القوم، وضمينهم، وعَريفهم،
يقال: نَقَبَ على قومه ينقُب نِقابةً، مثل كتب يكتُب كتابةً: إذا صار نقيبهم، وهو
العريف(١).
وقوله: (وَلَّا تَنْتَهِبَ) الانتهاب هو: الغلبة على المال والقهر، وقال ابن
بطال تَّتُهُ في تفسير حديث: ((نهى النبيّ وَِّ عن النُّهْبَى)): الانتهاب المحرَّم هو
ما كانت العرب عليه من الغارات، وعليه وقعت البيعة في حديث عبادة
وقال ابن المنذر له: النهبة المحرّمة أن ينهب مالَ الرجل بغير إذنه،
وهو له كاره، وأما المكروه فهو ما أَذِن صاحبه للجماعة، وأباحه لهم،
وغرضهم تساويهم فيه، أو تقاربهم، فيغلب القويّ على الضعيف.
وقال الخطابيّ كَّتُهُ: معلوم أن أموال المسلمين محرمة، فيُؤَوَّل هذا في
الجماعة يغزون، فإذا غَنِموا انتهبوا، وأَخَذ كل واحد ما وقع بيده مستأثراً به،
من غير قسمة، وقد يكون ذلك في الشيء تشاع الهبة فيه، فينتهبون على قدر
قوتهم، وكذلك الطعام يُقَدَّم إليهم، فلكل واحد أن يأكل مما يليه بالمعروف،
ولا ينتهب، ولا يستلب من عند غيره، وكذلك كَرِهَ من كره أخذ النثار في عقود
الأملاك ونحوه.
وقال الحسن، والنخعيّ، وقتادة: معنى الحديث: النهبة المحرَّمة، وهي
أن ينتهب مال الرجل بغير إذنه.
واختَلَف العلماء فيما يُنْثَر على رؤوس الصبيان، وفي الأعراس، فتكون
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥٠/١.

٦٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
فيها النهبة، فكرهه مالك، والشافعيّ، وأجازه الكوفيون، وإنما كُرِه؛ لأنه قد
يأخذ منه من لا يحبّ صاحب الشيء أَخْذه، ويجب أخذ غيره، وما حُكِي عن
الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالنهب في العرسات، والولائم، وكذلك الشعبيّ
فيما رواه ابن أبي شيبة عنه، فليس من النهبة المحرَّمة، وكذا حديث عبد الله بن
قُرْط عن النبيّ بَِّ أنه قال في البُدن التي نَحَرها: ((من شاء اقتَطَعَ))(١). قال
الشافعيّ: صار ملكاً للفقراء؛ لأنه خلى بينه وبينهم.
وأما ما رُوي عن عون بن عمارة، وعصمة بن سليمان، عن لِمَازة بن
المغيرة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل مظ لته أن
النبيّ ◌َ * كان في إملاك، فجاءت الجواري معهنّ الأطباق، عليها اللوز
والسكر، فأمسك القوم أيديهم، فقال: ((ألا تنتهبون؟)) قالوا: إنك كنت نهيتنا
عن النُّهبة، قال: ((تلك نُهبة العساكر، فأما العرسان فلا))، قال: فرأيت
رسول الله ( 18 يجاذبهم، ويجاذبونه.
فقال البيهقيّ: عون، وعصمة لا يُحتج بحديثهما، ولِمَازة مجهول، وابن
معدان عن معاذ منقطع.
وقال الشافعيّ: فإن أخذ آخذ لا تُجرح شهادته؛ لأن كثيراً يزعم أن هذا
مباح؛ لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه لمن أخذه، وكان أبو
مسعود الأنصاريّ يكرهه، وكذلك إبراهيم، وعطاء، وعكرمة، ومالك، وذكر
ابن قدامة أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة، وحُكِي عن داود أنه يرى
القطع على من أخذ مال الغير، سواء أخذه من حرز، أو من غير حرز، أفاده
في ((العمدة))(٢).
وقوله: (وَلَا نَعْصِيَ) بالعين، والصاد المهملتين، قال في ((الفتح)): وقع
في بعض النسخ: ((ولا نقضي)) بقاف وضاد معجمة، وهو تصحيف، وقد تكلف
بعض الناس في تخريجه، وقال: إنه نهاكم عن ولاية القضاء، ويبطله أن
(١) حديث صحيح: أخرجه أبو داود في ((سننه)) ١٤٨/٢.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٥/١٣، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٧٤).

٦٧٥
(١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ
عبادة نظّله ولي قضاء فلسطين في زمن عمر رَظُه، وقيل: إن قوله: ((بالجنة))
متعلق بـ((نقضي))؛ أي: لا نقضي بالجنة لأحد معيّن.
قال الحافظ: لكن يبقى قوله: ((إن فعلنا ذلك)) بلا جواب، ويكفي في
ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين،
وكذا الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان، ولأبي نعيم من طريق موسى بن
هارون، كلاهما عن قتيبة، وكذا هو عند البخاريّ أيضاً في هذا الحديث في
((الديات))، عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، في معظم الروايات، لكن عند
الكشميهنيّ بالقاف والضاد أيضاً، وهو تصحيف، كما بيّنّاه، وقوله: ((بالجنة))
إنما هو متعلّق بقوله في أوله: ((بايعناه)»، والله أعلم. انتهى (١).
وقوله: (فَالْجَنَّةُ) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فلنا الجنّة (إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ)
جواب الشرط مقدّر دلّ عليه ما قبله؛ أي: فلنا الجنة.
وتقدّم أنه وقع في رواية البخاريّ في ((المناقب)) بلفظ: ((بالجنّة إن فعلنا
ذلك))، وعليه فالجارّ والمجرور متعلّق بـ((بايعناه)) أول الحديث.
وقوله: (فَإِنْ غَشِينًا) بكسر الشين، من باب تَعِب؛ أي: إن فعلنا من هذه
الأشياء شيئاً .
وقوله: (كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ)؛ يعني: كان حكمه إلى الله، وهو
بمعنى قوله الماضي: ((فأمْره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٢) - (بَابٌ جَرْحُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِتْرِ جُبَارٌ)
((الْعَجْماء)) - بفتح العين المهملة، وسكون الجيم ـ تأنيث الأعجم، وهي
البهيمة، ويقال أيضاً لكل حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يُفصِح، والمراد
هنا الأول، وسُمّيت البهيمة عجماء؛ لأنها لا تتكلّم (٢).
(١) ((الفتح)) ١٣٢/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨).
(٢) ((الفتح)) ٣٦٣/٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٩٩).

٦٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
و((المعدن)) - بفتح الميم، وكسر الدال ــ كمَجلِسٍ: مَنْبِتُ الجواهر، من
ذَهَب ونحوه، سمّي به لإقامة أهله فيه دائماً، أو لإنبات الله تعالى إياه فيه،
ومكان كلّ شيء فيه أصله، أفاده في ((القاموس))(١).
وفي ((المصباح)): عَدَنَ بالمكان عَدْناً، وعُدُوناً، من بابي ضرب، وقَعَد:
أقام، ومنه: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣]؛ أي: جنّات إقامة، واسم المكان
مَعْدِنٌ، مثالٌ مَجْلِسٍ؛ لأن أهله يُقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأنّ الجوهر
الذي خلقه الله فيه عَدَنَ به. قال في ((مختصر العين)): مَعْدِنُ كلّ شيءٍ حيث
يكون أصله. وعَدَنت الإبل تَعْدِنُ، وتَعْدُنُ: أقامت ترعى الْحَمْضَ، وعَدَن
- بفتحتين -: بلدٌ باليمن، مشتقّ من ذلك، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ
أَبین. انتھی(٢).
و((الركاز)) - بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زايٌ -: المال المدفون
في الجاهليّة، فِعَالٌ بمعنى مفعولٍ، كالبساط بمعنى المبسوط، والكتاب بمعنى
المكتوب، وهو مأخوذ من الرَّكْز - بفتح الراء - يقال: رَكَزَ الرمحَ رَكْزاً، من
باب قتل: أثبته في الأرض، فارتكز، والْمَرْكِزُ وزان مسجد: موضع الثبوت؛
أي: كنوز الجاهليّة المدفونة في الأرض، أفاده في ((المصباح))(٣).
وقال في ((الصحاح)): دَفِين أهل الجاهلية، كأنه رُكز في الأرض؛ أي:
غُرِز. وقال في ((المحكم): قِطَعُ ذهب وفضّة، تُخرَج من الأرض، أو المعدن.
وقال في ((المشارق)): وهو عند أهل الحجاز من الفقهاء، واللغويين: الكنوز،
وعند أهل العراق: المعادن؛ لأنها رُكزت في الأرض؛ أي: ثَبَتت.
وقال الإمام الهرويّ في ((غريبه)): اختَلَف أهل العراق، وأهل الحجاز في
تفسير الركاز، قال أهل العراق: هو المعادن، وقال أهل الحجاز: هو كنوز
أهل الجاهليّة، وكلٌّ محتمل في اللغة. انتهى.
وقال في ((النهاية)): الركاز عند أهل الحجاز: كنوز الجاهليّة المدفونة في
الأرض، وعند أهل العراق: المعادن، والقولان تحتملهما اللغة؛ لأن كلّاً
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٨٤٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣٧/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢.

٦٧٧
(١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧)
منهما مركوز في الأرض؛ أي: ثابت، يقال: ركزه يَرْكُزُه رَكْزاً: إذا دفنه،
والحديث إنما جاء في التفسير الأول، وهو الكنز الجاهليّ، وإنما كان فيه
الخُمس؛ لكثرة نفعه، وسهولة أخذه. انتهى.
وقال ابن العربيّ: حقيقة الركز الإثبات، والمعدن ثابت خلقةً، وما يُدفن
ثابتٌ بتكلّف مُتَكَلِّف.
وقال الحافظ وليّ الدين: هذا الحديث يدلّ على إرادة دَفِين الجاهليّة
أيضاً؛ لكونه وي* عطف الركاز على المعدن، وفرَّق بينهما، وجعل لكلّ منهما
حُكماً، ولو كانا بمعنى واحد لجَمع بينهما، وقال: والمعدن جُبار، وفيه
الخُمس، وقال: والركاز جُبار، وفيه الخمس، فلمّا فرّق بينهما دلّ على
تغایرهما. انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم
على أن الركاز هو دِفنُ الجاهليّة، وفيه الخمس، وأما المعدن ففيه الزكاة إذا
بلغ نصاباً، وسيأتي البحث عنه فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٥٧] (١٧١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ
قَالَ: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِتْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ
الْخُمْسُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّين، هما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة
أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٠/٤ - ٢١.

٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، قال في
((الفتح)): كذا جمعهما الليث، ووافقه الأكثر، واقتَصَر بعضهم على أبي سلمة.
ووقع عند البخاريّ في ((الزكاة)) من رواية مالك، عن ابن شهاب، فقال:
عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهذا قد يُظَنُّ أنه عن
سعيد مرسل، وعن أبي سلمة موصول، وقد أخرجه مسلم، والنسائيّ، من
رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعبيد الله بن
عبد الله، عن أبي هريرة، قال الدارقطنيّ: المحفوظ عن ابن شهاب، عن سعيد
وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع.
قال الحافظ: قد تابعه الأوزاعيّ، عن الزهريّ في قوله: عن عبيد الله،
لكن قال: عن ابن عباس بدل أبي هريرة، وهو وَهَمُ من الراوي عنه يوسف بن
خالد، كما نبَّه عليه ابن عديّ.
وقد رَوَى سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد وحده، عن أبي
هريرة شيئاً منه.
ورَوَى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس
بعضه، ذكره ابن عديّ، وهو غلط.
وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء، عن أبي
سلمة .
وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غيرُ من ذُكِر، منهم: محمد بن زياد كما
عند البخاريّ في ((الديات))، وهمام بن منبه. أخرجه أحمد، وأبو داود،
والنسائيّ. انتهى(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نِ أَنَّهُ قَالَ: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا) قال
صاحب ((النهاية)): هو هنا - بفتح الجيم ــ على المصدر، لا غيرُ، قاله
الأزهريّ، فأما الْجُرح بالضمّ فهو الاسم. انتهى (٢).
(١) ((الفتح)) ١١٧/١٦ - ١١٨، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩١٢).
(٢) ((النهاية)) ٢٥٥/١.

٦٧٩
(١٢) - بَابٌ جَرْعُ الْعَجْمَاءِ، وَالْمَعْدِنِ، وَالْبِثْرِ جُبَارٌ - حديث رقم (٤٤٥٧)
وقال الحافظ وليّ الدين كَّلُهُ: يجوز في إعراب قوله: ((الْعَجْماءُ جرحها
جُبار» وجهان:
أحدهما: أن يكون قوله: ((جَرْحُها جُبَار)) جملةً من مبتدٍ وخبر، وهي خبر
عن المبتدإ الذي هو ((العجماءُ)).
والثاني: أن يكون قوله: ((جَرْحُها)) بدلاً من ((العجماء))، وهو بدل
اشتمال، والخبر قوله: ((جُبَار))، والكلام جملة واحدة، والمصدر في قوله:
(جَرْحها)) مضاف للفاعل؛ أي: كون العجماء تَجْرح غير مضمون. انتهى (١).
والمراد بجَرحها ما يحصل من تعدّي العجماء من الجراحة، وليست
الجراحة مخصوصة بذلك، بل كل الإتلافات ملحقة بها، قال القاضي عياض(٢)
وجماعة: إنما عبّر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نَبَّهَ به على ما عداه،
والحكم في جميع الإتلاف بها سواء كان على نَفْس، أو مال سواءٌ.
(جُبَارٌ) - بضم الجيم، وتخفيف الموحدة - هو الْهَدَر الذي لا شيء فيه،
كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه، أخرجه
الترمذيّ، وأصله أن العرب تُسَمِّي السيل جُبَاراً؛ أي: لا شيء فيه، وقال
الترمذيّ: فَسَّر بعض أهل العلم، قالوا: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها،
فما أصابت من انفلاتها فلا غُرْم على صاحبها، وقال أبو داود بعد تخريجه:
العجماء التي تكون مُنفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون
باللیل.
ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت به: ((والعجماء:
البهيمة من الأنعام وغيرها، والْجُبَار: هو الهدر الذي لا يُغْرَم، كذا وقع التفسير
مُدرجاً، وكأنه من رواية موسى بن عقبة.
قال الحافظ العراقيّ تَظُّ في ((شرح الترمذيّ)): وليس ذِكر الجرح قيداً،
وإنما المراد به إتلافها بأيّ وجه، سواء كان بجرح، أو غيره.
وفي رواية البخاريّ من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤/ ١٧.
(٢) ((الإكمال)) ٥٥٣/٥.

٦٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
النبيّ وَّهِ، قال: ((العجماء عَقْلُها جُبار ... )) الحديث، والمراد بالعقل: الدية؛
أي: لا دية فيما تُتْلِفُه .
وذكر ابن العربيّ أن بناء (ج ب ر) للرفع، والإهدار، من باب السلب،
وهو كثير، يأتي اسم الفعل، والفاعل لسلب معناه، كما يأتي لإثبات معناه.
وتعقبه العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) بأنه للرفع على بابه؛ لأن إتلافات
الآدميّين مضمونة مقهور مُتلِفها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن
يؤخذ به أحد. انتهى(١).
(وَالْبِتْرُ جُبَارٌ) في رواية الأسود بن العلاء الآتية: ((والبئر جرحها جبار))،
أما البئر فهي بكسر الموحدة، ثم ياء ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي
مؤنثة، وقد تُذَكَّر على معنى القَلِيب، والظُوَى، والجمع أبور، وآبار بالمد
والتخفيف، وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة، قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا:
العادية القديمة التي لا يُعْلَم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان، أو
دابة فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حَفَر بئراً في مُلكه، أو في موات
فوقع فيها إنسان، أو غيره فتَلِف فلا ضمان، إذا لم يكن منه تسبّب إلى ذلك،
ولا تغريرٌ، وكذا لو استأجر إنساناً؛ ليحفر له البئر، فانهارت عليه فلا ضمان،
وأما من حفر بئراً في طريق المسلمين، وكذا في مُلك غيره بغير إذن فتلف بها
انسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها
غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حُفْرة على التفصيل
المذكور، قاله في ((الفتح)).
قال ابن بطال كَذَتُهُ(٢): وخالف الحنفية في ذلك، فضمَّنوا حافر البئر
مطلقاً؛ قياساً على راكب الدابة، ولا قياس مع النصّ، وسيأتي تمام البحث في
هذا في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
وقال ابن العربيّ كََّثُ: اتَّفَقَت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر،
وجاءت رواية شاذّة بلفظ: ((النار جُبار)) بنون، وأَلِف ساكنة قبل الراء، ومعناه
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ٤/ ١٧.
(٢) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال كتتلم ٥٥٩/٨.