Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٩) أن قال -: ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه، قال: فأتي برجل قد شَرِب فجلده، ثم أُتي به قد شرب فجلده، ثم أُتي به وقد شرب فجلده، ثم أُتي به في الرابعة قد شرب فجلده، فرُفع القتل عن الناس، وكانت رخصة))، وعَلَّقه الترمذيّ، فقال: رَوَى الزهريّ، وأخرجه الخطيب في ((المبهمات)) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، وقال فيه: ((فأُتي برجل من الأنصار، يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أُخِّر، وأن الضرب قد وجب))، وقَبِيصة بن ذُؤيب من أولاد الصحابة، ووُلِد في عهد النبيّ ◌َّز، ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات، مع إرساله، لكنه أُعِلّ بما أخرجه الطحاويّ، من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال: ((بلغني عن قَبيصة))، ويعارض ذلك رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ أن قَبيصة حدثه، أنه بَلَغه عن النبيّ وَّر، وهذا أصحّ؛ لأن يونس أحفظ لرواية الزهريّ من الأوزاعيّ، والظاهر أن الذي بَلَّغَ قبيصةَ ذلك صحابيّ، فيكون الحديث على شرط الصحيح؛ لأن إبهام الصحابيّ لا يضرّ، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قال: حَدَّثت به ابن المنكدر، فقال: تُرِك ذلك، قد أُتي رسول الله وَلـ بابن نعيمان، فجلده ثلاثاً، ثم أُتي به في الرابعة، فجلده، ولم يزده. ووقعٍ عند النسائيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر، عن جابر: ((فأتي رسول الله ﴿ ﴿ برجل منا قد شرب في الرابعة، فلم يقتله))، وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، بلفظ: ((فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه، فضربه رسول الله * أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رُفع)). قال الشافعيّ بعد تخريجه: هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم عَلِمته، وذكره أيضاً عن أبي الزبير مرسلاً، وقال: أحاديث القتل منسوخة، وأخرجه أيضاً من رواية ابن أبي ذئب، حدّثني ابن شهاب: ((أَتي النبيّ وَّ بشارب فجلده، ولم يضرب عنقه)). وقال الترمذيّ: لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافاً في القديم والحديث، قال: وسمعت محمداً يقول: حديث معاوية في هذا أصحّ، وإنما كان هذا في أول الأمر، ثم نُسِخ بعدُ، وقال في ((العلل)) آخر الكتاب: جميع ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ما في هذا الكتاب قد عَمِل به أهل العلم، إلا هذا الحديث، وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر. وتعقبه النوويّ(١)، فسَلَّم قوله في حديث الباب دون الآخَر. ومال الخطابيّ (٢) إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل، فقال: قد يَرِد الأمر بالوعيد، ولا يُراد به وقوع الفعل، وإنما قُصِد به الردع والتحذير، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون القتل في الخامسة كان واجباً، ثم نُسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يُقتل، وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يُضْرَب، ويُنَكَّل به، ثم نُسِخ بالأمر بجَلده، فإن تكرر ذلك أربعاً قُتِل، ثم نُسخ ذلك بالأخبار الثابتة، وبإجماع أهل العلم إلا من شذّ ممن لا يُعَدّ خلافه خلافاً. قال الحافظ: وكأنه أشار إلى بعض أهل الظاهر، فقد نُقِل عن بعضهم، واستمرّ عليه ابن حزم منهم، واحتَجّ له، وادَّعَى أن لا إجماع، وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والإمام أحمد، من طريق الحسن البصريّ، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: ائتوني برجل أُقيمَ عليه الحدّ - يعني: ثلاثاً - ثم سَكِر، فإن لم أقتله فأنا كذّاب. وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو، كما جزم به ابن المدينيّ وغيره، فلا حجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رَدّ الإجماع على ترك القتل متمسَّك، حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عُذْره أنه لم يبلغه النسخ، وعُدّ ذلك من نزره المخالف. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشدّ من الأول، فأخرج سعيد بن منصور عنه، بسند لَيِّن قال: لو رأيت أحداً يشرب الخمر، واستطعت أن أقتله لقتلته. وأما قول بعض من انتصر لابن حزم، فطعن في النسخ بأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، وليس في شيء من أحاديث غيره الدالة على نسخه التصريح بأن ذلك متأخر عنه. وجوابه أن معاوية أسلم قبل الفتح، وقيل: في الفتح، وقصة ابن النعيمان كانت بعد ذلك؛ لأن عقبة بن الحارث حضرها، إما بحُنَيْن، وإما بالمدينة، (١) ((شرح مسلم)) ٢١٦/١١. (٢) ((معالم السنن)) ٢٩٣/٣. ٦٤٣ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٥٠) وهو إنما أسلم في الفتح، وحُنَيْن، وحضور عقبة إلى المدينة كان بعد الفتح جزماً، فثبت ما نفاه هذا القائل. وقد عَمِل بالناسخ بعض الصحابة، فأخرج عبد الرزاق في (مصنفه)) بسند لَيِّن عن عمر بن الخطاب أنه جلد أبا مِحْجَن الثقفيّ في الخمر ثمان مرار، وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد بن سلمة في ((مصنفه)) من طريق أخرى رجالها ثقات، أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار، ثم قال له: أنت خليج، فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبداً. انتهى ما في ((الفتح))، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور من نسخ قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، أو الخامسة هو الصحيح؛ لوضوح حجته، من الأدلّة التي تقدّم بيانها، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٠] (١٧٠٧م) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدّاً، فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي إِلَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِهِ لَمْ يَسُنَّهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٦/٦٠. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِئُّ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين - عثمان بن عاصم بن حصين الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، وربما دلّس [٤] (ت١٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٦٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ٥ - (عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ) النخعيّ الصَّهبانيّ - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الهاء، بعدها موحّدة - أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وأبي موسى، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، وعلقمة، ومسروق، وغيرهم. وروى عنه الشعبيّ، والسَّبِيعيّ، والأعمش، وأبو حَصِين، والزبير بن عديّ، وطلحة بن مصرِّف، ومطرف بن طريف، وفِطر بن خليفة، وغيرهم. قال شعبة عن الحكم بن عتيبة: قال عُمير بن سعيد، وحسبك به (١)، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: عُمير بن سعد ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة سبع ومائة في ولاية ابن هُبيرة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ومات سنة (١١٥). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ في ((مسند عليّ))، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. و(«عليّ بن أبي طالب) ﴿هُ ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين، غير الأوَّلَيْن، فبصريّان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ) قال النوويّ نَّتُهُ: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: (١) قال الحافظ تََّفُ في ((تهذيب التهذيب ١٢٩/٨)»: وأفرط أبو محمد بن حزم في الكلام على الملائكة من كتاب ((الملل والنحل»، فقال: إنه مجهول، وإنه روى حديثين عن عليّ، ما نعلم له غيرهما، أحدهما في ذِكر شارب الخمر؛ يعني: الذي أخرجه البخاريّ، والآخر في قصة هاروت وماروت، وقال: وكلاهما كذب، كذا قال، ولقد استعظمت هذا القول، ولولا شَرْطي في كتابي هذا ما عرّجت عليه، فإنه من أشنع ما وقع لابن حزم سامحه الله، وقد وقفنا له عن عليّ على حديث آخر أنه كبّر على يزيد بن المكفف أربعاً، وله روايات عن غير عليّ، فما أدري هذا الجزم من ابن حزم. انتهى. ٦٤٥ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٥٠) ((عُمير بن سعيد)) بالياء في عمير، وفي سعيد، وهكذا هو في ((صحيح البخاريّ))، وجميع كتب الحديث، والأسماء، ولا خلاف فيه، ووقع في ((الجمع بين الصحيحين)): ((عُمير بن سَعْد)) بحذف الياء من سعيد، وهو غلط، وتصحيف، إما من الحميديّ، وإما من بعض الناقلين عنه، ووقع في ((المهذب)) من كُتب أصحابنا في المذهب في باب التعزير: عُمَر بن سَعْد بحذف الياء من الاثنين، وهو غلط فاحش، والصواب إثبات الياء فيهما، كما سبق. انتهى(١). وقال الحافظ في ((الفتح)): ووقع في بعض النسخ من البخاري كما ذكر الحميديّ، ثم رأيته في تقييد أبي عليّ الجيانيّ منسوباً لأبي زيد المروزيّ، قال: والصواب سعيد، وجزم بذلك ابن حزم، وأنه في البخاريّ: سعد بسكون العين، فلعله سلف الحميديّ، ووقع للنسائيّ، والطحاويّ عُمَر - بضم العين، وفتح الميم - كما في ((المهذب))، لكن الذي عندهما في أبيه سعيد، ووقع عند ابن حزم في النسائيّ عَمْرو - بفتح أوله، وسكون الميم - والمحفوظ عُمير كما قال النوويّ، وقد أَعَلّ ابن حزم الخبر بالاختلاف في اسم عمير، واسم أبيه، وليست بعلة تقدح في روايته، وقد عَرَفه، ووثّقه مَن صحح حديثه، وقد عُمِّر عُمير المذكور، وعاش إلى سنة خمس عشرة ومائة. انتهى (٢). (عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب رَّهُ أنه (قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ) وفي رواية البخاريّ: ((لأقيم))، باللام، وهي لتأكيد النفي، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، (عَلَى أَحَدٍ حَدَاً، فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ) بنصب ((يموتَ))، و((أجد)) بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد الفاء السببية في جواب النفي، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنٍ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقوله: ((فيه))؛ أي: بسببه، فـ((في)) سببيّة، وقوله: ((منه))؛ أي: بسببه، فـ((من)) سببّة أيضاً. وقال في ((الفتح)): قوله: ((فيموتَ، فأجدَ)) بالنصب فيهما، ومعنى ((أَجِد)) (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/١١ - ٢٢١. (٢) ((الفتح)) ٥٢٣/١٥ - ٥٢٤، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٧٨). ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود من الوَجْد، وله معان، اللائق منها هنا الحزن، وقوله: ((فيموت)) مسبَّب عن ((أقيم))، وقوله: ((فأجد)) مسبَّب عن السبب والمسبب معاً. انتهى(١). وقوله: (فِي نَفْسِي) متعلّق بـ((أَجِدَ))، (إِلَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ)؛ أي: شاربها، وهو بالنصب، ويجوز الرفع، والاستثناء منقطع؛ أي: لكن أجد مِن حدّ شارب الخمر إذا مات، ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ما أجد من موت أحد يقام عليه الحدّ شيئاً، إلا من موت شارب الخمر، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً، قاله (٢) الطيبيّ(٢). (لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) بتخفيف الدال؛ أي: غَرِمتُ ديته لمن يستحقّ قبضها، وقد جاء مفسراً من طريق أخرى أخرجها النسائيّ، وابن ماجه، من رواية الشعبيّ، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليّاً يقول: ((من أقمنا عليه حدّاً فمات، فلا دية له، إلا من ضربناه في الخمر)). وقال النوويّ ◌َخْذَلُهُ: قوله: ((لأنه إن مات وديته)): قال بعض العلماء: وجه الكلام أن يقال: ((فإنه إن مات وديته)) بالفاء، لا باللام، وهكذا هو في رواية البخاريّ بالفاء. انتهى(٣). وقوله: (لأَنَّ رَسُولَ اللهِ نِّهِ لَمْ يَسُنَّهُ) تعليل لأدائه الدية لمن مات مِن حدّ الشرب، يعني: أنه وَ﴿ لم يَسُنّ فيه عدداً معيّناً، وفي رواية شريك: ((فإن رسول الله وَل﴿ لم يستنّ فيه شيئاً))، ووقع في رواية الشعبيّ: ((فإنما هو شيء صنعناه)). قال النوويّ كَّلُهُ: أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحدّ، فجَلَده الإمام، أو جَلّاده الحدَّ الشرعيَّ، فمات فلا دية فيه، ولا كفارة، لا على الإمام، ولا على جلّاده، ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية، والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعيّ: أصحهما تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام، والثاني تجب الدية في (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٤٣/٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٤٣/٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/١١. ٦٤٧ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٥٠) بيت المال، وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا: أحدهما: في بيت المال أيضاً، والثاني: في مال الإمام، هذا مذهبنا، وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه، لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال، والله أعلم. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحدّ لا ضمان على قاتله، إلا في حدّ الخمر، فعن عليّ رَظُله ما تقدم، وقال الشافعيّ: إن ضُرب بغير السوط فلا ضمان، وإن جُلد بالسوط ضُمِن، قيل: الدية، وقيل: قَدْر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره، والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لو مات فيما زاد على الأربعين. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَُّ: قول عليّ رَهُبه: ((ما كنت لأقيم على أحد حدّاً ... إلخ)) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود، فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمام شيء، ولا عاقلته، ولا آل بيت المال، وهذا مجتمعٌ عليه؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله، وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر: أن رسول الله وَ ﴿ لم يحدّ فيه حدّاً، فلمّا قَصَرته الصحابة على عدد محدود، وهو الثمانون، وجد عليّ رَظُه في نفسه من ذلك شيئاً، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطاً، وتوقّاً، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين، وأمَّا الأربعون: فقد صرَّح هو على أن رسول الله ﴿ ﴿ وأبا بكر جلداها، وسَمَّى ذلك سُنَّة، فكيف يخاف من ذلك؟ . وهذا هو الذي فهمه الشافعيّ من فِعل عليّ ◌ُه هذا، فقال: إن حُدَّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب فمات؛ فالله قتله، وإن زِيدَ على الأربعين بذاك، أو ضُرب أربعين بسوط فمات؛ فَدِيَتُه على عاقلة الإمام. قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: ويظهر لي مِن فِعل عمر ظُه خلافُ ذلك: إنه لمّا شُهِدَ على قُدامة بشرب الخمر استشار من حضره في جَلْدِهِ، فقال القوم: لا (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/١١. (٢) ((الفتح)) ٥٢٤/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٧٨). ٦٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود نرى أن تَجْلِدَه ما دام وَجِعاً، فسكت عمر عن جلده أياماً، ثم أصبح يوماً وقد عزم على جلده، فاستشارهم، فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعاً، فقال عمر ◌ُه: والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله وهي في عنقي، والله لأجلدنَّه، فجلده بسوط بين سوطين. وهذا يدلُّ على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة، ولا في بيت المال؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ، وأمَّا حدّ عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه، فكأنه فَهِم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به، ولا يُخاف منه، وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضَرْبه شفقةً عليه، وحُنُوّاً، وقد ظهر ذلك منهم لمّا أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير، فقال لِأَسْلَم: أخذتك دِقْرارة أهلك؛ أي: حميّتهم الحاملة على المخالفة. واختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عَقْلُه على الإمام، وعليه الكفارة، وقيل: على بيت المال، وجمهور العلماء: على أنَّه لا شيء عليه. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من عدم وجوب شيء في موت من مات في التعزير هو الأرجح عندي؛ لأن هذا التعزير بأمر الشارع، وإن لم يكن محدّداً، فكيف يجب عليه الضمان في المأذون له؟ فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٥٠/٩ و٤٤٥١] (١٧٠٧)، و(البخاريّ) في ((الحدود)) (٦٧٧٨)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٨٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٢٧١ و٥٢٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٦٩)، و(الطيالسيّ) في (مسنده)) (٢٦/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧٨/٧ و٤٥٧/٩)، و(ابن (١) ((المفهم)) ١٣٧/٥ - ١٣٨. ٦٤٩ (١٠) - بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ - حديث رقم (٤٤٥٢) أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٥/١ و١٣٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥١/٤ - ١٥٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/ ٢٨١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢٣/٦ و٣٢١/٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وقد ذُكروا في الباب، غير ابن مهديّ، فتقدّم قريباً. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ تَكْثُ في ((الكبرى))، فقال: (٥٢٧١) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حَصِين، عن عُمير بن سعيد النخعيّ، قال: قال عليّ: ((ما من رجل أقمت عليه حدّاً فمات، فأجد في نفسي إلا الخمر، فإنه إن مات فيه وَدَيْته، أن رسول الله وَّ﴿ لم يَسُنّه)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ) ((التعزير)): مصدر عَزّر، يُعزِّر، وهو في الشرع: التأديب دون الحدّ(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٢] (١٧٠٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ (١) ((السنن الكبرى)) ٢٤٩/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٧. ٦٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةٍ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، تقدّم قريباً . ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ) بن عبد الله الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو عتيق المدنيّ، ثقةٌ لم يُصب ابن سعد في تضعيفه [٣]. روى عن أبيه، وأبي بردة بن نيار، وحزم بن أبي كعب. وروى عنه سليمان بن يسار، ومسلم بن أبي مريم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وآخرون. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: في روايته ورواية أخيه ضَعف، وليس يُحتج بهما، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، وله عندهم هذا الحديث، وعند أبي داود آخر أيضاً. بطولاته ، ٧ - (أَبُوهُ) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الصحابيّ المشهور تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٨ - (أَبُو بُرْدَةَ الأَنْصَارِيُّ) هو: أبو بُرْدة بن نِيار - بكسر النون، بعدها تحتانيّة خفيفة - الْبَلَويّ، حَلِيف الأنصار، وخال البراء بن عازب، وقيل: عمّه، صحابيّ شَهِدَ بدراً، وما بعدها، واسمه: هانىء بن نِيَار بن عمرو، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبيرة، والأول هو الأصحّ. روى عن النبيّ وَّ، وعنه البراء بن عازب، وجابر، وابن أخيه سعيد بن عُمير بن عقبة بن نيار، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ويُشَير بن يسار، وغيرهم. ٦٥١ (١٠) - بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ - حديث رقم (٤٤٥٢) قيل: مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: خمس وأربعين، وقال الواقديّ: تُؤُفّي في أول خلافة معاوية بعد شهوده مع عليّ حروبه كلها . أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب، وكذا عند البخاريّ إلا هذا الحدیث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه ثلاثة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن جابر، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابي، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث، هذا عندهم جميعاً، وآخر عند الترمذيّ، والنسائيّ في الرجل الذي تزوّج امرأة أبيه، والبقيّة عند النسائيّ، اثنان في ((السنن)): حديث ذبح الأضحيّة، قبل الإمام، وحديث: ((اشربوا في الظروف، ولا تَسْكروا))، وواحد في ((عمل اليوم والليلة)) في الصلاة على النبيّ وَّر، راجع: ((تحفة الأشراف))(١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه (قَالَ: بَيْنَا) هي (بين)) الظرفيّة أُشبعت فَتْحتها، فتولّدت منها الألف، ويقال أيضاً: ((بينما))، (نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ) ((إذ)) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأه مجيء عبد الرحمن (فَحَدَّثَهُ)؛ أي: بالحديثَ الآتي، (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ) بن يسار (فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جابر بن (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ) ◌َظُه، تقدّم الخلاف في اسمه. عبد الله [تنبيه]: قال في ((الفتح)): قوله: ((عن أبي بُردة)) في رواية عليّ بن إسماعيل بن حماد، عن عمرو بن عليّ، شيخ البخاريّ فيه، بسنده إلى عبد الرحمن بن جابر، قال: ((حدّثني رجل من الأنصار))، قال أبو حفص (١) ((تحفة الأشراف)) ٦٥/٩ - ٦٨. ٦٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود - يعني: عمرو بن عليّ المذكور - هو أبو بردة بن نيار، أخرجه أبو نعيم، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((حدّثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه حدّثه، أنه سمع أبا بردة الأنصاري))، ووقع في الطريق الثانية من رواية فضيل بن سليمان، عن مسلم بن أبي مريم: ((حدّثني عبد الرحمن بن جابر، عمن سمع النبيّ ◌َّآ))، وقد سمّاه حفص بن ميسرة، وهو أوثق من فضيل بن سليمان، فقال فيه: ((عن مسلم بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه))، أخرجه الإسماعيليّ، قال الحافظ: قد رواه يحيى بن أيوب عن مسلم بن أبي مريم مثل رواية فضيل، أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج))، قال الإسماعيليّ: ورواه إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن مسلم بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، قال الحافظ: وهذا لا يعيّن أحد التفسيرين، فإن كلّاً من جابر، وأبي بردة أنصاريّ. قال الإسماعيليّ: لم يُدْخِل الليث عن يزيد بين عبد الرحمن وأبي بردة أحداً، وقد وافقه سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد، ثم ساقه من روايته كذلك. وحاصل الاختلاف: هل هو عن صحابيّ مبهم، أو مسمى؟ الراجح الثاني، ثم الراجح أنه أبو بردة بن نيار، وهل بين عبد الرحمن وأبي بردة واسطة، وهو جابر أو لا؟ الراجح الثاني أيضاً. وقد ذكر الدارقطنيّ في ((العلل)) الاختلاف، ثم قال: القول قول الليث ومن تابعه، وخالف ذلك في ((كتاب التتبع))، فقال: القول قول عمرو بن الحارث، وقد تابعه أسامة بن زيد. قال الحافظ: ولم يقدح هذا الاختلاف عن الشيخين في صحة الحديث، فإنه كيفما دار يدور على ثقة، ويَحْتَمِل أن يكون عبد الرحمن وقع له فيه ما وقع لبكير بن الأشج في تحديث عبد الرحمن بن جابر لسليمان بحضرة بكير، ثم تحديث سليمان بكيراً به، عن عبد الرحمن، أو أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لَمّا حَدّث به أباه، وثَبَّته فيه أبوه، فحدَّث به تارةً بواسطة أبيه، وتارةً بغير واسطة . وادَّعَى الأصيليّ أن الحديث مضطرب، فلا يُحتج به؛ لاضطرابه. وتُعُقّب بأن عبد الرحمن ثقة، فقد صَرَّح بسماعه، وإبهام الصحابيّ لا ٦٥٣ (١٠) - بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ - حديث رقم (٤٤٥٢) يضرّ، وقد اتَّفَق الشيخان على تصحيحه، وهما العمدة في التصحيح. قال الحافظ: وقد وجدت له شاهداً بسند قويّ، لكنه مرسل، أخرجه الحارث بن أبي أسامة، من رواية عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، رفعه: ((لا يَحِلّ أن يُجْلَد فوق عشرة أسواط، إلا في حدّ)»، وله شاهد آخر عن أبي هريرة، عند ابن ماجه، ستأتي الإشارة إليه. انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا يُجْلَدُ) - بضم أوله - بصيغة النفي، ولبعضهم بالجزم، ويؤيده ما وقع في رواية للبخاريّ بصيغة النهي: ((لا تجلدوا))، (أَحَدٌ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، (فَوْقَ عَشَرَةٍ أَسْوَاطٍ) بنصب ((فوقَ)) على الظرفيّة لـ((يُجلَّدُ))، وفي رواية يحيى بن أيوب، وحفص بن ميسرة: ((فوق عشر جَلَدات))، وفي رواية عليّ بن إسماعيل بن حماد: ((لا عقوبة فوق عشر ضَرَبات))(٢). (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)) قال في ((الفتح)): ظاهره أن المراد بالحدّ ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد، أو الضرب مخصوص، أو عقوبةٌ مخصوصةٌ، والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا، والسرقة، وشرب المُسْكر، والْحِرابة، والقذف بالزنا، والقتل، والقصاص في النفس، والأطراف، والقتل في الارتداد، واختُلِف في تسمية الأخيرين حدّاً، واختُلِف في أشياء كثيرةً، يَستحق مرتكبها العقوبةَ، هل تسمى عقوبته حدّاً أو لا؟ وهي: جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسِّحاق، وأكل الدم، والميتة في حال الاختيار، ولحم الخنزير، وكذا السحر، والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلاً، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنا . وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحدّ في حديث الباب حقّ الله تعالى، قال ابن دقيق العيد: بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحدّ بالمقدَّرات المقدَّم ذِكْرها أمر اصطلاحيّ من الفقهاء، وأن عُرف الشرع أوَّلَ الأمر كان يُطلق الحدّ على كل معصية كبرت أو صغرت. (١) ((الفتح)) ٦٩٧/١٥ - ٦٩٨، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٨). (٢) ((الفتح)) ٦٩٧/١٥ - ٦٩٨، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٨). ٦٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وتعقبه ابن دقيق العيد أنه خروج عن الظاهر، ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه، قال: ويَرِدُ عليه أنا إذا أجزنا في كل حقّ من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به؛ لأن ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة، هو ما ليس بمحرم، وأصل التعزير أنه لا يُشْرَع فيما ليس بمحرّم، فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى. قال الحافظ: والعصري المشار إليه أظنه ابن تيمية، وقد تقلد صاحبه ابن القيّم المقالة المذكورة، فقال: الصواب في الجواب: أن المراد بالحدود هنا : الحقوق التي هي أوامر الله، ونواهيه، وهي المراد بقوله: ﴿وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي أخرى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء: ١٤]، قال: فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية، كتأديب الأب ولده الصغير. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يفرّق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير، فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحدّ، كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقيّ الدين على العصريّ المذكور، إن كان ذلك مراده. وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ: ((لا تُعَزِّروا فوق عشرة أسواط)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بردة بن نيار الأنصاريّ ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفتح)) ٦٩٨/١٥ - ٦٩٩، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٨). ٦٥٥ (١٠) - بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ - حديث رقم (٤٤٥٢) أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٥٢/١٠] (١٧٠٨)، و(البخاريّ) في ((الحدود)) (٦٨٤٨ و٦٨٤٩ و٦٨٥٠)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٩١ و٤٤٩٢)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٦٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٦٠١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٦٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٧/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦٦/٣ و٤٥/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٥٢ و٤٤٥٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٦٤/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥١٥/٢٢ و٥١٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢١٦/١)، (والدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٠٧/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٢/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٦٩/٤ - ٣٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٧/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٠٩) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في العمل بهذا الحديث: قال في ((الفتح)): قد اختَلَف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وبعض الشافعية، وقال مالك، والشافعيّ، وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا، فقال الشافعيّ: لا يُبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحد الحرّ، أو العبد؟ قولان، وفي قول، أو وجه يستنبط: كلُّ تعزير من جنس حدّه، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعيّ: لا يبلغ به الحدّ، ولم يُفَصِّل، وقال الباقون: هو إلى رأي الإمام بالغاً ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور، وعن عمر: أنه كتب إلى أبي موسى: لا تَجْلد في التعزير أكثر من عشرين، وعن عثمان: ثلاثين، وعن عمر: أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود، وعن مالك، وأبي ثور، وعطاء: لا يعزّرَ إلا من تكرَّر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصيةٌ لا حدّ فيها فلا يُعَزَّر، وعن أبي حنيفة: لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى، وأبي يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك، وأبي يوسف: لا يبلغ ثمانين. وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم. ومنها: قَصْره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلاً، وباليد فتجوز ٦٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الإصطخريّ من الشافعية، وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب. ومنها: أنه منسوخٌ دلَّ على نسخه إجماع الصحابة. ورُدّ بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد، أحد فقهاء الأمصار. ومنها: معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود، وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها، فيصير مثل الحدّ، وبالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد؛ لأن التعزير شُرع للردع، ففي الناس من يَرْدَعُهُ الكلام، ومنهم من لا يَرْدَعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كلِّ أحدٍ بحَسَبه. وتُعُقّب بأن الحدّ لا يزاد فيه، ولا يُنقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مسلَّم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يُرَاعَى في الأفراد، بدليل أن من الناس من لا يردعه الحدّ، ومع ذلك لا يُجمع عندهم بين الحد والتعزير، فلو نُظِر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحدّ، أو الجمع بين الحد والتعزير. ونقل القرطبيّ أن الجمهور قالوا بما دلّ عليه حديث الباب، وعَكَسه النوويّ، وهو المعتمَد، فإنه لا يُعرف القول به عن أحد من الصحابة، واعتذر الداوديّ، فقال: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقَدْر الذنب، وهو يقتضي أنه لو بلغه ما عدل عنه، فيجب على من بلغه أن يأخذ به. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي العمل بمقتضى حديث الباب - كما هو رأي جماعة - هو الحقّ؛ لظهور دلالته، وعدم معارِض صحيح له، فوجب العمل به. والحاصل أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، كما دلّ عليه النصّ (١) ((الفتح)) ٦٩٩/١٥ - ٧٠٠، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٨). ٦٥٧ (١١) - بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣) الصحيح الصريح، فكن مع الأدلّة، وإن كان القائلون بها قِلّة، ولا تكن مع الآراء، وإن رآها الأئمة الكبراء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٣] (١٧٠٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ(١)، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله الْخَوْلانيّ، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ يوم حُنين، وسَمِع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٢ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) الصحابيّ الشهير ◌َظُه، تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا في الأبواب الخمسة الماضية. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) زاد في بعض النسخ: ((الْخَوْلانيّ))، وهو نسبة إلى خَوْلان، بفتح، فسكون: أبو قبيلة مشهورة، نزلت الشام، وهو: خولان بن (١) وفي نسخة: ((عن أبي إدريس الخولانيّ)). ٦٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يَشجب بن عَرِيب بن زيد بن كهلان بن سبأ، قاله في ((اللباب))(١). (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رَبهِ، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ ﴿ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي) بصيغة المضارع، وهو بمعنى الأمر، ففي الرواية الأخرى: ((بايعوني)) بصيغة الأمر، والمبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمِّيت بذلك؛ تشبيهاً بالمعاوضة المالية، كأن كلّ واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه، فمن طَرَف النبيّ ◌َ﴿ وعدُ الثواب، ومن طرفهم التزام الطاعة(٢)، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. (عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً)؛ أي: لا تعبدوا معه أحداً، أيّاً كان، وهذا هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام، فلذلك قدّمه على أخواته(٣). (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا) حذف مفعوله؛ ليدلّ على العموم، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)؛ أي: إلا بالأمر الذي يوجب قتلها، كالقصاص، ورجم المحصن، ونحو ذلك. (فَمَنْ وَفَى)؛ أي: فَعَل ما أُمر به، وانتهى عما نُهي عنه، وثبت على ذلك، و((وفى)) هنا بتخفيف الفاء، وتشديدها، ويقال أيضاً: أوفى، قال الفيّوميّ تَخْذُ: وَفَيْتُ بالعهد، والوعد أَفِي به وَفَاءً، والفاعل: وَفِيٌّ، والجمع: أَوْفِيَاءُ، مثل صَدِيق وأصدقاء، وأَوْفَيْتُ به إِيْفَاءً، وقد جمعهما الشاعر فقال [من البسيط]: أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حَادِیھَا وقال أبو زيد: أَوْفَى نذره: أحسنَ الإيفاء، فجعل الرباعيَّ يتعدى بنفسه، وقال الفارابي أيضاً: أَوْفَيْتُهُ حقّه، ووَفَّيْتُهُ إياه بالتثقيل، وأَوْفَى بما قال، ووَفَّى: بمعنى، وأَوْفَى على الشّيء: أشرف عليه، وتَوَقَّيْتُهُ، واسْتَوْفَيْتُهُ بمعنى، وتَوَقَّاهُ الله: أماته، والوَفَاةُ: الموت، وقد وَفَى الشيءُ بنفسه يَفِي: إذا تمّ، فهو وَافٍ، ووَافَيْتُهُ مُوَافَاةً: أتيته. انتهى (٤). (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٧٢/١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٠/١. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٥٠/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٦٧/٢. ٦٥٩ (١١) - بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا - حديث رقم (٤٤٥٣) (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)؛ أي: إن الله يُنجيه من عذابه، وإهانته، ويوصله إلی جنته، وكرامته. وقال في ((الفتح)): أطلق هذا على سبيل التفخيم؛ لأنه لَمّا أن ذكر المبايعة المقتضية لوجود العِوَضين أثبت ذِكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية الصُّنابحيّ، عن عبادة في هذا الحديث في ((الصحيحين)) بتعيين العِوَض، فقال: ((بالجنة))، وعَبّر هنا بلفظ ((على)) للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره؛ للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء. وقد مرّ في ((كتاب الإيمان))، في حديث معاذ في تفسير حقّ الله على العباد تقرير هذا. [فإن قيل]: لِمَ اقتصر على المنهيات، ولم يذكر المأمورات. [فالجواب]: أنه لم يُهملها، بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله في رواية الصنابحي الآتية: ((ولا نعصي))؛ إذ العصيان مخالفة الأمر، والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات، أن الكفّ أيسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مقدَّم على اجتلاب المصالح، والتخلّي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، أفاده في ((الفتح)(١). قوله: ((ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب)): زاد أحمد في روايته: ((به)). (وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًاً) هو عامّ؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، وصرّح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادة العموم، كنكرة وقعت في سياقه(٢). وقوله: (مِنْ ذَلِكَ) ((من)) تبعيضيّة، (فَعُوقِبَ بِهِ)؛ أي: بسبب ما ارتكبه من الذنبِ. قال في ((الفتح)): قوله: ((فعوقب به)) أعم من أن تكون العقوبة حدّاً، أو تعزيراً، قال ابن التين: وحُكِي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قَتْل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حقّ، قال الحافظ: بل وصل إليه حقّ، وأيُّ حقّ، فإن المقتول ظلماً تُكَفَّر عنه ذنوبه (١) راجع: ((الفتح)) ١٢٦/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨). (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥١/١. ٦٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود بالقتل، كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره: ((إن السيف مَخَّاء للخطايا))، وعن ابن مسعود به قال: ((إذا جاء القتل محا كلَّ شيء))، رواه الطبرانيّ، وله عن الحسن بن عليّ نحوه، وللبزار عن عائشة ﴿ّا مرفوعاً: ((لا يَمُرّ القتل بذنب إلا محاه))، فلولا القتل ما كُفّرت ذنوبه، وأيُّ حقّ يصل إليه أعظم من هذا، ولو كان حدّ القتل إنما شُرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل. وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائبُ الدنيوية، من الآلام، والأسقام، وغيرها؟ فيه نظر، ويدلّ للمنع قوله: ((ومن أصاب من ذلك شيئاً، ثم ستره الله))، فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، ولكن بَيَّنت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تُكَفِّر الذنوب، فَيَحْتَمِل أن يراد أنها تكفِّر ما لا حدّ فيه، والله (١) أعلم. انتهى(١). (فَهُوَ)؛ أي: العقاب، فالضمير يرجع إلى المفهوم من قوله: ((فعوقب))، وهو نظير قوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فإنه يرجع إلى العدل الذي دلّ عليه ﴿أَعْدِلُواْ﴾. (كَفَّارَةٌ لَهُ) زاد في رواية للبخاريّ: ((وطهورُ))، والكفّارة هي الفعلة التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة؛ أي: تسترها، يقال: كَفَرت الشيءَ أكفِره بالكسر كَفْراً: إذا سترته، ورَماد مكفورٌ: إذا سَفّت الريح التراب عليه، حتى غطّته، ومنه الكافر؛ لأنه سَتَر الإيمان وغطّاه، قاله في ((العمدة))(٢) . وقال النوويّ تَخْلَثُهُ: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، فالمرتد إذا قُتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة. قال الحافظ: وهذا بناء على أن قوله: ((من ذلك شيئاً)) يتناول جميع ما ذُكِر، وهو ظاهر، وقد قيل: يَحْتَمِل أن يكون المراد: ما ذُكِر بعد الشرك، بقرينة أن المخاطَب بذلك المسلمون، فلا يدخل حتى يُحتاج إلى إخراجه، (١) ((الفتح)) ١٣١/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (١٨). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٥١/١.