Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٤) فالجواب عن الوجهين: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا عن النبيِّ ◌َّ﴿ ما يدلُّ على التعزير، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد، والذين قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدُوا، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد الوجهين وثبوت الآخر، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة، فلا بدَّ من التوفيق بين أقوالهم؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم. فهمت عن النبيِّ وَلِّ: أنَّ جَلده كان ووجهُ التوفيق: أن الصحابةَ تعزيراً؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه: فمرةً جلد فيه بالأيدي، والنِّعال، والثياب من غير عددٍ، ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنعال أربعين، ومرَّةً جلد فيه بجريدتين نحو الأربعين، فهذه نحو الثمانين. فهذا تعزيز بلا شك، لكن لَمَّا كان أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر، وعمر في أول أمره، فلمَّا كثرِ إقدامُ الناس على شرب الخمر، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا، فظهر لهم: أن ذلك القَدْر لا يزجرهم، ولا يُبالون به، فظهر لهم أن يُلحقوه بأخفّ حدود الأحرار المذكورة في القرآن، فوجدوه القذف، مع أنهم قد ظهر لهم جامع بينهما، فقالوا: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى، ومع ما تقدَّم لهم: من أن النبيّ وَّ قد قارب فيه الثمانين، فأثبتوها، ومنعوا من الزيادة عليها، ولمّا ظهر هذا المعنى لعليّ بن أبي طالب رَبّه قال مصرِّحاً به: جلد رسولُ اللهَ وَّل أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمر ثمانين، وكلُّ سُنَّة. ثمّ إنَّه جلد هو أربعين، وأقرَّه على ذلك عثمان، ومَن حضر من الصحابة ته وظهر له: أن الاقتصار على أربعين أولى من الثمانين؛ مخافةً أن يموتَ فتلزمه الدِّية، كما قد صرَّح به؛ حيث قال: ما كنت أقيمُ على أحدٍ حدّاً فيموت فيه، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر؛ لأنه إنْ مات وَدَيْتُهُ، وهذا يدلُّ على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته، وأنَّه لم يخالف عمر في الثمانين، وإِيَّها عَنَى بقوله: ((فإن رسول الله وَ ل﴿ لم يَسُنَّه))، ولا يصحُّ أن یریدَ بذلك الأربعين؛ لأنه هو الذي روى أن النبيّ سير جلد فيه أربعين، ولو مات في الأربعين لم تجب له ديةٌ بوجهٍ، ولذلك قال الشافعيُّ: لو مات في الأربعين. فالحقُّ قَتَلَهُ، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا البحث، فإنَّه حسن. وحاصله: أن الجلدَ على الخمر تعزيرٌ مُنِع من الزيادة على غايته، فرأت ٥ ٦٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود طائفة: أن غايته أربعون، فلا يُزاد عليه. وبه قال الشافعيُّ من الفقهاء، والإجماع: على أنَّه لا يزاد على الثمانين. فإن قيل: كيف يكون تعزيراً، وقد قال وَله: ((لا يُجلَدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله))؟ فمقتضى هذا: أن لا يُزاد في التعزير على العشرة، وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا - إن شاء الله تعالى - فالجواب: أنَّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أجاب القرطبيّ(٢) عن هذا الحديث بأنه خرج على أغلب ما يُحتاج إليه في ذلك الزمان. قال الجامع: هذا الجواب لا يرتاح له الخاطر، وعندي الأولى أن نقول يُستثنى منه شارب الخمر، فإنه قد ثبت النصّ فيه بأكثر من عشرة أسواط، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أنس (وَفَعَلَهُ)؛ أي: الجلد المذكور، (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َُّ في خلافته، (فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ)؛ أي: في خلافته، فـ((كان)) هنا تامّة؛ أي: جاء عمر، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، ويقدّر خبرها؛ أي: خليفةً، وقال ابن دقيق العيد تَّلُ: قوله: ((فلما كان عمر)) يجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: فلما كان زمن ولاية عمر څه. انتهى(٣). (اسْتَشَارَ النَّاسَ)؛ أي: طلب منهم إبداء رأيهم في ذلك، يقال: شاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليَّ بكذا؛ أي: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ معونة، ويقال: هي من شار الدابّةَ: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَار(٤)، ويقال: من شُرْتُ العسلَ، شُبِّهَ حُسنُ النصيحة بشرب العسل، قاله الفيّوميّ(٥) . (١) ((المفهم)) ١٢٩/٥ - ١٣١. (٢) راجع كلامه في ((المفهم)) ١٣٨/٥ - ١٣٩. (٣) ((إحكام الأحكام)) ٣٧٧/٤ بنسخة الحاشية ((العدّة)). (٤) ((المِشوار)) بكسر الميم: المكان الذي تُجرى فيه الدابة عند عرضها للبيع. (٥) ((المصباح المنير)» ٣٢٧/١. ٦٠٣ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٤) (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوف الصحابيّ الشهير، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، مات ظُبه سنة (٣٢) وتقدّمت ترجمته في ((الصلاة)) ٩٥٧/٢٣. [تنبيه]: قال العلامة ابن الملقّن تَظّفُهُ: وقع في ((الموطأ)) أن الذي أشار على عمر وظبه بالثمانين هو عليّ بن أبي طالب ظُه، وهو خلاف ما ثبت في ((الصحيح)) من كونه عبد الرحمن بن عوف صله، وادّعَى القاضي عياض أنه المشهور، لكنه مرسل، فإنه من رواية ثور بن زيد الدِّيليّ، ولم يدركه، وعلى تقدير اتصاله، فلعلّهما أشارا به، والذي بدأ بالمشورة هو عبد الرحمن، فنُسبت إليه؛ لِسَبْقه بها، ونُسبت في رواية إلى عليّ؛ لرجحانه على عبد الرحمن انتھی(١). (أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ) معنى كونه أخفّ الحدود: أنه أخفّ الحدود المنصوص عليها في كتاب الله رَك، فإن الحدود فيها حدّ السرقة بالقطع، وحدّ الزنا بمائة جلدة، وحدّ القذف بثمانين، فاجعلها ثمانين، كأخفّ الحدود، قاله ابن الملقّن(٢). وقوله أيضاً: (أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ) هكذا بالنصب، قال النوويّ ◌َّتُهُ: منصوب بفعل محذوف؛ أي: اجلده كأخفّ الحدود، أو اجعله كأخفّ الحدود، كما صُرّح به في الرواية الأخرى. انتهى(٣). وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((أخفّ الحدود ثمانين)) فيه حذفُ عامل النصب، والتقدير: اجْعَله، وتعقّبه الفاكهيّ، فقال: هذا بعيد، أو باطل، وكأنه صدر عن غير تأمل لقواعد العربية، ولا لمراد المتكلم؛ إذ لا يجوز أجود الناس الزيدين، على تقدير اجعلهم؛ لأن مراد عبد الرحمن الإخبار بأخفّ الحدود، لا الأمر بذلك، فالذي يظهر أن راوي النصب وَهِمَ، واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظاً، ولا معنّى. ورَدّ عليه تلميذه ابن مرزوق بأن عبد الرحمن مستشار، والمستشار (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٩/ ٢٢٤. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٥/٩. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٥/١١. ٦٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود مسؤول، والمستشير سائل، ولا يبعد أن يكون المستشار آمراً، قال: والمثال الذي مثَّل به غير مطابق. قال الحافظ: بل هو مطابق لِمَا ادّعاه أن عبد الرحمن قَصَد الإخبار فقط، والحقّ أنه أخبر برأيه مستنداً إلى القياس، وأقرب التقادير: أخفّ الحدود أَجِده ثمانين، أو أجد أخف الحدود ثمانين، فنصَبَهما . وأغرب ابن العطار صاحب النوويّ في ((شرح العمدة))، فنَقَل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ: ((أخفُّ الحدود ثمانون)) بالرفع، وأعربه مبتدأ وخبراً، قال: ولا أعلمه منقولاً روايةً، كذا قال، والرواية بذلك ثابتةٌ، والأَولى في توجيهها ما أخرجه مسلم أيضاً من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه: ((ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمرُ، ودنا الناس من الرِّيف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخفّ الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين))، فيكون المحذوف من هذه الرواية المختصرة: ((أرى أن تجعلها))، وأداةَ التشبيه. وأخرج النسائيّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: ((فضربه بالنعال نحواً من أربعين، ثم أُتي به أبو بكر، فصنع به مثل ذلك))، ورواه همام، عن قتادة، بلفظ: «فأمر قریباً من عشرين رجلاً، فجلده كل رجل جلدتین بالجرید، والنعال))، أخرجه أحمد، والبيهقيّ، وهذا يَجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شعبة، وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين، لا إنه جَلَده بجريدتين أربعين، فتكون الجملة ثمانين، كما أجاب به بعض الناس. ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بلفظ: ((جَلَد بالجريد والنعال أربعين))، عَلَّقه أبو داود بسند صحيح، ووصله البيهقيّ، وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع، عن هشام، بلفظ: ((كان يَضرب في الخمر مثله)). وقد نَسَب صاحب ((العمدة)) قصة عبد الرحمن هذه إلى تخريج ((الصحيحين))، ولم يخرج البخاريّ منها شيئاً، وبذلك جزم عبد الحق في ((الجمع))، ثم المنذريّ، نَعَم ذكر معنى صنيع عمر فقط في حديث السائب بن يزيد، ولفظه: ((كنا نُؤتَى بالشارب على عهد رسول الله وََّ، وإمرة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر ,٠ ٦٠٥ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٤) إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عَتَوْا، وفَسَقُوا جلد ثمانين)). انتهى (١). (فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ)؛ أي: أَمَر عمر رَظُه بجلد شارب الخمر ثمانين جلدةً. قال العلامة ابن الملقّن تَّتُهُ: إنما استشار عمر ظه الناس في ذلك؛ لأن في زمنه فُتح الشام، والعراق، وسكن الناس في مواضع الخِصْب، وسعة العيش، وكثرت الأعناب، والثمار، فأكثروا من شُرب الخمر، فزاد عمر ◌ُه حدّها؛ زجراً لشاربها، وتغليظاً عليهم، وكان ذلك سنّة ماضيةً، قال ◌َالنّ: ((فعليكم بسُنّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ))(٢)، وقال أيضاً: ((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر))(٣)؛ أي: بكل واحد منهما، ولهذا عمِل عثمان رُبه بهذا مرّة، وبالأول أخرى، وقال عليّ ((كلٌّ سنّة))؛ أي: لأن الأربعين فعلُ النبيّ لنَّهِ، والصدّيق ◌َُّه، والثمانين فعل عمر نظرته بإجماع الصحابة ﴿ه، وهو المعروف من مذهب عليّ ◌َظُه، وهذا منه نظُّه دالّ على اعتقاده حقيّة كونهما خليفتين، وأن فِعلهما سنّة، وأمْرهما حقّ، خلاف ما تَكْذِبه الشيعة عليه. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظه هذا دون قصّة استشارة عمر څبه متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٤٤/٩ و٤٤٤٥ و٤٤٤٦ و٤٤٤٧ ٤٤٤٨] (١٧٠٦)، و(البخاريّ) في ((الحدود)) (٦٧٧٣ و٦٧٧٦)، و(أبو داود) في : ((الحدود)) (٤٤٧٩)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٤٣)، و(النسائيّ) في (١) (الفتح)) ٥١٨/١٥ - ٥٢١، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٧٣). (٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ. (٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه. (٤) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٥/٩ - ٢٢٦. ٦٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ((الكبرى)) (٢٤٩/٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٧٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٥/٣ -١١٦ و٢٤٧)، و(الدارميّ) في («سننه» (١٧٥/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٢٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٩٤ و٣٠٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٤٨ و٤٤٤٩ و٤٤٥٠)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٩/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم شرب الخمر، وهو مجمَع عليه، وهو من الكبائر؛ فإن الحدّ لا يكون إلا على ارتكاب كبيرة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب الحدّ على شارب الخمر، سواء شرب قليلاً، أو كثيراً، واختلفوا في شارب النبيذ، وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة على قولين: أحدهما: إلحاقه بشارب الخمر، وإن كان يعتقد إباحة النبيذ، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً. والثاني: لا يحدّ شاربه، وهو قول أبي حنيفة، والكوفيين، وقال أبو ثور: لا يُجدّ معتقد تحريم النبيذ، دون غيره(١). ٣ - (ومنها): أن قَدْر حدّ الخمر أربعون، وبه قال الشافعيّ، وأبو ثور، وداود، وأهل الظاهر، وغيرهم، قال الشافعيّ: وللإمام أن يبلغ به ثمانين لفعل عمر والصحابة ﴿ه، بل روى عبد الرزّاق أنه وَلجر فعله، ولكنه لا يصحّ، كما قال ابن حزم ثّتُ . وقال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر: حدّه ثمانون، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): حصول الجلد في الخمر بالجريد، وهو إجماع، ومثله النعال، وأطراف الثياب. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٧/٩. ٦٠٧ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٤) ٥ - (ومنها): مشاورة الإمام، والقاضي، والمفتي أصحابه، وحاضري مجلسه في الأحكام. ٦ - (ومنها): جواز القياس، والعمل به، والاستحسان عند الحاجة إليه(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في شرب المسكرات: قال العلامة ابن قدامة كََّثُ ما حاصله: كل مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحدّ على شاربه، وروي تحريم ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأُبيّ بن كعب، وأنس، وعائشة ﴿ه، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق. "وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب، إذا طُبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة، والذرة، والشعير، ونحو . ذلك نَقيعاً كان أو مطبوخاً كل ذلك حلال، إلا ما بلغ السُّكر، فأما عصير العنب إذا اشتدّ، وقَذَف زَبَده، وطُبخ، فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر، والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، فهذا محرّم قليله وكثيره؛ لِمَا رَوَى ابن عباس عن النبيّ وَّهِ قال: ((حُرِّمت الخمرة لِعَيْنها، والمُسْكِر من كل شراب)). قال: ولنا ما رَوَى ابن عمر ◌ُّهًا قال: قال رسول الله وَالٍّ: ((كلُّ مسكر خمر، وكل خمر حرام))، وعن جابر به قال: قال رسول الله وصله: ((ما أسكر هُنا كثيره فقليله حرام))، رواهما أبو داود، والأثرم، وغيرهما، وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((كل مسكر حرام - قال - وما أسكر منه الفَرَقِ فَمِلْء الكفّ منه حرام))، رواه أبو داود وغيره، وقال عمر بنظُه: ((نزل تحريم الخمر، وهي من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل))، مُتّفقٌ عليه، ولأنه مسكر أشبه عصير العنب. فأما حديثهم فقال أحمد: ليس في الرخصة في المُسْكِر حديث صحيح، (١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٦/٩ - ٢٢٩. ٦٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وحديث ابن عباس رواه مِسعر، عن أبي عون، عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: ((والسُّكر من كل شراب)). وقال ابن المنذر: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة ذكرناها مع عللها، وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبيّ وَّل﴾ والصحابة فضعّفها كلها، وبَيَّن عللها، وقد قيل: إن خبر ابن عباس موقوف عليه، مع أنه يَحْتمل أنه أراد بالسُّكْر: المسكر من كل شراب، فإنه يَروي هو وغيره عن النبيّ وَّر أنه قال: ((كل مسكر حرام)). انتهى كلام ابن قُدامة دَخَذُهُ(١)، وهو بحث مفيد، وقد استوفيت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه(٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في شرب قليل المسكر: قال ابن قدامة تَلَقُ: يجب الحدّ على من شرب قليلاً من المسكر أو كثيراً، ولا نعلم بينهم خلافاً في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب، وكل مسكر، وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ. وقالت طائفة: لا يُحدّ إلا أن يَسْكَر، منهم: أبو وائل، والنخعيّ، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: من شربه معتقداً تحريمه حُدّ، ومن شربه متأوّلاً فلا حد عليه؛ لأنه مختلَف فيه، فأشبه النكاح بلا وليّ. قال: ولنا ما رُوي عن النبيّ وَل في أنه قال: ((من شرب الخمر فاجلدوہ))، رواه أبو داود، وغيره، وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فيتناول الحدیث قلیله وكثيره، ولأنه شراب فيه شدةٌ مُطْرِبة، فوجب الحد بقليله كالخمر، والاختلاف فيه لا يمنع وجوب الحدّ فيها، بدليل ما لو اعتقد تحريمها، وبهذا فارق النكاح بلا وليّ ونحوه من المختلف فيه، وقد حَدّ عمر قُدامة بن مظعون وأصحابه، مع اعتقادهم حِلّ ما شربوه، والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين: أحدهما: أن فِعل المختلف فيه ههنا داعية إلى فعل ما أُجمع على تحريمه، وفعل سائر المختلف فيه يصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه. م (١) ((المغني)) لابن قدامة ◌َلَثُ ٣٢٣/١٠ - ٣٢٣. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٩٩/٤٠ - ٣٢٩. ٢ ٦٠٩ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٤) الثاني: أن السُّنَّة عن النبيّ ◌َّ قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه، فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته، بخلاف غيره من المجتهدات، قال أحمد بن القاسم: سمعت أبا عبد الله يقول: في تحريم المسكر عشرون وجهاً عن النبيّ ◌َ ﴿ في بعضها: ((كل مسكر خمر))، وبعضها: ((كل مسكر حرام)). انتهى كلام ابن قُدامة ◌َخَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن الحدّ يجب على من شرب مسكراً قليلاً كان أو كثيراً، من جميع أنواع المسكر هو الحقّ؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، كما مرّ في كلام الإمام أحمد تَخْذَلُهُ المذكور آنفاً، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في مقدار حدّ الشرب: وقال النوويّ كَّلُهُ: وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شربها، وأجمعوا على وجوب الحدّ على شاربها، سواء شرب قليلاً أو كثيراً، وأجمعوا على أنه لا يُقتَل بشربها، وإن تكرر ذلك منه، هكذا حَكَى الإجماع فيه الترمذيّ، وخلائق، وحَكَى القاضي عياض ◌َخْتُهُ عن طائفة شاذّة أنهم قالوا: يُقتل بعد جلده أربع مرات؛ للحديث الوارد في ذلك، وهذا القول باطلٌ، مخالفٌ لإجماع الصحابة، فمَن بعدهم على أنه لا يُقتل، وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات، وهذا الحديث منسوخ، قال جماعة: دلّ الإجماع على نسخه، وقال بعضهم: نَسَخه قوله وَلّ: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الإجماع، وكذا النسخ للحديث فيه نظر لا يخفى، فقد ألّف بعض المحقّقين(٢) في ذلك رسالة، فلتطالعها، وكذا حقّق الكلام فيه ابن حزم في ((المحلّى))، فلتراجعه، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: واختَلَف العلماء في قدر حدّ الخمر، فقال الشافعيّ، وأبو ثور، وداود، وأهل الظاهر، وآخرون: حدّه أربعون، قال الشافعيّ تَخْلَثُ: وللإمام أن (١) ((المغني)) لابن قُدامة ٣٢٣/١٠. (٢) هو الشيخ أحمد محمد شاكر المصريّ كَلُّ. ٦١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف، والقتل، وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك. ونَقَل القاضي عن الجمهور من السلف، والفقهاء، منهم مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق - رحمهم الله تعالى - أنهم قالوا : حدّه ثمانون. واحتجوا بأنه الذي استقرّ عليه إجماع الصحابة ظه، وأن فعل النبيّ وَليه لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية الأولى: ((نحو أربعين)). وحجة الشافعيّ، وموافقيه أن النبيّ وَل﴿ إنما جلد أربعين - كما صُرِّح به في الرواية الثانية - وأما زيادة عمر فهي تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله، وإن شاء تركه بحسب المصلحة في فِعْله، وتَرْكه فرآه عمر ففعله، ولم يره النبيّ ◌َّ﴾، ولا أبو بكر، ولا عليّ فتركوه، وهكذا يقول الشافعيّ تَظُّهُ: إن الزيادة إلى رأي الإمام، وأما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بُدّ منه، ولو كانت الزيادة حدّاً لم يتركها النبيّ وَله، وأبو بكر ظُه، ولم يتركها عليّ رَظُهُ بعد فعل عمر رَظُه، ولهذا قال عليّ ◌َظُه: ((وكلَّ سُنّة))، معناه الاقتصار على الأربعين، وبلوغ الثمانين، فهذا الذي قاله الشافعيّ تَخُّْ هو الظاهر الذي تقتضيه هذه الأحاديث، ولا يُشكل شيء منها. انتهى كلام س (١) النووي . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ، ومن معه من أن الحدّ المقدّر في الخمر أربعون جلدةً، فقط، وأما الثمانون فمن باب التعزير، فإن رأى الإمامُ يفعله، كما فعله عمر تظلبه، وإن شاء تركه، كما تركه النبيّ ◌َّ﴾، وأبو بكر، وعليّ ر﴿ّ هو الأرجح؛ لوضوح حجّته، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: هذا الذي تقدّم هو حدّ الحرّ، فأما العبد فعلى النصف من الحرّ، كما في الزنى، والقذف، والله أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/١١ - ٢١٨. ٦١١ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٥ - ٤٤٤٦) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِرَجُلٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ تَظْتُهُ في ((الكبرى))، فقال: (٥٢٧٤) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، قال: سمعت أنساً قال: أُتي رسول الله مَّه برجل قد شرب خمراً، فضربه بجريدتين نحواً من أربعين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّهِ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٤٩/٣. ٦١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (بِالْجَرِيدِ) جمع جريدة، وهي سَعَف النخل، سُمّيت بها؛ لكونها مجرّدة عن الْخُوص، وهو ورق النخل. وقوله: (وَالنِّعَالِ) بكسر النون، جمع نَعْل، وهي ما يُلبس على الرِّجل. وقوله: (ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ)؛ أي: أربعين جلدة، أو ضربة. وقوله: (فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ) تقدّم أن ((كان)) تامة، أو ناقصة، يقدّر خبرها؛ أي: خلیفةً. وقوله: (وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ) بكسر الراء، قال المجد ◌َّتُهُ: الرّيف بالكسر: أرضٌ فيها زَرع، وخِصْبٌ، والسعة في المأكل والمشرب، وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث الْخُضَرُ، والمياه والزرع، ورافَ البدويّ يَرِيف: أتاه. انتهى(١). وقال النوويّ نَّثُ: الريف: المواضع التي فيها المياه، أو هي قريبة منها، ومعناه: لَمّا كان زمن عمر بن الخطّاب ◌َ﴿به، وفُتحت الشام والعراق، وسكن الناس في الريف، ومواضع الْخِصب، وسعة العيش، وكثرة الأعناب، والثمار أكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر رُه في حدّ الخمر؛ تغليظاً عليهم، وزجراً لهم عنها. انتهى(٢). وقوله: (وَالْقُرَى) بضم، ففتح: جمع قرية على غير قياس، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: القَرْيةُ: كلُّ مكان اتَّصَلت به الأبنية، واتُّخِذ قراراً، وتقع على المدن، وغيرها، والجمع: قُرَى، على غير قياس، قال بعضهم: لأن ما كان على فَعْلة من المعتلّ، فبابه أن يُجمَعَ على فِعَالٍ بالكسر، مثل ظَبْية وظِبَاء، ورَكْوة ورِكَاء، والنسبة إليها قَرَويّ، بفتح الراء، على غير قياس. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((فلمَّا كان عمر ... إلخ)) ((كان)) هنا تامَّةٌ، (١) ((القاموس المحيط)) ص٥٤٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١١. ٦١٣ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٦) وفي الكلام حذفٌ؛ أي: لَمّا وقع، وَوُجِد زمن خلافة عمر، والرِّيف: أرض الزرع والخصب. والجمع: أرياف. يقال: أَرَافَت الأرض - رباعيّاً - أخصبت، ورافت الماشية: إذا رعت الريف. وأَرْيَفْنا؛ أي: صرنا إلى الريف، قاله في ((الصحاح))، ويعني بذلك: أنَّه لمّا فُتحت البلاد بالشَّام وغيرها، وكثرت الكروم ظهر في الناس شُرْبُ الخمر، فشاور عمرُ الصحابةَ ﴿ه في التشديد في العقوبة عليها، فتفاوضوا في ذلك، واتفقوا على إلحاقها بحدِّ القذف؛ لأنَّه أخفّ الحدود، كما قال عبد الرحمن، وقد جاء في ((الموطأ)): أن عمر لَمَّا استشارهم في ذلك قال علي: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى. فصرَّح بكيفية الإلحاق. وحاصلها راجعٌ: إلى أنه أقام السُّكر مقامَ القذف؛ لأنه لا يخلو عنه غالباً، فأعطاه حكمه، فكان هذا الحديث من أوضح حجج القائلين بالقياس والاجتهاد؛ إذ هذه القضيةُ نصُّ منهم على ذلك. وهم الملأ الكريم. وقد انتشرت القضيةُ في ذلك الزَّمان، وعُمل عليها في كل مكانٍ، ولم يتعرَّض بالإنكار عليها إنسان، مع تكرار الأعصار، وتباعد الأقطار، فكان ذلك إجماعاً على صحة العمل بالقياس الذي لا ينكره إلا الأغبياء من الناس. وقد أورد بعض من يتعاطى العلم الجدلي على هذا النظر الشديد العَلَوِي أن قال: إنْ حُكم للسُّكر بحكم القذف - لأنه مظنَّته - فليُحْكَم له بحكم الزِّنى والقتل لأنه مظنتهما. وأيضاً: فلأنه يلزم عليه ألا يُحَدَّ على مجرد الشرب، بل على السُّكر خاصةً، لأنَّه هو المظنَّة، لا الشُرب. وقد حدُّوا على شرب الخمر وإن لم يَسْكر. فدلَّ على أن السُّكر ليس معتبراً في الحدِّ، فلا يكون علَّة له، ولا مظنَّة. والجواب عن الأول: منعُ كون السُّكر مظنة للزنى والقتل؛ لأنَّ المظنَّة اسم لما يُظن فيها تحقق المعنى المناسب غالباً. ومن المعلوم: أن السُّكر لا يخلو عن الهذيان والقذف غالباً في عموم الأوقات والأشخاص، وليس كذلك الزنى والقتل؛ فإن ذلك إن وقع فنادرٌ، وغير غالبٍ. والوجود يحققه. والجواب عن الثاني: أن الحدّ على قليل الخمر لمّا هو من باب سدٍّ الذرائع؛ لأنَّ القليل يدعو إلى الكثير، والكثير يُسكر، والسُّكر المظنَّة، كما ٦١٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود قررته الصحابة ؛ فهم الأسوة، وفيهم القدوة. انتهى (١). وقوله: (مَا تَرَوْنَ ... إلخ) ((ما استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء ترون في مقدار جلد الخمر؟ وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا في (صحيح مسلم)) وغيره أن عبد الرحمن بن عوف به هو الذي أشار بهذا، وفي (الموطأ)) وغيره أنه عليّ بن أبي طالب ظُه، وكلاهما صحيح، وأشارا جميعاً، ولعل عبد الرحمن بدأ بهذا القول، فوافقه عليّ وغيره، فُنُسب ذلك في رواية إلى عبد الرحمن ◌ُه؛ لِسَبْقه به، ونَسَبه في رواية إلى عليّ لفضيلته، وكثرة علمه، ورجحانه على عبد الرحمن ظروفه. انتهى(٢). وقوله: (أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا) الضمير للعقوبة التي هي حدّ الخمر. وقوله: (كَأَخَفِّ الْحُدُودِ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: يعني المنصوص عليها في القرآن، وهي: حدّ السرقة بقطع اليد، وحدّ الزنى جلد مائة، وحدّ القذف ثمانين، فاجعلها ثمانين كأخف هذه الحدود، وفي هذا جواز القياس، واستحباب مشاورة القاضي، والمفتي، أصحابه، وحاضري مجلسه في الأحكام. انتهى (٣). والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخْلُ، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً. والباقيان ذكرا قبله. (١) ((المفهم)) ١٣٢/٥ - ١٣٣. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١١ - ٢١٩. ٦١٥ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٨) [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام الدستوائيّ هذه ساقها أبو يعلى تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٣١٢٧) - حدّثنا عبيد الله، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبيّ وَّ ضَرَب على الخمر بالنعال والجريد، وجلد أبو بكر بيده، فلما كان عمر، ودنا الناس من القرى والرِّيف، ذكر ذاك لأصحابه، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد ثمانين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِهَ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيِّدِ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الرِّيفَ وَالْقُرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ) قال النوويّ تَخُّْهُ: أجمع العلماء على حصول حدّ الخمر بالجلد بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب، واختلفوا في جوازه بالسوط، وهما وجهان لأصحابنا، الأصحّ الجواز، وشذّ بعض أصحابنا فشَرَط فيه السوط، وقال: لا يجوز بالثياب والنعال، وهذ غلط فاحشٌ مردود على قائله؛ لمنابذته لهذه الأحاديث الصحيحة، قال أصحابنا: وإذا ضربه بالسوط يكون سوطاً معتدلاً في الحجم بين القضيب والعصا، فإن ضربه بجريدة، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، ويضربه ضرباً بين ضربين، فلا يرفع يده فوق رأسه، ولا يكتفي بالوضع، بل يرفع ذراعه رفعاً معتدلاً. انتهى (٢). (١) ((مسند أبي يعلى)) ٤٣٤/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١١. ٦١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود [تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام الدستوائيّ، هذه ساقها البيهقيّ تَُّ في ((الکبری))، فقال: (١٧٣١١) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو الْحِيريّ، أنبأ الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبيّ وَ ﴿ كان يَضْرِب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وأبو بكر ﴿له ضَرَبَ أربعين، فلمّا وَلي عمر ◌َظُه سئل عن ذلك، فشاورهم عمر، فقال ابن عوف تَخْذُ: أَرَى أن تضربه ثمانين، فضربه ثمانين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٩] (١٧٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الدَّانَاجِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عبد العَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الذَّانَاجُ، حَدَّثَنَا خُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، وَأَنِيَ بِالْوَلِيدِ، قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانٍ، أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ، أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٍّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَّلَّى قَارَّهَا - فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ - فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ بَعُدُّ، حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِْك، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ◌َهـ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرِ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلُّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ). (١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣١٩/٨. ٦١٧ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٩) رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) سعيد، تقدّم قريباً. ٥ - (عَبْدُ اللهِ الدَّانَاجُ)(١) هو ابن فَيْرُوز، ثقةٌ [٥] (خ م د س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٤/١٤. [تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة بضبط القلم ضَبْط قوله: ((الداناج)) في السند الثاني بالجرّ، وهو غلط؛ لأنه صفة لعبد الله بن فيروز، لا لابن عامرٍ، فتنبه . ٦ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادِ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَن أبي عوانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢١٥) (خ م خدت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤١/ ٢٧٢. ٧ - (عبدُ العَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولی حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤. ٨ - (حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ) هو: حُضين - بضاد معجمة، مصغّراً - ابن المنذر بن الحارث بن وَعْلَة الرَّقَاشيّ - بتخفيف القاف، وبالشين المعجمة - أبو ساسان - بسينين مهملتين - وهو لقبٌ، وكنيته أبو محمد البصريّ، كان من أُمراء عليّ ◌َهِ بصفّين، وهو ثقة [٢]. رَوَى عن عثمان، وعليّ، والمهاجر بن قُنفذ، وأبي موسى، ومجاشع بن مسعود. وروى عنه الحسن البصريّ، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن فيروز الداناج، وابنه يحيى بن حُضين، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوق، وقال أبو (١) الداناج بالدال المهملة، والنون، والجيم، ويقال له أيضاً: الدانا، بحذف الجيم، والداناه بالهاء، ومعناه بالفارسية: العالم. انتهى. ((شرح النوويّ)) ٢١٩/١١. ٦١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود أحمد العسكريّ: كان صاحب راية عليّ يوم صِفِّين، ثم ولاه إصطخر، وكان من سادات ربيعة، ولا أعرف حُضيناً بالضاد غيره، وغير من يُنسب إليه من ولده، وكذا ذكره في أمراء صِفِّين: العجليّ، وخليفة، وأبو عبيدة، ويعقوب بن سفيان، وقال خليفة: أدرك سليمان بن عبد الملك، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة (٩٧)، ذكره البخاريّ في ((تاريخه)) الصغير، والأوسط في فصل من مات بعد المائة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله(١). [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين سوى شيوخه، وفيه حُضين أبو ساسان لا يوجد في الرواة من اسمه حُضين بالضاد المعجمة مصغّراً، وكذا من يلقّب أبا ساسان غيره، وقد تقدّم هذا في ((شرح المقدّمة)). شرح الحديث: (وَأَتِيَ بِالْوَلِيدِ) (قَالَ) حُضين بن المنذر (شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ) . بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، والوليد هذا هو: ابن عقبة بن أبي مُعَيط، ظهر عليه أنه شرب الخمر، فكثر على عثمان فيه، فلما شُهد عنده بأنه شربها أقام عليه الحدّ، كما ذُكر، قاله القرطبيّ(٢) . وقال في ((الفتح)): الوليد هو: ابن عقبة بن أبي مُعَيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان أخا عثمان رَبّ لأمه، وكان عثمان وَلّاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، فإن عثمان كان ولاه الكوفة لَمّا وَلِي الخلافة بوصية من عمر رَظُه، ثم عزله بالوليد، وذلك سنة خمس وعشرين، وكان سبب ذلك أن سعداً كان أميرها، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاقتَرَض سعد (١) ذُكر في الباب قبله: إسحاق بن راهويه، وعليّ بن أبي طالب (٢) ((المفهم)) ١٣٣/٥. ٠ ٦١٩ (٩) - بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ - حديث رقم (٤٤٤٩) منه مالاً، فجاءه يتقاضاه، فاختصما، فبلغ عثمان، فغضب عليهما، وعزل سعداً، واستَحْضَر الوليد، وكان عاملاً بالجزيرة على عُسر بها، فولاه الكوفة، وذكر ذلك الطبريّ في ((تاريخه)). انتهى(١). (قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنٍ) هكذا رواية مسلم، وذكر ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) من نفس طريق عبد العزيز بن المختار أنه صلّى أربعاً، ولكنه لم يذكر الرواة قبل عبد العزيز، والصحيح المعروف ما ((صحيح مسلم)) أنه صلى ركعتين، (ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ)؛ أي: لكونه سكران، (فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانٍ، أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان، مولى عثمان بن عفّان نظ﴿له، اشتراه زمن أبي بكر الصديق ظُبه، وكان ثقةً، ومات سنة (٧٥) وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤. (أَنَّهُ)؛ أي: الوليد (شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ) قال في ((الفتح)): الشاهد الآخر الذي لم يُسَمّ في هذه الرواية قيل: هو الصعب بن جَثَّامة الصحابيّ المشهور نظافته، رواه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))، وعند الطبريّ من طريق سيف في ((الفتوح)) أن الذي شَهِد عليه ولد الصعب، واسمه جَثّامة كاسم جده، وفي رواية أخرى: أن ممن شهد عليه أبا زينب بن عوف الأسديّ، وأبا مورع الأسديّ، وكذلك رَوَى عُمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) بإسناد حسن إلى أبي الضُّحَى، وقال: لَمّا بلغ عثمان قصة الوليد استشار عليّاً، فقال: أرى أن تستحضره، فإن شهدوا عليه بمحضر منه حَدَدْته، ففعل، فشَهِد عليه أبو زينب، وأبو مورع، وجندب بن زهير الأزديّ، وسعد بن مالك الأشعريّ، فذكر نحو رواية أبي ساسان، وفيه: ((فضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك))، وأخرج من طريق الشعبيّ قال: قال الْحُطيئة في ذلك [من الكامل]: أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَأَزِيدُكُمْ سَفَهاً وَمَا يَدْرِي نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمُ لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَثْرِ فَأَتَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ (١) ((الفتح)) ٣٩٥/٨ - ٣٩٦، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٩٣). ٦٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وذكر المسعوديّ في ((المروج)) أن عثمان قال للذين شهدوا: وما يدريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا نشربها في الجاهلية، وذكر الطبريّ(١) أن الوليد وَلِيَ الكوفة خمس سنين، قالوا: وكان جواداً، فولى عثمان بعده سعيد بن العاص، فسار فيهم سِيرة عادلة، فكان بعض الموالي يقول [من مشطور الرجز]: وَجَاءَنَا مُجَوِّعاً سَعِيدُ يَا وَيْلَنَا قَدْ عُزِلَ الْوَلِيدُ يَنْقُصُ فِي الصَّاعِ وَلَا يَزِيدُ فَجُوِّعَ الإِمَاءُ وَالْعَبِيدُ(٢) (أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَانُ) . (إِنَّهُ)؛ أي: إن الوليد، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير للشأن، (لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا) هذا بيان صريح في كون عثمان ◌َُّه جلد الوليد لثبوت شرب الخمر منه، وهو الذي يدلّ عليه سياق القصّة هنا في مسلم، ومما يُتعجّب منه أن بعض شراح مسلم(٣) نفى أن تكون رواية مسلم هذه تدلّ على هذا، ثم دافع عن الوليد بما ذكره الطبريّ في ((تاريخه)) بسند ضعيف، من أنه لم يثبت عليه شرب الخمر أصلاً، وإنما هؤلاء الذين شهدوا عليه عند عثمان رظه كلهم شهود زور، ثم أجاب عن ضعف الإسناد عند الطبريّ بجواب عجيب لم يُسمع مثله عن أحد ممن يعتني بالحديث، ولا سيّما بشرح ((صحيح مسلم))، وهو أن الراوي الضعيف، لا يكذب، ولا يُخطىء دائماً إلى آخر ما قاله. سبحان الله، هل يضعّف ما دلّ عليه ((صحيح مسلم)) بمثل هذه التّهات؟ فإنا لله، وإنا إليه راجعون. وقال القرطبيّ تَخْذّثُهُ: قوله: ((فشهد حمران ... إلخ)) فيه من الفقه تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد، فإن أحدهما شَهِد برؤية الشرب، والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها، غير أنَّه قد ذكر الْحُمَيْدِيّ محمد بن أبي نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود: بأن قُدامة شرب الخمر، ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال: علام تشهد؟ قال: لم أره حين شرب! وقد رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطَّعتَ يا أبا هريرة في (١) راجع: ((تاريخ الطبريّ)) ٣٣٠/٣ - ٣٣١. (٢) ((الفتح)) ٣٩٨/٨ - ٣٩٩، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٩٦). (٣) هو صاحب ((تكملة فتح الملهم)). راجع ما كتبه في ٢/ ٥٠٠ - ٥٠٢.